بقلم: سعاد خليل - ليبيا
قد نجد تجليات الأسطورة الواحدة لدى معظم الشعوب، لكن كل شعب صاغها وفق خصوصيته المحلية وإن اختلفت هذه الصياغات في التفاصيل إلا أنها تتشابه في أوجه أخرى كالمصدر، لأنها تتناول الإنسان وإن اختلفت بيئته وطبيعته وخصوصيته، لقد مرت جميع الأمم بمرحلة الأساطير وسجلت آلامها وأحلامها ونضالاتها ومقاومتها ضد الطبيعة من أجل البقاء والاستمرار في الحياة، فصورت من خلالها عواطفها وأحاسيسها وقوتها وضعفها وتمردها وخضوعها وحبها وكراهيتها كي يرافع هذا البدائي عن الواقع الطبيعي ويتخلص من علاقته المباشرة معها .لقد مر المسرح بتجارب في تناول مسرحياته للأساطير .
حضور الأسطورة في المسرح : إن الأسطورة حظيت في الحضارة الغربية وفي المنجز الأدبي بمكانة بارزة فهي دعامة فكرية يستند إليها الدارسون عند البحث في شتى فروع المعرفة من علوم وآداب وفنون وأديان .. ونستشف من ذلك بل نستدل عليه بما نجده من اهتمام بالغ ، يوليه الباحثون للأسطورة واتخاذها نقطة انطلاق يرتكز عليها في السير نحو الكشف عن مكونات الكون . ومن منا لم يستمع عن أساطير اليونان والرومان التي بهرت عقول الأجيال على مختلف الأزمنة وفي مختلف الأمكنة . (في كتاب جوزيف فرانك ، الأسطورة والنظريات الميثولوجيا في الغرب ، ص9 ـ 25) . تحدث (فرانك) عن الأسطورة والنظريات الميثولوجية في الغرب قائلاً: ليس هناك من تعريف مرضٍ واحد للأسطورة نظراً لكون الأساطير تخدم أغراضاً مختلفة كثيرة . وكان الغرض الأول تفسير ما هو غير قابل للتفسير . فمنذ بداية وجود الجنس البشري عملت الأساطير لتكون تبريرات لغوامض الحياة الأساسية أسئلة مثل : من صنع العالم ؟ كيف سنتهي ؟ من أين جئنا ؟ من كان أول إنسان؟ ، ما الذي يحدث حين نموت؟ لماذا تنتقل الشمس عبر السماء كل يوم؟ لماذا يكبر القمر ويتضاءل ؟ وغيرها من الاسئلة وفي ضوء ما تقدم نشير إلى حاجتنا إلى الأسطورة ، وهكذا فإن الحاجة إلى الأسطورة حاجة عالمية أو شاملة وبمرور الزمن ، ستصبح رواية واحدة لأسطورة من الأساطير ، المعيار المقبول الذي انحدر إلى الأجيال اللاحقة ، أولاً من خلال القص، ومن ثم فيما بعد كثيراً وضع ذلك في شكل مكتوب ، وكان من المحتم أن تصبح الأساطير جزءاً من أنظمة الدين ودمجت بالشعائر والاحتفالات الدينية التي كانت تتضمن الموسيقى والرقص والسحر . والوظيفة الثانية للأسطورة هي تبرير نظام اجتماعي قائم وتفسير طقوسه وتقاليده وإحدى القواعد الثابتة للميثالوجيا أو علم الأساطير كان كل ما يحدث بين الآلهة يعكس الأحداث على الأرض . وبهذه الطريقة فإن أحداثاً مثل الغزوات والتغيرات الاجتماعية الأساسية أصبحت مدمجة في الأساطير . ونستطيع أن نسلط الضوء على إشكالية الأسطورة والأدب وعن تأثيرها منذ زمن بعيد ، وقد استخدمت الأسطورة لإغناء الأدب منذ زمن اسخيلوس واستعملها بعض الشعراء الإنكليز الكبار امثال (ملتون شلي ، كيتس. وأنشأت بعض الشخصيات الأدبية الكبيرة مثل (وليام بليك) و (جميس جويس) و(فرانز كافكا) (و. ب. ييتس) و. (اليوت) و (والاس) عن وعي أساطير شخصية مستعملين في ذلك المواد القديمة ورموز منشأة على نحو جديد . أن الباحث في إشكالية الأساطير يلاحظ بأن ليست هناك أية أسطورة عالمية محددة ، بل الموجود أن هناك مجموعة من الأساطير وثقافات متعددة لعصور متنوعة . فبعض الثقافات لديها أساطير عن خلق العالم . وتحدث (فرانك) عن سعة وانتشار الأسطورة قائلاً : عند ما ننقب عميقاً في أصول الدين والأدب والفن والفلسفة نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع الأسطورة فقد حملت كل التصورات الايديولوجية والتأملية طابعاً ميثولوجياً في أبعد مراحل تطورها السحيقة . وبوصفها وحده توفيقية منتشرة ، فقد سبقت الأسطورة منطقياً وتاريخياً أكثر الأشكال تطوراً في الدين والخلق الفني الواعي والنظريات الفلسفية والتصنيفات العلمية ويبدو أن الوعي الميثولوجي قد تمثل منذ البداية في الفلسفات اليونانية والهندية القديمة التي استحدثت في الوقت نفسه الكثير من أدواتها الرمزية من التخيلات الأسطورية . قلنا أن الوعي الميثولوجي قد تمثل منذ البداية في الفلسفات ذلك أنه قد اكتشف في الفلسفة موقفاً إيجابياً جديداً نحو الأسطورة وهو الذي عبر عنه بشكل حيوي الفيلسوف الحدسي (بيرجسون) الذي ينظر إلى الميثولوجيا رد فعل دفاعي ضد قوة العقل التدميرية . ونتوقف قليلاً لنلاحظ الارتباط بين التحليل السيكولوجي فنقول : أن الأسطورة المرتبطة عادة بالتحليل السيكولوجي كانت مصدراً قوياً للإيحاء الشعوري واللا شعوري بالنسبة للكتاب المحدثين مثل د. هـ. لورنس ، وب ييتس ، ج. جويس ، ت. س . اليوت .. كافكا ، وقد طورت اتجاهات الشعر الميثولوجي في أدب القرن العشرين آراء العودة السرمدية ، الدورة الزمنية . فالعالم الإنساني يُصوَّر بكونه من الناحية التاريخية والسيكولوجية . ولا نبتعد كثيرا فان الغوص في طرح او دراسة الأساطير طويل وعميق وله ناسه المختصين في البحث والدراسة ولا نريد ان ننحرف عن موضوعنا الأساسي الا وهو المسرح. ان المسرح باعتباره خلقا جماليا ينبع من تجربة جمالية ويلعب أحيانا دور التجربة الحيوية للحياة الاجتماعية ، حيث بعض الأعمال المسرحية تستطيع ان تسمو إلي مستوي تجارب علاجية في متناول المجتمع ، حيث تمكن من التسامي عن الغرائز ومن الكشف عن الإمكانات والطاقات المجهولة او غير المعترف بها . فان الأسطورة هي المنبع الخصب لأغلب كتاب المسرح في مختلف العصور وحتى العصر الحديث. وإذا كانت الأسطورة قد ارتبطت منذ ظهورها بالخلق وبالنشأة الأولى وبالنموذج، وهي تأسيسا على ذلك تشرع لنا نافذة على "أصل الأشياء"... فإنّ ذلك لا يُلزم الكاتب المسرحي بنقلها نقلا حرفيا، إذ الهدف الأسمى من عملية الاستلهام هاته، هو استحضار جوهر الأسطورة والحَمولة التاريخية للشخوص والأماكن والأحداث المتّصلة بها. "إنّ استلهام الأسطورة في المسرح يكشفُ عن حقيقة مهمة، وهي أنّ مشاكل لإنسان الجوهرية هي نفسها. لقد كان الأدب على صلة وثيقة بالأسطورة ، ولما كانت الأسطورة قديمة النفاذ إلى الأدب نشأ منهج نقدي دُعي المنهج الأسطوري يعالج ما في الأدب من شظايا الأسطورة ، ومما يذهب إليه هذا المنهج أن الأسطورة ليست مجرد رافد مساهم ، بل هي الرحم التي يخرج منها الأدب لقد كان نورثروب فراي من أوائل النقاد الذين سعوا إلى تأسيس المنهج الأسطوري ، وقد بسط ذلك في كتابه (تشريح النقد) ومما يعزز هذا المنهج أنه يستكشف النماذج البدائية التي ما تنفك تتكرر في الأدب لأنها على ما يذهب إليه يونج ، مستقرة في اللاوعي الجماعي الذي تكون لدى الإنسان القديم في عصر ما قبل الحضارة ، ثم شرع ينتقل في الأذهان من عصر إلى عصر ، ولعل سر الأعمال الأدبية الخالدة يرجع إلى أنها تستعيد تلك النماذج على نحو ما . إن الأسطورة رسالة الإنسان القديم إلى الإنسان المعاصر ، وكل حضارة تقرأ الأسطورة بما يتاح لها من وسائل القراءة. والمسرح هو أيضاً وسيلة تعبير إنسانية، جعل من الأسطورة موضوعاً له لتجسيد واقع حدث منذ زمن أو محتمل الحدوث (ضمن مقتضى الرجحان والضرورة كما كان أرسطو يرى ذلك)، لذلك فلا ضير أن نبحث في أصداء الأساطير عن الفعل المسرحي اليومي لتتحول الأسطورة إلى إنتاج ثقافي ومعرفي يرصد مرحلة معينة من الفكر البشري ويسلط الضوء عليها. هنا لابد أن نطرح سؤالاً، إلى أي حد يمكن اعتبار الأسطورة سجلاً ليس للأحداث التاريخية فحسب بل سجلاً للثقافة والمعرفة الإنسانية في طورها البدائي، أو هي تصوير أعلى لهذه الثقافة والمعرفة في لحظاتها المشرقة، وبالتالي فالأسطورة والملحمة والخرافة والحكاية هي الشكل القصصي النابع عن الشعور الإنساني وإدراكه بأشكال متعددة ومختلفة أحياناً. من الطبيعي أن المسرح يتطلب درجة معينة من النضج الثقافي والاجتماعي والسياسي والفكري والفني، وهذا يكون من خلال الحديث عن الأنساق الشعرية والشعائرية كالدين والسحر وما يتصل بهما من أساطير وحكايات وملاحم مرتبط بالخيال بهدف إعادة إنتاج هذه المعرفة في سياق تاريخي محدد، وهنا تماماً يزول الفارق بين الحقيقة والخيال، وتبدأ ملامح النشاط المسرحي بالظهور من خلال أجساد تقلد (تحاكي) الحدث البدائي على أنه مجرد ممارسات وطقوس لها طابع فني فضلاً عن الطابع الديني. فلم يكن المسرح يوماً محصناً ضد الأسطورة أو رافضاً لها، بل كانت الأسطورة مجاله الأوسع لتوظيفها وعصرنتها في نصوص مسرحية وعروض تجسد على الخشبات منذ أول عرض عند اليونان وحتى هذه اللحظة، حتى غدا هذا النمط اتجاهاً يشق طريقه بين الأنواع المسرحية، ونتج عن ذلك وفي أبسط صوره كوسيلة وأداة مواجهة بين الإنسان وقوى الطبيعة الخارقة التي يصعب فهمها وتفسيرها في محاولة للسيطرة ارتبط المسرح الإغريقي بأساطير ديونيسيوس ذات الطابع الديني، فاستخدم لغة سامية ومكثفة ذات طبيعة دلالية تقترب من لغة الأسطورة والملحمة التي كانت ذات طابع تصويري وتجسيدي، أي بمعنى إظهار الجانب المرئي/ البصري انسجاماً مع المضمون الفكري، وتطورت هذه اللغة واتخذت أشكالاً حياتية أقرب إلى الواقع اليومي للإنسان. وحاول معظم كتاب المسرح الاستفادة من هذه الأساطير في تجسيد رؤيتهم الفنية من خلال الواقع المعاش، بل راح بعضهم إلى أبعد من ذلك، فاستمدوا عناوين مسرحياتهم من الشخصيات الأسطورية مثل «ميديا» و«انتيغون» التي تناولها الكثير من الكتاب بصياغات تناسب مجتمعاتهم، و«أوديب ملكاً» و«هرقل»، والقائمة تطول، لكن الشكل الآخر من استخدام الأسطورة في الكتابة المسرحية كان ضامراً، مخفياً خلف طبيعة الشخصيات بطريقة إيحائية، كما كان تشيخوف يستخدمها في معظم أعماله ليست بمواقف نمطية عليا، بل بمثابة أساليب وخدع مسرحية لإضافة معان عديدة المستويات إلى معانيها القديمة من مفارقة وسخرية وأحاسيس وعواطف..إن النصوص التي وظفت الأسطورة كمنطلق لها ونفخت فيها الروح لتعيد الإنسان إلى جذوره البدائية هي النصوص التي أغنت خيال المخرجين فيما بعد، فنرى مثلاً صياغات عديدة لملحمة جلجامش في العروض والنصوص كونها متعددة الدلالات، تعيد الإنسان إلى الطبيعة الألوهية والإنسانية والحيوانية، وهذه العناصر متحدة في الطبيعة اتحاداً مطلقاً مع الكائن البشري الأول، فجلجامش هو إله وإنسان وحيوان. في الوقت نفسه.قد نجد تجليات الأسطورة الواحدة لدى معظم الشعوب، لكن كل شعب صاغها وفق خصوصيته المحلية وإن اختلفت هذه الصياغات في التفاصيل إلا أنها تتشابه في أوجه أخرى كالمصدر، لأنها تتناول الإنسان وإن اختلفت بيئته وطبيعته وخصوصيته، لقد مرت جميع الأمم بمرحلة الأساطير وسجلت آلامها وأحلامها ونضالاتها ومقاومتها ضد الطبيعة من أجل البقاء والاستمرار في الحياة، فصورت من خلالها عواطفها وأحاسيسها وقوتها وضعفها وتمردها وخضوعها وحبها وكراهيتها كي يرافع هذا البدائي عن الواقع الطبيعي ويتخلص من علاقته المباشرة معها .لقد مر المسرح بتجارب في تناول مسرحياته للأساطير . مسألة استلهام الأسطورة في المسرح العربي، وتتخذ من مسرحية "إيزيس"لتوفيق الحكيم نموذجا تطبيقيا؛ فهي إذن تجمع بين جانب نظري يتمثل في التعريف بالأسطورة والكشف عن طبيعة العلاقة التي تربطها بالفنّ المسرحي من جهة، وتحديد الغايات الفنية والثقافية لاستلهام الأسطورة في الفن المسرحي من جهة ثانية. وجانب تطبيقي يعمل المؤلّف من خلاله، على رصد أشكال استحضار وتوظيف أسطورة إيزيس وأوزوريس في عمل الحكيم من جهة، كما يجعله مجالا لتثمين بعض الآراء التي أدلى بها نقاد سابقون خلال دراستهم للمسرحية. لقد ظلت الأسطورة كما يشير الدكتور يونس لويدي في كتابه المسرح والمدينة – هي المنبع الخصب لأغلب كتاب المسرح في مختلف العصور وحتي العصر الحديث واذا كانت الاسطورة قد ارتبطت منذ ظهورها بالخلق وبالنشأة الأولي وبالنموذج وهي تأسيسا علي ذلك تشرع لنا نافذة علي اصل الأشياء فان ذلك لا يلزم الكاتب المسرحي بنقلها نقلا حرفيا اذ الهدف الاسمي من عملية الاستلهام هذه هو استحضار جوهر الأسطورة والخمولة التاريخية للشخوص والأماكن والأحداث المتصلة بها ، ان استلهام الأسطورة في المسرح يكشف عن حقيقة مهمة وهي ان مشاكل الإنسان الجوهرية هي نفسهالا تتغير بتغير الزمان والمكان . إنّ الهاجس الذي يوجّه مواقف المؤلّف من مسرحية "إيزيس"، هو مدى نجاح الحكيم في تطويع أحداث الأسطورة لخدمة القضايا المعاصرة، وفي مقدّمتها قضية الشعب، خاصة وأن أسطورةإيزيس وأوزوريس هي أكثر الأساطير المصرية تغلغُلاً في وجدان الشعب، لمعالجتها مواضيع ذات صلة مباشرة بحياة الناس مثل الظلم الاجتماعي والاستعباد. ومن خلال الدراسة نجد ان المسرحية من خلال مزجها بين المتخيل والواقع قد ارتبطت بالواقع ، حيث ان الحكيم وظف شخوص الأسطورة بسمات بشرية كما انه بني بصراعه علي الصراع الإنساني الذي لا يعتمد علي معجزات أو خوارق لتصعيده وبذلك نما الحدث نمو طبيعيا وواقعيا انطلاقا من توظيف الواقع بكل متناقضاته وصراعاته ومتطلباته . وهكذا يلاحظ الدكتور لوليدي في ختام هذه الدّراسة أن "المسرحية من خلال مزجها بين المُتخيّل والواقع قد ارتبطت بالواقع، حيث إنّ الحكيم وظّف شخوص الأسطورة، بسمات بشرية، كما أنّه بنى صراعهُ على الصراع الإنساني الذي لا يعتمد على معجزات أو خوارق لتصعيده. وبذلك نما الحدث نموا طبيعيا وواقعيا انطلاقا من توظيف الواقع بكلّ متناقضاته وصراعاته ومتطلباته اذا تجاوزنا تعريف الأسطورة بمدلولاتها الاجتماعية والأخلاقية والفلسفية وانطلقنا من البعد المعرفي لها،فنجد أنها وسيلة تعبير تتضمن المثل العليا في نمطيتها وتعدديتها التي تكون أشبه بالوظائف تتخذ وسائل عليها .. ابتعد الإنسان عن الفكر الأسطوري لأنه استطاع أن يفهم تلك الظواهر التي كانت تحيره، وقد نلمح الأسطورة أو تجلياتها بشكل واضح في نتاجات سارتر في مسرحية «الذباب»، وأسطورة «أورفيوس» في نتاج جان كوكتو وأسطورة «سيزيف» في ألبير كامو و«الأوديسة الجديدة» في كتابات كازانزاكي و«أوديب» لدى أندريه جيد، ولاتقتصر الأسطورة على الشكل الفلسفي أو المسرحي بل تدخل في بناء نظرية فرويد ويونغ النفسية وظهر إثرها النقد الأسطوري في السبعينيات. إن علاقة الكاتب المسرحي بالأسطورة خارج الرواية التاريخية هي علاقة جدلية تخضع لظروف الزمان والمكان في البيئة التي يعيش فيها، واستقراء الواقع العربي الراهن فنياً وأيديولوجياً واجتماعياً من خلال المعالجة الدرامية لها، وهنا يبرز حق تصرف الكاتب الذي يعالج موضوعاً مستوحى من التراث أو الأسطورة لصالح الواقع وتجاوز المروي والمحفوظ في الذاكرة الجمعية ومنحه الأبعاد والإيحاءات والدلالات وفق رؤيته معبراً عن وجهة نظره الإيديولوجية ورؤيته الجمالية، فانعكس هذا الحق في التوظيف على طرق السرد، وبالتالي على البناء الدرامي للشخصيات، وخاصة الأبطال فمثلاً عند سعد الله ونوس في مسرحية «الفيل يا ملك الزمان»، وعند ألفريد فرج في «الزير سالم» وعند رياض عصمت في «هل كان العشاء دسماً أيتها الأخت العزيزة؟»، واستلهم الكتاب العرب تطويع أسطورة «أوديب ملكاً» لمتطلبات الواقع الاجتماعي والسياسي وفق رؤيا القرن العشرين فكتب توفيق الحكيم مسرحية «أوديب» و«أهل الكهف» وعلي أحمد باكثير «الملك أوديب» وسمير سرحان مسرحية «عودة الغائب» يحاكي فيها أسطورة أوديب أيضاً ووليد إخلاصي مسرحية «أوديب ومأساة العصر»، وربما كانت أسطورة «بيغماليون» التي أوحت توفيق الحكيم بكتابة مسرحيته «بيغماليون» وكذلك قصيدة عمر أبو ريشة «الوجه والمثال» وهكذا اغرت الأسطورة خيال خليل هنداوي في مسرحية «سارق النار»، واستلهم علي عقلة عرسان موضوع مسرحيته «رضا قيصر» من أحداث يوليوس قيصر ليحاكي الأحداث العربية من خلالها، فقد أعاد هؤلاء الكتاب إنتاج الأساطير الحديثة بما يتناسب وواقعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.. إن الصورة الأسطورية في الأدب والفن هي نتاج الخيال، لكنها ليست مجرد وهم، فلا محال أن الفكر الأسطوري هو فكر خارق وقد نجد أثاره في الواقع، وعندما نستلهمه نستلهم منه الشجاعة والقوة لتجاوز عالم الإحباط الذي نعيشه، لذلك فتوظيف الأسطورة في المسرح العربي كان يرافقها انكسارات واحباطات في بنية المجتمع العربي كونها توظيف نسبي ينبع من منتوج فكري وثقافي وفني.تيات ومرئيااستفت يرى الكاتب الكبير العربي أدونيس في معظم كتاباته، ولاسيما في كتابه: " الثابت والمتحول"، أن التعامل الحقيقي مع التراث العربي الإسلامي ينبغي أن يقوم على خلخلة هذا التراث وغربلته غربلة جيدة على ضوء مناهج حديثة ومعاصرة، وذلك عن طريق قراءة واعية ومتعمقة قائمة على التفكيك والتركيب، والبحث عن نقط التحول والتغير والمغامرة الحداثية في هذا الموروث الإنساني، مع إبعاد كل ما يمت بصلة إلى الدين والمقدس والثابت القيمي والأخلاقي. ويعني هذا أن أدونيس يدعو إلى قراءة للتراث قائمة على التثوير والتغيير والتطوير. وإن كانت هذه القراءة الحداثية غير موضوعية إلى حد ما، لكونها خاضعة لمشرح التغريب والاستلاب والهدم، وتنطلق من مرجعية تفكيكية أجنبية لا تعترف بالدين والقيم والأخلاق والأعراف. انطلق أدونيس منذ بداياته ليواصل حفر سواقي الغموض، وينقب في الأساطير، بحثاً عن فكر جديد، وولادة جديدة، مما شدَّ إليه، وإلى شعْره، القراء الذين يلذ لهم الغموض، الذي يستثيرُ الفكر، ويعصف بالذهن، وينشّط الخيال، ويخلخل المألوف، ليعرّيَهُ من ماضيه، ويكسوه ثوب اللازمن. اذا فان توظيف الأسطورة في المسرح كان حاضرا منذ القدم وخصوصا في المسرح العربي . وفي الختام : فان توظيف الأسطورة في المسرح مهما جدا كما وظفت الأسطورة في الشعر العربي المعاصر حيث كانت تشكل نظاما خاصا في بنية الخطاب الشعري المعاصر .فنحن حين نستحضر الأسطورة فاننا نستحضر التاريخ والمثيولوجيا والخرافة والحكاية الشعبية إن الأسطورة تتعلق بمعتقدات الشعوب وروحانياتها وتقاليدها تفعل فعلها في حياتنا المعاصرة فهي مزيج من كل ما ذكرت الأسطورة ، رؤية متنامية متشعبة في بنية الزمان التاريخي ، والمكان الانترجرافي وأحيانا تصبح تاريخا ،وكل أسطورة تروي تاريخا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق