‏إظهار الرسائل ذات التسميات سير وتراجم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سير وتراجم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 4 مارس 2018

حين تلقى الإمام محمد عبده علقة ساخنة بمسجد الحسين بفتوى من شيخ الأزهر !

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
انتشرت بيننا وفي أوساطنا روح العداوة ضد الأفغاني وضد من يتصلون به من جماعتنا وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده الذي كنا نظن فيه أنه حامل لواء الإلحاد بين الطلبة لقربه من الأفغاني ، ومن ثم حزمنا أمرنا على الإساءة إليهم جميعاً لعلهم يعدلون عن الاتصال بالأفغاني !
 رائد سامق من رواد الإصلاح وعالم جليل من علماء هذا الزمان، أدرك حتى قبل الاحتلال الإنجليزي لمصر أن مصر تحتاج إلى اصلاحات جذرية وأن أول تلك الإصلاحات يجب أن تتركز في اصلاح المؤسسة الدينية، أول تلك الإصلاحات يجب أن تضع عينيها على ألأزهر فقامت عليه قيامة الأزهر.
كان عنيداً فاتفق مع بعض الطلاب على أن يقرأ لهم بعض الكتب في المنطق وعلم الكلام مما لم يكن يُقرأ مثلها في الأزهر فأزداد عدد محبيه من طلبة الأزهر حتى اشتهر بين أقرانه الأمر الذي أغضب الشيخ محمد عليش شيخ المذهب المالكي بالجامع الأزهر عليه خاصة بعدما بلغه أن محمد عبده لا يقرأ كتب المعتزلة والمتكلمين فقط بل ويرجح مذهبهم أيضاً وهو أمر كان يبغضه الشيخ عليش الذي كان - كما يقول العقاد - رجلا صادق النية في كراهة البدع التي يخشى منها على الدين، وعليه أرسل في طلب محمد عبده وناقشه نقاشاً أفضى إلى نزاع وخصومه مؤلمة بينهما، وما زاد من تفاقم هذه الأزمة ذلك الحوار الذي دار بين الشيخ البحيري عضو مجلس إدارة الأزهر وأحد رافضي إصلاح البرامج التعليمية للأزهر وبين الشيخ محمد عبده والذي جاء في الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، الجزء الثالث، ص: 194 حيث قال له الشيخ البحيري: إننا نعلّمهم كما تعلمنا فأجابه الشيخ محمد عبده وهذا الذي أخاف منه ! فرد عليه الشيخ البحيري: ألم تتعلم أنت فى الأزهر، وقد بلغتَ من مراقي العلم وصرت فيه العلم الفرد ؟ وهنا فاجأه الشيخ محمد عبده بقوله: إذا كان لي حظ من العلم الصحيح الذي تذكر، فإنني لم أحصّله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من الأزهر !.. كان هذا الحوار هو القشة التي قصمت ظهر البعير، ويحكي لنا إبراهيم الهلباوي في مذكراته ص: 52 أن الشيخ محمد عبده كان من أهم الأزهريين الذين يداومون الاتصال بالسيد جمال الدين الأفغاني الذي حضر لمصر من الآستانة في مارس 1871 وشاع اسمه بين طلبة الأزهر بالرغم ما كان معروفاً عنه في أروقة الأزهر من أنه ملحداً وأن الأزهر يخاف على الطلبة من التأثر به وبعقيدته وآرائه، وهنا انتشرت بيننا وفي أوساطنا روح العداوة ضد الأفغاني وضد من يتصلون به من جماعتنا وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده الذي كنا نظن فيه أنه حامل لواء الإلحاد بين الطلبة لقربه من الأفغاني ، ومن ثم حزمنا أمرنا على الإساءة إليهم جميعاً لعلهم يعدلون عن الاتصال بالأفغاني، وفي أحد الأيام حين كنا نحضر بعض الدروس في مسجد سيدنا الحسين لمحت الشيخ محمد عبده يصلي صلاة العصر فقطعت الدرس وذهبت للشيخ محمد عليش الذي كان يداوم على أداء صلاة العصر بمسجد الحسين كل يوم وابلغته أن محمد عبده موجود بالجامع بيننا ويصلي بدون وضوء وطلبت منه أن يأذن لي في تأديبه، وكان بجوار الشيخ عليش جمع من العلماء فاستثارتهم دعوتي وبعثوا معي نفراً من الطلاب فلحقنا بالشيخ محمد عبده قبل التسليم وخروجه من الصلاة وسقناه كرهاً للشيخ محمد عليش فوجه إليه تهمة الإلحاد فاستخف الشيخ محمد عبده بهذه التهمة وحين استخف بها سمح الشيخ عليش للمهوسيين من الطلبة الذين كانوا معي أن يطرحوا الشيخ محمد عبده أرضاً ثم ضربناه ضرباً مبرحاً وأخرجناه من المسجد !
ومن طرائف الخصومة مع الشيخ محمد عبده أيضاً أنه في يوم 7 مايو سنة 1884، أصدرت حكومة الاحتلال البريطاني في مصر "القانون نمرة 68"، باستبدال الميضة في الجوامع بصنابير مياة مربوطة بشبكة مياه الشرب التي بدأت الحكومة في تركيبها. على أن يـُلزم ديوان الأوقاف بمصاريف الإحلال ، فعارض هذا القانون علماء مذاهب "الحنابلة والشافعية والمالكية"، بفتوى أن الصنابير بدعة فى الدين، أما الشيخ محمد عبده فكان له رأي مخالف بعدما كان يرى الناس يتوضؤون من نفس الماء الراكد في قناة صغيرة قذرة يرمي فيها السقا الماء فأيد فكرة الصنبور ووقف ضد الأزهر هو ومن وقفوا معه من الأحناف أتباع المذهب الحنفي، الذين أفتوا بأن الوضوء من ماء الصنبور مقبول بل ومستحب ويرفع المشقة عن المسلمين ومن هنا سمى الصنبور بـ"الحنفية"، نسبة إلى المذهب الحنفى، وأصبحت كلمة "الحنفية" دالة على الصنبور أكثر مما تدل على المذهب الديني والسبب كان الشيخ الجليل والمصلح العلاّمة الشيخ محمد عبده.

والله العظيم موزون .. في ذكرى ميلاد صلاح عبد الصبور مايو 1931

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
( بعت نفسك بمليم ) قالها له رسام الكاريكاتير " بهجت عثمان" وهو في قمة الغضب لأن إسرائيل إشتركت فى معرض الكتاب الذى تشرف عليه الهيئة المصرية العامة للكتاب التى كان يرأسها صلاح عبد الصبور وقتذاك، لم يتحمل قلب صلاح عبد الصبور تلك الكلمات الثلاث فمات!

 
حنينى غريب .. إلى صحبتى ..إلى أخوتى ..إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة .. وقد يحلمون بقصر مشيد .. وباب حديد .. وحورية فى جوار السرير .. ومائدة فوقها ألف صحن .. دجاج وبط وخبز كثير .. إلى أمي البرة الطاهرة .. كلمات أبدعها في قصيدة " المُلك لك "، كانت أمه السيدة اعتدال عثمان الباجوري هي نافذته وعشقه على الشعر والأدب العربي حيث كان والده عبد الصبور يوسف الحواتكي يعمل في وزارة الداخلية وبعيد كل البعد عن الحقل الثقافي.

رفض الالتحاق بكلية الطب والتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1947 وتتلمذ علي يد الشيخ أمين الخولي أحد أهم الأدباء المصريين وأحد أهم كبار حماة اللغة العربية، ومناضل شارك في ثورة 1919 وحيث نُفي مع سعد زغلول إلى جزيرة سيشيل، وقد رأى حين كان رئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الآداب في صلاح عبد الصبور نبوغاً مبكراً فضمه إلى جماعة (الأمناء) التي كوّنها، ثم إلى (الجمعية الأدبية) التي ورثت مهام الجماعة الأولى وحيث كان للجماعتين تأثيراً كبيراً على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.
رغم أن الشاعر المرهف مرسي جميل عزيز كان من أعز اصدقاء عبد الحليم حافظ إلا أن عبد الحليم حافظ حينما تعرف على صلاح عبد الصبور عن طريق مرسي جميل عزيز طلب منه عام 1951 أن يكتب له قصيدة يستطيع بها أن يتقدم لإختبار الإذاعة وبالفعل كتب له صلاح عبد الصبور قصيدة " لقاء" وغناها واجتاز بها اختبار الإذاعة حيث وطدت هذه القصيدة العلاقة بين عبد الحليم وصلاح عبد الصبور بل وتعرف الناس من خلالها على صلاح عبد الصبور نفسه.
بعد خروج الملك فاروق على متن المركب المحروسة في أعقاب ثورة 1952 كان الميلاد الحقيقي للشاعر صلاح عبد الصبور لكن كان عليه أن يخوض حربا شرسة مع حراس عمود الشعر الذين كان على رأسهم عباس محمود العقاد، فقد كان العقاد يحيل قصائد صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر للاختصاص، لا لشئ سوى أنه كان يرى في مثل هذا الشعر شعراً ليس موزونا ، مما دعا صلاح عبد الصبور إلى كتابة مقالة عنونها ( والله العظيم موزون ) ، ونشبت الحرب بين أنصار عمود الشعر وبين أنصار تفعيلته، ولم تكن هذه الحرب بالطبع هي الوحيدة التي خاضها صلاح عبد الصبور، لكنها كانت الأولى، أما آخر الحروب، فقد كانت حربا صغيرةً في منزل أحمد عبد المعطي حجازي، حرباً لم تتعد كلمات ثلاث: ( بعت نفسك بمليم ) قالها له رسام الكاريكاتير " بهجت عثمان" وهو في قمة الغضب لأن إسرائيل إشتركت فى معرض الكتاب الذى تشرف عليه الهيئة المصرية العامة للكتاب التى كان يرأسها صلاح عبد الصبور وقتذاك، لم يتحمل قلب صلاح عبد الصبور تلك الكلمات الثلاث فمات، وربما أتذكر قبل وفاته بعام أو أكثر قليلاً حينما كنا طلبة بالجامعة ونقوم بعمل مسرحيته مسافر ليل ولم أكن أعرفه شخصياً، وجدت صخباً في صالة العرض أثناء البروفة بمسرح الطليعة ويهلل الجميع بأن صلاح عبد الصبور موجوداً فهرعت بمجرد سماع أسمه ناحيته، كنت أتمنى أن أراه وأن أستمع له وهو يتكلم فقد كان بالنسبة لنا جميعاً هرماً عظيما يجسد الأدب العربي المعاصر، كان هزيلاً جداً ولا يترك سيجارته تسقط من يده إذ كان يشعل سيجارة من أخرى، ووقتها دارت معه نقاشات كثيرة كانت تنتقده وربما أتذكر عبارة قطع بها كل الأسئلة التي حاوطته بأن قال بصوت خافت: دعوني أجد ثمن السيجارة التي لا غنى لي عنها فقد أخذ مني السجن والاعتقال كل شئ، كنت صغيراً فلم أستوعب خطابه القصير وحزنه العميق اللاهث، لكن فرحتي بلقائه كانت أعظم من أي لغز شاب هذا اللقاء القصير حيث صعدنا على المسرح لنجري البروفة النهائية لمسرحية مسافر ليل وكلنا فخر أن ه يشاهدها على الرغم من أننا وقبل أن ننتهي من البروفة كان قد تسلل في الظلام ورحل .. ولم تمضي شهور على هذا اللقاء إلا وكان قد رحل عن دنيانا للأبد في 13 أغسطس 1981 متأثراً بكلمات رسام الكاريكاتير بهجت عثمان في منزل أحمد عبد المعطي حجازي. ولعنا نتذكر كلماته: الشعر زلتى التى من أجلها هدمت ما بنيت .. من أجلها خرجت .. من أجلها صُلبت .. وحينما عُلقت .. كان البرد والظلمة والرعد .. ترجنى خوفا .. وحينما ناديته، لم يستجب .. عرفت أننى ضُيعتُ ما أضعت "، رحم الله صلاح عبد الصبور.

المجلة المصرية || نون

الخميس، 30 مارس 2017

ضم سيناء لمصر - هل كان الخديوي عباس حلمي أكثر وطنية من مصطفى كامل ؟

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
التهامي كان أهم شخصية وقفت بجوار ( السادات ) في ثورة التصحيح عام 1971 وهو أيضاً أحد أهم أعضاء المحكمة التي صدر لها قرار جمهوري بتشكيلها في الحادي والعشرين من يوليو تموز 1971 حيث أنتقم فيها حسن التهامي من كل خصوم السادات
كانت مسألة سيادة مصر على كامل شبه جزيرة سيناء مسألة كاشفة لكل الوطنيين والثوار في مصر عام 1906 وليست حادثة دنشواي كما يروج البعض، بل أن حادثة دنشواي – في تقديري - تم استخدامها للتخلص من الخصوم السياسيين الذين اختلفوا فيما بينهم حول مسألة أن سيناء ( عثمانية ) وتحت سيادة الدولة العثمانية وكان على رأس هؤلاء مصطفي كامل ومحمد فريد وإبراهيم الهلباوي بدعم من تركيا وبين من لهم رأي انها مصرية للنخاع بدعم من الخديوي.
المدهش أن الخديوي عباس حلمي الثاني في هذه المسألة تحديداً كان أكثر وطنية من الزعيم مصطفى كامل الذي أحبه وتبناه وذهب به لفرنسا كي يكمل تعليمه العالي وأسس معه بل وترأس الحزب الوطني منذ أن كان جمعية سرية وطنية ضد الأنجليز عكس مايذكره بعض المؤرخون في أن مصطفى كامل كان هو رئيس الحزب الوطني، لكن وبسبب الخلاف الذي دار حول ( سيادة مصر على سيناء ) الذي وصل لدرجة تجهيز جيش مصري ضد الدولة العثمانية غضب عباس حلمي من موقف مصطفى كامل ومنع عنه مصاريف البعثة التعليمية وكذلك منع مقالاته بالكامل في جريدة المؤيد. 
لقد كان عباس حلمي ضد تركيا واحتلال الإنجليز وهو ما دفع ثمنه غالياً بتخليه قهراً عن العرش بل وطرده من مصر على يد الإنجليز نهائياً بعد الحرب العالمية الأولى وموقفه من جلاء الإنجليز عن مصر وهو الأمر الذي جعل المصريين يضعونه في مكانة خاصة حتى أنهم ظلوا يرددون حتى وفاته في 19 /12 / 1944 ( الله حي عباس جاي ) ليغيظوا به الأنجليز، فماهي مسألة سيناء التي أطاحت بالثوار والوطنيين وخلقت فتنة ربما مازالت توابعها تحيا معنا حتى الآن؟
بعد تولي عباس حلمي مقاليد الحكم في مصر، أرادت تركيا إخراج جزيرة سيناء من فرمان التولية وهو الفرمان الذي حصل عليه محمد علي باشا بعد انتصاره على تركيا في 2 ربيع الآخر سنة 1257 هجرية بتصديق من انجلترا والنمسا وروسيا وبروسيا وكانت فحواه على لسان الخليفة العثماني لمحمد علي باشا: ( أبقي في عهدتكم – بطريق الإمتياز – إدارة مصر المحدودة بحدودها القديمة المعينة بالخريطة المختومة بختم الصدارة )، ويقول أحمد شفيق باشا في مذكراته أن الخريطة تحدد حدود مصر الشرقية من العريش شمالاً في خط مستقيم حتى مدينة السويس ويبقى شرق هذا الخط أراضي ولاية الحجاز وسورية مع عدم قبول تعيين الحدود في أرض تم تركها لمصر مع امكانية استرداد تركيا لها.
بإختصار رفض عباس حلمي ذلك الأمر وأعتبره انتقاص من قدر مصر خاصة فيما تعلق بمسألة الجيش المصري وأنه مجرد قوة معدودة من القوة العمومية العثمانية بل وشعب مصر مجرد شعب تابع للرعوية العثمانية.
برفض عباس حلمي أرسلت له تركيا رسالة مفادها : ( يجب العلم أن من حق الدولة العلية إرسال عساكرها لغاية جبهة السويس )، وهنا قرر عباس حلمي بدعم من إنجلترا إرسال البارجة العسكرية ( ديانا ) إلى جزيرة فرعون بالقرب من مدينة طابا وإحتلالها وإرسال عساكر لمدينة العقبة وقرية المرشرش ( المعروفة حالياً بأم الرشراش ) ليفرض أمر واقع في حدود مصر الشرقية بقوة السلاح وحماية الملاحة في قناة السويس من أي تدخل عسكري تركي من جهة الشرق وهنا جن جنون مصطفى كامل الذي أعتبر ذلك ( مروقاً ) على دولة الخلافة وظل يكتب في جريدة ( المؤيد ) مقالات يثير فيها الشعب ضد عباس حلمي ويؤكد على أهمية تبعية مصر لتركيا وأن مسألة ترسيم الحدود الشرقية لا تعني سوى فرض الحماية الإنجليزية على مصر التي هي في الأصل ولاية عثمانية ولابد أن تظل ولاية عثمانية حيث أعلن تأييده لحقوق تركيا على سيناء ، حتى بعد أنْ انتهتْ الأزمة - حسبما ورد في مقال قصير للباحث المصري طلعت رضوان - لقد كتب مصطفى كامل فى افتتاحية جريدة اللواء (22/4/1906) أنّ ((مصر لا ولاية لها على سيناء ، وأنّ الفرامانات التى تـُعطى لمصر سلطة إدارة سيناء إجراءات مؤقتة لا تؤثر فى الحق العثمانى الأصيل)) وفى ع دد 8 مايو1906 كتب مقالا آخر قال فيه إنّ ((حادث طابا يجب أنْ يُنظر إليه على أنه خلاف بين دولة مُحتلة بالاغتصاب هى بريطانيا ، ودولة هى صاحبة السيادة على مصر هى تركيا)). وأنا أرى من خلال بحثي أن ذلك قد أغضب كثيراً من الثوار والوطنيين المعاصرين وقتذاك لمصطفى كامل وعلى رأسهم كما سبق وأسلفنا الخديو عباس حلمي فمنعه من الكتابة في جريدة المؤيد وأصر على موقفه من ترسيم الحدود حتى ولو أدى ذلك للحرب مع تركيا.
بإيجاز شديد انتهت المسألة بانسحاب الأترك من طابا في مايو سنة 1906، وتأليف لجنة مصرية تركية لتسوية مسألة الحدود على قاعدة معاهدة لندن سنة 1840 وتلغراف 8 أبريل سنة 1892 المرسل إلى الخديوي عباس الثاني والذي خول مصر ادارة شبه جزيرة طور سيناء، وانتهت اللجنة من عملها في 1 أكتوبر سنة 1906، إذ تم الاتفاق على الحدود الشرقية على أن تكون خطا ممتداً من رفح على البحر الأبيض المتوسط إلى نقطة واقعة غربي العقبة بثلاثة أميال، وبقيت طابا ضمن أملاك مصر والعقبة من أملاك تركيا.

المجلة المصرية || نون

الأربعاء، 6 يوليو 2016

أسرار وتفاصيل الأزمة بين جمال عبد الناصر ومحمود أبو الفتح


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
بداية الأزمة لم تكن عام 1954 بل كانت عام 1952 وتحديداً ليلة 4 أغسطس بعد قيام الثورة في منزل أحمد فؤاد أحد الضباط الأحرار حيث اجتمع محمود أبو الفتح على الغذاء مع جمال عبد الناصر ويوسف صديق وخالد محيي الدين وإبراهيم طلعت وعبد الحكيم عامر ودار بينهم حديث طويل حول نظام الحكم بعد نجاح الثورة وعزل الملك. 
هل يعقل أن يكون جثمان أول نقيب للصحفيين المصريين وأهم شخصية ثورية قاومت الإنجليز وشاركت في ثورة 23 يوليو 1952 مدفوناً في تونس ولا تطالب نقابة الصحفيين المصريين بعودة رفات نقيبها الأول لترقد في تراب الوطن الذي عاش ومات من أجله !! .. هل نحن أمة تأكل أبنائها ؟؟ وما هي القصة ؟؟
ابتداءً لم يكن محمود أبو الفتح أول نقيب للصحفيين المصريين بل وأول نقيب للصحفيين في الشرق عموماً .. لم يكن صديقاً للرئيس جمال عبد الناصر من قريب أو من بعيد لا قبل الثورة ولا بعدها كما يزعم كثير ممن تناولوا قصة حياته، وربما لو كانوا سألوا أخيه الأصغر " أحمد أبو الفتح " قبل وفاته عام 2004 م لأجابهم ببساطة أن جمال عبد الناصر لم تجمعه بمحمود أبو الفتح أي علاقة فجمال عبد الناصر في عام ميلاده ( 15 يناير 1918 ) كان وقتها محمود أبو الفتح يبلغ من العمر 26 عاماً وملازماً لسعد باشا زغلول وواحداً ممن فجروا ثورة 1919 وواحداً من الوفد المصري الملازم لسعد باشا زغلول في رحلته لإنجلترا وأن بداية علاقة جمال عبد الناصر الحقيقية بعائلة " أبو الفتح " كانت عن طريق "إبراهيم طلعت " أحد أهم الوفديين قبل ثورة 23 يوليو وبعدها حيث كان صديقاً لجمال عبد الناصر أو ربما أهم أصدقائه وهو الذي من خلاله تم التعارف بين " أحمد أبو الفتح " الأخ الأصغر لمحمود أبو الفتح ورئيس تحرير جريدة المصري وبين "جمال عبد الناصر" إذ كان "إبراهيم طلعت" يعيش في الإسكندرية ولما كان ينزل للقاهرة كان يفضل عقد لقاءاته في حديقة جريدة المصري ( لسان حال الوفد ) ومن هنا تعرف جمال عبد الناصر على آل أبو الفتح وصار صديقاً لأحمد أبو الفتح بل وكان لا يفضل شرب القهوة إلا في حديقة جريدة المصري حتى في حالة عدم وجود " ابراهيم طلعت " ويسهر فيها مع غالب محرريها وعلى رأسهم " أحمد أبو الفتح " الذي ترك له أخيه الأكبر " محمود أبو الفتح " رئاسة تحريرها تحت رئاسة إدارتها لأخيهم الأوسط " حسين أبو الفتح " بعدما تفرغ هو لأن يكون رجل أعمال بعيداً عن الصحافة، بل ومن المدهش بعد أن توطدت العلاقة بين جمال عبد الناصر وأحمد أبو الفتح كانت دار جريدة " المصري" تعقد فيها الاجتماعات السرية للضباط الأحرار، ومن مطابعها كانت تخرج بياناتهم، وفيها يحتفظون بسلاحهم الخفيف بحضور أحمد أبو الفتح ومشاركته الشخصية، كما عقدت فيها جميع مراحل التخطيط لثورة 23 يوليو حتى أنه ذات ليلة، وقد اقترب موعد تنفيذ الثورة والضباط مجتمعون في جريدة "المصري"، هرع رجل الى الداخل وأبلغ أحمد أبو الفتح المتزوج من شقيقة ثروت عكاشة، قائد فوج الفرسان في معركة الضباط الأحرار ان البوليس السري يراقب الدار، فأسرع أحمد الى اخبار جمال عبد الناصر ورفاقه الذين تسللوا من الباب الخلفي للجريدة قبل أن يدخل البوليس الحربي ويفتش غرف دار الجريدة ويعود دون أي دليل، هذه إحدى القصص بين أحمد أبو الفتح وجمال عبد الناصر أما محمود أبو الفتح فإن أي كلام عن صداقة بينه وبين جمال عبد الناصر هي محض خيالات.
السؤال إذن ماهو السبب وراء الأزمة التي قامت بين آل أبو الفتح وجمال عبد الناصر جعلت عبد الناصر يرفض عودة جثمان محمود أبو الفتح عام 1958 ليتم دفنه في مصر ؟
يقول غالب من تعرض بالتحليل للأزمة بين عبد الناصر وعائلة أبو الفتح وعلى رأسهم محمود أبو الفتح أنها بدأت مع أزمة مارس 1954 حيث سار التساؤل: هل تستمر الثورة في الحكم؟ وقد تزعم هذا الجانب مجلس قيادة الثورة، أو هل يعود الجيش إلى ثكناته؟، وقد تزعم هذا الجانب محمد نجيب، وخالد محيى الدين، ويوسف صديق، وكانت جريدة "المصرى" في جانب الشعب والديمقراطية، وحاول وقتها أحمد أبو الفتح، وإحسان عبد القدوس، إقناع عبد الناصر بحل وسط وهو أن تتحول الثورة إلى حزب ديمقراطى يكتسح الانتخابات، لكن مجلس قيادة الثورة رفض ذلك العرض، وتم تحديد إقامة محمد نجيب، واعتقال يوسف صديق، وسافر محيى الدين إلى الخارج، وتم اتهام الأخوين محمود أبو الفتح وأخيه حسين أبو الفتح بأنهما "أتيا أفعالًا ضد سلامة الوطن ومن شأنها إفساد أداة الحكم"، وكانت تهمة محمود أبو الفتح أنه "في غضون سنة 1954 قام بدعايات واتصالات في الخارج ضد نظام الحكم القائم بغرض تقويض النشاط القومي للبلاد وإغراء موظفًا عموميًا بطرق غير مشروعة على المساهمة في إتمام صفقة تجارية لمصلحته الذاتية" وقد صدر الحكم بسجن محمود أبو الفتح ـ الذي كان متغيبًا بأوروبا ـ عشر سنوات ومصادرة 358,438 جنيهًا من أمواله، ومعاقبة حسين أبو الفتح بالحبس خمسة عشر سنة مع إيقاف التنفيذ، وطبقا لهذا الحكم عُطلت جريدة المصري منذ يوم 5 مايو 1954.
لكن، هل هذه القصة هي القصة الحقيقية وراء أزمة ( آل أبو الفتح – عبد الناصر ) أم أن هناك تفاصيل أخرى؟
في تقديري أن بداية الأزمة لم تكن عام 1954 بل كانت عام 1952 وتحديداً ليلة 4 أغسطس بعد قيام الثورة بأقل من أسبوعين في منزل أحمد فؤاد أحد الضباط الأحرار والضابط المسئول عن الشئون الثقافية لقسم الجيش في حركة ( حدتو ) الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني قبل قيام ثورة 23 يوليو حيث اجتمع على الغذاء بمنزله كل من جمال عبد الناصر ويوسف صديق وخالد محيي الدين وإبراهيم طلعت وعبد الحكيم عامر ودار بينهم حديث طويل حول نظام الحكم بعد نجاح الثورة وعزل الملك وتم الاتفاق على ضرورة عودة الحياة الدستورية بما يحقق الحرية والديمقراطية وإجراء انتخابات حرة الغرض منها قيام مجلس النواب الذي يجب أن يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً ومن ثم وجوب دعوة البرلمان المنحل للانعقاد بمجلسيه الشيوخ والنواب لإقرار عزل الملك وإضفاء المشروعية على الثورة، وقد نقل " إبراهيم طلعت " هذا الكلام بالحرف لأحمد أبو الفتح في حضور جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في حديقة جريدة المصري يوم 10 أغسطس 1952 م، الأمر الذي دفع أبو الفتح لأن يطرق صامتاً ولم يعلق خاصة بعد سماعه مسألة قانون تحديد الملكية الزراعية من جمال عبد الناصر، وفي يوم 11 أغسطس وفي كافيتريا ( البافيون ) بمصر الجديدة تقابل أحمد أبو الفتح مع أبراهيم طلعت وصارحه بأنه خائف وحين سأله أبراهيم عن سبب خوفه أجاب: ما أعرفش .. إحساس عندي .. كل ( اللغوصة ) اللي بتحصل في البلد دي ! ولكن بالرغم من خوف أحمد أبو الفتح كان هو الوحيد في مصر الذي انفردت جريدته يوم 12 أغسطس 1952م بنشر نص مشروع تحديد الملكية الزراعية تحت عنوان " نص مشروع قانون تحديد الملكية الزراعية الذي قدمه مجلس الثورة للوزارة لإصداره ) وكان ذلك العنوان هو القشة التي قصمت ظهر البعير !
بعد نشر الخبر 12 اغسطس وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً فوجئ إبراهيم طلعت بأحمد أبو الفتح على رأسه في غرفته بالفندق وهو يصيح في وجهه : رحنا في داهية يا إبراهيم !!
كانت الداهية التي يصيح بها أحمد أبو الفتح في وجه إبراهيم طلعت مصدرها حفل وضع حجر الأساس لمبنى الإذاعة الجديد بحضور "محمد نجيب" الذي سبقه لمكان الأحتفال " علي باشا ماهر" رئيس الحكومة وهو في حالة عصبية وانفعال شديد ليخبر محمد نجيب عن أن جريدة المصري قد نشرت خبراً ( مكذوباً ) حول مشروع قانون الملكية الزراعية في محاولة منها لدس الفتنة بين الوزارة ومجلس قيادة الثورة. 
لم يكن "محمد نجيب" على علم بكل ما دار بالأمس بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وإبراهيم طلعت وأحمد أبو الفتح ومن ثم صرح في الميكرفون للصحفيين الموجودين أمامه أن ما نشرته جريدة المصري صباح 12 أغسطس هو عار تماماً من الصحة وكاذب جملة وتفصيلاً وأنه من خيال هذه الجريدة وطلب تكذيباً رسمياً للخبر، وهنا وكما يقول إبراهيم طلعت في مذكراته أهتزت الدنيا ولم تقعد.
ولكن كيف كان اهتزاز الدنيا التي قامت؟
قرر محمد نجيب أن تنشر جريدة الزمان تكذيباً على لسانه بأن مجلس قيادة الثورة لا علاقة له بما نشرته جريدة المصري وأنه لا مشروع إطلاقاً لمسألة تحديد الملكية الزراعية، وفي مساء نفس يوم 12 أغسطس، تقابل أحمد أبو الفتح وابراهيم طلعت مع جمال عبد الناصر في مكتبه بمجلس قيادة الثورة وتحدثوا معه عن الفضيحة التي ستتلقاها جريدة المصري حيث تم انتهاء جريدة الزمان من اصدار طبعتها الأولى التي تحمل في المانشيت الرئيسي لها تكذيب "محمد نجيب" لمشروع تحديد الملكية الزراعية، لكن لم يدر بخلدهما أبداً وسط ابتسامة جمال عبد الناصر الهادئة والمطمئنة أنه قد تم سحب كل نسخ الطبعة الأولي لجريدة الزمان ومصادرة كل ما طبع منها على رأس قوة من الجنود بقيادة الصاغ عبد المنعم النجار ( سفير مصر في باريس وبغداد فيما بعد ) وإعادة طبعها من جديد بمانشيت رئيسي مختلف يحمل عنوان : ما نشرته جريدة المصري هو نص المشروع الذي قدمه مجلس قيادة الثورة للحكومة لإصدارة.
مذهولان خرج كل من أحمد أبو الفتح وإبراهيم طلعت من مكتب جمال عبد الناصر حيث نظر ابراهيم طلعت لأحمد أبو الفتح قائلاً : أنا الآن يا أحمد أستطيع القول بأني اشاركك الخوف الذي انتابك يوم أمس .. فما حدث بجريدة الزمان النهاردة من المحتم أن يحدث لجريدة المصري غداً.
كانت آثار نشر خبر تحديد الملكية على الناس شبه كارثي، فقد أثار بتفاصيله في جريدة المصري اضطرابات ومظاهرات عنيفة في الأوساط العمالية بمصر سقط فيها قتلى حتى كادت تصل هذه الإضطرابات إلى حد الفوضى، كانت كل تلك الأمور قد وصلت لعلم محمود أبو الفتح الأخ الأكبر لأحمد أبو الفتح وكان وقتها رجل أعمال وأدرك بحسه الصحفي أن هناك أزمة داخل مجلس قيادة الثورة نفسه حول محمد نجيب والوزارة الحالية بقيادة علي باشا ماهر الذي يرى جمال عبد الناصر أنه يريد الإنفراد بالسلطة ولذلك فهو يرحب بتولي الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئاسة الحكومة بدلاً من "علي ماهر" رغم فتوى " السنهوري" الكارثية هو وسليمان حافظ بعدم إعمال النص الدستوري بدعوة مجلس النواب المنحل بعد عزل الملك، بل وإلغاء الدستور نفسه وعمل دستور جديد يتفق مع المناخ الثوري الجديد بهوى من فتحي رضوان وحسن الهضيبي، وهنا قرر محمود الفتح السفر إلى سويسرا عن طريق لبنان فقد كانت أعماله في مصر شبه متوقفة بسبب حالة عدم الأستقرار في بيزنس المال والأعمال الذي صاحب قيام الثورة وبالفعل غادر مصر ربما في شهر مايو عام 1953م وكان نقيب الصحفيين المصريين وقتها أخيه الأوسط حسين أبو الفتح.
في لبنان تقابل مع "زهير عسيران " - نقيب الصحافيين اللبنانيين فيما بعد - الذي كانت تربطه بعائلة أبو الفتح صلة صداقة انسانية ومهنية، وحين وصل محمود أبو الفتح لبيروت كان "زهير عسيران" يستعد للسفر إلى مصر حيث عهد إليه "عفيف الطيبي" نقيب الصحافيين اللبنانيين وقتذاك لإلقاء كلمة الصحافيين اللبنانيين في احتفال مصر بعيد الثورة الأول يوليو 1953.
علم "محمود أبو الفتح" من "زهير عسيران" بعد عودته من مصر بأنه ألقى كلمة صحافة لبنان بنصها الأصلي متجاهلا علامات الاستفهام والتعديل التي قام بها الرقيب المصري الذي فرضته الثورة على كل وسائل الإعلام في مصر وقتذاك، وأنه بوصوله الى الكلام عن الحرية وحق الشعوب في ان تحكم نفسها بنفسها اشتعلت القاعة بالتصفيق ، وأضاف "زهير عسيران" بأنه بعد أن أنهى كلمته نهض محمد نجيب في نهاية المؤتمر فشكر الوفود الصحافية ثم تحدّث عن الحرية، "وأن لمصر تاريخ طويل معها ومع الاستعمار، وأن "محمد نجيب" قال ذلك بنبرة قوية وشجاعة، دفعت "زهير عسيران" للتساؤل في إما ان الرئيس محمد نجيب اراد ان يزايد على كلمته ليفهم الحاضرين ان الحرية بخير، أو ان الرقيب الذي عينته الثورة يتبع سلطة خارجة عن ارادة محمد نجيب".
ويقول "زهير عسيران" في مذكراته : وتبين لي في ما بعد ان استنتاجي كان في محله وأن هناك خلاف داخل رجال الثورة أنفسهم حول قيادة محمد نجيب.
اتصل محمود أبو الفتح من بيروت بأخيه حسين أبو الفتح ( نقيب الصحافيين المصريين ) ودعاه لنشر كلمة "زهير عسيران" التي ألقاها في احتفالات الثورة بعيدها الأول بجريدة "المصري" فصدرت في مقالات "لأحمد أبو الفتح" تحت عنوان "حكم الشعب"، وهنا يقول "أحمد أبو الفتح" : ألم يكن الاتفاق بين أصحاب جريدة "المصري" والضباط الأحرار ان تعود الحياة البرلمانية الديموقراطية بعد نجاح الثورة، وهو الأمر الذي لم يرضى عنه الضباط الأحرار ومقالات استوجبت عقد اجتماع بين جمال عبد الناصر وأحمد أبو الفتح في منزل ثروت عكاشة شقيق زوجة أبو الفتح، وانتهى اللقاء إلى خلاف حاد في الرأي عندما أصر أحمد أبو الفتح على رأيه وعلى مقالاته التي تدعو بوجوب عودة الحياة البرلمانية فورا الى مصر، وبتحدي حقيقي ضد جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة وبمباركة من محمود أبو الفتح المتواجد في بيروت وقتها استمرت "المصري" في موقفها المطالب بأن يعود الحكم الى الشعب بعد نجاح الثورة، وحين علم محمود ابو الفتح بأن هناك نية لإسكات صوت جريدة "المصري" قرر أن ينتقل بها لبيروت لكن الوقت كان قد فات وتم مصادرتها ومصادرة مطابعها.
من خلال صداقة "محمود أبو الفتح" بكل الصحافيين العرب ونقبائهم قرر أن يشن حملة صحفية من بيروت ويبدأها من خلال جريدة "الهدف" لصاحبها "زهير عسيران" .. كانت حملة قاسية ( من وجهة نظر محمود أبو الفتح ) على عبد الناصر الذي غيّر موقفه من رفاقه وخصوصا جريدة "المصري" وأصحابها، وفي عام 1954 م قرر جمال عبد الناصر أمام هذه الحملة تجريد محمود أبو الفتح من جنسيته المصرية والحكم عليه في محكمة الثورة بعشرة سنوات سجن وتجريده أيضاً من جميع ممتلكاته وتحويل منزله بشارع أحمد حشمت بالزمالك إلى مدرسة ابتدائية وكذلك أخاه حسين أبو الفتح.
سافر "أحمد أبو الفتح" لملاقاة أخيه محمود في بيروت ولكن محمود كان قد غادرها إلى سويسرا فور سماعه بنبأ تجريده من الجنسية المصرية حتى يدخلها قبل أن تمنعه السلطات السويسرية من دخولها بعد اسقاط جنسيته، حينها أرسل له أحمد أبو الفتح برقية من بيروت تفيد بضرورة أن يلتقيه في ايطاليا ولما كان محمود أبو الفتح قد انتزعت منه الجنسية المصرية ومضطر لملاقاة أخيه في ايطاليا ولا يستطيع مغادرة سويسرا والعودة إليها بل ولا يستطيع دخول ايطاليا أيضاً فقد استطاع بواسطة اصدقاء منهم "زهير عسيران" الحصول على جواز مرور سويسري من السلطات السويسرية تتيح له السفر والعودة بموجبه، وعند الحدود الايطالية - السويسرية دقق ضباط الجوازات مع حامل جواز المرور وهنا بكى محمود أبو الفتح ولسان حاله يقول: هكذا أصبحت مشرداً في الارض لا هوية لي كأني لم أكن يوما عربيا ولم أخدم قضايا وطني؟".
في فندق "أكسلسيور" في العاصمة روما بإيطاليا كان "محمود أبو الفتح" في شبه انهيار مما يحدث، وبينما هو في انتظار أحمد أبو الفتح أخيه اتصل "زهير عسيران" الذي كان يرافقه في رحلته من سويسرا لإيطاليا بل ومنذ خروجه من لبنان بالدكتور "فاضل الجمالي" وزير الخارجية العراقي يومئذ وتحدث معه عن "محمود أبو الفتح" فتأثر جداً وطلب مقابلتهما.
في صباح اليوم التالي ذهب "زهير عسيران" بصحبة "محمود أبو الفتح" للسفارة العراقية في روما فوجدا الدكتور "فاضل الجمالي" قد أعطى أوامره بإعطاء "محمود أبو الفتح" جواز مرور للسفر الى بغداد فوراً. 
وصل "محمود أبو الفتح" بصحبة "زهير عسيران" الى مطار بغداد فوجدا مندوباً من وزير الخارجية يقودهما الى مقر وزارة الخارجية حيث استقبلهما هناك "فاضل الجمالي" بنفسه وهو يطمئنه: "سترى ما يسرك ان شاء الله".
وانعقد مجلس الوزراء العراقي واتخذ قرارا بمنح "محمود أبو الفتح" الجنسية العراقية، تقديرا لخدماته وتضحياته في سبيل العرب والعروبة، وخلال يوم واحد كان "محمود أبو الفتح" يحمل الجنسية العراقية وجواز سفر يتحرك به كيفما شاء.
كان التحرك الاول الى سويسرا حيث يقيم فحصل من القنصلية السويسرية على تأشيرة دخول الى سويسرا، ورغم ان السلطات السويسرية لفت نظرها تغيير الجنسية، الا أنها تتساهل مع الشخصيات المعروفة لديها وأن "محمود أبو الفتح" ليس مجهولا منها وهو يقيم فيها منذ مدة وله مصالح فيها قبل ان يتم الحكم عليه بنزع الجنسية المصرية.
وظل "محمود أبو الفتح" عراقيا حتى الثورة التي قام بها "عبد الكريم قاسم" وحينها قرر مجلس الوزراء العراقي في أول جلسة له بسحب الجنسية العراقية من "محمود أبو الفتح".
تشاور "محمود أبو الفتح" مع صديقة القديم "زهير عسيران" في التليفون فدعاه أن يحضر الى بيروت فوراً وكان سفير العراق فيها صديقا لزهير عسيران حيث أطلعه على ما حدث لمحمود أبو الفتح وهنا قرروا الحل الذي تلخص في العودة الى الجريدة الرسمية العراقية "الوقائع العراقية" والتي تحمل مرسوم اعطاء الجنسية العراقية الى "محمود ابو الفتح" حيث يقدموه للسلطات السويسرية لتبقى الجنسية العراقية سارية المفعول لمحمود في سويسرا وهو ماحدث بالفعل.
حزن محمود أبو الفتح مما حدث له ويحدث حزنا شديداً فساءت صحته وتدهورت بشكل سريع فانتقل الى المانيا وتوفي في مستشفى "بادن"، ولم يتمكن اهله من دفنه في مسقط رأسه مصر، بحسب وصيته، لمعارضة السلطات المصرية استقبال جثمانه فدفن في تونس بأمر من الرئيس الحبيب بورقيبة.
فهل حان الوقت لإعادة رفات هذا الرجل الوطني لأحضان وطنه ليستعيد الجثمان شرف الدفن في تراب الوطن كما أعاد أنور السادات شرف هذا الرجل ومنح أسمه وسام الجمهورية .. لا نريد أن نكون أمة تأكل أبنائها وقد حان لنقابة الصحفيين في يوبيلها الماسي أن تفكر في إعادة رفات أول نقيب لها من تونس ليتم دفنه في مصر. 
وننتهي بالثناء على شعب تونس العظيم الذي دائماً ما يظهر معدنه النقي والعروبي في لحظات العسرة إن مرت بأمتنا حيث تجد في "تونس" وشعبها حضناً انسانياً رحباً وفياضاً.
 


الأربعاء، 29 يونيو 2016

السيدة نفيسة ومحنة آل بيت النبي بقلم محيي الدين إبراهيم

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
أحب المصريون السيدة نفيسة حباً جماً لدرجة أنهم أخذوا في بناء بيوتهم الجديدة بجوارها وبجوار منزلها في " درب السباع" حتى عمرت الصحراء المحيطة ببيتها ببيوت وقلوب المحبين لها، كما عرفوا أيضاً جرأتها في الحق فاشتكوا لها ظلم بعض أمرائهم الذين يسرقون الناس ويتحكمون في الأرزاق فخرجت السيدة نفيسة من دارها ذات يوم وكانت قد علمت أن والي مصر سيمر بجوارها حتى جاء فصرخت فيه قائله:


زالت الدولة الأموية بالكامل وتم قتل بني أمية جميعاً وآخر من تم قتله كان الخليفة الأخير "مروان بن محمد" في مصر بعدما ( فر ) إليها من دمشق عام 132 هـ مع نفر من حلفائه ليلحق بهم العباسيون من دمشق ويقتلوه وحلفائه في قرية "أبو صير الملق" بمحافظة بني سويف ولم ينجو من مجزرة قتل آخر الأمويين في هذه القرية سوى "عبد الرحمن بن معاوية" المُلقب بـعبد الرحمن الداخل، الذي فر من مصر إلى الأندلس وأسس الدولة الأموية الثانية هناك، كان أهل مصر - في ذلك الزمان – يعتقدون أن زوال دولة بني أمية إنما جاء بسبب قتلهم آل بيت رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وقد كان أهل مصر يحبون أهل بيت رسول الله حباً عظيما ويحمونهم ويحيطون بهم إحاطة الرحم بالجنين. 
لا يمكن تصور أن أهل بيت النبي يصل بهم الأمر إلى حد تحديد الإقامة الجبرية في المدينة المنورة طيلة فترة الدولة الأموية تجنباً لقتلهم في عملية قتل متعمده أقرب للتطهير العرقي والإبادة الجماعية؟، كان الأمويين يذبحونهم ذبح الشاة فيفصلون الرأس عن الجسد حتى ولو كان طفلاً رضيعاً !!، ولذلك كاد خلفاء الدولة الأموية الذين استمروا في الحكم "ثمانين عاماً"، كادوا أن يقضوا على آل بيت النبي باستثناء من لجأ منهم إلى مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ولم يغادرها حتى مات أو من بقى منهم في المدينة المنورة وظل بها حتى مات إلى أن انتهت دولة بني أمية على يد العباسيين وحلفائهم وعلى رأسهم سادة كبار من بني هاشم، وظن الجميع أن مصيبة آل بيت رسول الله في قتلهم وذبحهم قد انتهت بصعود نجم العباسيين لكن لم يدم هذا الظن سوى عقد من الزمان هي مدة حكم الخليفة العباسي الأول الذي مات بالجدري وهو في طريقة للحج.
لم تنته المصيبة بالطبع !!، لماذا ؟، من هنا تبدأ المأساة، تبدأ بمحمد ( النفس الزكية ) بن عبد الله ( الكامل ) بن الحسن ( المثنى ) بن الحسن ( السبط ) بن علي بن أبي طالب، وهو إبن عم السيدة نفيسة ( كريمة الدارين ) بنت الحسن ( الأنور) بن زيد (الأبلج ) بن الحسن ( السبط ) بن علي بن أبي طالب، حين بايعه في المدينة المنورة أثناء استعدادهم للثورة والحرب والقضاء على بني أمية واستلاب الخلافة منهم جماعة من بني هاشم ومعهم "عَبْد الله بن محمد بن علي بن عَبْد الله ابن العباس بن عَبْد المُطَّلِب" المعروف ( أبو العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين ) وأبن أخيه "عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم" المعروف ( أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء العباسيين ) بايعوا " محمد النفس الزكية " على أن يكون هو خليفة المسلمين بعد زوال حكم بني أمية، وأتفق الناس على ذلك وحاربوا بني أمية وظفروا بالنصر عليهم ولكن تراجع ( أبو عباس السفاح ) ومعه إبن أخيه ( أبو جعفر المنصور ) عن بيعتهم لمحمد النفس الزكية وقرروا أن تكون الخلافة فيهم وفي أبنائهم من بعدهم وبدأوا في التخلص من كل حلفائهم الذين ناصروهم في القضاء على بني أمية ودولتهم، وعلى رأسهم محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم اللذان حينما علما بذلك الغدر سافرا لليمن ومنها للهند ليتوارا عن أعين بني العباس الذين يبحثون عنهم لقتلهم.
حين مات " ابو العباس السفاح" بالجدري عاد محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم للمدينة المنورة، وكتب خطاباً لأبي جعفر المنصور يؤكد له فيه أحقيته بالخلافة عنه جاء فيه:"من محمد بن عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن محمد، {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص: 1-6]، وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضته، فإنَّ الحقَّ معنا، وإنَّما ادَّعيتم هذا الأمر بنا، وخَرجتم إليه بنا، وحَظيتم عليه بفضلنا، وإن أبانا عليًّا رحمه الله كان الإمام، فكيف ورثتم ولايةَ ولده؟!! وقد علِمتُم أنه لم يطلب هذا الأمر أحدٌ بمثل نَسَبنا ولا شرفنا، وأنَّا لسنا من أبناء الظِّئار( أي لسنا أبناء وأخوة من الرضاعة مع أبناء فاطمة الزهراء )، ولا من أبناء الطُّلقاء (يقصد بهم أهل مكة بعد الفتح الذين قال فيهم النبي: أذهبوا فأنتم الطلقاء)، وأنه ليس يَمُتُّ أحدٌ بمثل ما نَمُتُّ به من القرابة، والسابقة، والفضل"، وهنا رد عليه أبو جعفر المنصور في خطاب – نوجزه – حيث قال فيما اختصرناه: "من عبد الله أمير المُؤمنين إلى محمد بن عبد الله بن حَسن، أمَّا بَعْدُ؛ فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ كلامَك، فإذا جُلُّ فَخْرِكَ بقَرابة النِّساء؛ لتُضِلَّ به الغوغاء، ولم يَجعل اللهُ النساءَ كالعُمومة، ولا كالعَصَبَة الأولياء؛ لأنَّ الله جعل العمَّ أبًا، وبدأ به في القرآن على الوالد الأدنى، ولو كان اختيارُ الله لهنَّ على قدر قَرابتهن لكانت آمنة أقربَهن رَحِمًا، وأعظمَهن حقًّا، وأوَّلَ مَن يدخل الجنَّة غدًا، ولكنَّ اختيارَ الله لخَلقه على قَدْرِ عِلْمِه الماضي لهم"، وأطال في خطابه واسترسل حتى قال له يذكره: " لقد خرج عمُّك الحُسيَن على ابن مَرْجانة ( ويقصد به أبو حفص، عبيد الله بن زياد ابن أبيه، ولي خراسان، في عهد معاوية وابنه يزيد، وهو قاتل الحسين بن علي "الذهبي: سير أعلام النبلاء 3/546)، فكان الناس معه عليه حتى قَتلوه وأَتَوْا برأْسِه إليه، ثم خرجتُم على بني أُميَّة فقتَّلوكم وصَلَّبوكم على جُذوع النخل، وأحرقوكم بالنِّيرانِ، ونَفَوْكم من البُلدان، حتى قُتل يحيى بن زيد بأرض خُراسان، وقَتلوا رجالَكم، وأسروا الصِّبية والنِّساء، وحَملوهم كالسَّبي المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم، فَطلبنا بثأرِكم، وأدْركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضَهم وديارَهم وأَموالَهم، وأردنا إشراككم في مُلكنا، فأبيتم إلاَّ الخروجَ علينا"، ثم أنهى خطابه بالقول: وقد علمت أنَّ المكْرمة في الجاهلية سِقَايَةُ الحاجِّ الأعظم وولاية بئر زمزم، وكانت للعبَّاس، وقد نازعَنا فيها أبوك، فقضى لنا بها رسولُ الله، فلم نَزل نَليها في الجاهليَّة والإسلام، فقد علمتَ أنه لم يَبْق أحدٌ مِن بعد النبيِّ من بني عبد المطلب غير العبَّاس وحدَه، فكان وارثَه من بين إخوته، ثم طَلَبَ هذا الأمرَ غيرُ واحد من بني هاشم، فلم يَنله إلاَّ ولدُه، فالسقاية سقايتُنا، وميراث النبيِّ ميراثُنا، والخلافة بأيدينا، فلم يبقَ فَضل ولا شَرف في الجاهليَّة والإسلام إلاَّ والعبَّاس وارثه ومُورِّثه"، خرج "محمد" النفس الزكية بعد الخطاب ثائراً بالمدينة سنة 145هـ، وبويع له فى كثير من الأمصار وخرج أخوه "إبراهيم" بالبصرة، واجتمع معه كثير من الفقهاء، وغلب أتباعه على فارس وواسط والكوفة، وشارك فى هذه الثورة كثير من الأتباع وكانت المواجهة العسكرية أقرب للمجازر، واستطاعت في النهاية جيوش أبى جعفر أن تهزم "النفس الزكية" بالمدينة وتقتله وتفصل رأسه عن جسده، وتقضى كذلك على أتباع إبراهيم أخيه فى قرية قريبة من الكوفة وتقتله وتفصل رأسه أيضاً.
بمقتل " النفس الزكية" ظهر دور عمه الحسن ( الأنور) والد السيدة نفيسة رضي الله عنها حيث كان أهل المدينة وما حولها في شدة الغضب من أبو جعفر المنصور الذي سار على نهج سلفه من بني أمية في قتل أحفاد رسول الله، ولكي يُطفئ "أبو جعفر المنصور" نيران هذا الغضب الذي ربما يطيح بعرش خلافته قرر أن يسامح من وقف إلى جانب ثـورتي محمد وأخيه إبراهيم بالمدينة، ولاسيمـا من الشخصيات البـارزة في المجتمع، سـواءً في الحجاز أو في العـراق، ومـن هؤلاء الإمــام أبو حنيفة، والفقيه عبـد الحميد بن جعفر، وابن عجــلان، والإمــام مـالك بن أنس، ولما اطمأن الخليفة إلى موقف الإمام جعفر الصادق أكرمه وبره، ثم ولى على المدينة المنورة "الحسن ( الأنور ) بن زيد بن الحسن" عم " النفس الزكية" ووالد السيدة "نفيسة" وأبقاه والياً علي المدينة المنورة خمس سنين (لأنه لم يشترك في ثورة محمد النفس الزكية) فظل والياً عليها من سنة 150-155ﻫ/767-772م، وحين هدأ غضب الفقهاء والناس وسادة بني هاشم في المدينة وما حولها وأذعن الجميع للأمر الواقع بخلافة أبو جعفر المنصور وأنه قد صار بالفعل "أمير المؤمنين" وثاني الخلفاء العباسيين قام أبو جعفر بخلع "الحسن الأنور" من ولاية المدينة المنورة ولم يكتف بذلك وحسب بل قام بسجنه ثلاث سنوات، ثم أرسل له رسول بالسجن ليختار بين السجن أو الرحيل لبلد يختارها فأختار "مصر" ليرحل إليها هو وأهله، وبالفعل رحل "الحسن الأنور" هو وجميع أهله إلى مصر، واستقبل قدومهم جمع غفير من أهل مصر بمدينة "العريش" بسيناء وظلوا يرافقونهم حتى دخلوا مدينة الفسطاط حيث استقبلهم والي مصر "الحسن بن البحباح".
قرر حسن الأنور أن يقيم على أطراف مدينة الفسطاط ( المكان المعروف حالياً " الجيارة") أما السيدة نفيسة وزوجها "إسحاق المؤتمن بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب" فأقاما في منزل أحد الأعيان تحت سفح المقطم في المنطقة التي تعرف اليوم بسوق الجمعة أمام مسجد السيدة عائشة بطريق مسجد الإمام الشافعي وكان يدعى هذا الرجل المصري " جمال بن عبد الله الجصاص" وكان تاجراً وربما جاء لقبه " الجصاص" نسبة إلى حرفته أو حرفة أبيه في صناعة " الجص " في العمارة وخاصة عمارة المساجد والأضرحة ، وقد كانت هذه المنطقة صحراء خالية تماماً من أي روح لكونها على أطراف الفسطاط العاصمة وخارج أسوارها وتقع وسط مقابر المسلمين الذين أشتروا أرضها أسفل جبل المقطم من أقباط مصر ( طريق اوتوستراد المعادي وحلوان حالياً )، وكان للجصاص أرض ينوي إنشاءها مقبرة له ولأبنائه في أعلى أحد تلال جبل المقطم ( بالقرب من مقام الشيخ أحمد بن عطاء السكندري حالياً ) فاختارتها السيدة نفيسة " صومعة " تعتزل فيها ليلاً لتصلي وتقرأ القرآن ومازالت هذه "الصومعة" موجودة حتى الآن باسمها وهي تسع شخصين فقط للصلاة لضيق حجمها لكونها أقرب لكهف صغير محفور في أعلى التبة وقد حالفني الحظ ذات مرة وزرتها وصليت فيها، وحين علم الإمام الشافعي في محبسه بالكوفة الذي سجنه فيه أبو جعفر المنصور بسبب فتاواه التي تؤيد " النفس الزكية" وتدعم موقفه في الثورة قرر إن خرج من سجنه ليذهبن إلى مصر ليكون بجوار الشيخ "حسن الأنور" وأبناءه وبالفعل حين فك الله أسره جاء إلى مصر وقرر أن يختار مكاناً بالقرب من إقامة السيدة نفيسة وزوجها اسحاق المؤتمن بدار " الجصاص" فكان مقامه على مقربة شديدة من دارهما ( في مكانه الحالي المعروف بمسجد الإمام الشافعي)، وكان الشافعي يعتبر السيدة نفيسة هي سيدة العلم إذ تربت في مسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وأخذت عن علمائه ما يدفعها لقمة هرم العلم الديني والفقهي ولعل أهم من التقت بهم في المسجد النبوي كان الإمام "مالك " الذي أخذت عنه العلم من كتابه "الموطأ" إذ كان فقهه حديث الأمصار في كل بلاد المسلمين، ومن ثم كان الشافعي دائم الزيارة لها ولزوجها يسألها ويحاورها ويدعوها دوماً للدعاء إليه، كما كانت علاقته بزوجها هي علاقة تلميذ بأستاذة إذ أن أستاذ الشافعي الذي تتلمذ الشافعي على يديه كان دائم القول عن "إسحاق المؤتمن": حدثني الثقة، حدثني الرضا، حدثني "إسحاق المؤتمن بن جعفر" وحتى بعد أن أمر أحد أمراء مصر في ذلك الوقت وهو " السري بن الحكم " بأن يهديها داراً واسعة كان قد أنشأها في "درب السباع" وقبلتها ( حيث مسجدها ومقامها الحالي ) ظل الإمام الشافعي يزورها هو وتلاميذه ومنهم ذو النون المصري وعبد الله بن الحكم والربيع المرادي والربيع الجيزي وغيرهما.
أحب المصريون السيدة نفيسة حباً جماً لدرجة أنهم أخذوا في بناء بيوتهم الجديدة بجوارها وبجوار منزلها في " درب السباع" حتى عمرت الصحراء المحيطة ببيتها ببيوت وقلوب المحبين لها، كما عرفوا أيضاً جرأتها في الحق فاشتكوا لها ظلم بعض أمرائهم الذين يسرقون الناس ويتحكمون في الأرزاق فخرجت السيدة نفيسة من دارها ذات يوم وكانت قد علمت أن والي مصر سيمر بجوارها حتى جاء فصرخت فيه قائله: "ملكتم فأسرفتم وقدرتم فقهرتم وخولتم ففسقتم وردت إليكم الأرزاق فقطعتم ،هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة لاسيما من قلوب أوجعتموها ..وأكباد جوعتموها.. وأجساد عريتموها.. ومحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم ،اعملوا ما شئتم فإنا صابرون.. وجاوروا فانا مستجيرون ..وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) سمعها جيداً وما أن انتهت من صرختها حتى خر الحاكم باكيا ووقف بين يديها ووعد بالتغيير ونفذه بالفعل الأمر الذي فاض على المستجيرين بها عدلاً وإحسانا.
عُرفت أيضاً السيدة نفيسة بكرامات لها كثيرة وقد ذكر ابن حجر رضي الله عنه نحواً من مائة وخمسين كرامة، أما هي رضوان الله عليها فحينما واجهوها بذلك قالت: "أما فيما يتعلق بما سماه الناس لي من كرامات فهذه ليست إلا من قبيل النوع الذي يقود إلى الطاعة، والسير فيما يرضي الله، حتى يصل من شاء الله له بالهداية إلى منازل الصالحين" وفي شهر رجب من عام 208 هـ أصاب السيدة نفيسة مرض أقعدها عن الحركة وصار يزداد، فأحضروا لها الطبيب فأمرها بالفطر، فقالت: واعجباه! لي ثلاثين سنة وأنا أسأل الله أن يتوفاني وأنا صائمة، أأفطر؟!، وكانت ترقد ومن وراءها ستار يخفي وراءه ( القبر ) الذي حفرته بيدها لنفسها فقالت للمحيطين بها بعد أن أزاحت جزءاً من الستار وهي تشير للقبر: "هذا قبري، فإذا متُّ فأدخلوني فيه"، فلمّا فاضت روحها الطاهرة الشريفة دفنت في قبرها الذي حفرته بيدها، رضي الله عنها وعلى جدها سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة والسلام.

الثلاثاء، 3 مايو 2016

عندما يتفق ( صلاح جاهين وسيد مكاوي ) على الموت في يوم واحد !

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com

" لموا الكراريس" التي غنتها الفنانة العظيمة شادية بمناسبة قتل اطفال مدرسة بحر البقر، أغنية انفعل بها ( مكاوي ) واستشعر حينها ( مكاوي ) بكلمات رفيق دربه صلاح جاهين وبأنه يجب عليه أن يرسل من خلالها رسالة للعالم .. أن يصرخ بفنه .. يغضب .. يحمل السلاح .. ولكن سلاح من نوع خاص .. سلاح إلهامه .. إيمانه بوطنه .. 

صلاح جاهين ومن بعده سيد مكاوي، عملاقان، عاشا صديقين معاً، وأضاءا وجه مصر بإبداعاتهما معاً، وعبرا بفنهما عن الكرامة المصرية، والكبرياء المصري، بل ووجود مصر الحضاري والمعاصر، لكن من عجائب القدر أن كلاً منهما حين انتقل لجوار ربه إنتقل في 21 أبريل وكأنهما كانا على اتفاق فيما بينهما أن يموتا في نفس اليوم رغم السنين التي تفصل بين وفاة كل منهما عن الآخر.
صلاح جاهين، هذا الساخر المهموم، التي دعته حماسته بثورة 23 يوليو أن يكتئب من هزيمة يونيو ويعتزل الفرحة، لقد كان صلاح جاهين في وفاة أمل دنقل في قمة الاكتئاب، اكتئاب وصل إلى أعلى نقطة، كان كلما مشى في الشوارع التي اعتاد أن يمشي فيها إتهمه البعض ممن يعرفونه بأنه سبب ما تعيشه مصر من هزيمة فهو الذي هلل وكبر وغنى واتضح أن كل ما ردده الشعب المصري ورائه كان مجرد أوهام أدت لنكسة يونيو 1967، لم يستطع أن يقاوم، كان يستشعر أن كل أحلامه تخلت عنه، أحلام الثورة وأحلام الناصرية، وأحلام النصر، حتى اعترف عام 1986 بعد وفاة أمل دنقل بثلاث سنوات فقط لبعض أصدقائه أنه لا يدري هل كان يغني للناس أم يغني عليهم، ومات يوم 21 أبريل من نفس العام، كانت صاعقة لصديقه الذي ملأ مصر معه بالغناء للثورة وللنصر والهزيمة، سيد مكاوي، لقد كان النغم لكلمات جاهين، لم يفترقا، وحين مات جاهين، لم يذرف مكاوي دمعة واحدة، انتابته حالة من الذهول، ظل صامتاً حتى أخبرته إيناس أبنته بأن رفيق الرحلة سيخرج من مسجد عمر مكرم، ظل طوال الطريق صامتاً، غير مصدق أنه يمشي في جنازة صلاح جاهين، يمشي في جنازة من ملأ معه الدنيا صخباً وضجيجاً وضحكاً وسخرية والآن يواري جسده الثرى للأبد، لكنه لم يكن يعلم أنه سيلقاه في نفس اليوم 21 إبريل ولكن بعد 11 عام في 1997، فهل هذا هو عمق الارتباط بين الأصدقاء أم أنه القدر الذي لا يريد أن يحرمهما من ارتباط اسميهما حتى في يوم الوفاة، اصدقاء لا يمكن أن ننسى لهما روائع ما فعلاه لمصر سوياً بداية باحتفالات مصر بثورتها والغناء لها والاحتفاء بها ثم مروراً بأغاني أشبه بالمرثيات بعد نكسة 1967 وربما أهمها أغنية " لموا الكراريس" التي غنتها الفنانة العظيمة شادية بمناسبة قتل اطفال مدرسة بحر البقر، وهي أغنية انفعل بها ( مكاوي ) واستشعر حينها ( مكاوي ) بكلمات رفيق دربه صلاح جاهين وبأنه يجب عليه أن يرسل من خلالها رسالة للعالم .. أن يصرخ بفنه .. يغضب .. يحمل السلاح .. ولكن سلاح من نوع خاص .. سلاح إلهامه .. إيمانه بوطنه .. ويجب علينا أن نلاحظ هنا في هذا اللحن تحديداً اعتماد ( مكاوي ) على الجمل الأوبرالية المسرحية الأقرب للعالمية بغرض التعبير عن سيناريو الفساد والاحتلال والحرب وضياع الضمير الإنساني بقصف الأطفال في مدارسهم وعلى مقاعد الدرس ولم يتعد أكبر تلميذ فيهم العاشرة من عمره .. لقد كان اللحن وكأنه صور سينمائية متتابعة ومتلاحقة نجح فيه ( مكاوي ) بأن يفضح ضمير العالم كله وتحويل مأساته ومأساة شعبه من عمل يقتصر على مصر وحدها لعمل يخص العالم أجمع ويهز وجدانه لعله يستفيق .. ومن بعد هذا العمل العبقري استطاع جاهين ومكاوي أن يخرجا علينا بأعمال أخرى ستظل علامه في تاريخ الفن المصري والعربي ومن أهم تلك الأعمال الليلة الكبيرة ورباعيات جاهين، الحديث يطول عن عبقرية صلاح وجاهين وسيد مكاوي لكن شجن الذكرى يحصرنا في كلمات نحاول بها فقط التعبير عن عرفاننا بالجميل لهما عما قدماه للشعب العربي كله من فن، وأن نتذكرهما ونتذكر عجائب الأقدار التي جمعتهما معاً في الدنيا وجمعتهما معاً في يوم الوفاة الذي نعتبره رغم امتلائه بالحزن عليهما إلا أنه يمتلئ أيضاً بكل الفخر بهما، ولعلنا نذكر في هذا المقام ما قاله جاهين في إحدى رباعياته ولحنها سيد مكاوي وكأنها رباعية هي لسان حال كل منهما: 
مرغم عليك يا صبر مغصوب يا ليل
لا دخلتها برجليا ولا كان لى ميل
دخلت انا ف الحياه شايليننى شيل
وبكره حاخرج منها شايلينى شيل
وفي ذكراهما لا يسعنا سوى القول: رحم الله العملاقين

[youtube=https://www.youtube.com/watch?v=8QXYTqac56U&w=320&h=266]

المجلة المصرية || نون

الاثنين، 21 مارس 2016

حسن التهامي داهية السياسة المصرية .. عاش ومات لغزاً

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
التهامي كان أهم شخصية وقفت بجوار ( السادات ) في ثورة التصحيح عام 1971 وهو أيضاً أحد أهم أعضاء المحكمة التي صدر لها قرار جمهوري بتشكيلها في الحادي والعشرين من يوليو تموز 1971 حيث أنتقم فيها حسن التهامي من كل خصوم السادات !

الجمعة، 11 مارس 2016

مصطفى النحاس يقود شعب مصر بثورة تطيح بأحلام الملك الديكتاتور فؤاد الأول



بقلم محيي الدين إبراهيم
هذه حكاية تحتوي على حادثة وانتصار من صفحات شعب مصر كان بطلها الزعيم مصطفى النحاس باشا بعد وفاة الملك فؤاد الأول وهي غير مدونة في كتب التاريخ ولكني عثرت عليها مصادفة في مكتبة اللواء سعيد مختار ابن مختار باشا كاتم اسرار الأمير محمد على أثناء حواري معه عام 2009 حتى ان هذه الحادثة خافية على كل الوفديين المعاصرين حالياً.

السبت، 27 فبراير 2016

عُمر بن الخطاب .. إمام المظلومين

بقلم محيي الدين إبراهيم
قالوا إذا نقتله، قال: أأقتل إنسانا بالظن ؟ لاوالله، أألقى الله وفي رقبتي دم بالظن ؟ والله لا أفعلها، قالوا غدا ننفيه، قال : أأظلم إنسانا وأخرجه من أرض هو فيها لظني أنه قاتلي ؟، لو كان الله يريد ذلك فإن أمر الله كان قدرا مقدورا، رفض عمر من عمق ورعه وشدة إيمانه أن يحكم على ( كافر ) بالظن فيقتله أو ينفيه، رفض عمر أن يحمل وزر ( الظلم ) في حكمه ولو كان على ( كافرٍ ) مخافة ربه سبحانه وتعالى. 


بقلم: محيي الدين إبراهيم
"أبحث عن رجل إذا كان في القوم وليس أميرهم، كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم، لم يشعروا أنه أميرهم .. والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً؛ لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه" هذه بعض كلمات عمر بن الخطاب للناس، كلمات تصور عمق شخصيته كإنسان وصحابي وخليفة، إنسان زاهد وصحابي ورع وخليفة عادل.
كان عمر بن الخطاب رجلاً أيسر ( أشول )، طويل، يفوق الناس طولا، أبيض، أصلع، أشيب، شديد حمرة العين، وفي عارضه خفة، سبلته كثيرة الشعر في أطرافها صهبة، على فخذه شامة سوداء، قليل الضحك، لا يمازح أحدا، مقبلا على شأنه، له هيبة حتى أن عبد الله بن جبير، قال: أنه سمع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يحدث قال: مكثت سنة، و أنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، عن آية فلا أستطيع أن أسأله، هيبة، ويحدثنا في زهده رغم أنه أمير المؤمنين وتحت يده أموال بيت مال المسلمين كلها يحدثنا نافع عن ابن عباس رضي الله عنهما، و كان يحضر له الطعام فيقول: كانت له كل يوم، إحدى عشرة لقمة، إلى مثلها من الغد.
قال عنه الدكتور مايكل هارت مؤلف كتاب "أعظم عظماء التاريخ": (إن مآثر عمر مؤثره حقا، فقد كان شخصية رئيسية في انتشار الإسلام)، وقال عنه الكاتب الألماني وايزمر في كتابه "دراسة في تسامح محمد وخلفائه الذين جاءوا بعده": (عندما تسلم عمر كرسي الخلافة قطع وعدا بحكم عادل نزيه وقال: "والله ما فيكم أحداً أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه" وقد تطبق ما قال بالضبط على أرض الواقع، أما المفكر والكاتب البريطاني توماس أرنولد فقال عنه في كتابه "دعوة الإسلام": ( إن إسلام عمر كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام .حيث تمكن المسلمين من اتخاذ مواقف أكثر جرأة وخرج النبي من دار الأرقم وتمكن المسلمين من أداء عباداتهم علنا وجماعة حول الكعبة)، ولعل المدهش فيما صدر عن الموسوعة البريطانية عام 2009 عن عمر: (لقد تحولت الدولة الإسلامية في عصر عمر من إمارة عربية إلى قوة عالمية، وخلال هذه الفتوحات الرائعة وضعت سياسة عمر المنضبطة جدا المبادئ لإدارة البلدان المفتوحة,وان تركيبة الإمبراطورية الإسلامية التي قد حكمت بعده بما تتضمنه من خبرة قانونية يعود الفضل بوجودها إليه).
صاحب عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازمه في كل خطواته ولم يتركه لحظة واحدة منذ أن أشهر إسلامه وحتى وفاة الرسول الكريم، ومن ثم تأمل الرسول بعمق المؤمن، تعلم منه، تتلمذ على يديه، عاش عظمة نبوته، حتى صار بعد أن أصبح خليفة للمسلمين مدة عشر سنوات وستة أشهر وأربعة أيام، الفاروق في عدله بين الرعية .. وصار حتى يومنا هذا إمام المظلومين.
لا ندري لماذا فضله الله سبحانه وتعالى على عمرو بن هشام في الهداية للإسلام حين دعا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ربه بأن ( يعز ) الإسلام بأحد العمرين، عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب فكانت حكمة الله في اسلام عمر بن الخطاب وهدايته رغم أن كلا منهما – بن هشام وأبن الخطاب – رغم ثقافتهما وقدرتهما على القراءة والكتابة واستجلاب المعرفة جبارين في الجاهلية وبنفس القدر من قوة الغضب حتى أن عمرو بن هشام كان لقبه وقتذاك ( أبو جهل ) التي تعني ( سيد الغضب ) وكان عمر بن الخطاب يُعرف بجبروته، وحيث كان العرب حينها يفخرون بإطلاق هذه المسميات ( العنيفة ) التي من شأنها إضفاء ( وابلاً ) من الهيبة على شخصياتهم بين الناس، كان هناك سر ( إنساني ) في أعماق عمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى جعل الله يختاره هو ليعز الإسلام – وقد أفلح عمر في ذلك - ولا يختار أبا جهل.
كان عام ( الرمادة ) هو عام اختبار حقيقي للخليفة عمر بن الخطاب في حكمه وعدله أثناء توليه أمر الخلافة بعد أبو بكر الصديق رضوان الله عليهم جميعاً، حيث كان في هذا العام جدب عم أرض الحجاز، وخاصة المدينة وما حولها في آخر سنة سبع عشرة ، وأول سنة ثماني عشرة ، وجاع الناس جوعا شديدا وكانوا يتساقطون موتاً من شدة الجوع والبلاء، واسودت الأرض من قلة المطر، حتى عاد لونها شبيها بالرماد، هذا بجانب تفشي طاعون "عمواس" الذي قال فيه "الواقدي" : هذا الطاعون منسوب إلى بلد صغيرة يقال لها : "عمواس" وهي بين القدس والرملة ، لأنها كانت أول ما نجم عنها هذا الداء، ثم انتشر في الشام ومنها لجزيرة العرب فنسب إليها، وقد توفي في طاعون "عمواس" من المسلمين بالشام وحدها خمسة وعشرون ألفا، أو ثلاثون ألفا، وبالرغم من ذلك لم ييأس عمر من رحمة الله في فتنة " الرمادة " وطاعون "عمواس" ووطأة وشدة البلاء على الناس في فترة حكمه، استثمر كل موارد الدولة واللجوء إلى الأغنياء من عماله وشعبه من أجل طلب الغوث من الأقاليم عندما نفدت موارد بيت المال، ونفد ما عند أهل المدينة؛فكتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم، قال سيف بن عمر: «كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، فكان أول من قدم عليه أبوعبيدة بن الجراح فى أربعة آلاف راحلة من طعام»، وروى ابن كثير: «فكتب عمر إلى أبى موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد، وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر: يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمة، ووصلت قوافل عمرو بن العاص فى البحر إلى جدة، ومن جدة إلى مكة»، وأيضاً أرسل إلى سعد بن أبى وقاص، فأرسل له بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة، وإلى والى الشام، فأرسل إليه بألفى بعير تحمل الدقيق، كان مهموماً برعيته لدرجة أن اسودت بشرته من شدة الجوع وأكل الخبز والزيت وخدمة الناس للحد الذي وصل فيه لحمل الدقيق لهم فوق ظهره بل وقيامه بنفسه لطبخ الطعام لهم واطعامهم حتى يشبعون الامر الذي دفع على بن أبى طالب رضى الله عنه لأن يقول له: «عففت فعفوا يا أمير المؤمنين، ولو رتعت لرتعوا».
ومن عدله وورعه وإنسانيته أيضاً في الحكم ما ذكره الشيخ "شهاب الدين أحمد الأبشيهي" في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف" ما رواه أنس رضي الله عنه قال بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد إذ جاءه رجل من أهل مصر فقال يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك فقال عمر رضي الله عنه لقد عذت بمجير فما شأنك فقال سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص وهو يومئذ أمير على مصر فجعل يقنعني بسوطه ويقول أنا ابن الأكرمين فبلغ ذلك عمرا أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن فانفلت منه فهذا الحين أتيتك فكتب عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان وقال للمصري أقم حتى يأتيك فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه قام المصري فرمي إليه عمر رضي الله عنه بالدرة قال أنس رضي الله عنه فلقد ضربة ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين قال يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت قال ضعها على ضلع عمرو فقال يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني قال أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا فجعل عمرو يعتذر.
أما عن وفاة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أو اغتياله وهو قائم يصلي فمن المدهش أن عمر كان يعرف قاتله وأنه سيقتله، ففي ذات يوم كان يمشي وسط مجموعة من الصحابة ، فمر به أبو لؤلؤة المجوسي ، فقال له عمر مداعبا: سمعت أنك تستطيع أن تصنع رحى يتحدث بها الناس، حيث ظن الناس أنه سيخترع شيئا مثيرا، وهنا نظر إليهم عمر وقال : أسمعتم ؟؟.. إنه يتوعدني ، إنه يريد قتلي . فقالوا إذا نقتله، قال: أأقتل إنسانا بالظن ؟ لاوالله، أألقى الله وفي رقبتي دم بالظن ؟ والله لا أفعلها، قالوا غدا ننفيه، قال : أأظلم إنسانا وأخرجه من أرض هو فيها لظني أنه قاتلي ؟، لو كان الله يريد ذلك فإن أمر الله كان قدرا مقدورا، رفض عمر من عمق ورعه وشدة إيمانه أن يحكم على ( كافر ) بالظن فيقتله أو ينفيه، رفض عمر أن يحمل وزر ( الظلم ) في حكمه ولو كان على ( كافرٍ ) مخافة ربه سبحانه وتعالى.
يقول عمرو بن ميمون – أحد التابعين – حين أغتال أبو لؤلؤة المجوسي " عمر" حمله الناس إلى بيته فأغشي عليه ساعات طويلة ، وظنوه مات .. فدخل عبد الله بن عباس عليه وقال أنا أدري كيف يفيق عمر بن الخطاب، فقالوا: كيف يا ابن عباس، فقال: أعلنوا له أن موعد الصلاة حل، فوقفوا أمامه وقالوا الصلاة يا أمير المؤمنين، الصلاة يا أمير المؤمنين، المدهش أنه انتبه وأستفاق وقال: أأصلى بالناس؟ فقالوا نعم، قال: فوضئوني لأصلي، لكنه كان يغيب بعدها من وطأة الجرح ويُغشى عليه، حتى ظل ثلاثة أيام يفيق ثم يغشى عليه، وكان كلما أفاق يقول: الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني، ثم يسأل إبن عباس الذي لازمة طيلة فترة غيبوبته واستفاقته حتى مات: هل اتفق معه المسلمون يا إبن عباس؟ فيرد ابن عباس يا معشر المسلمين هل تآمر مع أبي لؤلؤة المجوسي أحد .فيقول المهاجرون والأنصار وهم يبكون : والله تمنينا أن نزيد "عمر" من أعمارنا ، فإن عمره نصرة للدين أما أعمارنا فستمضي، ولما إطمأن عمر في أن قتله ودمه لم يتورط فيهما مسلم قال لأبن عباس: إن كان أبو اللؤلؤة المجوسي مازال حيا فلا تمثلوا بجسده ، وإن كان مات فلا تمثلوا بجثته، نظر بعدها لأبن عباس وأسلم الروح.
مات عمر وفي خديه - خشية ربه - خطان أسودان من كثرة البكاء، مات عمر إذن، مات الذي كان إسلامه نصراً، وإمارته فتحاً، مات الذي قال فيه ابن عباس رضي الله عنه: و الله لقد ملأت الأرض عدلاً، ما من اثنين يختصمان إليك، إلاّ انتهيا إلى قولك، رحم الله عمر.


الاثنين، 29 أكتوبر 2012

سعد زغلول في ذكراه ( 23 اغسطس 1927 ) وضياع ثورة 25 يناير

mohi_ibraheem

 بقلم: محيي الدين إبراهيم

noonptm@gmail.com
في 9 مارس 1919 صبيحة اعتقال سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات. وفي غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر. وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع الأنحاء من قرى ومدن مصر مثلما حدث تماما في ثورة 25 يناير.
ثورة بلا زعيم هي ثورة رعاع وثورة جياع ما تلبث ان تستولي عليها وعلى الوطن عصابات متناحرة متنافرة يحاول كل منها ان يقتص من الآخر على حساب الشعب لتتحول الأمة بعد الثورة الى أمة من المقهورين يسلبها كبريائها علي بابا والأربعين حرامي.

لقد اندلعت ثورة 1919 في ظل موجة من الحركات الوطنية شملت الهند والصين وأيرلندا وبعض مناطق أمريكا اللاتينية تماما مثل ( هوجة الربيع العربي ) التي شملت اليمن وتونس وليبيا ومصر وسوريا والبحرين وغيرهم ولا نعرف من الذي يقف ورائها لتحدث هكذا فجأة دون رأس أو زعامة ولا ندري حتى يومنا هذا لصالح من تلك الثورات؟ وحتماً ليست في صالح الشعوب الثائرة!.

أما ثورة 1919 فقد كان رأسها سعد زغلول رأس القيمة في ثورات القرن العشرين والزعيم الوحيد الذي اقيمت له جنازتين عسكريتين شعبيتين عظيمتين واحده في عام 1927 يوم وفاته والثانية في عام 1936 حينما تم نقل رفاته من مقابر الامام الشافعي للضريح المعروف بأسمة بشارع الفلكي! حيث تشكلت في المرة الثانية في عام 1936 حكومة الوفد برئاسة مصطفى باشا النحاس وطلبت أم المصريين لنقل جثمان سعد باشا الى ضريحه بشارع الفلكي والذي يطل عليه بيت الأمة وحدد النحاس باشا يوم 19 يونيو عام 1936 للاحتفال بنقل رفات زعيم الأمة بعد أن ظل في مقبرة الامام الشافعي تسعة أعوام تقريبا وفي اليوم السابق للاحتفال ذهب النحاس باشا مع بعض رفاق سعد زغلول الى المقبرة سرا للاطمئنان على رفاته قبل نقلها ظناً منهما أنه لبما حدث أو يحدث شيئاً لرفاة زعيم الأمة ، وكان معهما محمود فهمي النقراشي باشا ومحمد حنفي الطرزي باشا والمسئول عن مدافن الامام الشافعي ولفوا جسد الزعيم الراحل في أقمشة حريرية ووضعوه في نعش جديد ووضعوا حراسة على المكان حتى حضر كل من أحمد باشا ماهر رئيس مجلس النواب ومحمود بك بسيوني رئيس مجلس الشيوخ في السادسة من صباح اليوم التالي ثم توالى الحاضرين إلى المقبرة من الوزراء والنواب والشيوخ وحمل النعش على عربة عسكرية تجرها 8 خيول واخترق موكب الجنازة للمرة الثانية القاهرة من الامام الشافعي حتى وصل الى موقع الضريح بشارع الفلكي وكان قد أقيم بجواره سرادق ضخم لاستقبال كبار رجال الدولة والمشيعين من أنصار سعد وألقى النحاس باشا كلمة مختارة في حب زعيم الأمة جددت أحزان الحاضرين ودمعت عيناه وبكت أم المصريين بكاء شديداً ونقلت صحافة مصر تفاصيل نقل الجثمان إلى الضريح وكتبت مجلة «المصور» تفاصيل نقل الجثمان تحت عنوان «سعد يعود الى ضريحه منتصرا» حقاً لقد كان زعيم أمة.

دوافع ثورة 25 يناير هي نفسها دوافع ثورة 1919 ولكن ....
تماماً كما فعل نظام المخلوع حسني مبارك حيث عانى المصريون من سوء الأحوال المعيشية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وأعلن الإنجليز الأحكام العرفية على مصر. ومصادرة ممتلكات الناس والفلاحين من ماشية ومحصول لصالح رجال القصر ولأجل المساهمة في تكاليف الحرب، الأمر الذي كان من توابعه أن نقصت السلع الأساسية بشكل حاد، وتدهورت الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، وشهدت مدينتي القاهرة والأسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والسلب والتخريب. ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من حدة الأزمة، كذلك تعرضت جميع النقابات وخاصة العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهر والإضراب.

في الوقت نفسه شهدت هذه الفترة ارتفاعا للأسعار بشكل ملحوظ، بما فيها أسعار السلع الأساسية. حيث سجلت الأرقام القياسية للأسعار ارتفاعا بلغ 216 عام 1918 مقارنة بسنة 1914. وارتفع سعر القمح بمعدل 131% والسكر 149% والفول 114% والبترول 103% كما بلغ سعر الفحم في نهاية الحرب تسعة أمثال ما كان عليه قبل اندلاعها. وارتبط ذلك أيضا بنقص حاد في السلع الاساسية. وكان لهذه الأوضاع أن أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن. حيث شهدت مدينتي القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب. ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من حدة الأزمة ومن ثم خاض عمال الصناعة والنقل عددا من الإضرابات للمطالبة برفع الأجور وتقليل ساعات العمل، كما تشّكل عدد من النقابات للدفاع عن حقوق العمال مثل الرابطة الدولية لعمال السجائر والورق في القاهرة، ونقابة عمال الصناعة اليدوية. ولكن مع نشوب الحرب تم إجهاض النشاط النقابي وأصبح العمال عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم.

ومثلما فعل البرادعي ومن معه امام الطاغية حسني مبارك قام ثلاثة من أعضاء الجمعية التشريعية، هم سعد زغلول وعلي شعراوي وعبد العزيز فهمي، بمقابلة المندوب السامي البريطاني مطالبين بالاستقلال. ولكن إزاء تعاطف قطاعات شعبية واسعة مع هذا التحرك، قامت السلطات البريطانية بالقبض على سعد زعلول وثلاثة من أعضاء الوفد هم محمد محمود وحمد الباسل وإسماعيل صدقي، ورحّلتهم إلى مالطة في الثامن من مارس عام 1919. تماما مثلما اعتقل نظام الطاغية حسني مبارك مع محمد البرادعي واعتقاله في منزله ليكون ذلك إيذانا بقيام الثورة التي اجتاحت جميع انحاء البلاد، وتصدت لها القوات البريطانية وقوات الأمن المصرية بأقصى درجات العنف.

وفي 9 مارس 1919 صبيحة اعتقال سعد زغلول وأعضاء الوفد، أشعل طلبة الجامعة في القاهرة شرارة التظاهرات. وفي غضون يومين، امتد نطاق الاحتجاجات ليشمل جميع الطلبة بما فيهم طلبة الأزهر. وبعد أيام قليلة كانت الثورة قد اندلعت في جميع الأنحاء من قرى ومدن مصر مثلما حدث تماما في ثورة 25 يناير.

ففي القاهرة قام عمال الترام بإضراب بدء يوم 11 مارس مطالبين بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل وغيرها، وتم شل حركة الترام شللا كاملا، تلا ذلك إضراب عمال عنابر السكك الحديدية يوم 15 مارس، والذي جاء عقب قيام السلطات البريطانية بإلحاق بعض الجنود للتدريب بورش العنابر في بولاق للحلول محل العمال المصريين في حالة إضرابهم، مما عجّل بقرار العمال بالمشاركة في الأحداث.

ولم يكتف هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محولات حركة القطارات وابتكروا عملية قطع خطوط السكك الحديدية – التي أخذها عنهم الفلاحون وأصبحت أهم أسلحة الثورة واستمر إضراب عمال العنابر حتى أواخر إبريل. وأضرب سائقو التاكسي وعمال البريد والكهرباء والجمارك ، تلا ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الفنارات والورش الحكومية ومصلحة الجمارك بالإسكندرية. كما اضرب المحامون في 2 إبريل وانضم موظفي الحكومة للإضراب في نفس اليوم 2 ابريل.

ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات وإضرابات العمال، بل قام السكان في الأحياء الفقيرة بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام. شارك النساء بفاعلية في الثورة وقاموا بمظاهرات كبري منها واحدة يوم 16 مارس واخري يوم 20 مارس.

في حين قامت جماعات الفلاحين بقطع خطوط السكك الحديدية في قرى ومدن الوجهين القبلي والبحري، ومهاجمة أقسام البوليس في المدن. ففي منيا القمح أغار الفلاحون من القرى المجاورة على مركز الشرطة وأطلقوا سراح المعتقلين، وفي دمنهور قام الأهالي بالتظاهر وضرب رئيس المدينة بالأحذية وكادوا يقتلونه عندما وجه لهم الإهانات.

وفي الفيوم هاجم البدو القوات البريطانية وقوات الشرطة عندما اعتدت هذه القوات على المتظاهرين. وفي أسيوط قام الأهالي بالهجوم على قسم البوليس والاستيلاء على السلاح، ولم يفلح قصف المدينة بطائرتين في إجبارهم على التراجع، أما في دير مواس بالقرب من أسيوط، هاجم الفلاحون قطارا للجنود الإنجليز ودارت معارك طاحنة بين الجانبين.

وعندما أرسل الإنجليز سفينة مسلحة إلى أسيوط، هبط مئات الفلاحين إلى النيل مسلحين بالبنادق القديمة للاستيلاء على السفينة. وعلي الجانب الأخر كان رد فعل القوات البريطانية من أفظع أعمال العنف الذي لاقاه المصريون في التاريخ الحديث، فمنذ الأيام الأولى كانت القوات البريطانية هي أول من أوقع الشهداء بين صفوف الطلبة أثناء المظاهرات السلمية في بداية الثورة.

وعقب انتشار قطع خطوط السكك الحديد، أصدرت السلطات بيانات تهدد بإعدام كل من يساهم في ذلك، وبحرق القرى المجاورة للخطوط التي يتم قطعها. وتم تشكيل العديد من المحاكم العسكرية لمحاكمة المشاركين في الثورة. ولم تتردد قوات الأمن في حصد الأرواح بشكل لم يختلف أحيانا عن المذابح، كما حدث في الفيوم عندما تم قتل أربعمائة من البدو في يوم واحد على أيدي القوات البريطانية وقوات الشرطة المصرية. ولم تتردد القوات البريطانية في تنفيذ تهديداتها ضد القرى، كما حدث في قرى العزيزية والبدرشين والشوبك وغيرها، حيث أُحرقت هذه القرى ونُهبت ممتلكات الفلاحين، وتم قتل وجلد الفلاحين واغتصاب عدد من النساء.

هكذا كان الإضراب العام في عام 1919 والذي شل الحياة وحركة النقل بين المدن وكذلك داخل المدن من خلال إضراب (عمال عنابر السكك الحديدية وعمال الترام وسائقي التاكسيات) واستمرارهم في الإضراب وكذلك الموظفين والطلبة. وانضمام الفلاحين للثورة وقطع خطوط السكك الحديدية.

وإذا تطرقنا إلى نتائج ثورة 1919، فيمكن القول أنها وإن لم تؤد إلى تحقيق الاستقلال فأنها قد كانت لها آثارا مهمة على تطور الحركة الديمقراطية والنقابية. فقد أسفرت عن نشأة أحزاب ليبرالية وطنية تجمع تحت مظلتها جميع الطوائف المصرية على اختلاف مذاهبهم الدينية والعرقية مثل حزب الوفد وأحزاب الأقليات ووضع أول دستور ليبرالي وطني لمصر في عام 1923 وقيام أول حكومة ليبرالية منتخبة هي حكومة الوفد. هذا إلى جانب بعث الحركة النقابية التي كانت قد أصيبت بموات خلال فترة ما قبل الثورة حيث تشكلت العديد من النقابات، وانبثقت حركة إضرابات قوية في الأعوام التالية. وفي الوقت نفسه، فقد نبهت الثورة الطبقات العليا من البرجوازية وكبار الملاك إلى خطورة التحرك الجماهيري، أما ثورة 25 يناير فلم يخرج لنا من رحمها إلا أحزاب دينية متناحرة وفوضى عارمة في الشارع المصري ربما تمتد لعشرين عاما قادمة لا يعلم إلا الله دموية صراع العصابات فيها التي استولت من خلالها على الوطن.

الاثنين، 26 ديسمبر 2011

محروس سليمان ومصريون أضاءوا وجه مصر

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
أردف قائلا: الأهم من ذلك يا محيي محروس نفسه، محروس في الخطاب يحكي لي عن معاناته الإبداعية في ترجمة كتاب بالفرنسية عن شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي، ويتخلل الخطاب عدة شخصيات مصرية كثيرة شاركت بالفعل في صناعة فجر مصر.

لم يكن يتوقع الكاتب والمترجم المصري الكبير محروس سليمان صاحب أهم الترجمات العربية للكتب الأجنبية التي تلقي بكثير من الضوء على مجتمعاتنا العربية وجذورها وتاريخها، وعلى رأسها كتاب الجذور الإسلامية للرأسمالية للكاتب الأميركي بيتر جران، أكرر انه لم يكن يتوقع أن خطاباً يكتبه لصديق عمره الكاتب والناقد المصري الكبير توفيق حنا في نوفمبر عام 1996 بأنه سوف يتم نشره في عام 2011 ، ولكن هي الأقدار دوما حين تمنحنا بصيص نور فتدفعنا من خلاله ودون عناء للعثور على مثل هكذا خطاب شخصي بين صديقين شاركا بالفعل في صناعة فجر مصر الجديد لنجد فيه ومن خلال عفوية الكتابة بداخله لكونها عفوية الحب بين صديق وصديق، إثبات حالة تاريخية على مصريين انتموا بكل ما يمتلكونه من طاقة لمصر، فأحبوها وأحبتهم، بحثوا في كنوزها فأعطتهم من بهائها، آمنوا بها ومن ثم لم يولوا وجوههم شطر طائفة أو قبيلة أو مذهب، بل ولوا وجوههم شطرها، شطر وجه مصر، مصر درة تاج الكون، مصر التي إن أحبها أحد كتبت له الشهرة وكتب له الخلود، مصر الوطن، أم العجائب وحيث أهم عجائبها الكونية أنها إذا تغيرت تغير العالم وإذا أضاءت، تضئ الدنيا وتلمع.
كان ذلك في احد أيام شهر مايو 2011 حينما كنت أتحدث مع الأستاذ توفيق حنا عبر التليفون، والأستاذ توفيق حنا لمن لا يعرفه هو أحد أعمدة النقد في مصر وهو أول من قام بنقد أعمال نجيب محفوظ حيث كان صديقه الحميم وكذا هو أستاذ عمالقة كبار على رأسهم الشاعر الكبير "أمل دنقل" والشاعر الكبير " عبد الرحمن الأبنودي" وغيرهم وهو أول من قدمهما لساحة الثقافة العربية وهم في حداثة أعمارهم، منذ أن كانوا صغارا في مدارس محافظة قنا الابتدائية هذا على سبيل المثال لا الحصر، أقول أنه حينما كنت أتحدث مع الأستاذ توفيق حنا عبر التليفون دائما ما يجمعنا الحوار حول حب مصر، ولا أدري كيف صار بيننا هذا الدستور القوي الذي يحكم علاقتنا منذ زمن بحيث تهيمن علينا وعلى أحاديثنا .. مصر، فنذهب سويا ( هو وأنا ) في غيبوبة عشق مصرية بين حواريها وموالدها ومقاهيها وفدادين قراها ونجوعها.
قال لي: تصدق يا محيي!! .. عثرت اليوم على خطاب قديم أرسله لي صديقي محروس سليمان عام 96، خطاب ذكرني بمصر، مصر الأخرى، ذكرني بشوارعها وناسها الطيبين، ذكرني أيضا ( بقهوة الزلع ) في باب الخلق حينما كان يأتي الكاتب الكبير صلاح عبد الصبور – وكان وقتها مدرسا للغة العربية في إحدى مدارس القاهرة - ليقرأ لنا ملحمته الرائعة الفتى زهران، ثم انتبه الأستاذ توفيق وأردف قائلا: الأهم من ذلك يا محيي محروس نفسه، محروس في الخطاب يحكي لي عن معاناته الإبداعية في ترجمة كتاب بالفرنسية عن شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي، ويتخلل الخطاب عدة شخصيات مصرية كثيرة شاركت بالفعل في صناعة فجر مصر منهم على سبيل المثال ما ورد في الخطاب، صبحي شكري مدير تحرير جريدة وطني و الحسيني عطا، وغيرهم، وهنا وجدت نفسي مدفوعا لأن اطلب من الأستاذ توفيق إرسال هذا الخطاب لي، ليس لقراءته فحسب بل لأشارك في تعميمه لإيماني بأنه عينة عشوائية صالحة تبرهن على مدى إخلاص أبناء مصريون مبدعون في حب مصر بصمت جاد معطاء وحيث لم يكن حوار هؤلاء عبث، أو أحاديثهم أو حتى مشاغباتهم فارغة، بل كانوا قامات عالية تدفعنا لان نتأملهم وننصت ونتعلم كيف يكون الحب لمصر والوطن، وكأنهم في صلاه بقدس أقداس هذا البلد الطيب. ولنقرأ الخطاب.
عزيزي توفيق: سعدت كثيرا بقراءة خطابك مرات ، لقد التقيت بصديقنا العزيز صبحي شكري إلا ""وهرينا فروتك" بكل الخير طبعا فأنت الصديق الوفي والمصري المثالي في كرم أخلاقك وودك في علاقاتك مع الجميع. ولازلت أحس واشعر كيف كنت في جلساتك معنا تخص جميع الأصدقاء بأحاسيس الود والحب في صدق وبساطه، وهذه سجيتك كمصري أصيل. هل تذكر لقاءات باب الخلق في قهوة "الزلع" في الخمسينات عندما كان يتجمع عدد كبير من الأصدقاء، وكنا ننتقل فى الشتاء وخصوصا فى رمضان إلى الفيشاوي. أنها ايام ولت ولكنها لا تنسى وأصبحت من ذكريات الماضي الجميل. هل تذكر الشاب الهادئ الرقيق المشاعر صلاح عبد الصبور الذى امتعنا بزيارتنا فى قهوة الزلع وقرأ علينا قصيدته الخالدة "الفتى زهران" وكان لايزال مدرسا واظنه كان زميلا للشيخ كامل ابو العينين فى مدرسته ولم يعرف بعد على النطاق العام كشاعر مرموق؟ إنها الذكريات الجميلة التي تختزنها الذاكرة.
أما حبك للخريف حتى في أمريكا لعل ذلك راجع لحبك لخريف مصر فى الاصل فهو امتع فصول السنة كما تعلم، ولكن اين الرفقه من الأحباب والأصدقاء؟ فقد انفرط العقد. هل نطمع ان نراك هذا الشتاء اذا سنحت ظروفك فأديب ديميتري عازم على النزول من فرنسا لزيارة مصر خلال ديسمبر القادم او يناير، واذا سمحت ظروفك فسوف نسعد بلقائك كثيرا.
شكرا لاهتمامك بقلقى بشأن هجرة الابناء وللعلم انا متفق تماما مع رأيك فقط اطلب من الابناء قبل الهجرة ان يفكروا كثيرا وبأناه وعن ابنى وسيم فهو يريد الهجرة الى نيوزيلاندا وهى بلد صغيره سكانه نحو ثلاثة ملايين امكانياتها الاقتصاديه محدوده. استراليا اكثر تطورا منها. وهذه الظروف يمكن ان تكون ميزة لمجتمع هادئ ولكن هل هذا المجتمع يوفر فرص عمل مناسبه له كمهندس علما ايضا ان زوجته موفقه فى عملها كمقدمة برامج بـ N.T.V ولن تجد مثل هذا العمل هناك وهى لاتستطيع ان تكف عن العمل وهذه فى حد ذاتها مشكله. على اية حال هذه حياتهم والقرار لهم اولا واخيرا ونرجوا التوفيق لجميع الشباب وكما تعلم الظروف في مصر صعبه إلى حد ما.
اما عنى فأنا مثلك فلولا القراءه لأصبت بالامراض وقراءاتى متنوعه مع التركيز على الاجتماع السياسى والسياسة ومتابعة السياسة العالميه.
وقد اعجبنى خلال قراءاتى كتاب لأستاذ اكاديمى امريكى هو "بيتر جران" واسم الكتاب "الجذور الاسلاميه فى الرأسماليه – مصر 1760- 1840" وللمؤلف وجهة نظر جديدة الى حد كبير فهو يرى ان بداية النهضة المصرية ليست بمجيء الحمله الفرنسيه او حكم محمد على بل يرجع ذلك الى فترة اسبق فى القرن الثامن عشر "عهد على بك الكبير" ثم تعرضت لفترة جمود حتى مجئ الحمله التى لاينكر المؤلف اثرها لكنها ليست المؤثر الاساسى ثم تعود حركة النهضه تتابع تقدمها فى عهد محمد على. والكتاب مرجع كبير الحجم ورجع المؤلف للبرهنه على نظريته الى كيف التراث فى تلك الفتره بل قرأ المخطوطات وعاش فى القاهره خمس سنوات لجمع الماده واستغرق الكتاب نحو عشر سنوات او اكثر. وقد درس الفتره التى تناولها من جميع الزوايا الثقافية والعملية بكل فروعها تفصيليا وجوانبها الماديه والاقتصاديه والاجتماعيه. وتناول بالدراسه التفصيليه شخصية الشيخ حسن العطار استاذ رفاعه الطهطاوى لان هذا الشيخ عاصر حركة النهوض فى القرن الثامن عشر وامتد به العمر الى عصر محمد على (توفى 1830) وشارك فى النهضه فى مرحلتها الاولى ومرحلتها الثانيه وهذا هو سبب اختيار المؤلف له.
على اية حال لقد ترجمت هذا العمل الهام فى تقديرى بكل استمتاع واهتمام فمثلا سافرت الى سوهاج للحصول على مخطوط من مكتبة رفاعه الطهطاوى.
اما الآن فقد اقتربت من الانتهاء من ترجمة كتاب من تأليف عدد من الاكاديميين الامريكيين واسمه "الاسلام والسياسه والحركات الاجتماعيه" والملفت للنظر ان اكثر من 90% من مؤلفات علماء الاجتماع والاجتماع السياسي والتاريخ فى امريكا تتناول بشكل مباشر او غير مباشر الحركات الاسلاميه. ويتناول هذا الكتاب الفترة الاخيره من القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين فى مصر والشمال الافريقى مع التركيز على الجزائر وشمال نيجيريا والسودان والثورة الفلسطينية والثورة الايراينة والمسلمون فى الهند وباكستان. ولكن المشكلة تكمن في اين نجد الناشر الذى يهتم بنشر مثل هذه الاعمال الجاده والاكاديميه لأن الأربح للأسف هذه الأيام هي الكتب الساقطة السوقيه الضاره وكتب الجنس ويلى ذلك الكتب الاخرى. على اى حال اننى اشغل وقتى بطريقه مفيده واستمتع بهذا النشاط كما احاول افادة الاخرين قد طاقتى.
اشكرك ياصيدقى العزيز من كل القلب على ردك الفورى ويسعدنى دائما ان احظى بقراءة خطاباتك بانتظام.
الصديق صبحى شكرى بخير والصديق الحسينى عطا يبعث لك بتحياته وسلامه.
ختاما لك حبى وودى من كل القلب.
والى اللقاء فى خطاب قادم.
3 / 11 / 1996
أخوك محروس سليمان

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

نجيب محفوظ في ذكراه .. مبدع لا يعرف الرذيلة

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
لقد كان نجيب محفوظ ثائرا، كان أفضل من دافع عن ثورة 1919، وكان يعجب كثيرا بشخصية زعيم الأمة سعد زغلول. أما بالنسبة لثورة 1952، فرغم ترحيبه بها في البداية، إلا أنه انتقدها بشدة حين انحرفت التجربة الثورية عن الشعارات التي أعلنتها وظهرت فجوة عميقة بين النظرية الثورية التي آمن بها الثوار وبين تطبيقهم لهذه النظرية على أرض الواقع.
يبدو أننا أمة تأكل أبناءها، تدرك قيمتنا كل الأمم التي وصلت من العلم قمته أما نحن فكما يقول المثل ( مزمار الحي لا يُطرب) أو كما قال الشيخ تاج الدين الحسني أحد علماء دمشق المشهورين: أزهد الناس بالعلماء أهلهم وجيرانهم.
هذا ما يحدث لنا الآن في مصر تجاه غالب رموزنا التي ملأت العقل الإنساني عامة والعربي خاصة بنور المعرفة، لدرجة أصبحت فيها الفوضى لا تفرق بين ما هو أبيض وبين ما هو أسود، لا تفرق بين الطيب والخبيث، من يضئ النفس بالجمال وبين ما يجرحها بالقبح، هذا ما يحدث اليوم مع نجيب محفوظ الذي اتهمه بعض الرموز الهامة في مصر بأن أدبه يحث على الرذيلة! .. لماذا يحث على الرذيلة؟ فكان الجواب لأنه لا يهتم إلا بالعاهرات!.
نجيب محفوظ الذي خالط الصعاليك والحرافيش وغالب المطحونين والمستضعفين، وكتب عن الفقراء وسكان العشش والحواري، ودافع عن كرامة المصري ضد كل ظلم وقع عليه سواء كان واقعا من محتل انجليزي أو من حاكم مستبد!، نجيب محفوظ الذي وقف ضد قتل أحلام البسطاء وقهر الشباب وتجبر الدولة الأمنية في كل رواياته 33 رواية و19 مجموعة قصصية ابتداء من رواية كفاح طيبة (1944)، والقاهرة 30 (1945)، مروراً بالثلاثية العبقرية بين القصرين (1956)، قصر الشوق (1957)، السكرية (1957)، واللص والكلاب (1961)، وثرثرة فوق النيل (1966)، وميرامار (1967)، و الكرنك (1974)، وانتهاءً بأحلام فترة النقاهة (2004).
روايات أقرب للوثيقة التاريخية التي توثق ظرف المكان وظرف الزمان للمجتمع المصري، روايات لن تسع عقول النقاد تفنيد وطنيتها ومصريتها وانتمائها للأرض والنيل، وأذكر قديما وكنت طالباً بالمرحلة الإعدادية ولا أمتلك سوى بساطة الإدراك وطفولة العقل أن شاهدت فيلم الكرنك مع والدي في سينما "ريفولي" بالقاهرة عام 1975، وقد كان والدي – رحمه الله وهو من علماء الأزهر ودكتور في الشريعة - يحترم نجيب محفوظ ويحافظ بقدر الإمكان على متابعة كل أعماله وحتى مقالاته في جريدة الأهرام، يومها وداخل صالة العرض لاحظت تأثر أبي الشديد، كان الفيلم صدمة شديدة لجرأته السياسية والاجتماعية، ففي ظل تكميم الأفواه يخرج علينا نجيب محفوظ ليسرد لنا صارخاً وقائع الظلم والتعذيب وقهر الحاكم لشعب لا يستحق إلا كل احترام وتوقير، يسرد لنا صارخا وقائع ما كنا نحياه من غيبوبة تحت وهم الحرية والكرامة وأرفع رأسك يا أخي، كان يحكي لنا نجيب محفوظ ظلم الحاكم والدولة على المحكومين من أهل الوطن في فترة لم يجرؤ فيها غيره على التفوه بها، كان جريئا وعنيداً، وهنا يقول لي والدي رحمه الله: لولا نجيب محفوظ ومن هم مثله من كتابنا العظام لعاش الناس في وطننا عيشة البهائم، لا يملكون من أمر دنياهم إلا ما يأكلونه ويشربونه ولا إدراك لهم عن معنى الحرية والكرامة والعدل، فقلت لوالدي محاولاً قنص تعاطفه تجاهي وأنا ألمح مدى التأثر البادي عليه ولا أفهمه: أنا أيضا أحب نجيب محفوظ، وبينما نحن سائران لميدان العتبة لنستقل الأوتوبيس عائدين للمنزل بعد خروجنا من السينما التي كنا نراعي الذهاب إليها أول كل جمعة في أول كل شهر، وجدت أبي يصدق على كلامي متمتماً: محفوظ راجل عظيم.
ينتابني إيمان بأن من قرأ أولاد حارتنا قرأها وهو يحمل ضغينة مسبقاً لنجيب محفوظ ولم يفهم إشارته الأدبية والإنسانية بها وكأنه لم يكتب سواها ففهمها بحجم وعيه لا بحجم وعيها ومن ثم حكم عليها وعليه بالكفر، رغم أن هذه الرواية وكما يقول الدكتور جابر عصفور, وزير الثقافة الأسبق: "إن دار الشروق أعلنت في مطلع 2006 أنها ستنشر الرواية بمقدمة للكاتب الإسلامي أحمد كمال أبو المجد. ونشرت بالفعل مقدمة أحمد كمال أبو المجد التي أطلق عليها "شهادة" في بعض الصحف لكن الرواية نفسها لم تصدر إلى الآن"، وربما تذكرني حادثة التكفير تلك بحادثة أخرى مثيرة للاهتمام حدثت في أواخر السبعينيات وكنا طلبة بالمرحلة الثانوية أو ربما في أوائل المراحل الجامعية حينما اصدر مجلس الشعب المصري قرارا بحظر بيع ونشر وتداول كتب العلاّمة " محيي الدين بن عربي" لأن مؤلفاته تدفع بقارئها إلى الكفر و صاحبها كافر، كنت وقتها لم أقرأ لمحيي الدين بن عربي، ولكني كنت أعرف أنه من عباقرة عصره بل ومن أكابر المفكرين الإسلاميين، ورجعت إلى والدي أسأله لكونه حجة في ذلك: هل محيي الدين بن عربي كافر؟، فأجاب إجابة عجيبة قال فيها: مشكلتنا أننا نظن أنه مادمنا نستطيع القراءة فأنه باستطاعتنا الفهم، ومن قرأ لأبن عربي واتهمه بالكفر هو رجل محدود الوعي، ولا يؤمن أن وعيه وفهمه محدود، بل يرى أنه مبعوث العناية الإلهية للحكمة والمعرفة، ومن ثم يظن بوعيه المحدود هذا أنه القاضي العدل في الحكم على العلماء الكبار، هذا مؤمن وهذا كافر، ثم أردف قائلا: مصيبتنا يا بني أننا مجتمع جاهل، يلتهم علمائه كما تلتهم النار في لحظات فدادين القمح، فيحترق كل شئ ومن بقى بعد الحريق على قيد الحياة لن ينجو من الموت جوعاً بعد أن احترقت سنابل الخير.
لقد كان محفوظ ثائرا، كان أفضل من دافع عن ثورة 1919، وكان يعجب كثيرا بشخصية زعيم الأمة سعد زغلول. أما بالنسبة لثورة 1952، فرغم ترحيبه بها في البداية، إلا أنه انتقدها بشدة حين انحرفت التجربة الثورية عن الشعارات التي أعلنتها وظهرت فجوة عميقة بين النظرية الثورية التي آمن بها الثوار وبين تطبيقهم لهذه النظرية على أرض الواقع والتي انتهت بمراكز القوى والسحل وانتهاك الأعراض والقتل والسجون، وهنا كتب محفوظ رواية "أولاد حارتنا" وهي الرواية التي عاد بها إلى الكتابة في 1959، وكأنه كان يحذر فيها رجالات ثورة يوليو وأعوانهم بل ويحذر فيها الشعب نفسه، ولكن هذه الرواية "أولاد حارتنا" شكلت محطة ومنعطفا مثيراً في أعمال محفوظ لكثر ما أثير حولها من لغط، وبعد بدء نشر الرواية مسلسلة في صحيفة الأهرام الحكومية ابتداء من 21 سبتمبر/أيلول حتى 25 ديسمبر/كانون الأول 1959 حث بعض رموز التيار الديني المحافظ على وقف النشر استنادا إلى تأويل الرواية تأويلا دينيا يتماس مع قصص بعض الأنبياء. . ومنذ ذلك الحين وقصة التكفير والاتهام بالإلحاد لا تتوقف".
وربما أتعجب من هؤلاء الناس الذين يقذفون أدب نجيب محفوظ بأنه فقط أدب يدور حول العاهرات من النساء رغم أن المرأة لم تكن أبداً في كل رواياته جسدا للمتعة أو للغواية بل كانت جزءا من المجتمع وشريكا في الثورة كما حدث في ثورة 1919، وحيث تعددت رؤية نجيب محفوظ لها حسب المراحل السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد فهي في الثلاثية تختلف عنها في ميرامار أو ثرثرة فوق النيل أو الكرنك وزقاق المدق. 
إنني أتفق مع ما قاله الكاتب المصري يوسف القعيد في أن ثورة 25 يناير ظلمت نجيب محفوظ، لأن وزارة الثقافة قررت البدء في الاحتفال بمئوية نجيب محفوظ، وكانت هناك خطط ومشروعات وأحلام كثيرة للاحتفال بهذه المناسبة، ولكنها لم تنفذ، هناك مشروعات كثيرة قابلة للتنفيذ، أولها متحف نجيب محفوظ ويقام في وكالة محمد بك أبو الدهب، وهناك إجراءات تخصيص المكان قائمة، ومدير المتحف المخرج الكبير توفيق صالح يعمل، والمهم أن يتم افتتاحه، على أن يصبح متحفا لنجيب محفوظ ومختبرا للسرديات العربية تصدر عنه دورية تبدأ من الاهتمام بنجيب محفوظ وتصل إلى كل أشكال السرد المصري والعربي والعالمي. والثاني مشروع المزارات المحفوظية الذي تحمس له محافظ القاهرة السابق الدكتور عبد العظيم وزير، وخرائط ورسومات الأماكن التي عاش فيها محفوظ وكتب عنها موجودة لدى المحافظة منذ أن أعدها الصديق جمال الغيطاني للبدء في العمل الذي مازال حتى الآن حبرا على ورق"، ورحم الله نجيب محفوظ.
المجلة المصرية || نون

الأحد، 15 مايو 2011

اسطفان باسيلي .. فارس مصري لايعرفه أحد

بقلم: محيي الدين إبراهيم
يقول محمود سليمان باشا غنام: عندما عهد الملك فاروق إلى النحاس باشا تأليف الوزارة في 13 يناير 1950 كان أول ما فعلته الحكومة هو الغاء الأحكام العرفية، وكذلك الغاء الرقابة على الصحف، وشهدت البلاد حرية لم تشهدها في تاريخها، ومن ثم بدأت البلاد تندد بالفعل على صفحات الجرائد الحرة بتصرفات الملك والسراي.

اسطفان باسيلي .. من منا يعرفه؟ .. لا أحد .. حتى الكثير ممن عاصروه – ومازال منهم من هو على قيد الحياة - لا يعرفوه !!.. ولماذا لا نعرفه؟ .. لأننا شعب كل شيء فيه يُنسى بعد حين، ومن ثم نردد: ما أتعس أن نحيا في وطن يفقد الذاكرة عن عمد.
لن اتحدث عن شخصية هذا المجاهد المصري بشكل شامل، فالمجاهدين الشرفاء ليسوا بحاجة لمن يتحدث عنهم، وعساهم فقط أنهم قدموا لأوطانهم أغلى ما يمتلكوه، قدموا النضال والشرف الانساني والأرواح التي كانوا يضعونها دوماً على أكفهم، ولكني سأضع بعض ملامح ليتعرف القارئ عمن نتحدث، أضع ملامح رمزٍ من رموز الكفاح الوطني في مصر أمام أعين هؤلاء المحسوبين على أقباط مصر ممن يتظاهرون اليوم امام السفارات الأمريكية حول العالم كي تحتل أميركا مصر دفاعاً عن الأقليات وحيث بفعلتهم تلك يبولون علينا جميعا وعلى رأس مصر نفسها بجوار شاهد قبر هذا المجاهد النبيل!.
اسطفان بك باسيلي من مواليد عام 1900 عضو مجلس النواب في الخمسينات وعضو الهيئة العليا لحزب الوفد ووكيل نقابة المحامين وعضو ومؤسس اتحاد المحامين العرب عام ١٩٤٩، وهو ابن شقيقة المحامي والسياسي الكبير مرقص باشا فهمي الذي تعلم على يديه مهنة المحاماة بعد تخرجه من الحقوق وتوفى باسيلي عام ١٩٩٠ ومن اشهر ابنائه المرحوم المستشار انطون اسطفان باسيلي رئيس محكمة استئناف بني سويف واشهر احفاده المرحوم الدكتور اشرف انطون اسطفان باسيلي استشاري جراحة العظام بلندن والذي توفى في اواخر مارس 2011، هذه لمحة صغيرة عن شخص هذا الرجل الذي كان ابن من ابناء الفلاحين المصريين وأحد أعيان مصر الذين شاركوا في الدفاع عنها ضد الإنجليز في القنال بعد الحرب العالمية الثانية بعد الغاء معاهدة 36 وكان وقتها عضوا في البرلمان تحت راية الوفد، ولن اتحدث عن كفاحه ضد الانجليز، ولكني سأقص حكاية هامة من حكايا الوطن ومن اهم قضايا الوطن شارك فيها اسطفان بك باسيلي لحماية الحرية والديموقراطية والدستور في مصر حينئذ وربما لولا مشاركته تلك ( كلاعب رئيس ) لوقعت مصر في براثن الرجعية والتخلف وهو مالم يكن يؤمن به الشرفاء من مجاهدي مصر الاحرار وقتذاك، وهذه الحكاية يتناقلها المؤرخين من الناحية السلبية، ويدرجونها كونها من سلبيات هذا المناضل الشريف، ولا يبحثوا في الدوافع التي من المؤكد تحول السالب إلى موجب، أعود وأقول أنه شارك في سيناريو ضد وأد الحرية وعلى خلاف ذلك اعتبره بعض هواة التاريخ عكس ذلك، اعتبروه سيناريو لوأد الحرية لجهلهم وعدم تتبع الجذور، وقد قام باسيلي بتحريك هذا السيناريو رغم علمه ويقينه أن تحريكه هذا ربما ينال من سمعته ومن تاريخه الوطني، ولكن هي مصر دائما بأبنائها الشرفاء التي تتضاءل أمامهم وامام الدفاع عنها ومحبتها كل ما يعنيهم من غال امتلكوه في هذه الحياة حتى ولو كان هذا الغالي هو ابنائهم، لقد كان باسيلي من هذا الطراز الوطني الشريف، يؤمن بأن مصر أو لاشئ.
يقول بعض المؤرخين ( دون تتبع منهم للأصل والجذر والدافع ) أن اسطفان بك باسيلي قدم للبرلمان سنه1951 ثلاثة مشروعات قوانين تسمح للسراي والحكومة بمعاقبة الصحف بالإلغاء والتعطيل الإداري وتسريع إجراءات محاكمة الصحفيين وكذلك تشديد أقصى العقوبات لكل من يقوم بالنشر بدون مستند رسمي ولكن الصحفيون - وعلى رأسهم رئيس تحرير جريدة المصري احمد بك أبو الفتح - اعتبروا هذه المشروعات تقييد لحرية الصحافة وعودة بمصر لعصور الرجعية والتخلف، وحيث وقف حينها أعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ كالجدار الناري يعارضون تلك القوانين حتى لو أدى الأمر لإسقاط حكومة الوفد نفسها رغم انهم كانوا وفديين!!، وهوجم وقتها باسيلي هجوما عنيفاً ولم يدافع الرجل عن نفسه اطلاقاً !!، واعتبر المؤرخون أن تلك المشروعات المهينة كانت احدى سلبيات باسيلي وكادت تودي بتاريخه الوطني كله، ولولا معرفة المصريين بهذا التاريخ ونزاهة هذا الرجل ونضاله لضاع باسيلي للأبد، لكن لأن الشرفاء لا يموتون، فقد تم الإفصاح عن سر هذا السيناريو وتم انصاف هذا الرجل في حياته في اواسط سبعينيات القرن الماضي عام 1976م رغم أنه لا يحتاج لإنصاف لكون تاريخه يشهد له، وكانت جلسة الانصاف تلك غير مقصودة وربما الذي قصدها هنا هو قدر الله نفسه لإزاحة الستار عن تلك الجذور التي تلقي الضوء على عظمة المصرين المجاهدين في صمت والذين أبدا ما دفعوا بأنفسهم إلى دولة عظمى سواء انجلترا أو فرنسا أو ألمانيا أو أميركا وقتئذ وتظاهروا أمام سفارتها بالقاهرة لاحتلال مصر تحت اي ذريعة حتى ولو كانت حماية الأقليات وفضلوا الموت على أن يوصموا بالخيانة وبيع الأوطان، وحيث لا تبرير ابداً للخيانة وبيع الوطن، أقول: كانت تضم جلسة الإنصاف هذه عام 1976م صانعوا السيناريو الأصليين أنفسهم وهم محمود سليمان باشا غنام سكرتير حزب الوفد المساعد قبل الثورة واسطفان بك باسيلي وكان يحضرها مستمعاً المناضل الكبير ابراهيم بك طلعت عضو الهيئة الوفدية والمناضل الكبير احمد بك شوقي المحامي ومجموعة من عمالقة حزب الوفد الكبار الذين كانوا فاغري أفواههم مما يسمعوه لأول مرة حيث كان سراً لأكثر من ربع قرن ( 1951 – 1976 )، وسوف انقلها من وحي رواية ابراهيم بك طلعت المحامي.
فما هي الحكاية وما هو السر؟ .. يقول الثائر الوطني ابراهيم طلعت المحامي ( أكرر انني انقل هنا من وحي حديث ابراهيم طلعت وليس نقلاً حرفياً ): كنت من ألد أعداء تلك التشريعات الثلاثة المشئومة التي تقيد الحريات والتي قدمها اسطفان بك باسيلي للبرلمان، وكنت أنا واحمد أبو الفتح، نجلس في حديقة جريدة المصري يوميا ونتحدث عن مقالاتنا النارية التي سنهاجم بها المشروعات على صفحات الجريدة، وبحكم صداقتي بإسطفان باسيلي، سألته أكثر من مرة عمن وراء تلك المشروعات؟ فكان يلوذ بالصمت!، أصرخ في وجهه أنه لا يمكن أن يدفعنا لتصديق أن كريم ثابت مستشار الملك فاروق استطاع بخبثه أن يضحك على باسيلي وأن يمرر من خلاله تلك المشروعات العار للبرلمان؟ لكن دون جدوى، كان باسيلي لا يجيب!، كنت استشعر أن وراء الأمر لغزاً عظيماً، لكن لا أنا ولا مصطفى النحاس باشا ولا حتى فؤاد باشا سراج الدين ولا مخلوق كان يدري عنها شيئا حتى اعتقدنا بالفعل انها سقطة باسيلي التي سيغفرها له تاريخ نضاله وكفاحه الوطني وأن لكل جواد كبوة، لكن اللغز استمر عالقاً في رأسي دوماً، وتمر الأيام والسنين وبعد اكثر من ربع قرن ما زلت ألتقي بإسطفان باسيلي ومازلت اذكره بفعلته القديمة واطلب منه أن يفصح لي عن الدافع وراء تقديمه للمشروعات المشئومة للبرلمان سنة 1951 وفي لقاءنا في صيف 1976م وبعد الحاح يقول لي: اسأل غنام باشا، وقلت ولكن ما شأن غنام باشا؟ فقال: اسأل غنام باشا يا ابراهيم يا طلعت، وأدركت وقتها أنه طيلة أكثر من ربع قرن كان ظني في محله وأنه بالفعل وراء الأمر لغزاً، ذلك اللغز الذي فك عنه لثام السر ولثام الزمن محمود سليمان باشا غنام، سر اختزنه باسيلي في جوفه عمراً كاملاً ولم يفصح عنه رغم كل ما كابده من ألم كاد يطيح بتاريخه الوطني كله، فماهو ذلك السر؟.
يقول محمود سليمان باشا غنام: عندما عهد الملك فاروق إلى النحاس باشا تأليف الوزارة في 13 يناير 1950 كان أول ما فعلته الحكومة هو الغاء الأحكام العرفية، وكذلك الغاء الرقابة على الصحف، وشهدت البلاد حرية لم تشهدها في تاريخها، وفي هذه الأثناء كانت البلاد تضيق بتصرفات الملك وفضائح اسرته، وبدأت البلاد تندد بالفعل على صفحات الجرائد الحرة بتصرفات الملك والسراي، وقد كان من اهم تلك الصحف، اللواء الجديد، لسان حال الحزب الوطني الجديد، وجريدة الاشتراكية، التي كان يصدرها احمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي، وجريدة الجمهور المصري التي كان يصدرها ابو الخير نجيب، وكان هجوم هذه الصحف من الشدة بحيث أفقدت الملك فاروق صوابه، ولم تكن حكومة الوفد تتخذ اي اجراء تجاه تلك الصحف، وذات يوم بعد أن فاض الكيل بالملك استدعى النحاس باشا للقصر وعرض عليه الصحف والمجلات التي تهاجمه، وأخذ النحاس باشا يقرأها في دهشة مصطنعة، ثم وعد الملك باتخاذ اجراء صارم، فتهلل وجه فاروق وقال له: ماذا ستفعل؟ فقال النحاس باشا: سأبلغ النيابة!، وهنا صاح الملك فاروق في وجه النحاس باشا: تبلغ النيابة؟ أمال السجون فين؟ فأجابه النحاس: يا مولاي .. لا أستطيع ادخال احد السجن كده بدون اجراءات .. لابد من امر النيابة والقضاء، وهنا راح الملك فاروق يمشي في عصبية وهو يردد: النيابة!! .. جميل خالص .. النيابة قال!!.
ويقول المجاهد الكبير ابراهيم طلعت أن الحوار السابق بين الملك والنحاس باشا استمع إليه منقولاً على لسان عبد الفتاح باشا الطويل وزير العدل في حكومة الوفد الذي نقله بدوره عن النحاس باشا شخصياً.
ولما وجد الملك فاروق أن النحاس باشا لن يفعل شيئاً قرر استدعاء مستشاره الصحفي كريم ثابت ربما يدله على مشوره تنقذه من الصحافة والصحفيين.
أقترح كريم ثابت مشروع بتعديل قانون العقوبات تعديلا من شأنه فرض الرقابة على انباء القصر وكذلك تعديل الدستور بحيث لا تستطيع الصحافة القذف في عرض أو سمعة الافراد والعائلات، وأكد كريم ثابت على الملك أن النحاس باشا رجل يتمسك بقواعد الأخلاق ولن يرضيه الطعن في أعراض الناس، ومن ثم سيرحب بتقديم هذا المشروع، وبما للنحاس باشا من سلطة ابوية على اعضاء المجلسين – البرلمان والشورى -، فسيوافق الأعضاء على الفور على اصدار هذه التشريعات، وهنا ارتاح الملك واطمأن، وعهد لكريم ثابت بتنفيذ تلك المشورة فوراً.
ويقفز القدر ليقرر ما يجب أن يكون رغما عن الحاكم والمحكوم، حيث يرسل كريم ثابت للسكرتارية مسودة قوانين ثلاثة من شأنها ذبح الحرية لطباعتها على الآلة الكاتبة، تمهيداً لتسليمها للنحاس باشا، وهنا يظهر على سطح السيناريو أحد السعاة ( الفراشين ) الذين عهدت إليهم السكرتارية بنقل مسودة القوانين الثلاثة، وتشاء الصدف أن يكون ذلك الساعي أحد أنصار غنام باشا، فيلتقط صورة من القوانين ويذهب بها إلى منزل غنام باشا ويسلمها له، ويقرأها غنام باشا وينزعج من هول الكارثة، الملك فاروق يريد الرجوع بمصر للوراء، الملك يريد تكميم مصر.
ويسترسل محمود سليمان باشا غنام: كان لابد من البحث عن رجل فدائي يسبق الملك في تقديم نفس القوانين للبرلمان والشورى، ويكون من القوة والبأس والوطنية ما يجعله يتحمل مواجهة المعارضة والنواب، ويتحمل اي اتهام حتى لو وصلت حدود الاتهام للعمالة لحساب الملك والسراي، كل ذلك دون أن ينبت بكلمة لأي مخلوق مهما كان حتى ولو كانت زوجته، وهداني تفكيري بل قل انها منحة الله في ان ذلك الفدائي الذي يجب أن يكون نائبا في احد المجلسين، هو اسطفان باسيلي، المجاهد الوحيد الذي يستطيع أن يقف في وجه العاصفة، ويؤدي دوره الوطني دون أي تقصير.
يصرخ اسطفان باسيلي في وجه غنام باشا: يا نهار اسود .. ايه ده ياباشا .. معاليك متأكد إن صحتك كويسة، فيرد غنام باشا: يا باسيلي يا خويا انا صحتي زي الرصاص، فيصرخ اسطفان: تقوم تضربني انا بالرصاص ياباشا!!.. اشمعنى أنا ياباشا .. كدة الوفديين هيقتلوني .. حرام عليك .. أنا عملت فيك حاجة؟.
ويشرح غنام باشا لباسيلي السر بهدوء اعصاب: شوف يا صديقي العزيز .. المقصود انك تقدم المشاريع دي قبل الملك فاروق ودلوقتي، ولما تقدمها هيثور اعضاء البرلمان والشورى معارضة ووفديين، ويهاجموك ويتهموك ويهاجموا الدنيا كلها، والصحافة تكتب عن المشاريع السودا دي وعن كبت الحريات والدنيا تنقلب، وهنا نبقى قدمنا كارت ارهاب للملك ولا يمكن يجرؤ بعدها في العدوان على الحريات العامة أو حرية الصحافة.
ويمتثل اسطفان باسيلي لغنام باشا، فقد هبط عليه غنام هبوط القضاء والقدر، ويقول اسطفان وهو يتصنع المرح وحيث كان مشهورا بالدعابة وخفة الروح ومن أكثر السياسيين مرحا في مصر كلها: حاضر يا باشا، بس وحياة والدك وصيتك العيال.
ويتقدم اسطفان باسيلي بالمشاريع للبرلمان والشورى على وجه الاستعجال، وقامت حملة ضارية عنيفة ضد المشاريع وضد باسيلي وضد من أوحى بها لباسيلي واتهمته الصحف وعلى رأسها المصري بالعمل لحساب السراي، ثم سارت الإشاعات بسب أن الناس لا تصدق أمام تاريخ باسيلي ونضاله ما حدث، فأخذت تهمس فيما بينها أن باسيلي ربما يكون ضحية مؤامرة، وهو ربما يكون مجرد مخلب قط لبعض زعماء الوفد الذين يريدون ممالأة الملك لبقاء الوفد في الحكم ولم ينجو حتى فؤاد باشا سراج الدين من هذا الاتهام رغم ثقة كل الوفدين فيه، الموضوع بكل المقاييس كان فضيحه، تماماً كما تخيله غنام باشا واسطفان بك، فضيحة أقامت الدنيا ولم تقعدها، لدرجة أنه اشيع أن الذي قدم المشروع هو اسطفان باسيلي بالاشتراك مع عبد الفتاح باشا الطويل وزير العدل، وظن الناس وقتها أن رفعة النحاس باشا كان على علم مسبق بها وانه يوافق عليها من ناحية المبدأ، وهو ما دفع الدكتور عبد العزيز فهمي بك المحامي لأن يخطب في اجتماع الهيئة البرلمانية بالنادي السعدي: لا يا رفعة النحاس باشا .. نحن لسنا معك في هذا إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
كل ذلك وأكثر سيل المصائب كان ينهال على رأس اسطفان باسيلي وحده، وما يتبقى من سيل تلك المصائب كان من نصيب من يقع عليه دور الشائعة في الاشتراك مع باسيلي في تقديم تلك المشاريع، ولما كان باسيلي قد قبل العملية الفدائية، وقد أتت اكلها بالفعل ولم يجرؤ الملك بعدها على التقدم بمشاريعه للبرلمان، كان لسان حاله يقول: واللهي حتى لو وصل الهجوم لقتلي ما كنت افرط ابداً فيما قمت به لصالح الوطن، ولو كنت تفوهت وقتها بأن المسألة كلها كانت مناورة بيني وبين غنام باشا للضغط على السراي لربما كانت دفعت الملك أن يتجرأ على حريات مصر العامة كلها وفرض الأحكام العرفية من جديد، نظر غنام باشا لصديقة القديم وقال: انت عارف يا باسيلي ان النحاس باشا مات وما يعرفش الحكاية دي لا هو ولا الملك .. احنا كنا رجالة بحق وحقيق ، ويغرقان في الضحك، بينما الحضور جميعا في دهشة من أمرهم لسماع ذلك السر لأول مرة بعد حدوثة منذ اكثر من ربع قرن.
هكذا كان، وهكذا كانوا، رحم الله الشرفاء، ورحم الله مصر وأمتنا العربية، والأبرار الشباب الذين سقطوا ضحايا الثورات ضد طغاة الوطن سواء كان هؤلاء الطغاة ممن ينتسبوا للوطن أو كانوا من أعدائه.

الروح أم النفس؟