الجمعة، 26 يونيو 2026

الروح أم النفس؟

كلما تأملت الإنسان، ازددت يقينًا بأن أعظم معاركه ليست تلك التي يخوضها مع العالم، وإنما تلك التي تدور في أعماقه دون أن يسمع لها أحد صوتًا. فنحن لا نعيش داخل جسد واحد فحسب، بل داخل مملكة كاملة تتجاور فيها قوى متعددة، لكل منها لغتها، ولكل منها رغبتها، ولكل منها تصورها لمعنى الحياة. ومن هنا جاء سؤالي الدائم: من الذي يقود الإنسان حقًا؟ أهي النفس؟ أم الروح؟
في يقيني، ليست النفس والروح شيئًا واحدًا كما يتصور كثيرون، بل هما حقيقتان مختلفتان في الوظيفة وإن كانتا تلتقيان في الكيان الإنساني. فالنفس هي موطن الاشتهاء، أما الروح فهي موطن الاحتواء. النفس تريد أن تمتلك، أما الروح فتريد أن تفهم. النفس تجمع، أما الروح فتمنح. النفس تسأل دائمًا: ماذا أريد؟ بينما تسأل الروح: من أنا؟

الجمعة، 2 يناير 2026

الأنس لا علاقة له بالحس ( 1 )

الأُنس .. فكرة مبهمة .. غير معروفة .. يتبناها العقل الباطن بسبب فكرة أخرى معروفة في ( اللاوعي ) وهي ( الإحتياج ) .. والإحتياج الإنساني .. البشري .. الفطري .. ليس في تقاسم السعادة .. الفرح .. الحلم .. وإنما الإحتياج دوماً مايكون لتقاسم ( الحزن ) .. تقاسم ( الخوف ) .. تقاسم ( الوحدة ) .. فطرة الإنسان لا تتحمل وحدها الغربة ولا الإنعزال .. ولا الفردانية .. وهنا كان خلق تماثل آدم ليأنس آدم بمن يماثله في النفس فيستشعر الحضور .. والأنس لا علاقة له بحس الجسد .. فآدم وحواء لم يعرفا حس الجسد إلا بعد خروجهما من الجنة .. كان انسهما ببعضهما البعض بلا جنس ولا حس جسدي زمنا طويلاً لا يعلمه إلا ( الله ) .. ولو أراد الله أن يبقي على تهميش الجسد وتفعيل دور النفس فقط .. لكان جعل إعمار الأرض بنفس ( الميكانيكية ) التي خلق بها حواء من نفس آدم الوحيدة دون اللجوء ( للجنس ) ولكن حتى ترتبط النفس بمسئولية خلقها وفطرتها تجاه الجسد كان لا بد أن يكون للجسد دوره الوظيفي في أن يتكامل ( الزوج ) جسدياً ليتم بث الخلق ( منهما ) رجال كثير ونساء وإلا .. لا قيمة للجسد من أصله .. خلاصة القول .. أن الأنس لا علاقة له بالحس .. بالجسد .. بالظاهر الفاني .. وإنما علاقته الوحيدة بالنفس .. ذات الاحتياج النفسي لنفس آدم للأنس فخلق الله له حواء بنفس احتياج الأنس المتبادل من حواء لآدم .. نحن نرث نفس احتياج انس ( أدم وحواء ) النفسي .. لنتقاسم سوياً .. الحزن .. الخوف .. الوحدة .. فتسكن نفس كل منا مع نفس الأخر .. حتى نستشعر كأنه الوجود أو كأنها .. جنة الخلد !!

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

حين يفتح الكونُ بابه الموارب … رحلة في ليل المادة والطاقة والوجود

في البدء لم يكن الكونُ شيئًا يُرى … كان همسًا في فراغٍ لا يعرف اسمه، وكان سرًّا يبحث عمّن يفكّ ختمه. ومن ذلك الهمس تشكّلت العوالم، لا بوحيٍ من ضوءٍ ظاهر، بل بارتعاشةٍ خفيّة في قلب العدم—كأن الوجود نفسه قام يصلي أول ركعة له. نحن لسنا أبناء النجوم فقط؛ نحن أبناء سؤالٍ قديم، سؤالٍ يطرق جدران الروح كلما حاول العقل أن يستريح. نسير في هذا الكون كما يسير درويشٌ في ساحة الليل، لا يطلب الوصول بقدر ما يطلب انكشاف الحجاب، ولا يقصد الحقيقة بقدر ما يقصد مذاقها. وهكذا… قبل أن نفتح باب العلم، نطأ العتبة التي يتجاور فيها الغموضُ مع الشوق، ويتقاطع فيها العقلُ مع الدهشة الأولى. فالكون ليس معادلةً نحلّها، بل حضرةٌ ندخلها؛ وكل معرفةٍ فيه ليست اكتشافًا… بل كشفًا.

الاثنين، 13 أكتوبر 2025

نجيب محفوظ في ذكرى وفاته بين الحارة والوجود

 

١ ـ مدخل: السيرة الذاتية كما كتبها نجيب كطريق صوفي
لم يكتب نجيب محفوظ سيرته الذاتية كمجرد سردٍ للوقائع، بل كتبها كرحلة وجودية تحمل في طياتها أسرار النفس والزمن. ففيها لا نقرأ حياة فرد فحسب، بل نقرأ نصًّا مفتوحًا على الروح المصرية، نصًا يُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الماضي والحاضر، بين القدر والحرية. واللافت أن هذه السيرة، برغم واقعيتها وتوثيقها، تنفتح دومًا على أفق صوفي عميق: فكل محطة فيها تبدو وكأنها مقام من مقامات السالكين، وكل منعطف يشفّ عن معنى يتجاوز الظاهر إلى الباطن.
إنها ليست حياة أديب عادي، بل حياة من كتب كي يحرّر النص العربي من أسر التقريرية، وينقله إلى فضاء الرمزية الفلسفية. محفوظ في ذاته أشبه بوليٍّ أدبي، تجرّع من معين التجربة الشعبية ثم صاغها بلغة تتصل بالوجود الإنساني بأسره.
٢ ـ الحارة: من المكان إلى الكون
لا يمكن قراءة محفوظ دون فهم مركزية الحارة. الحارة ليست مجرد فضاء اجتماعي ضيق، بل هي كيان كوني يختصر العالم. فيها يولد الإنسان، ويتعلم لغة الجماعة، ويواجه الفتوة، ويصغي إلى المجذوب، ويختبر حدود السلطة والحرية.
في الحارة تلتقي الأصوات كلها: المآذن، الباعة، المظاهرات، الأذكار، الأغاني. هي صورة مصغرة للعالم، لكنها أيضًا صورة رمزية للقدر. لم يكن غريبًا أن تتحول الحارة عند محفوظ إلى مسرح الوجود: منها خرجت ثلاثيته العظيمة، وفيها صاغ "زقاق المدق"، ومن رحمها وُلدت "الحرافيش".
والحارة هنا تتجاوز الواقعية إلى البعد الصوفي: فهي أشبه بخلوة واسعة يدخلها القارئ ليرى انعكاسات نفسه. ما يحدث في الزقاق أو الميدان ليس شأنًا اجتماعيًا فقط، بل هو إشعار بأن الوجود نفسه يتحرك في دوائر ضيقة، وأن كل إنسان محكومٌ بمكان يولد فيه، ثم يسعى طوال حياته ليتحرر منه أو ليعود إليه.
٣ ـ الأم: ذاكرة الروح
الأم عند محفوظ لم تكن مجرد امرأة أمية، بل ذاكرة سرية للروح الشعبية المصرية. كانت تزور مقام الحسين كما تزور دير مارجرجس، وتقول: "كلهم بركة". هذه العبارة البسيطة تلخص فلسفة التسامح العميق الذي صاغ روح محفوظ.
الأم التي لم تدخل السينما سوى مرة واحدة، ولم تعرف القراءة والكتابة، حملت في داخلها خزانًا من الحكمة الشعبية. حبها للأضرحة وللمتحف المصري، زياراتها للمومياوات والكنائس، كلها تؤشر إلى وعي متجاوز للحدود الضيقة. إنها لم ترَ التناقض بين الإسلام والمسيحية والفرعونية، بل رأت الكل في وحدة روحية عظمى. وهنا بالضبط تكمن الروح الصوفية التي طبعت حياة ابنها: القدرة على الجمع بين الأضداد، ورؤية الوحدة في التعدد.
٤ ـ الأب: الحرية على لحن المنيلاوي
أما الأب فقد منح محفوظ درسًا آخر: أن الحرية ليست شعارًا سياسيًا فقط، بل هي أسلوب حياة. كان وفديًا، عاشقًا لسعد زغلول، وفي الوقت نفسه محبًا للموسيقى القديمة: المنيلاوي وصالح عبد الحي. لم يكن مستبدًا في بيته، بل مارس الديمقراطية النادرة في ذلك العصر، حتى حين اختلف مع ابنه حول دراسة الفلسفة.
ومن هنا نفهم أن الحرية عند محفوظ لم تولد فجأة، بل رُسخت في بيته الأول: في سماع الأغاني، في حب السياسة، في الحوارات العائلية. لقد ورث عن أبيه إيمانًا بالحرية، وعن أمه عشقًا للتسامح، فصار الاثنان معًا سرًا من أسرار أدبه.
٥ ـ من الجمالية إلى العباسية: الانتقال من الأسطورة إلى الحداثة
الانتقال من حي الحسين إلى العباسية لم يكن مجرد تغيير جغرافي. كان تحولًا رمزيًا: من فضاء الأسطورة الشعبية إلى فضاء الحداثة الناشئة. في الجمالية وُلد محفوظ على وقع الأذكار والفتوات والمجاذيب، وفي العباسية دخل إلى عالم الحدائق والبيوت الحديثة والجامعة.
هذه النقلة صنعت ثنائية أساسية في أدبه: الواقعي ـ الرمزي. من هنا جاءت رواياته التي تجمع بين التفاصيل الدقيقة والرموز الفلسفية. إنه كاتب عاش على تخوم عالمين، فحمل في داخله سرّ اللقاء بين الأسطورة والعقل، بين الماضي والحداثة.
٦ ـ الفتوة والمجذوب: جدلية السلطة والجنون
من أروع ما يميز محفوظ أنه أدرك مبكرًا دور الفتوة والمجذوب في تشكيل الوعي الشعبي. الفتوة ليس مجرد شخصية عنيفة، بل هو تجسد للسلطة، للهيبة، للبطش، وللشهامة أحيانًا. أما المجذوب فهو صوت اللاعقل، نبيٌّ غامض يصرخ بكلمات مبهمة، لكنه يكشف عن معنى خفي.
هذان النموذجان تحوّلا عند محفوظ إلى رموز فلسفية: الفتوة هو السلطة التي تحكم ولا تُسأل، والمجذوب هو الحكمة التي تأتي من خارج المنطق. في الجمع بينهما يتشكل الوجود الإنساني. ولهذا رأينا "الحرافيش" كرواية كبرى عن مصير الفتوة، ورأينا شخصيات المجاذيب تتكرر كأصداء للتصوف الشعبي.
٧ ـ الفلسفة: الطريق إلى الوعي
حين قرر محفوظ دراسة الفلسفة في كلية الآداب، بدا وكأنه يسير ضد تيار العائلة والمجتمع. لكنه في الحقيقة كان يختار الطريق الذي سيصوغ مصيره الأدبي كله. الفلسفة منحته لغة الوعي النقدي، ومنحته القدرة على مساءلة كل شيء: الدين، السياسة، القدر، الحرية.
ومن هنا نفهم لماذا بدت رواياته دومًا ميتافيزيقية في جوهرها، حتى حين انطلقت من أحداث واقعية. "اللص والكلاب" ليست مجرد حكاية مجرم، بل تساؤل عن المصير والعدالة. "الطريق" ليست مجرد مغامرة فردية، بل بحث عن معنى الوجود.
٨ ـ الأدب والسياسة: بين الانتماء والمعارضة
محفوظ لم يكن كاتبًا ثوريًا بالمعنى المباشر، لكنه كان صوت الضمير العميق. أحب ثورة ١٩١٩ ورأى فيها حلم الشعب، وكتب عن يوليو ١٩٥٢ بروح متفائلة، لكنه لم يتردد في نقد النكسة وما تبعها. لم يكن يكتب خطبًا سياسية، بل كان يكتب نصوصًا مفتوحة على الوعي الجمعي.
الأدب عنده كان مساحة للحرية حين غابت الحرية في الواقع. ولذلك أثارت أعماله أزمات كبرى: "أولاد حارتنا" اتُهمت بالكفر، "ثرثرة فوق النيل" اتُهمت بالتحريض، لكن جميعها كانت شهادات على عصرٍ يتأرجح بين الطموح والانكسار.
٩ ـ "أولاد حارتنا": الرواية التي فجّرت المقدس
هذه الرواية بالذات تمثل ذروة مشروع محفوظ: أن يكتب عن المقدس بلغة الرمز، أن يحاور الله والأنبياء والإنسان من خلال شخصيات الحارة. لم يكن يقصد الإساءة إلى الدين، بل كان يبحث عن معنى العلاقة بين المطلق والمحدود. لكن المجتمع لم يحتمل هذا الكشف، فحوصرت الرواية ومنعت، حتى صارت رمزًا للجرأة الفكرية.
النقد الصوفي يكشف هنا أن محفوظ كان يسير على خطى المتصوفة الذين لم يخشوا طرح الأسئلة الكبرى: من أين جئنا؟ إلى أين نمضي؟ كيف يلتقي الإنسان بربه؟.
١٠ ـ نوبل: الاعتراف العالمي
جائزة نوبل لم تكن مجرد تكريم فردي، بل اعتراف عالمي بأن الأدب العربي دخل فضاء الكونية. لكن محفوظ نفسه تعامل معها بتواضع بالغ. لم يرها نصرًا شخصيًا، بل خطوة في مسيرة طويلة. كأن الجائزة كانت "فتحًا" رمزيًا، لا غاية نهائية.
١١ ـ محفوظ والمتصوفة: الله والإنسان
في مذكراته حديث واضح عن "الله والإنسان". لم يكن ملحدًا ولا متدينًا تقليديًا، بل كان سائرًا في الطريق الصوفي: يرى في الله سرًّا لا يُدرك، ويرى في الإنسان مخلوقًا حرًا لكنه محدود. من هنا جاءت فلسفة التوازن: ليس الإنسان إلهًا، وليس عبدًا محضًا، بل هو كائن يتأرجح بين الحرية والقدر.
هذا الموقف هو لبّ التصوف: أن تدرك عظمة المطلق وهشاشة المحدود، وأن تعيش هذا التوتر كجزء من معنى الوجود.
١٢ ـ فلسفة الوجود عند محفوظ
يمكن تلخيص فلسفته في أربع نقاط:
1. الزمن: هو المسرح الأكبر، وهو ما يجعل الحياة سلسلة من التحولات.
2. المصير: لا مفر منه، لكن الإنسان يظل يقاومه.
3. الحرية: حرية نسبية، لكنها جوهرية في إثبات الذات.
4. الإنسان: الكائن المركزي، الذي يحمل التناقضات كلها.
هذه الفلسفة ليست مجرد تنظير، بل متجسدة في شخصياته: سعيد مهران، كمال عبد الجواد، عاشور الناجي، وغيرهم.
١٣ ـ خاتمة: محفوظ كمرآة
حين نقرأ محفوظ ندرك أننا لا نقرأ سيرة رجل، بل نقرأ مرآة لمصر كلها. حياته كانت سلسلة من المقامات: الطفولة كبراءة، الشباب كطلب للعلم، النكسة كخذلان، نوبل كانتصار، والشيخوخة كصفاء. إنه أشبه بوليٍّ أدبيٍّ كتب كي ينقل إلينا معنى الوجود في صور بشرية بسيطة.
محفوظ اليوم ليس مجرد أديب، بل هو مرآة أبدية: من ينظر فيها يرى نفسه، ويرى بلاده، ويرى سرّ الوجود. وهنا بالضبط يكمن جوهره الصوفي: أن يكتب روايةً فتغدو ذكرًا، وأن يحيا حياةً فتغدو رمزًا، وأن يرحل جسدًا ويبقى روحًا في النصوص.

الجمعة، 25 أبريل 2025

قراءة في رواية دعاء الكروان د. طاها حسين

المرأة الشرقية: ضحية لثلاثية "الموت والحب والعار": تُعد رواية دعاء الكروان من أبرز أعمال الدكتور طاها حسين، وأحد النصوص المؤسسة للرواية العربية الحداثية، فهي ليست مجرد قصة انتقام لفتاة ريفية بريئة، بل صرخة إنسانية تُدين الظلم والجهل، وتُفكّك البنية الأبوية للمجتمع، وتُعيد تشكيل مفهوم العدالة خارج منطق القانون الجامد، فالرواية، ليست مجرد مأساة أنثى، بل هي فاجعة مجتمع، ودرس في الفن الروائي، وفي كيفية تحويل الألم الشخصي إلى خطاب كوني، صوت آمنة يصرخ من أعماق الطين المصري، لكنه يصل إلى قلب الإنسان أينما كان، وفي هذا تكمن عبقرية الدكتور طاها حسين: أنه كتب رواية بالدم والدموع، لكنها أيضًا مكتوبة بالحكمة والمغفرة.

نظرية دعهم وتحرر منهم" الكتاب الأكثر مبيعا في العالم ٢٠٢٥

 "نظرية دعهم وتحرر منهم" الكتاب الأكثر مبيعا في العالم ٢٠٢٥

للكاتبة الأمريكية "ميل روبينز" عن دار "Hay House "هو دليل عملي للتحرر من القلق بشأن آراء الآخرين, وتؤكد فيه "روبينز" أن ترك الناس يتصرفون كما يشاؤون دون محاولة تغييرهم يمنحك قوة داخلية وسلامًا نفسيًا، وذلك عبر قصص ونصائح عملية، توضح فيها كيف يساعد هذا المفهوم في تعزيز الثقة بالنفس، تقليل التوتر، والتركيز على ما يحقق لك النجاح والسعادة. ويتناول هذا الكتاب خطابا ساخرا ظاهريًا، لكنه محمل بإيحاءات ثقافية ونفسية واجتماعية عميقة، تعكس حالة التراخي الجمعي أمام الأزمات المجتمعية، فلم تعد السلبية الاجتماعية مجرد موقف فردي، بل باتت تتخذ شكلًا جماعيًا شبه مؤسسي، تُغلف أحيانًا بالتهكم، وأحيانًا بالتكيف، وأحيانًا أخرى بالتواطؤ الصامت. في هذا السياق يجيء نص "نظرية دعهم" ليعيد صياغة هذا السلوك في صورة "نظرية" ساخرة، تُظهر تناقض الإنسان المعاصر بين إدراك الخطر وميله إلى الانسحاب. وفي هذا الكتاب، تجسّد النظرية نمطًا سائدًا في المجتمعات التي عانت من تكرار الصدمات (سياسية، اقتصادية، أخلاقية)، حتى تكلّس الإحساس العام، وتبلور شعور بالعجز الجماعي، إنها ثقافة "الفرجة" التي تحوّل الكوارث إلى مشاهد متكررة لا تثير الفعل، بل تثير تعليقًا ساخرًا فقط، كما يعكس النص تآكل الشعور بالمسؤولية المشتركة، حيث يُعاد تعريف الفعل المجتمعي ليصبح "لا فعل".

الجمعة، 25 نوفمبر 2022

زمن الوثائقيات ... زمن الهيمنة الناعمة

١--  آن الآوان لمصر أن تمتلك قناة وثائقية.
٢--  من يمتلك الإعلام الوثائقي .. يملك المستقبل.
٣--  الوثائقيات وساحات النفوذ: كيف تصنع القنوات الوثائقية خريطة الهيمنة في زمن الصورة؟
مقدمة: زمن الوثائقيات... زمن الهيمنة الناعمة:
في زمنٍ تتسارع فيه الصورة أكثر من الكلمة، وتُعاد فيه كتابة التاريخ على شاشة التلفاز، لم تعد الوثائقيات ترفًا بصريًا أو منتجًا معرفيًا محايدًا، بل صارت أداةً استراتيجية تمارس بها الدول نفوذها الثقافي، وتُعيد من خلالها هندسة الإدراك الجمعي للجماهير داخل حدودها وخارجها. لقد أصبح الوثائقي، في نسخته الحديثة، سلاحًا ناعمًا يحفر في الوعي أكثر مما تفعل المدافع، ويعيد تشكيل خريطة النفوذ دون أن يُطلق رصاصة واحدة.

مأساة الموت التى تحولت إلى ملهاة بفضل بديع خيرى (صور) | مبتدا

مأساة الموت التى تحولت إلى ملهاة بفضل بديع خيرى (صور) | مبتدا: الجو العام كان يملؤه التشاؤم، فالطبيب أخبر "مبدع وعادل"، بأن أباهما سيموت لا محالة خلال دقائق أو ساعات على الأكثر، المهم أن يرتبون أمور ما بعد الوفاة من جنازة وعزاء وخ...
المجلة المصرية || نون

الثلاثاء، 21 يناير 2020

قراءة قصيرة في كتاب -مسرح الشعب- للدكتور -علي الراعي

بقلم: محيي الدين ابراهيم

2020 / 1 / 21

يقول الدكتور علي الراعي في كتابه المدهش أو ربما المجلد المكون من ثلاث كتب هم " الكوميديا المرتجلة" و " فنون الكوميديا" و " مسرح الدم والدموع" والذي تمت طبعاتهم تحت مسمى واحد باسم ( مسرح الشعب ) عن مكتبة الأسرة 2006م، وهو كتاب توثيقي بامتياز لحركة ووجدان الشارع المصري الشعبي سياسياً واجتماعياً وثقافياً وفنياً على مدار أكثر من سبعة قرون وإن كان تركيزه يصيب أكثر ما يصيب في صالح القرن التاسع عشر والعشرين، يقول:
قد كان هناك طوال القرن التاسع عشر - على الأقل - دراما محلية تماماً، خالية من المؤثرات الأجنبية التي أخذت تتعامل مع فن التمثيل في مصر منذ بداية القرن التاسع عشر، وما لبثت أن أثرت تأثيراً بارزاً على حرفية هذا التمثيل، مما بدا واضحاًمنذ قيام مسرح يعقوب صنوع حتى الآن.
ويعرض دكتور "علي الراعي" بعض من تلك النصوص المسرحية من نصوص مسرح المرتجلة أو ذلك المسرح الذي كان يقام في الشوارع والأفراح والموالد كما شاهده ودونه الرحالة "بلزوني" عام 1815 م وعلى لسان الرحالة "لين" عام 1830م، وهي نصوص كوميدية سياسية انتقادية تنتزع موضوعاتها من الواقع الحي المحيط بالممثلين والمتفرجين، وترضي جمهورها بالأمتاع والضحك والنصح معاً، عادة الفن الشعبي في مصر عامة.
وقد دونها دكتور علي الراعي كما جاءت على لسان الإيطالي "بلزوني" والدنماركي "لين" على النحو التالي:

الأربعاء، 4 يوليو 2018

رُفعت الجلسة

يا حضرات القضاة .. هذا ( وجهي ) الماثل أمامكم خلف قضبان خوفه ويمثل دور البراءة .. هو أبعد ما يكون عن البراءة .. هو مجرد ظل يابس لمنحوت غجري من زمن قديم .. منحوت تآكلت بعض ملامحه التي مازال يخفيها عنا .. حتى لا نراه على حقيقته .. يخفيه لنظن فيه براءة القديسين وهو في ضلال أبرهة .. أما تلك المشاعر التي قد توهمكم أنها ترتدي ثوب الطهر .. هي مشاعري .. اسألوها .. إن كانت طاهرة بالفعل .. لماذا هي وراء قضبان ( الاغتراب ) .. وراء قضبان ( الوحدة ) .. تعاني النبذ .. التوحد .. الضمور المستمر مع سبق الإصرار والترصد .. إنها مشاعر منقوصة يا حضرات القضاة .. مشوهه يا حضرات المستشارين .. تأبى التعايش السلمي بإرادة حرة مع محيطها .. تعاني من هوس الرهبة .. شذوذ الانفعال .. وضياع السكينة .. يا حضرات القضاة .. إن وجهي ومشاعري ما هما إلا ( ذات ) ترفض واقعها .. ( ذات ) ترفض ما آلت إليه الحياة من حولها .. ( ذات ) ترى العالم بعين الطاغية الذي لا يرى سوى أفكاره العاجزة .. وعين الناسك الذي لا يرى الوجود إلا من خلال ضمور في مراكز عقله المنعزلة .. ولذلك يا حضرات القضاة أرى بأن تحكموا على ( ذاتي ) بأقسى العقوبة .. وما نص عليه قانون هذا الزمان .. فلا هي انعزلت .. ولا هي اندمجت .. ولا هي قاومت .. ولا هي أضافت .. ولا تقبل أن تكون !! .. شكراً سيادة القاضي .. ( رُفعت الجلسة )
صرخت مشاعري من خلف القضبان مستنجدة: إن كنت أخطأت .. فأنت تعلم عن خطأي قبل خطأي .. وكما علمتنا عن غفرانك قبل غفرانك .. فإجعل ماسبق في علم غفرانك ( كله ) أسبق لي مما سبق عندك من خطأي ( كله ) برحمة عفوك عنا .. فنحن ليست لنا فدية الدفاع عن ما إندفعنا إليه .. ولا قيمة لتبرير ما خضنا فيه .. ولا حجة لمخطئ فيما فعل .. ولا رجاء فينا إلا من اللجوء إليك.

اللحن المتنازع عليه بين محمد عبد الوهاب وصوفيا فيمبو

صفحة جديدة 5

 
   

 
يا مسافر وحدك .. أغنية لحنها محمد عبد الوهاب في فيلم يحيا الحب عام 1942 .. لكن في نفس الوقت كان هناك مغنية يونانية مشهورة اسمها ( صوفيا فيمبو ) ( من مواليد 10 فبراير 1910، جيلبولو، تركيا - وتوفت في 11 مارس 1978، أثينا، اليونان ) غنت نفس اللحن بكلمات يونانية في فيلم ( Poso Lipame - السماء تبكي )عام 1939م وحتى اليوم هناك نزاع حول من صاحب اللحن الأصلي .. وقد عثرنا على الأغنية باللحن الذي لا نعرف هل اقتبسه عبد الوهاب أم اقتبسته صوفيا فيمبو
 

الثلاثاء، 3 يوليو 2018

اختبئ فيما تبقى لك من عشق

ليس هناك عقلاً فارغاً وإنما .. هناك عقل أنهكته الأفكار القديمة .. والأفكار كالطبيعة .. لا تحيا إلا بالتجدد المستمر .. شروق ضوء الشمس .. وميلاد نور القمر .. لتمحي ظلام النفس .. والأفكار في محيط العقل تكون كالجبال تحتاج لمتسلق محترف .. تسلقها.. وكالبحار تحتاج لغواص محترف .. غُصها .. وكالسهول تحتاج لفلاح محترف .. افلحها .. فإن غامت من فوقك الدنيا .. أو عس عليك الليل .. اختبئ فيما تبقى لك من عشق .. فهو ملاذ الواصلين والفكرة التي لا تتشوه بالتقادم!!

صراع الذات مع الذات

كقوالب الشكولاتة التي تحتوي على كميات ضئيلة من مادة ( أنانداميد ) الشبيهة بالقنب ومخدر (الحشيش) التي تؤثر مباشرة على مراكز السعادة بالمخ، أبحث عن قوالب أفكاري (المجنونة) التي تحتوي على كميات ضئيلة من مادة (البراءة) المبعثرة في محيط العقل، تلك الأفكار التي ربما مختبئة في مخزن الطفولة هناك .. أبحث عنها كما يبحث المحترفين عن الألغام في ساحات الحرب .. بعد أن أصبحت النفس ساحة لصراع الذات مع الذات .. أتمنى لو انفجرت إحداها بدافع الخطأ بداخلي فتحدث ضغطاً يرتج له سكوني الذي تاق لحركة الوجود .. حركة العشق .. الصلاة بخشوع برئ في محراب الجمال .. بلا تكلف !!

العشق لا تبدله أوهام الغربة

عقارب الساعة لا تتحرك للخلف .. ولا يمكن تسريعها للأمام .. أنت رهن قوة جبارة تبقيك فوق عقارب الزمن .. كلما حاولت الانفلات غرستك في أعماقها أكثر .. حتى تغوص مشاعرك في جوف الحكاية .. لا تحاول الانفلات .. استمتع بركوبك أمواج الحياة .. إن علت بك لتحلق فوقها في الهواء .. أو تسارعت لتلقيك على شاطئ الحلم كطفل يستمتع بقالب حلوى .. فالفكرة الطيبة لا تنعدم بنسيانها .. ستعاود المجيء .. والقلب لا يتوقف عن الدهشة .. سيندهش مرة أخرى .. والعشق لا تبدله أوهام الغربة .. سيرتدي حتماً قميصه المبهج .. لذا .. لا تلقي بحنينك في صندوق الماضي .. فمازال هناك .. في المستقبل القريب .. ضحكة .. تتوق لشفاه تعرفها .. كي ترسم في سماء الغد .. بريشة الأمل .. ثمة لقاء.

الخميس، 28 يونيو 2018

الميل للفوضى

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbc@yahoo.com
 الإنسان ( بطبعه ) يميل للفوضى حتى في وجود الوازع الديني .. فمنذ عملية الاغتيال الأولى في البشرية حين اغتال قابيل أخاه هابيل .. والنصوص الدينية تهبط على البشر كما تهبط الأمطار .. ويتم إرسال الأنبياء .. نبي وراء نبي حاملين معهم كلمات الإله للحد من الفوضى .. لكن .. يتم التلاعب بالنصوص وبكلمات الإله .. أو التلاعب بتفسير النصوص وبتفسير كلمات الإله .. لتبرير الفوضى .. لإعطاء شرعية للفوضى .. إعطاء الحق في القتل والسحق والتدمير .. كل أطراف الصراع تدعي أنها ( عيال ) الله وأحبائه .. ويُعْجِبُكَ قَوْلُهُم .. تصفق لهم .. تتحزب إليهم .. وَيُشْهِدُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْوبِهِم .. وَهُمَ في واقع الأمر .. أَلَدُّ الْخِصَامِ .. ومن ثم فالنتيجة كما نراها اليوم في وطننا بين أطراف ( ضالة ) .. نظم ضالة .. دول ضالة .. قرى ضالة .. أفراد ضالة .. جماعات ضالة .. قبائل ضالة .. كل شئ ضال .. وكل ضلال .. يمارسه ( كل هؤلاء ) باسم الله .. والضحية اليوم .. يصبح غداً جلاد .. وجلاد الغد .. يصبح ضحية أفعاله بعد غد .. وهكذا .. في دائرة مغلقة سوداء لا تحتوى على منافذ للخروج .. الهروب .. النجاة .. ثقب أسود يمتص انسانيتنا فنفعل أفعال الطغاة والتاريخ ملئ بملايين القصص عن بشر ( من جميع الأديان ) ظنوا أنهم أقرب إلى الله بقتل كل من خالفهم في العقيدة أو المذهب .. بالفعل نحن ميالون للفوضى .. ولولا رحمة من الله بثها في قلوب ( أطفال ) تعيش بيننا كالملائكة لتم اختصار الزمن وقامت القيامة !!

من أجل تواصل إنساني نقي


عندما يتواصل الناس .. أو يبحثون عن التواصل .. خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي .. يكون الدافع ( نفسي ) .. دافع يكمن في عدم الفهم الكامل ممن يحيطون بهم لأفكارهم .. دافع بأن تنفجر الشخصية الحقيقية للذات في محيط افتراضي قد يرضى عنها .. يرضى عن أفكارها .. جنونها .. اتزانها .. خوفها .. تمردها .. أو لا يرضى عنها .. فتنسحب في هدوء دون إن يحرز أحد في نفسيتها ( جول ) لصالحه على حساب إنسانيتها.
لكن .. ماذا يحدث لو استشعر أحدنا ) بأنه قد تواصل بالفعل مع آخرين يشبهونه ؟؟ .. عندما ندرك أن مجموعة من الناس الذين لا نعرفهم قد فهمونا .. قبلوا ( ذاتنا ) كما هي .. تآلفوا مع هذا الجنون .. أو الاتزان .. مع هذا القلق .. أو التمرد !! .. ( أتصور ) أنه ينتابنا بشكل تلقائي شعور بالراحة تجاههم .. شعور بالعشرة .. بالحميمة المجردة .. قد تكون هذه المشاعر ( عابرة ) .. مؤقتة .. وقد نساهم نحن ( بوعي ) إنساني أن ندفعها لأن تكون كذلك .. لكن في ( خالص ) الأمر .. نؤمن في قرارة أنفسنا .. بأن هذه المشاعر هي ما نسعى إليه .. ما يجب أن نعيش من أجله .. نعيش من أجل تواصل إنساني نقي .. مسالم .. متغاضي .. طيب .. يبث في أرواحنا بعضاً من السكينة التي افتقدنا جزء كبير منها في محيطنا الضيق والمزدحم. !!

المجلة المصرية || نون

روح الكلمة

الكلمات ليست ( ذات ) ميته .. إنما كل كلمة هي ( روح ) صامته بأسرارها .. حتى تنطقها قولاً أو .. فعلاً أو .. كتابةً .. فيتلقاها ( الآخر ) .. تتلقاها ( روح ) الآخر .. فإذا تناغم التلاقي .. كانت الكلمة سر ( التآلف ) .. سر ( التعارف ) .. أما إذا تصادم التلاقي .. كانت الكلمة سر ( التخالف ) .. سر ( المخاوف ) .. فالكثير من تجارب البشر ليس مدركاً بالحواس وإنما بالروح .. مسائل كثيرة نمارسها ولا نستطيع التعبير عنها بنطق العبارة .. نعجز في التعبير عنها بالكلمة المسموعة .. لكن نفعلها بروح الكلمة المكتوبة .. أو الكلمة حين تفصح عن ( سرها ) العيون .. القلوب .. الأرواح .. في صمت معجز .. وتكمن معجزته في ( روح ) الكلمة .. سرها الصامت بهذا الصمت الجليل .. الذي لا يدركه سوى أصحاب الأفئدة وولاة البصائر.
المجلة المصرية || نون

الأربعاء، 27 يونيو 2018

الكبت والزهد

الجسد والنفس في الذات البشرية هما أساس بناء الشخصية الإنسانية البسيطة أو المعقدة .. ولذلك فإن من أبشع الأمور التي يمارسها بعض الناس تحت وهم أو دعوى التدين أو الحفاظ على الأخلاق هي ( كبت ) انفعالات الجسد وخنق رغباته .. الأمر الذي يؤدي إلى شذوذ انساني محض .. يصنع ذات مشوهه .. لذلك لا نتعجب حين قال الرسول الاكرم للثلاث رهط الذين جاءوه ليستحسن أفعالهم في كبت رغبات وانفعالات الجسد تحت وهم التقرب لله: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .. كذلك ( زهد ) النفس في الحياة .. في بهجتها .. في ملاحقة الحلم .. صناعة الحلم .. الأنس .. الحركة .. التفاعل مع حركة الحياة دون تحريم أو تجريم .. حتى تعي ( بالمشاهدة ) حدود مايشبهك فتفعله .. والنأي بالنفس عما لا يشبهك فلا تفعله .. مسألة أقرب لتقوية دعائم ( الإرادة الحرة ) .. امتصاص التجارب لتفعيل دقة اختيارك .. أحيانا نجد عالماً جليلاً وليست لديه القدرة على اتخاذ القرار فيما سيأكل أو فيما يرتدي أو فيما سيرتبط بها لتقاسمه حياته فيقعد طيلة عمره ملوماً محسوراً .. وعلى الجانب الآخر نجد ( جاهل ) أطلق لفطرته العنان فلم ( يكبت ) رغبات وانفعالات جسده .. ولم ( يزهد ) بنفسه في صناعة حلم وملاحقته .. فصار سوياً .. طبيعياً .. تملأ عينيه سعادة توحي لك ببساطته .. إن نظرت إليه .. سمعته .. تأملته .. اكتشفت أنك ينقصك الكثير رغم ماتحمله من شهادات .. لتكون مثله !!!

أول خطوة للتصالح مع النفس

كيف أتصالح مع نفسي ؟ .. سؤال يكاد يكون لسان حال الكثير .. هو يعرف الإجابة .. لكن تربية ( الخوف ) في مجتمعنا الشرقي خاصة تربية المرأة .. تدفع الناس ( للخوف ) من تنفيذ مسألة التصالح مع النفس بكل حزم .. لأنها ستفقده جزء ممن يعرفهم في مجتمعه ..خاصة وأن مسألة المعرفة في شرقنا المجهد تعتمد على ( الحميمية ) .. لا نستطيع وضع حدود نفسية فيكون هذا صديق حميم .. وهذا صديق .. وهذا مجرد صديق .. وهذا زميل وهذا أخ وهذا جار.. نخلط المسائل والعلاقات حتى نساهم في إحداث فوضى في أعماقنا لا نستطيع الفكاك منها بسبب إلتزامات نتجت عن هذه العلاقات المتداخلة في تشوه واضح .. وكلها بسبب تربية لم تقم على اسس بل قامت على انفعالات .. فاصبحت حتى العلاقات الزوجية قائمة على انفعالات وليست قائمة على ( وعي ) .. فنفشل عند أول اختبار يختبر وعينا ( الغير مدرب ) ونسقط في مخالب الحزن.
أول خطوة للتصالح مع النفس هي قطع العلاقة بشكل كامل وليس بشكل جزئي وبكل حزم وحسم مع أي شخص أدركت أنه لا يسبب لك سوى الحزن ونقد تصرفاتك والضغط عليك بالتزامات تأبى نفسك أن تعيشها حتى لو وصل الأمر أن تستبدل الجميع ( بكلب ) يعيش معك تحت سقف واحد كما يفعل أهل الغرب الأوروبي والأميريكي .. إلى أن تعيد ترتيب أوراقك باختيار مجتمع جديد يشبهك .. هذه العملية الجراحية للنفس ستدفعك في بدايات حدوثها أن تشعر بألم شديد في وجدانك .. شعورك .. قلبك .. لكن مع تدرج زوال الحزن بتدرج زوال المتسببين فيه .. ستطل عليك شمس يوم جديد لتجد نفسك إنسان مختلف .. إنسان أكثر أنسانية .. أكثر حرية .. اكثر إبداعاً.
المجلة المصرية || نون

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

حتى تغشى القلب

في أحلك لحظات العتمة .. حينما لا تستطيع أن ترى أصابعك .. تسمع صوتك .. تفقد القدرة على ابتلاع نسمة هواء .. لحظتها .. ينتابك فيض نور .. خيط يبدأ بنقطه في فراغ محيطك .. ينبثق كوردة .. ثم تومض الوردة .. تومض بألوان كألوان قوس قزح .. ومن رحم الوميض تلامس سطح صدرك .. حتى تتحول إلى خيط .. يخترقك كطلقة رصاص تستقر في غرفة القلب .. حتى تغشى القلب .. فتتجلى عليك من عالم الروح .. روح .. فتستشعر الأنس بها .. أنس يحول كل ( العتمة ) إلى .. احد عشر كوكباً .. وشمس .. وقمر .. لنهبط جميعاً من خشيته في سجود مطمئن .. كأنك تسبح في ملكوت خاص .. ليس كملكوت السماء .. ولا ملكوت الأرض .. إنما ملكوت خاص .. أضواء تلاحقها وتلاحقك .. ملكوت كأنه العشق .. وعشق كأنك تراه .. فتنظر إلى انسحاق حزنك لا ينشزه .. ولا تكتسى عظامه لحماً .. فقط يتم إنشاء الفرح نشوءاً آخر .. كأنها البداية من جديد .. او كما بدأ اول خلق .. يعيده !!
المجلة المصرية || نون

الإنسانية .. العدالة .. الحرية ( من القصص السياسي )


( مشهد سينما خيالي لا يمت ولا يرمز للواقع بأي صلة وإن مس هامش من واقع فهو محض صدفة لا علاقة للكاتب بها )

انزعج العمدة ( عبد الجليل ) من كتابات هذا الصعلوك الحقير .. فأمر شيخ الغفر بأن يأتوا بهذا الضال صاحب المنشور .. ليأتوا به .. وينالوا منه .. فجاءوا به .. أجلسوه وحده في غرفة مظلمة بعد أن أزالوا الغمامة من فوق عينيه.. يومان كاملان لا يدري أين هو .. لا طعام .. لا نوم .. فقط ( دورق ) مملوء بالماء ليملأ به جوفه إن شعر بألم الجوع في معدته الفارغة .. لم يدخل عليه أحد .. لا أحد .. مسألة أقرب للحرب النفسية .. تكسير نفسيته .. هزيمته دون أي مواجهة .. إنهم يمارسون معه نوعاً من الانهيار الذاتي .. يتركوه وحيداً حتى تقفز أفكاره السوداء بأسئلتها السوداء في فراغ الغرفة المظلمة ثم لا يجد سوى اليأس فيسقط .. وحين يسقط يستطيعون الحصول على كل ما يريدونه من إجابات .. هو لا يريد سوى ( الإنسانية ) .. عدالة العمدة التي تتيح حدود الرضا عند الناس ليمارسوا إنسانيتهم الطبيعية دون أن يعيشوا حالة من الانسحاق .. عدالة العمدة لتستشعر الناس النور .. عدالة العمدة في قريتنا ليمارس الفلاحين حرية وجودهم كبشر وليس كبهائم .. هذه هي إجابته الوحيدة التي يمتلكها .. لا يريد شيئاً آخر.

الروح أم النفس؟