أي مخلوق يتصور أن الحكم والملك والعزة بيدة .. يقول له الله .. أن العزة لله جميعاً .. وهذه حكاية عم ادريس عام 1921 في مصر .. فلاح مصري عمره 72 عاماً .. كان يعمل بستانياً في قصر الزعفران ( قصر شئون الطلبة بجامعة عين شمس حالياً ) وهو قصر خوشيار هانم أم الملك فؤاد الأول .. وكان عم أدريس بسيطاً للغاية حتى أنك تكاد لا تصدق أنه يعمل في قصر من قصور أم ملوك مصر وأهم إمرأة حركت أحداث مصر وسببت صداعاً للدولة العثمانية وانجلترا معاً لدرجة وصلت لمحاولة أغتيالها للتخلص من ذكائها الذي تستثمره في عدائها للأتراك والأنجليز. كان عم أدريس رجلاً صامتاً أغلب الوقت .. وإذا تحدث لا يتحدث إلا رمزاً .. وكان المقربين منه يحترمونه ويعترفون بورعه وتقواه .. وكثيراً ماكان بعض هؤلاء المقربين مايسمع بكاؤه ليلاً .. وحينما تلصص عليه ليطمئن .. وجده ساجداً يبكي كطفل ولكن في خشوع .. وكان عم أدريس يفضل أن يعيش زاهداً في داره الريفي البسيط في حلمية الزيتون وأن يذهب منه لقصر القبة وقصر الزعفران لممارسة عمله في حدائق القصر كفلاح .. وذات يوم .. قرر أن يقابل الأمير الصغير أحمد فؤاد في أمر هام جداً .. كان الأمير يعلم من بعض خدمه عن عم أدريس فأمر بأن يسمحوا له باللقاء .. ودخل عم أدريس ( الفلاح ) على الأمير .. لم يقدم الطقوس المتعارف عليها في مقابلة الملوك .. فقد كان فلاحاً .. حين وقعت عينا ( أدريس ) على الأمير الصغير قال له: جئت إليك يا أمير لأبشرك برؤيا شهدتها لك في أنك ستكون ( ملكاً ) على مصر .. لم يكد الأمير أحمد فؤاد يسمع هذه المقولة حتى انفجر في الضحك وقال لعم أدريس: أعلم أنك رجل طيب .. لكن أنا أبعد ماأكون عن تولي الملك .. فأنا أصغر الأمراء ولا حق لي في ذلك .. نظر إليه عم أدريس ونطق بعبارة قصيرة: ستكون ملكاً على مصر ياسمو الأمير .. فضحك الأمير مرة أخرى وقال له مداعباً: إن صرت ملكاً سأضع صورتك على الجنيه المصري بدلاً من صورة السلطان العثماني رغم يقيني أن هذا لن يحدث. بعد وقت قصير تنازل الأمير كمال الدين عن عرش مصر .. ورفض الانجليز أن يتولى العرش الأمير عبد المنعم بن السلطان عباس حلمي ثم تسارعت الأحداث حتى جاء يوم دعا فيه اللورد وينجت المندوب السامي البريطاني الأمير أحمد فؤاد على العشاء ليبلغة رضا بريطانيا عن اختياره ملكاً على مصر ! في أول قرار ملكي .. قرر الملك فؤاد منح عم ادريس لقب الباكوية .. وفوجئ المصريين بصدور الجنية المصري سنة 1924 منقوشاً عليه صورة عم أدريس بدلاً من صورة السلطان العثماني. رفض أدريس بك ( عم أدريس سابقاً ) أن يتقاضى مليماً واحداً .. ورفض عرض بالانتقال لقصر انعم عليه الملك به .. ومات زاهداً كما كان يحب بعد هذه الحادثة بسنوات قليلة!
فن بطعم الإنسانية
من أنا
إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 17 يونيو 2018
الأحد، 14 ديسمبر 2014
الملكة بلقيس بين الاسطورة والتاريخ سيدة نساء عصرها
بتاريخ السبت 14 ديسمبر 2014
بقلم: توما شماني – تورونتو - كندا
عضو اتحاد المؤرخين العرب
(الملكة بلقيس) احدى الملكات اللواتي عطرن التاريخ ك (سميراميس) و (نفرتيتي) و (الزباء)
وغيرهن، واستقطبت اهتمام وخيال أمم وشعوب كالعرب والأوربيين. (الملكة بلقيس) محاطة
بالغموض فلكونها وردت في القرأن مقرونة باسم النبي سليمان فان المدونين المسلمين
اظافوا الى (الملكة بلقيس) الكثير من البريق فالهمت ولا تزال تلهم الفنانين والكتاب
والشعراء والموسيقيين من مختلف الأمم والعقائد والاتجاهات الفكرية. يتسائلون الآن
هل عرفت سبأ فعلاً ملكة؟ أم أن الرواية عنها من الأساطير والخرافات ابتدعتها مخيلة
العرب، وساهم في نشرها أقوام المشرق؟ التناقضات الكبيرة في روايات العرب تثير
الكثير من الشكوك عن (الملكة بلقيس) فهل كان المدونون العرب يشيرون إلى شخصية
واحدة، أم أنهم دمجوا العديد من الحاكمات اليمانيات في ملكة واحدة؟ هل كان ذلك
الدمج متعمداً؟ وما أسبابه؟ الواقع ان كتابات المدونين العرب، مليئة بالاختلافات،
بعض المدونين العرب يقولون إنها من الجن، بعض اسفار التوراة تعطي صورة قبيحة لـ
(الملكة بلقيس) ملكة سبأ، لكونهااقتحمت تراث معظم شعوب العالم بصفتها مثال الجمال
والحكمة والسلطان والثروة؟ عرفها العرب باسم (بلقيس) و (بلمقه) و الحبشيون باسم (مكدّا)
و (كندكة).
وفي التراث الاسرائيلي عرفت بملكة سبأ و (الغول ليلت). المدونون العرب يقولون ان
(الملكة بلقيس) احتلت بابل وتدمر وسمرقند، وحتى الصين. فهل هذه حقيقة تاريخية، بل
من الخيال المنحول، (الملكة بلقيس) ملكة سبأ، في التراثات الشعبية الأخرى تأخذ منحا
آخر، فهي في الارث الاسرائيلي ممثلة الشيطان، بل الشيطان نفسه، بينما اقتحمت تراث
مختلف الشعوب بصفتها رمزاً للحكمة والجمال.
أرسل لها النبي سليمان طبق ما جاء في القرآن (هدهد) يدعوها للتوحيد، فكرت في أن
أفضل حل، إرسال هدية الى (النبي سليمان) دون الحاجة لخوض حرب ومواجهة معه، فأرسلت
له هدية عظيمة ولكنه رفضها وأصر على إرسال جيش نحوها وتعجب رسل (الملكة بلقيس) من
حجم مملكة سليمان وجنوده من الإنس والجن والحيوانات والطيور المختلفة. قررت (الملكة
بلقيس) الذهاب إلى مملكته حتى تتوصل معه إلى حل سلمي قبل تطور الأمور، وبعد وصولها
تفاجأت بأن عرش ملكها عنده.
وأعد لها (النبي سليمان) مفاجأة أخرى وكانت قصرا من البلور فوق الماء وظهر كأنه لجه
فلما قال لها ادخلي الصرح حسبت أنها ستخوض اللجة، فكشفت عن ساقيها، فلما تمت
المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها، قال: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)
أعلنت (الملكة بلقيس) إيمانها بالله، وآمن معها العديد من أبناء شعبها. جغرافيا قصة
(الملكة بلقيس) وقعت جنوبي جزيرة العرب، الا ان آراء المستشرقين مختلفة حول اسمها
فالمستشرق (مونتغمري وَت) و (اولندروف) يريان أنّ الاسم مأخوذ من المفردة اليونانية
(فالاكيس) التي تعني عشيقة، عبر لهجة التوراة أي الكنعانية التوراتية ورد الاسم
بصيغة (فلجش فلجس).
أما المستشرق (دوساسي) فيرى أن الاسم تصحيف للاسم (نكوليس)، والمستشرق (دورامي) يرى
أن الاسم دمج لكلمة (بعلة وكيس)، الباحث (عبد المجيد همو) طرح إمكانية أن اصل الاسم
من (بعل وقيس). تواجد (الملكة بلقيس) امر من الصعب الاخذ به فهي مزيج من الأسطورة
والخرافة والقصص والتاريخ.
مما ترويه الأسطورة أن الملك العظيم (الهدهاد) لحق بغزالة هاربة في رحلة صيد،
فخلصها من ذئب، فكافأه أبوها (اليلب بن صعب) فالهدهاد نها علاقة له بطائر الهدهد
(الهدهد أصوات الجن)،و الغزالة حيوان عربي جنوبي مقدس، والحرورى أو الحرة هي الجان
من الثعبان واليلب أو التلب أو الظبي سيد الحيوانات.
في النقوش الجنوبية يقال ان (شمس) أم (الملكة بلقيس) وتعني في الخرافات عبادة
الشمس، والغزالة من حيوانات (المقة) اي (القمر)، قرونها دليل قمريتها.الأسطورة
تنقلنا إلى عالم قديم. أما القصص المرتبطة بـ (الملكة بلقيس) فهي متعددة، فقصة (ابن
الأثير) تروي أن والد بلقيس مات من غير وصية فأقام الناس ابن أخ له فتآمرت عليه
(الملكة بلقيس) وقتلته وتولت بعده، قصة اخرى تروي أنها تولت السلطة بعد وفاة أبيها
ثم تخلت لأخيها عن العرش.
الأسطورة تروى هوى شعري فهي معالجة خيالية لحوادث التاريخ كما يقول (كمال الصليبي)
في كتابه (خفايا التوارة وشعب إسرائيل). التأويل يشير إلى تعصب الرجال لرجوليتهم،
فالإخباريات تذكر أن (الملكة بلقيس) تقيم علاقات جنسية مثلية، عناصر جنسية أخرى في
القصة تقول أن (النبي سليمان) نكحها من غير زواج أو بناء بها، تحقيرا لها.
نروى القصة تولي (الملكة بلقيس) الملك كامرأة في أعلى درجات التاريخ بالجدارة وليس
بالوراثة؟ انما هو تقييم عظيم لها حيث (أنها خلصت شعبها من الحكم الجائر). وفي هذه
القصة محاولة إدانة الملوك والحكام وتذكيرهم بضعفهم. يقول (الهدهد) ردا على تهديد
سليمان له بالتعذيب (اذكر وقوفك بين يدي الله، فلما سمع سليمان ارتعد وعفا عنه).
وفي هذا محاولة ضرورة التأدب بآداب الملوك وترك بذخهم اللامعقول كما يجيء في وصف
عرش (الملكة بلقيس) في مروية الثعالبي. هدف القصة فيها مواعظ و أحكام وسلوكيات. في
الموقف التوراتي الذي يربط اصل (الملكة بلقيس) بالشيطان ويجعل لها حافر حمار ويفصل
بين النظام الاجتماعي وبين عالم الأنس، أما الإسلاميون المعادون للمرأة فقد
استرجلوا (الملكة بلقيس) بـ (القول أن رجلاها كانتا مشعرتين وادخلوا قصة النّورة
والحمام). اما (ابن عربي) في شعره فيجعلها مثالا للمرأة الكاملة حيث يقول عنها
(اسقفة من بلاد الروم).
يؤكد نجيب محفوظ على المعنى الرمزي لبلقيس في (ترجمان الأشواق) بوصفها مثالاً
للحكمة الإلهية التي تجمع بين العلم والعمل ولطف الجن وعمل الإنسان والروح والبدن.
الشاعر (جلال الدين الرومي) جعلها مثالا للنبل، (حافظ الشيرازي) جعلها مثالا
للجمال. بعض المدونين دمجوا (الملكة بلقيس) مع (الزباء) و (زنوبيا) فكلتاهما كانتا
رمزا للحكمة والجمال، وكلتاهما تسلمتا الملك بعد قتل الغريم بالحيلة، واعتزلتا
الرجال، وكان لهما وصيفات، قيل عن (الملكة بلقيس) انها بنت (سد مأرب) وانها اتخذت
لباسا يجمع بين البسة الرجال والنساء.
انتشرت أسطورة (الملكة بلقيس) عبر الشرق ففي تراث الفرس نجد أسطورة (خسرو وشيرين)
وفي تركيا تقوم منارة بلقيس، في إيران بين مدينتي تبريز وهمدان يتواجد جبل يعرف بـ
(تختي بلقيس) اي (عرش بلقيس)، وقد اختلطت (الملكة بلقيس) بقصة كليوباترا ملكة مصر
الشهيرة التي انتحرت بسم ثعبان وهو حيوان جنوبي مقدس أيضا وفي التراث القبطي، ترد
كمثال للعفاف وستعود يوم الساعة لمحاسبة العصاة!!. في التراث الحبشي المسيحي في
ملحمة (كبرا نجست) أي (عظمة الملوك) تذكر (الملكة بلقيس) كمثال للجمال والذكاء.
الحضارات القديمة في اليمن ابرزها حضارة دولة سبأ، وحضارتها عمود من اعمدة التاريخ
اليمني، و (سبأ) عند النسابة هو (أبو حمير) و (كهلان)، ومن هذين الأصليين قامت
أنساب أهل اليمن جميعا، كما أن هجرة أهل اليمن في الأمصار ارتبطت بسبأ، و (الطيبة)
هي في الأصل ارض سبأ.
وابرز رموز اليمن التاريخية (سد مأرب) فقيل عنهم (تفرقوا ايدي سبأ) بعد انهيار (سد
مأرب). دولة سبأ في العصر الأول كانت أكبر وأهم تكوين سياسي في اليمن، تلك الدولة
كانت تكوينات سياسية كانت تدور في فلكها، ترتبط بها حينا وتنفصل عنها حينا آخر، كـ
(دولة معين) و (دولة قتبان) و (دولة حضرموت)، أو تندمج فيها لتكون دولة واحدة مثل
(دولة حمير).
لقب ملوك اليمن آنذاك بملوك سبأ و (ذي ريدان) هم حمير وأرض سبأ في الأصل في منطقة
مأرب، وتمتد إلى الجوف شمالا، ثم ما حاذاها من المرتفعات والهضاب إلى المشرق، وكانت
دولة سبا في فترات امتداد حكمها تضم مناطق أخرى، بل تشمل اليمن كله. وعدداّ كبيرا
من المكربين والملوك الذين تولوا الحكم في دولة سبأ، والفرق بين الملك والمكرب هو
أن الملك يحكم شعبا واحدا أو قبيلة واحدة اما (المكرب) فهو لقب للمجمِّع والموحِّد
لعدة شعوب أي الموحد ووجود المكربين في تاريخ اليمن القديم يشهد على جدارة الجهود
المبكرة جدا لتوحيد أهل اليمن في كيان واحدة. اتخد السبأيون (صرواح) عاصمةّ لدولة
سبأ، وتقع المدينه على بعد 120 كيلومتراّ شرق العاصمه اليمنيه صنعاء وتبعد 50
كيلومتر شمال غرب مدينة مأرب.
تعتبرهذه المدينه من الاماكن الاثريه بسسبب ما اكتشف فيها من نقوش ومنحوتات ترجع
الى عصر دوله سبأ. تم انتقلت عاصمةّ دولة سبأ الى مأرب بدلاّ عن صرواح، وتقع مأرب
جنوب اليمن وعلى بعد 192 كيلومتر من العاصمةّ الحديثه لليمن والتي تدعى صنعاء. ولقد
اتخد السبئيون مأرب (في وادي أذنه) عاصمة لهم بسبب خصوبة تربه الوادي حيث تنجرف
اليه التربه مع مياة الامطار من المرتفعات. وتدلل الآثار المنتشرة والنقوش اليمنية
القديمة التي اكتشفت ذكر (قصر سلحين). ويرجح على الاغلب ان القصر يقع على التل
المعروف بقرية مأرب الآن.
ذكر العلامة اليمني (الحسن الهمداني) ان القصر كان قائما قبل مايقرب من حوالي الف
عام. وقد تحكمت دولة سبأ بطريق التجارة الهام المعروف بـ (طريق اللبان) الذي يخترق
ارض مأرب. واللبان من اهم أنواع الطيوب وأغلاها بسبب رائحة الطيبة والى الاعتقاد في
تلك الفترة (لاغنى عنه لكسب الآلهة).
ولقد ساعد مناخ اليمن علي نمو اللبان في منطقة المهره وظفار، تميزت هذه المناطق
بانتاجها أفضل وأجود أنواع اللبان. أسهم اللبان تجارة ذاك الزمان فنشطت تجارة
التوابل كالمر والكركم وغيرهما من التوابل. كان طريق اللبان يمتد من ميناء قنا في
مصب وادي ميفعة على بحر العرب إلى غزة على البحر المتوسط، مروراّ بمدينة شبوة
ومأرب، ثم يمر بوادي الجوف، ومنه إلى نجران حيث يتفرع إلى فرعين.
كان طريق اللبان يمر عبر قرية الفاو في وادي الدواسر، ومنه إلى هجر في منطقة
الخليج، ثم إلى جنوب وادي الرافدين وطريق رئيس يمتد من نجران نحو الشمال، ماراّ
بيثرب، ثم ددان في شمال الحجاز، ومنه إلى البتراء، ويتجه الطريق الرئيس من البتراء
نحو ميناء غزة. بينما يتجه فرع آخر إلى دمشق وإلى مدن الساحل الفينيقي. وكان الجمل
الواسطة في القرون الخوالي من الألف الثاني قبل الميلاد ولعب دورا بارزا في إزدهار
التجارة بقدرته على حمل الأثقال لمسافات طويلة، وتتوافق تواريخ استئناس الجمل مع ما
ورد في التوراة من إشارات إلى زيارة (ملكة سبأ) للنبي سليمان في القرن العاشر قبل
الميلاد.
(الملكة بلقيس) ملكة مملكة سبأ مملكة عربية قديمة قامت في الألفية الثانية قبل
الميلاد في جنوب جزيرة العرب في اليمن. استمرت في الحكم حتى قيام الدولة الحميرية.
بدأت المملكة بالازدهار فيما يقرب من القرن الثامن ق.م. اشتهرت سبأ بغناها وقد
تاجرت بالعطور والدرر و البخور و اللبان . وقد ذكر انتاجها للعطور في عدة مصادر مثل
العهد القديم والإلياذة. وقد ذكرت سبأ العهد القديم من التوراة ولها قصة بالنبي
سليمان، واقترن اسمها بسد مأرب والعرم.
ينبغي ان لا ننسى دور (نجران) اذ كانت ركنا مما في تاريخ اليمن البعيد.
ففي الجزيرة العربية قبل الاسلام كانت هناك كعبتان هما (كعبة مكة) و (كعبة نجران).
(كعبة نجران) بقيت ضمن كيان اليمن منذ فجر التاريخ، الا الملك عبد العزيز آل سعود
استولى على (نجران) والحقها بالمملكة العربية السعودية ذلك لان (نجران) وادي خصب
ربما من اخصب المناطق في اليمن. الآثار لا حصر لها في (نجران). كالأخدود و
(كاتدرائية الأسود العنسي) اي (كعبة نجران)، وبقايا سد (قوم عاد) وغيرها، الوثنية
كانت الدين السائد عند العرب العدنانيين قبل الإسلام وكانت الديانتين المسيحية
واليهودية متواجدتان في بلاد العرب جنوبا وشمالا.
يروي ابن إسحاق حديث (وهب بن منبه) في ادخاله المسيحية إلى نجران جنوب مكة من بلاد
اليمن فيقول (إن رجلا يقال له "فيميون" من أهل الشام كان على دين المسيح وكان رجلا
صالحا ورزقه الله كرامات فأحبة رجل من أهل البلاد يقال له "صالح" ولازمة). وكما
يذكر أن (عبد الله بن الثامر) كان له أثرٌ كبيرٌ في نشر المسيحية في نجران بعد
(العبد الصالح فيميون) فانتشرت المسيحية. اليهودية لم تدم طويلاً في (نجران)، لأن
(تُبّعاً ذا نواس) عندما دخل المدينة خرج معه حبران من أحبار اليهود وهما اللذان
دعواه إلى اليهودية فقبِلَهَا ودان بها، وعذب نصارى نجران، وانتهى ملكه بموته بامر
من (أرياط) و (أبرهة) الحبشيين.
وبقيت اليهودية قائمة في شمال الجزيرة بفَدَك, وتيما, وخيبر, والمدينة, التي كانت
تعرف بيثرب، واذا كانت قصة الاسطورة (الملكة بلقيس) و (نجران) قد سادتا التاريخ فان
قصة (سد مأرب) قد طغت على عقول وافئدة الاجيال لما فيها من عبر والاهم كيف استطاعوا
بناء سد الاول من نوعه في التاريخ بما كان لهم تكنولوجيا كيانها اليد والعقل فقط.
بني السد في عهد لم تكن فيه رافعات ولا جرارات ولا ادواة قياس وما كان لديهم آنذاك
غير الايدي والبعران والخيال.
(سد مأرب) كان يعرف ايضا بـ (سد العرم) وهو أكبر سد بني في التاريخ بالقرب من مأرب،
تتواجد على جدران السد الأثري كتابات محفورة بخط المسند، وقد إعيد بناء السد في عهد
الملك (شرحبيل بن يعفور) عام 450، كما أعيد بناؤه في عهد (أبرهة الأشرم) بعد الغزو
الحبشي لليمن عام 525 ثم في عام 571 قيل انه اعيد بناؤه في العهد الحالي. بني (سد
مأرب) لاحتواء كميات كبيرة من المياه لري مناطق واسعة من الأراضي الزراعية بين
مضيقي جبلين يدعيان (جبلي براق) وبعد ان كان المواطنون ينحتون صخورهما لبناء منازل
حجرية عجل في إنهياره، وعندما أعيد بناؤه مرة أخرى كانت المخارج إلى أرض الجنتين قد
دمرت، وكان سداً حاجزاً لا ناقلاً للمياه.
يعتقد الجيولوجي (مارفولوندو) بأن حوض مأرب تكوّن بين400 - 500 مليون عام قيل ان
بركاناً قديماً ثار في صرواح وهو أشهر بركان حدث في اليمن، إذ أمتد من صرواح حيث
تفرعت منه مقذوفات اللهب إلى رداع مما جعل من الصعب إقامة أي من المزروعات، ثم قامت
جماعة من الأوائل بتحويل مأرب إلى منطقة زراعية ومن ناحية أخرى استمرت الطينة
المترسبة مرتفعة في الأرض الزراعية إلى أعلى مستوى وارتفعت ترسبات الطينة بالمستوى
نفسه في صعودها مع منافذ السد مما أعاق خزن مياه السد تماماً بعد ذلك أخذ الناس
يصعدون إلى إقليم مرتفع وإلى أقصى مستوى للقناتين اللتين كانتا تنقلان المياه في
قشرة الأرض واستمر الناس يعملون لمدة طويلة ، وقد بني السد بالطريقة نفسها التي
بنيت بها السدود السابقة، وبنيت له قناطر أفقية كما بني هرم من الناحية الخلفية
للسد، وكان ارتفاع كل حجر مترين في امتداد الطول، ولكن الصخور التي ظهرت فوقه على
سطح الأرض كانت بحجم (50) متر، وهكذا كان البناء مرتفعاً لمنع تسرب المياه ومن أجل
إستقرارها. تم بناء السد بـ (قطع حجرية)، وكان طوله 700 متر إلى جانب بناء القناة
الرئيسة التي توزعت المياه عبرها، يمتد السد ليشكل امتداداً طبيعياً بهندسة مثالية.
يروى بأنه إنهار بفعل الجرذان التي هدمته بأظفاهها وأسنانها، وكان ذلك بنبوءة من
زوجة الملك ومن قبلها رجل ملك كاهن إسمه عمران. وكان إنهيار السد سببا في لتشتت
القبائل اليمنية وهجرتها. لهذا قيل في المثل (تشتتوا ايدي سبأ) او (تفرقوا ايدي
سبا). (بلقيس) اسم ذو رنين موسيقي يطرب الاذن والفؤاد وكثيرات من العربيات يحملن
اسم (بلقيس) ومنهن بلقيس زوجة نزار قباني التي رحلت عنه في تفجير جنوني وكان الحدث
ضربة لقلب نزار فنزلت دموعه باكيا (بلقيس يا وجعي ويا وجع القصيدة).
السبت، 21 ديسمبر 2013
سميراميس ربة الجمال فاقت الرجال في الذكاء والحكمة
بتاريخ السبت 21 ديسمبر 2013
بقلم: توما شماني – تورونتو - كندا
عضو اتحاد المؤرخين العرب
(سميراميس) اي (الحمامة)، حملت هذا الاسم لان الاساطير تقول ان الحمائم احتضنتها
عند مولدها ورعتها واشرفت على غذائها. قصة (سميراميس) حدثت قبل اكثر من الفي عام
ليست اسطورة بل هي جزء من التاريخ الساطع الا ان قصتها تعتبر اسطورة هزت التاريخ
والثقافة. (سميراميس) فرضت حضورها شأنها شأن (كليوباطرا) الفرعونية و (الزباء) و
(بلقيس) في الادب والنقش والرسم والنحت والمرئيات والموسيقى والسينما والمسرح
والاسطورة في العالم حتى هذا اليوم. انها (سميراميس) التي شربت من ماء دجلة
والفرات. (سميراميس) المعروفة بجمالها وقوتها وحكمتها، وقدرتها الفائقة في ادارة
الدولة وقيادة الحروب والتوسع بالفتوحات. تنسب الاساطير بانها هي التي شيدت (حدائق
بابل المعلقة)، غزت ارض الفراعنة وشطرا كبيرا من آسيا حتى الحبشة، حاربت الميديين و
وصلت اعتاب الهند، القتال الذي كاد يؤدي بحياتها. عن مولد (سميراميس الحمامة) نروي
الاسطورة في يوم، ان سيولا عارمة تدفقت بقوة من منابع نهر الفرات ففاض النهر فاحدث
طوفانا فتدفقت الامواج وترامت الاسماك على الشواطئ، لم يبق من الاسماك سوى سمكتان
كبيرتان سبحتا الى وسط النهر. بدأتا دفع بيضة كبيرة طافية على السطح الى ضفة
الفرات، واذا بحمامة بيضاء كبيرة تهبط من السماء فتحتضن البيضة بعيدا عن مجرى
النهر. احتظنت الحمامة (البيضة) حتى فقست، خرجت من داخل البيضة طفلة رائعة الجمال
من حولها أسراب من الحمائم ترف بعضها عليها بأجنحتها لترد عنها حر النهار وبرد
الليل. بدأت الحمائم تبحث عن غذاء للطفلة، فاهتدت إلى مكان يضع فيه الرعاة ما
يصنعون من حلبان واجبان كانت الحمائم تآخذ منها بمناقيرها ما استطاعت ان تحمل،
لتقدمه للطفلة طعاما عاشت به مع الحمائم سعيدة لا تعرف الشقاء أبداً.
ارسلوا راعيا منهم لمعرفة اين تحط الحمائم عرف المكان ثم دلهم فاذ وصلوا إلى المكان
اكتشفوا صبية ذات حسن وجمال رائع، فأخذوها إلى خيامهم، ثم اتفقوا على أن يبيعوها في
سوق (نينوى) العظيم. في الصباح حملوا الفتاة بعد ان اطلقوا عليها اسم (سميراميس) اي
(الحمامة) إلى سوق نينوى. كان ذلك اليوم يوما يحتفل فيه القوم بـ (يوم الزواج) يقام
كل عام، حيث يجتمع في السوق الكبيرة الشباب والشابات قادمين من جميع انحاء البلاد،
لينتقي كل شاب عروساً شابة له، أو ينتقي صبية يحملها إلى داره فيربيها إلى أن تبلغ
سن الزواج فيتزوجها أو يقدمها عروساً لأحد ابنائه. كانت ساحة (سوق نينوى) مشحونة
بالكهول والشباب. جلس الرعاة عارضين الصبية في المقدمة فشاهدهم (سيما) رئيس اسطبلات
خيول الملك، كان عقيماً لا ولد له فارتاعه جمال (سميراميس) قرر تبنيها. فاشتراها (سيما)
ثم عاد بها إلى منزله. ما أن رأت زوجته الصبية ربة الجمال حتى فرحت بها فرحاً جارفا
فتولت عنايتها كابنتها، بقيت ترعاها عندما بلغت الرشد غدت ذات حسن وجمال وأنوثة لم
تبلغه امرأة من قبل ومن بعد! في يوم كان (اونس) مستشار الملك، يتفقد الجمهور
المحتشد بأمر من الملك فصعقت عيناه بجمال (سميراميس الحمامة) كانت قد بلغت سن
الزواج، بقي مذهولا بجمالها وبراءتها. فاخذها الى نينوى وتزوجها، ثم انجبت
(سميراميس) له طفلين او ربما توأمين هما (هيفاتة) و (هيداسغة) بدي انهما كانا
سعيدان حيث كانت (سميراميس) تقدم لزوجها النصح والمشورة في الامور الخطيرة فأصبح
ناجحا في كل مساعيه. خلال ذلك كان ملك نينوى ينضم حملة عسكرية ضد الجارة (باكتريا)،
فأعد جيشا ضخما لهذا الغرض لانه كان يدرك صعوبة الاستيلاء عليها. بعد الهجوم الاول
استطاع ان يسيطر على البلد عدا العاصمة (باكترا) التي صمدت. شعرالملك الحاجة
للاستعانة بـ (اونس) بيد ان (اونس) ما كان يهوى مفارقة زوجته الحبيبة (سميراميس)
سألها ان كانت ترغب مرافقته فوافقت. تابعت (سميراميس) ما يجري خلال المعارك دارسة
بعناية سيرها فقدمت اقتراحات فيما يدار في الحصار. حيث ان القتال كان يدور في السهل
وان كل من المدافعين والمهاجمين لم يعيروا للقلعة اهمية، اشارت (سميراميس) ارسال
مجموعة من الجنود المدربين على القتال الى الجبال، الى المرتفع الشاهق الذي كان
يحمي الموقع. فعلوا ذلك ملتفين حول العدو المدافع اصبح الاعداء محاصرين و لا خيار
لهم غير الاستسلام.
اثر هذا الانتصار غدى الملك (نينوس) غاويا ومتعجبا من شجاعة وذكاء (سميراميس) في
التوصل الى الانتصار الحاسم في المعركة. راح الملك (نينوس) يتفرس ويتمعن في وجهها
الساحر وجمالها الأخاذ، ادرك استسلام قلبه لهذا السحر القاتل فلم يستطع مقاومة هذه
المرأة التي اخذت بمجامع قلبه فطلب يدها كزوجته وملكة. عرض الطلب على (اونس) ان
يزوجه ابنته بديلا عنها، الا ان (اونس) رفض هذا الطلب الملكي فهدده الملك بقلع
عينيه تحت هذا الخوف واليأس وافق مرغما على التنازل عن (سميراميس) للملك، غير ان
(اونس) تجرع السم فمات كمدا، من امر ارغام الملك (نينوس) من خطف زوجته منه،
(سميراميس) انجبت من الملك طفلا اسمياه (نيناس) اثر موت الملك اعتلت (سميراميس)
العرش ملكة نينوى عاصمة آشور. تقول الاسطورة الدائرة، ان (سميراميس) حكمت آشور 42
عاما، الا انها كانت قد شاركت الحكم مع زوجها الملك بحكمتها لسنوات خمس ثم تابعت
الحكم بمفردها اثر موت زوجها.
بدأت (سميراميس) حكمها ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيدا لزوجها الملك (نينوس). تنسب
اليها اسطورة الشعبية بانها بنت مدينة (بابل)، الا ان الواقع ان الذي بنى حدائق
بابل هو (نبوخذنصر) تلبية لرغبة زوجته الميدية، عمل في هذا الانشاء اكثر من مليوني
عامل وفق ما يقوله المؤرخ الاغريقي (ديودروس)، جاء بالعمال من ارجاء الامبراطورية
المترامية الاطراف. كان محيط السور ما يقرب من 66 كيلومترا طولا، اما عرضه فقد كان
بوسع 6 عربات تجرها خيول بالمرور فوقه سائرة جنبا الى جنب، كان ارتفاعه مايفرب من
100 متر شيد 250 برجا لحماية المدينة، اقيم جسر بطول 900 متر على نهر الفرات الذي
كان يمر وسط المدينة. اقيمت عند نهاية كل جسر قلعة محصنة كانت الملكة تستخدمها كدار
استراحة، هذه القلاع كانت متصلة عبر ممرات سرية تحت النهر. في هذا العهد بنت
الحدائق المعلقة المعروفة في التاريخ.
شنت (سميراميس) حملات عسكرية واسعة بعيدا في اسيا حتى قيل انها فاقت في امور القتال
العديد من النساء المقاتلات في تلك العصور. قيل عن (سميراميس) انها انشات العديد من
مدن العالم القديم أقيمت على نهري دجلة والفرات، واقامة العديد من اجمل واروع
الاضرحة الفريدة والمواقع النادرة الاخرى في كل آسيا. في جولاتها العسكرية استولت
على ميديا وبلاد الفراعنة والجزء الاكبر من الحبشة، حاولت اخضاع الهند، فشكلت جيشا
جرارا عبرت نهر السند، الا ان جيشها واجه اعدادا هائلة من الفيلة المدربة فافزعت
الخيول والجنود، انسحب فرارا قيل انها تعرضت لطعنة كادت تودي بحياتها، بعد جهد جهيد
عبرت النهر وامرت بتدمير الجسر الذي اشادته كي لا يستطيعوا ملاحقة جيشها المهزوم.
يبدو ان اسم (سميراميس) تحريف اغريقي لـ (سمورامات) الملكة المقدسة، ام الملك
الآشوري (اداد – نيناري الثالث) الذي حكم بين 810- 783 ق م زوجة شمشي – اداد
الخامس، الذي حكم بين 823 – 811 ق م ، ابن شلمنصر الثالث الذي حكم بين 859 – 824 ق
م ، تميز حكمها بالقسوة بين 810- 805 ق م. هذه الحكاية الاسطورية مستلة من (الملكة
سمورات) بعد قرون طويلة حرف الاغريق الاسم الى (سميراميس). اسطورة مفتبسة من بابل،
(الملكة سمورات) تزوجت ملك نينوى (شمسو حدد الخامس) (823-811 ق.م). بعد ان توفى
زوجها لم يكن يبلغ ابنها ولي العهد (حدد نيراني) 811-783ق م سن الرشد، فاستلمت
زوجته (سميرامات) الملكة الحكم. يبدو ان (سمورامات) أضفت نوعا من الرقة والروحانية
الجنوبية على السلوك الآشوري الذي اتسم بتقديس الفحولة المتمثل بالآله آشور واختيار
منطق القوة والحرب. نجحت في ابراز ادوار آلهة كانت ثانوية عند الآشوريين مثل اله
الحكمة (نبو). ملكت (سمورامات) كالملوك العظام، حيث أقامت مسلة لتخلد ذكرها في ساحة
المسلات في معبد آشور، سجل على هذه المسلة العبارة التالية (مسلة "سمورامات" ملكة
سيد القصر – شمس حدد ملك الكون ملك آشور) والد (حدد نيراني) ملك الكون ملك آشور
وكناه (شلما نصر) ملك الجهات الاربعة. وأصبحت وصية على عرش ولدها لمدة 5 سنوات حتى
بلغ سن الرشد. صحيح انها استلمت الحكم رسميا لفترة خمسة سنوات، الا انها كانت تشارك
بالحكم منذ ايام زوجها وكذلك مع ابنها. ان شخصيتها القوية وذكائها الحاد وجمالها
الاخاذ جعلها تفرض سطوتها طيلة وتمسك بتلابيب دولة بلاد النهرين طيلة عشرات السنين.
عثر على نقش حجري تذكاري في مدينة (آشور) واخر في (كالح) تصور فيه انها الملكة التي
حكمت خلفا لزوجها المتوفى. لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة
شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية. رغم
انها تشارك سكان آشور بالحضارة المشتركة، الا ان اصلها الجنوبي منحها بعض الخصوصيات
المذهبية والثقافية حيث تمكنت ان تشيع مثل هذه المؤثرات البابلية على طريقة الحكم
وعلى الكهنوت الآشوري وعلى عامة الحياة في نينوى.
مهما يكن الامر فان (سميراميس) هي (سميرامات) ثم انقلب اسمها عبر الازمة والعصور
والدهور التوالي الى اسم يملك عطرا اسطوريا وعبيرا على مر الدهور حمل لنا التاريخ
اسطورة كونها (الامرأة الامرأة) بالمعنى العالي اذ كانت رائعة الجمال باعلى اشكاله
بالاظافة الى كونها كانت فائقة في قوتها وحكمتها. انها (سميراميس) الاسطورة
التاريخية. نجد في اسم (سميراميس) العطر الانثوي وقوتها الخارقة كبطلة انثى تجعلها
امرآة تنافس البطل (كلكامش) الذكر بل ربما تفوقه سحرا. (سميراميس) بجمالها الخلاب
اطلقوا اسمها (سميراميس) على بعض ملكات عصور تالية منها (ماركريت) ملكة الدانمارك
والسويد والنرويج 135-1412 التي اطلقوا عليها (سميراميس) وكذلك (كاترين الثانية)
قيصرة روسيا 1729-1796 اعتبروهما (سميراميس) اوربا. في العصور الحديثة طغت شخصيتها
على عقول وافئدة العالم بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كتبوا ونشروا في العالم العديد
من الكتب والروايات والاوبرات العالمية والمسرحيات، لم تستطع هوليوود نكرتنها باكبر
افلامها. يحمل اسم (سميراميس) في جميع انحاء العالم وفي جميع اللغات ما لايحصى من
المراكز السياحية والفنادق ودور التجميل والانوثة والمتعة. يصفها الكاتب (ويفي
ميليفل) في ثنايا روايته (ساركادون.. اسطورة الملكة العظيمة) يقول ( كانت فائقة
الجمال، لا شك في الامر، ذلك الجمال الذي تعجز الكلمات عن وصقه، انه الجمال
المنتصر، ليس باقل من الجمال الذي يذعن له الآخرون مرغمين).
الأربعاء، 17 أكتوبر 2012
أَسرارالعَمْالِقَة.. بينَ أَلوْاح الطين السومَرَية والكُتب المُقدَّسَة ؟
بتاريخ الأربعاء 17 أكتوبر 2012
sadikalsafy@yahoo.com
قد تُشَكّل قراءَتك دهشة وتعجب تختلط فيها الواقعية بالخيال,لكن الذهول سيزول عندما
تستنتج من العلم أشياء جميلة مفيدة ودلائل ثابته علمياً وعملياً ! قدمها علماء
الآثار والباحثين في التأريخ القديم لحضارات بلاد الرافدين-العراق-,لأول حضارة
فريدة من نوعها ظهرت للوجود قبل 6000عام .
أن أختراع الكتابة كان أعظم أنجازات-موسوبتاميا-غيرت طابع تفكيرالأنسان ووسيلة لحفظ
و تخزين المعلومات,وأداة لمساعدة الذاكرة البشرية,أشارت الى بداية تأريخ البشرية
الحقيقي كحد فاصل مع العصر القديم,ساهمت في تطور الحضارة والحياة الدينية,عكست
التواصل الأنساني وعلاقاتهم الأجتماعية والأقتصادية القديمة.
لقد عثر على أقدم النصوص السومرية القديمة في –أوروك-جنوب العراق-حوالي 3100قبل
الميلاد- أستندت أعتقادات علماء الآثار على دلائل مادية حول أرتباط حضارات العراق
القديمة بمخلوقات فضائية نزلت الى الأرض بمركبات خاصة,حيث تواصلوا مع البشر من سكان
بلاد الرافدين القدماء.!
يقول العالم الآثاري –جيم مارس- أن مجموع ما أخترعه السومريون وما أبتكروه لايصل
الى ماوصل اليه مجتمعنا المعاصر,وضعوا أول نظام سياسي برلماني, و أول نظام تعليمي
وأشياء أخرى.
بالتالي يجب أن نتساءَلْ من أين جاءَوا بكل هذه الأفكار.؟
أظن أنه يجب أن نرجع الى أن السومريين القدماء أنفسهم,ونستمع جيدا الى مايريدون
قوله لنا , لنعرف أن حضارتهم لقنت من طرف كائنات نزلت الى الأرض من السماء.؟ً
هم –الأنوناكي- كما يدعونهم .؟
لقد دوَّنَ السومريين تأريخهم على ألواح الطين, وفي متحف برلين ظلت أحد هذه اللوحات
منسية طيلة نصف قرن بعد أستخراجها من التلال الأثرية .لأن أشخاص قلة يستطيعون فك
رموزهذه اللغة القديمة,كان أحدهم العالم الآثاري-زكريا ستيشن- قال في ترجمته –أن
الكتابات والرسومات التي عمرها 6000سنه التي تركها السومريين لنا, تتحدث عدة كتابات
عن أناس جاءوا من كوكب آخر يسمى –نيبيرو- وتصف أشخاص كبيرو الحجم ,أكبر من الحجم
العادي للبشر بنسبة ثلثين أو أكبرأو بتعبير آخر –عمالقة - يصل طولهم 3ثلاثة أمتار.؟
وقد وجدت رسوم للعمالقة على أسطوانة حجرية لختم سومري- محفوظ حاليا فيمتحف
برلين-تثير الحيرة والتعجب من عدة نواحي, حيث تصف لنا مجموعتنا الشمسية,الشمس في
الوسط مع كواكب حولها ,القمر زائدا الكواكب التسعة المعروفة مضافاً اليها الكوكب
العاشرويذكر-العالم ستيجن -هذا الكوكب –نيبيرو- او مردوخ- او الكوكب العاشر.
كما يؤكد العلم الحديث أن المعطيات السومرية عن الكواكب هي صحيحة تماماً, وأن هذه
حقيقة لم يكتشفها العلم الأوربي الأ قبل 300سنه فقط.؟
وتظهر أيضاً كوكببلوتو الذي لم يكتشف الا سنه 1930,وتظهر أيضاً كوكب آخر مايسميه
السومريين-نييبو-والذي جاء منه حسب أعتقادهم العمالقة السماويين-الأنوناكي-العمالقة
الذين نزلوا الى الأرض من الفضاء؟
بشكل عام يذكر النص السومري القديم أنه قبل 400ألف سنة جاء هؤلاء الأنانكو منالفضاء
وأستقروا في الأرض,في وادي النمر , وهناك أنشأوا مستعمرة لهم سموها –عدن – وتتوافق
هذه المعلومة مع ماورد في سفر التكوين –عدن- هو المكان الذي خلق فيه آدم من تراب,
ثم خلقت حواء من أضلاعه.!
ولو أن بعض العلماء لهم نظرة علمية أكثر حول ظهور الحياة على الأرض بشكل محتلف.!
يقول علماء الآثار –حول النصوص السومرية- قرر-الأنوناكي- حرق المراحل,بأستخدامهم
مانسميه اليوم-الهندسة الوراثية- بسبب حاجتهم الى أيدي عاملة,أستخدموا التلقيح
الأصطناعيبين الأنوناكي والبشر البدائي .؟ وأنتجوا كائن هجين هو رجل –كرومانيون-أو
الرجل الحديث.
الأسطورة تقول أنه عندما رجع الأنوناكي الى الأرض بعد عدة الآف من السنين, لرؤية
نتيجة تجربتهم الجينيه,فوجدوا أن نساء الأرض مثيرات جداً.!!.
الأنجيل ذكر كل هذا-يمكن أن تقرأ سفر التكوين- أن أبناء الرب ألتقوا أبناء الأنسان
وخلفوا أطفالاً أصبحوا فيما بعد أبطالاً.؟؟
هؤلاء العمالقة أتضح أنهم مخربون,مما جعل الأنوناكي يقررون قتلهم ,كما ذُكر في بعض
المؤلفات منها كتاب,
Apocryphe;وBaruch
يوضح أسماء العمالقة الذين تم تصفيتهم, وكيف أن الرب عمل الطوفان و دَمَّرَ كل حياة
على الأرض.؟
مع الآف العمالقة التي يسكنونها,وحسب هذه القصة نجى بعض العمالقة ولكن حكمهم للأرض
أنتهى.؟
ليصبح بني البشر هم المسيطرون!
رغم ذلك سيظل العمالقة موجودن في ذاكرة البشر بشكل مقترن بقصةأصولنا ؟
ولله في خلقهِ شؤون.؟
الجمعة، 25 يونيو 2010
الشخصية المصرية.. بين كتابات الرحالة والموروث الشعبي
بتاريخ الجمعة 25 يونيو 2010
بقلم د. عمرو عبد العزيز منير - مصر
ظلت الشخصية المصرية عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء في كتابات الرحالة والمؤرخين ووجدت العديد من التحليلات لها بدءاً من هيرودوت واسترابون وامتداداً عبر العصور إلي ابن زولاق والكندي والسيوطي وابن جبير، العبدري، وابن خلدون، والمقريزي وغيرهم العديد من الذين أكدوا علي أن للمصريين شخصيتهم المتفردة وسماتهم المادية والثقافية المميزة التي تفردهم عن غيرهم من الشعوب وكانت نظرة التأرجح عند المؤرخين دافعاً لأن جاءت النصوص التاريخية محملة بسمة (النزوع الأسطوري والخرافي) في سياق حديثهم عن السمات والخصائص المميزة للمصريين.
وقد نهض (المحتسب التنسيي) على تلك النزعة في سياق وصفه لأخلاق أهل مصر في مدينة تنيس – المندثرة سنة 624هـ- بقوله:" وطالع تأسيس هذه المدينة برج الحوت وصاحبه المشتري، السعد الأعظم، وصاحب الشرق الزهرة؛ لذلك كثر طرب نفوس أهلها، وفرحهم، ورغبتهم في مداومات اللذات واستماع الأغاني ومواصلة المسرات"
وانساق الرحالة والمؤرخون لهذا النزوع الخرافي عندما ربطوا بين طالع السعد وأخلاق أهل القاهرة بقولهم:" ووضع البناءون الأساس في لمح البصر, فبُهِتَ المنجمون وصاحوا قائلين "القاهرة" والقاهرة اصطلاح للمنجمين يطلق على المريخ جلاد الفلك، فلذلك السبب لا تنقطع الدماء والقتال والنزاع والفتن والفساد عن القاهرة المعزية التي سميت بهذا الاسم لوضع أساسها في طالع المريخ"
ولعبت الأساطير والحكايات الشعبية دوراً في وصف علاقة المرأة بالرجل في مصر فيقول المقريزي في سياق وصفه لأسماك النيل أن به سمك يسمي الرعَّاد قيل عنه :" إذا علقت المرأة شيئاً من الرعَّاد عليها لم يطق زوجها البعد عنها" . كما لجأت بعض النساء إلى التحكم فيهم حتى أننا نسمع عن بعض السلاطين والحكام ـ كالسلطان إينال ـ أنهم استسلموا لزوجاتهم حتى أصبحت الواحدة منهن على جانب كبير :"من نفوذ الكلمة ووفور الحرمة في الدولة وطواعية السلطان لأوامرها " وفي هذه الحالة يصبح السلطان أو الأمير :"لا اختيار له معها " .
وعلى الرغم من سمو مكانة المرأة المصرية , ونيّلها من حقوقها في مختلف عصورها ما لم تنله امرأة في مجتمع آخر , وعلى الرغم من نشاط المرأة المصرية في مجال السياسة والآداب فإن أغلب الكتابات الأدبية لم تصور لنا إلا جانباً واحداً هو وصف جمالها وما يرتبط به من زينه وفتنة وبواعث الحب أو الجنس ومظاهر إعجاب الرجال بها والتي لعبت فيها الأسطورة والخرافة دورها الفاعل. حيث كانت زينتها أحياناً وشماً تدقه على خدها . فترسم بالمسك صورة عقرب أو ثعبان إثارة أو إغراء أو معتقد في جذب الرجال إليها, فالمرأة المصرية هنا قد توحي للرجل وتناديه حينما تحذره من الاقتراب أو تخيفه من العقرب أو الثعبان. ومع ذلك فلا بأس بهذا اللدغ, ولا بأس من الاقتراب.فالشاعر ابن عرام يصف حبيبته بالقسوة , ومع ذلك فإنه يقبلها علي الرغم من أن العقرب يلدغه :
مَنْ مُعيني على اقتناصِ غزالٍ ** نافرٍ عن حبائلي روَّاغ
قلبهُ قسوةً كجلمودِ صخرٍ** خدُّه رِقةً كزهرِ الباغِ
كلما رمْتُ أن أُقبَّل فاه ** لَدَغَتْني عقاربُ الأصْدَاغِ
فلقد احتل كل من الثعبان والعقرب ركناً مهماً في قائمة الأشكال الحيوانية والنباتية التي كانت المرأة المصرية تقوم بوشمها على بدنها بما تحمله تلك الأشكال من رموز ودلالات تعكس بالضرورة بعضاً من رواسب أفكار أقدم.
الموروث الشعبي الذي يربط بين المرأة المصرية وكل من العقرب والحيَّة نجد تصويره عند القاضي الفاضل حيث يعترف بفتنة العقرب , ولكنه اكتشف أن لها رقية تعجزها عن اللدغ وتكف أذاها آلا وهى القبلات:
حدِّثْنا يا فتى وأخبرنا ** وأيما شئت منهما فقلْ
عن حيَّةٍ في الخدود ظالمةً** تمنع من شمَّ وردها الخضلْ
إن لها رقيةً مجربةً ** وإن ألفاظها من القبل
ويصور القاضي الفاضل زينة المرأة المصرية وما بها من وشم للحيَّة على الخد فيقول:
من حيَّةٍ في الجمْرِ ما احترقَتْ ** والجمرُ فوق الخدِّ ما اشتعَلا
لو أنها تلك التي انقلبتْ ** يوم العصا لم يعصِ من جهلا
لعل ذلك ما دفع بالعديد من الكتابات التاريخية أن تصف المرأة المصرية بالتسلط والسيطرة، وتصف الرجل المصري بقلة الغيرة على امرأته مستعينة في ذلك كله بشواهد الأساطير والخرافات الممزوجة ببعض القصص الديني، مثال ذلك: ما روَّجه ابن عبد الحكم من أساطير حول غرق (فرعون موسي) وجنوده فيقول: "وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون من أشرافهم، ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال, فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه وتتزوج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا شيئا إلا بإذنهن، فأجابوهن إلي ذلك فكان أمر النساء على الرجال، والقبط على ذلك إلي اليوم أتباعا لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال: أستأمر امرأتي.." ويضيف المقريزي:" ولهذا أيضاً صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدهن" "فأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطي من الحبشي من النوبي" وذلك بتدبير من الملكة دلوكة التي استطاعت أن تقود مصر في ظل فراغ سياسي وأمني آنذاك بها قامت به من تدريب." فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة".
والناظر في الخرافات التي دارت حول قوة وشكيمة المرأة المصرية يدرك أنها تأثرت بالقصص العربية في العصر الجاهلي، فقد أورد لنا ابن فضل الله العمري ما استعاره الوجدان الشعبي من مضمون لقصة (الزباء ملكة الجزيرة) دون التفاصيل في سياق الحديث عن بناء مدينة الإسكندرية حين سَلكَ مسلكاً مغايراً فتقول الرواية: " إن الذي بني الإسكندرية أول أمرها : جبير المؤتفكي ، وإن الذي دعاه إلي بنائها ، إنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر، وكان اسمها ( حورية بنت البرت) وأنه لما طال بينهما الحرب أنفذت إليه تقول: إني قد رغبت في أن تتزوجني، فيصير ملكنا واحداً ودارناً واحداً... فأجابها وعقد النكاح علي ما كان يعتقدون، والتمس الدخول بها فقالت: إنه يفتح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة تبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع وأجل مكان, وحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما تبنيه . وإنما كان ذلك منها مكراً به لتنفذ أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعة، فأجابها وأنفذ مهندسين إليها واختارت موضع الإسكندرية فكان كلما بني بناء خرجت دواب البحر عبثت به وهدمته فأقام زماناً, ونفذت الأموال فوضع طلمسات وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت، فكانت في الماء حذاء الأبنية ، فإذا جاءت دواب البحر فرأت الطلمسات والتوابيت نفرت فثبت البناء وبنيت المدينة، وتمت بعد زمان طويل ثم راسلها في المسير, فسارت بجميع قللها وعساكرها حتى نزلت حذاء عسكره وراسلته : " إني قد أحببت أن أحمل عنك مؤونة الأنفاق علي العسكريين في أطعمة تصلح وأشربه، وقد أعددت لوجوه الأمراء والقواد خلعاً وتحفاً عنك لكرمك في بناء المدينة.... فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة.فلبسها وجوه العسكر،ولبس الملك جبير خلعته، وكانت أقل سماً من غيرها، إبقاء عليه لتبقي فيه بقية لخطأ بها فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا, وماتوا ورأي ذلك بقية العسكر فعلموا موضع الحيلة فبادروا مستأمنين فنودى فيهم بالأمان... ودخلت الملكة المدينة وأقامت بها زمانا وعادت إلي مصر.."
فالقراءة الأولية للحكاية التي نقلها لنا الرحالة ( ابن فضل الله العمري) عن دهاء المرأة المصرية تؤكد أن عناصر حكاية ( مصرع الملكة زباء) سواء عناصرها التحليلية أو الأولية للحكاية لم تغب عن الضمير الشعبي وخياله الخلاَّق، بل استحضرها بشخوصها وأحداثها ووقائعها ورموزها، أو على الأقل فيما يتصل ببعض العناصر التي تقاطعت مع النص المصري للحكاية على نحو ما جاء في الحكاية التي نقلها لنا ( ابن فضل الله العمري) في عنصر السم – على سبيل المثال- وكذلك في مجال اسم الشخوص، وهكذا ينطوي التنَّاصْ هنا – في ضوء مفهومي الاستدعاء والتحويل- على معنى التداخل والتوالد, والتفاعل المضمر, أو غير المباشر بين النص الجاهلي العربي وبين النص الشعبي المصري .فقد قام الخيال الشعبي ببراعة بتحويل هذه الاستدعاءات الشعبية أو هذه المرويات السردية التاريخية وصهرها وأذابها في النص الخاص بالحديث عن المرأة المصرية وعلاقتها ببناء مدينة الإسكندرية وتطورها، وقدم لنا مجموعة من آداب السلوك تتلخص في وجوب أعمال الحيلة للخروج من المأزق إذا لم يستطع المرء مواجهته.
وفي تعميم غير منطقي تصف الروايات الشعبية المرأة المصرية بالتسلط والسيطرة وتصف الرجل المصري بقلة الغيرة على امرأته، فيقال:" ومن أخلاق أهل مصر قلة الغيرة، وكفاك ما قصة الله سبحانه وتعالى من خبر يوسف ، ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه, وشهادة شاهد من أهلها عليها, بما بيَّنَ لزوجها منها السوء ،فلم يعاقبها على ذلك بسوي قوله: "استغفري لذنبك أنك كنت من الخاطئين" .
وتعلق الكتابات التاريخية بقولها :" فكما أن عزيز مصر كان مغلوباً لامرأته زليخا، فإن المصريين لا يزالون مغلوبين لنسائهم وخدمهم ميالين للطرب واللذة والصفاء والشقاء رغم أنوفهم" وتذهب الروايات إلي الحد الذي تجعل عنده هذا الأمر سمة من سمات البيئة المصرية فقد أورد ابن عبد الحكم: " وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركي رحمه الله: أنه منذ سكن مصر يجد في نفسه رياضة في أخلاقه ، وترخصا لأهله، وليناً ورقة طبع مع قلة الغيرة". وهو ما أنكره (ابن الحاج) في قوله:" وهذا فيه من المحرمات وجوه كثيرة، وكل من يعاينهم من الناس سكوت، لا يتكلمون، لا يغيرون، ولا يجدون لذلك غيرة إسلامية". وقد علل ابن ظهيرة هذا السلوك بقوله :" عدم الاعتراض علي الناس، فلا ينكرون عليهم ولا يحسدونهم ولا يدافعونهم بل يسلمون لكل أحد حاله، العالم مشغول بعلمه, العابد بعبادته، والعاصي بمعصيته ,وكل ذي صنعة بصنعته ولا يلتفت أحد إلي أحد, ولا يلومه بسبب وقوعه في معصية أو نقيصة " .
ويتداخل الخيال مع الأسطورة لدي من وصف المصريين سواء كان مؤرخاً أو كاتباً، فيربط البعض منهم بين الأحوال الفلكية, وسمات أهل مصر؛ يقول المقريزي: " إن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون وينذرونه بالأمور المستقبلة، ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة".
يشير المقريزي إلي تلك الحاسة ويرجعها إلي عوامل بيئية جغرافية تتصل بموقع مصر وعلاقته بالنجوم والأفلاك, ويلحظ المرء بروز الاعتقاد في تأثير النجوم في طبائع الناس وأحوالهم ويشير ( أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي) إلي ذلك فيقول :" المصريون أكثر الناس استعمالاً لأحكام النجوم، وتصديقاً لها وتعويلاً عليها وشغفاً بها، وسكوناً إليها .حتى أنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلي أن لا يتحرك واحد منهم حركة من الحركات الجزئية التي لا تحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها ولا تضبط جهاتها، ولا تقيد غاياتها ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها ونصب يعتدونها".
ويستشهد صاحب الرسالة المصرية علي ما يقول, بحكاية يرويها :" ولقد شهدت يوماً رجلاً من الوقادين في آتون الحمام يسأل رزق الله المذكور- أحد المنجمين- عن ساعة حميدة لقص أظفاره فتعجبت من سمو همته, علي خساسة قدره ووضاعة مهنته ".ويضيف إلي ذلك قوله: " ومن الحكايات العجيبة, في فرط استعمالهم لأحكام النجوم ,وعنايتهم بها؛ ما شهدت بالصعيد الأعلى وذلك أن بعض الولاة حبس رجلاً من بعض أهل تلك الناحية كان ينظر في علم النجوم وشفع إليه فيه من يكرم عليه فشفعه فيه, وأمر بإطلاقه, وكان من الحبس في عذاب واصب, وجهد ناصب, فلما أتوه وقالوا له: انطلق لشأنك. أخرجَ من كمه اصطرلاباً, فنظر فيه فوجده مذموماً، فسألهم أن يتركوه مكانه إلي أن يتفق وقت يصلح للخروج من السجن, فعادوا إلي الوالي, فأخبروه بخبره فضحك منه, وتعجب من جهله وفساد عقله وأجابه إلي سؤاله وتركه علي حاله, وأطال مدة عقابه" .
هكذا بلغ الاعتقاد في النجوم والطوالع وتأثيرها في أحوال الناس الحد الذي جعل وقاداً في أحد الحمامات يستشير النجوم قبل أن يقص أظافره, وجعل ذلك المنجم يرفض الخروج من السجن حين أتيح له ذلك بعد شفاعة أحد المتشفعين، لأن الوقت لم يكن مناسباً حسبما قالت له الأبراج. كانت تلك سمة من سمات ذلك العصر في تلمس كل السبل للتنبؤ بالغيب حتى انتشرت الوسائل المتعلقة بها وتنوعت تلك الأمور ما بين ضرب الرمل واستنطاق الودع، وفتح المندل والاستخارة بالرؤية وبالقرآن الكريم حتى أنكر ابن الحاج ذلك علي المصريين بقوله: " أما الباطل فهو زعمهم في فتح الختمة والنظر في أول سطر يخرج منها أو غيره".
واضطلع العديد من الناس بهذه المهام ليقدموا للإنسان اللاهث وراء المجهول كل ما يرضيه أو يطمئنه علي المستقبل أو ينذره من ويلاته وحسبنا هنا مشاركة المؤرخ العيني (855هـ) حيث أشار في حديثه عن (السلطان الظاهر ططر) بقوله : " وكانت توليته في ساعة أجمع عليها أهل الحساب أنها تدل علي طول أيام مولانا السلطان خلد الله ملكه مع عافية وأمن وسرور . ثبت الله أركان دولته وأيام سطوته وعزته ". بيد أن " ساعة السعد" التي أشار إليها العيني لم تكن كذلك فقد تبوأ السلطان (سيف الدين أبو الفتوح ططر) في يوم ( 29 من شهر شعبان عام 824هـ ) ولم يمهله القدر في حكم مصر أكثر من تسعين يوماً لا غير.
ويُوردُ المقريزي أخبار واقعة تدل علي ما ذهب إليه من أن المصريين يتحدثون بالأشياء قبل كونها ويخبرون بما يكون فيقول" ومن هذا الباب واقعة ألدمر ذلك أنه خرج الأمير ألدمر أمير جندار يريد الحج من القاهرة في سنة ثلاثة وسبعمائة وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة. فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة، ومصر وقلعة الجبل بأن واقعة كانت بمكة قتل فيها ألدمر، فطار هذا الخبر في ريف مصر، واشتهر فلم يكترث الملك محمد بن قلاوون بهذا الخبر فلما قدم المبشرون علي المادة أخبروا بالواقعة وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم .الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة". وأورد المقريزي أكثر من واقعة مشابهة ثم ينتهي إلي القول" وفي هذا الباب من هذا كثير"
وهكذا ظهر المصريون وكأنهم اطلعوا علي علم الغيب، ويخبرون بما يكون وينذرون بالأمور المستقبلية, وكأنهم استلقوا السمع, ولم يتبعهم شهاب ثاقب, وكأنها سمة اتسم بها المصريون منذ أقدم العصور , حيث تنبؤا بطوفان نوح بعد أن " نظروا فيما تدل عليه الكواكب مما يحدث في العالم وعلموا أن تلك الآفة تكون ماء يغرق الأرض ومن عليها فأمر الملك ببناء الأهرام". كما تنبؤا بالمجاعات التي سوف تلم بمصر كقول المقريزي :"ثم وقع الغلاء في زمن أتريب بن مصريم, ثالث عشر ملوك مصر بعد الطوفان , وكان سببه أن ماء النيل توقف جريه مدة مائة وأربعين سنة , فأكل الناس البهائم حتى فنيت كلها...فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى هود .أن أبعث إلى أتريب بمصر أن يأتي لحف جبلها , وليحفر بمكان كذا ...فإذا عقود قد عقدت بالرصاص , وتحتها غلال كأنها وضعت حينئذ , وهى باقية في سنبلها لم تدرس , فمكثوا ثمانية شهور في نقلها , وزرعوا منها وتقوتوا نحو خمس سنين , فأخبره أخوه صابر بن مصريم أن أولاد قابيل بن آدم لما انتشروا فى الأرض وملكوها , علموا أن حادثة ستحدث في الأرض , فبنوا هذا البناء , ووضعوا فيه الغلال . فزرعت مصر وأخصبت ".
ويكشف لنا صاحب الرسالة المصرية عن بعض الجوانب المتعلقة بفكر المصريين وتاريخهم فيقول :" وحكى الوصيفىُّ في كتابه الذي ألفه في أخبار مصر أن أهلها في الزمن السابق كانوا يعتقدون أنَّ هذا العالم ,الذي هو عالمُ الكون والفساد أقام برهةً من الدهر خالياً من نوع الإنسان , وعامراً بأنواع أُخَر غير الإنسان , وأن تلك الأنواعَ مختلفة على خِلق فاذَّة وهيئات شاذَّة ثم حدث نوع الإنسان فنازعَ تلك الأنواع فغلبها واستولى عليها , وأفنى أكثرها قتلاً وشرَّد ما بقى منها إلى القفار , وأن تلك المشَّردة هى الغيلان والسعالي وغير ذلك , مما حكاه من اعتقاداتهم المستحيلة , وتصوراتهم الفاسدة , وتوهماتهم النافرة ."
وعلى الرغم من رأي أبي الصلت الذي حسب فيما أورد من رأي ذاع عن المصريين القدماء أنه يؤكد رأيه في عقلهم واعتقاداتهم , إلا أنه في الحقيقة أورد ـ ربما دون أن يقصد ـ ما يعني أن المصريين القدماء قد اقتربوا من فكرة نظرية النشؤ والارتقاء . فلا شك أن عبارة أبي الصلت هي من المتلقيات العامة والمتيسرة عن معرفة ما تبقى في الأذهان من أفكار كاملة شاعت عند المصريين وذاع أمرها , حتى تناقلها العوام بهذه الصورة المحرفة والمشوشة والمشوهة شأنهم في ذلك شأن العوام في كل مكان وعصر . كما نلمس أن معلومات أبي الصلت عن فكر المصريين وتاريخهم ورجالهم تختلط فيها بقايا معرفة حقيقية لها أصولها الأولى الحقيقية , بحكايات خرافية , في نسيج متنافر من بقايا العلوم والثقافات .
ويبدو أن ظروف العصر قد ساعدت الخرافات والأساطير على التغلغل والتسرب إلى نسيج المجتمع إضافة لما كان يحدث فيه من ضربات موجعة للمسلمين لأول مرة في تاريخهم تحت وطأة الحروب الصليبية واقتطاع أجزاء من المنطقة الأمر الذي كان له انعكاسات واضحة على النظام القيمي والأخلاقي في العالم العربي, فامتلأت النفوس بالغضب ومشاعر الإحباط والمرارة التي زادت من حدتها أعداد اللاجئين الهاربين من وحشية الصليبيين عند كل هجوم جديد فشعر الناس في المنطقة العربية بمدى عجز الحكام , وامتلأت النفوس في كل مكان بروح العجز , وشاعت روح من التقوى السلبية , والتدين العاطفى الهروبي , وقد تجسد هذا كله في التفاف عامة الناس حول نمط المتصوفة /الدراويش والمجاذيب كأحد مظاهر التعبير عن روح اليأس , والهروب إلى المجهول , والتي سيطرت على قطاعات كبيرة من سكان المنطقة العربية , والتي تركت أيضاً العديد من الأفكار المحملة برواسب الرؤى والأحلام التي يرى فيها النائم النبي أو الاجتماع بسيدنا الخضر . كتعبير عن الآمال التي تجيش في نفوس الناس حيال الواقع المرير الذي يعيشونه , فأصبح معتاداً أن يتكلم المتعلمون عن القيامة وأحاديث آخر الزمان , وبالخرافات التي شاعت حول عذاب القبر ونعيمه, والاعتقاد والتسليم بالخوارق والمعجزات ,والتي عكست أثر الشخصية المصرية على هذا النوع من الأخبار والقصص في التعبير عن اعتقاد الناس في كرامات الأولياء وشفافية النفس المصرية في تقبلها تلك الأمور الغيبية عن إيمان وصدق. ومن أمثال هذه القصص ما رواه أبو الفتح رضوان ـ فتح الله بن سعد الله التميمي المنفلوطي ـ يقول :"كنت يوماً مع شيخنا أبي الحسن الصباغ على ساحل البحر , ومعه إبريق يتوضأ منه , فسمع بالقرب منه صياح الناس , فسأل الشيخ عن ذلك فقيل له قد أخذ التمساح رجلاً من الساحل فترك الشيخ الوضوء وأسرع إلى المكان الذي فيه الناس مجتمعين فرأى التمساح قد قبض على الرجل وقد توسط به لجة البحر , فصاح الشيخ بالتمساح أن يقف فوقف مكانه لا يتحرك يميناً ولا شمالاً, فعبر الشيخ على متن الماء , وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم , وكأنه يمر على وجه الأرض وكان البحر في نهاية زيادته حتى انتهى إلى التمساح, فقال له: ألق الرجل , فألقاه من فيه ..وقد هلك الرجل فخذه من مسكة التمساح , فوضع الشيخ يده على التمساح وقال له : مت فمات موضعه .. وقال الشيخ للرجل قم إلى البر فقال : يا سيدي لا أستطيع من فخذي وأنا لا أحسن العوم , فقال: اذهب فهذه سبيل النجاة , وأشار إلى طريق البر فإذا البحر من الموضع الذي فيه الشيخ والرجل صلب قوي كالحجارة إلى البر فمشى الشيخ والرجل حتى وصلا إلى البر والناس ينظرون , ثم عاد البحر إلى حالته المعتادة , وجر الناس ذلك التمساح ميتاً ."
فالشخصية المصرية بارزة في هذا النوع من الحكايات والكرامات والتي تسربت إلينا عبر الحركة الصوفية التي نشأت بمصر في مرحلة النضج عن ظاهرة جديدة في المجتمع المصري ذات صلة بتكوينه الجغرافي والبشري والنفسي , لاسيما وأن :" الخرافات والأسمار كانت مرغوباً فيها مشتهاة" ولا تزال رواسبها متغلغلة في الموروث الشعبي المتعلق بالحياة اليومية للمصريين والتي حفظها لنا المؤرخون في كتاباتهم في سياق حديثهم عن أعياد أهل مصر والتي كان يحتفي بها كل أهل مصر علي حد سواء مثل عيد الشهيد:" و عيد الشهيد يكون في اليوم الثامن من شهر بشنس واعتاد النصارى أن يحتفلوا بذلك اليوم بإلقاء تابوت في نهر النيل به أحد أصابع أسلافهم من الحواريين ويزعمون أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فإن النيل لن يزيد" ,وربما كان ذلك الطقس صدى للأسطورة التي راجت في كتابات المؤرخين حول (صندوق/ تابوت) النبي يوسف وما دار حوله من روايات مفادها أن يوسف :"لما حضرته الوفاة قال :إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم فاحملوا عظامي معكم . فمات فجعلوه في تابوت ,ودفن في أحد جانبي النيل فأخصب الجانب الذي كان فيه وأجدب الآخر . فحوَّلوه إلى الجانب الآخر فأخصب الجانب الذي حولوه إليه وأجدب الآخر . فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها في صندوق من حديد . وأقاموا عموداً على شاطئ النيل , وجعلوا في أصله سكَّة من حديد, وجعلوا في الصندوق سلسلة أثبتوها في السكة , وألقوا الصندوق في وسط النيل , فأخصب الجانبان جميعاً ".
وهذا الصندوق وما أحاط به من طقوس تتفق كثيراً مع بعض التفاصيل في ســيرة "سيف بن ذي يزن" والتي تحدث فيها الراوي عن ( كتاب النيل) الموضوع في صندوق من خشب الأبنوس الأسود مصفح عليه بصفائح الذهب الأحمر فعيد الشهيد هنا يحمل ظلالاً وإمدادات كثيرة الماضي في تداخل مع الرواسب الفرعونية والقبطية لتصنع كتاب النيل.
علي أن كلمة ( كتاب) هنا تذكرنا بكتاب (عمر بن الخطاب) الذي أرسله رداً علي كتاب (عمرو بن العاص) إليه بشأن العروس ( أسطورة عروس النيل التي كانت تلقي في النيل سنوياً) . فعمر لم يكتف بالزجر والمنع بل كتب كتاباً ليلقي به في النيل علي نحو ما هو معروف ونقله إلينا ابن عبد الحكم المسئول الأول عن نص الخرافة التي وصلتنا في قوله :" لما فتح عمرو بن العاص مصر، أتي أهلها إلي عمر حين دخل شهر بؤونة : فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنْة لا يجري إلا بها فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه كلما جاءت الليلة الثانية عشرة من هذا الشهر , عمدنا إلى جارية بكر من أبويها فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل... فقال لهم عمرو هذا لا يكون في الإسلام. إن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا شهور بؤنة وأبيب ومسري. والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هموا بالجلاء.. فلما رأي عمرو ذلك كتب إلي عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر أن قد أصبت إن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في النيل إذ أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب علي عمرو فتح البطاقة فإذا بها:
" من عبد الله أمير المؤمنين إلي نيل مصر، أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك".
فألقي عمرو البطاقة في النيل، وكان أهل مصر قد تهيأوا للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل وأصبحوا وقد أجراه الله تعالي ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة" ويعلق الإسحاقي قائلاً :"وقطع الله تلك السنة السيئة عن أهل مصر وصار يعمل في ليلة وفاء النيل المبارك في كل سنة إشارة عظيمة كبيرة ينصب بها قناديل تعلق بحبال كثيرة على أخشاب مرتفعة توضع بمركب وتوقد القناديل وتسير في البحر يميناً وشمالاً وتزف بالطبول وتسمى عروسة البحر وذلك مستمر إلى تاريخه".
والراجح فيما يتعلق بتلك الخرافة التي نقلها لنا ابن عبد الحكم قد جانبه التوفيق فنقل تلك الأسطورة علي أنها حقيقة واقعة , كما أن جميع المؤرخين الذين جاءوا بعد ابن عبد الحكم وتناولوا بعض الموضوعات المتعلقة بالواقعة التي حفظها لنا ابن عبد الحكم قبلهم، فقد ذكروا هذه الخرافة وكرروها علي أنها معلومة تاريخية .نقلاً عما كتبه ابن عبد الحكم سواء بإسنادها إليه مباشرة أو بذكرها دون إسناد كما لو كانت حقيقة واقعة حيث كانت تلك الأسطورة هى غاية علمهم آنذاك ولم يعرفوا أنها أساطير, كالمقريزي، والكندي, وابن تغري بردي, وابن دقماق, والسيوطي, وياقوت, وابن إياس وغيرهم .
ولعلنا نتسأل كيف تمر ثلاثة شهور هي بؤنة وأبيب ومسري" والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً"!. إن ذلك لو كان حدث لكانت هناك كارثة تزول فيها الحياة تماماً ولا يبقي بعدها إنسان أو حيوان أو نبات, وكيف يرتفع النيل 16 ذراعاً ليلة واحدة !!. كما أن الفتح الإسلامي كان سنة 641 ميلادية وكان المصريون آنئذ قد اعتنقوا المسيحية وهي دين سماوي ولا يمكن أن يقبل أو يقر حكاية إلقاء عروسة بكر حية لتموت غريقة في النيل فالأديان السماوية الثلاث لا تقر ولا تعرف تقديم ضحية بشرية كقربان لله.
كما أن الثابت تاريخياَ عن المصريين القدماء؛ أنه لم يعرف عن تاريخهم المعروف والمدون أنهم كانوا يقدمون ضحية بشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه لأنهم كانوا علي يقين من أن البشر هم الثروة الحقيقية لحضارتهم ووقودها الفاعل والدافع.
فالثقافة المصرية وما أنتجته من العادات والتقاليد، عبرت عن نفسها في عدد من الأعياد والاحتفالات التي اهتم المصريون بإحيائها والاحتفال بها، ومن الطبيعي أن عدداً من هذه الأعياد كان يتمثل بعقائد المصريين ودياناتهم، بل هناك من الأعياد ما كان يأخذ شكل الاحتفال القومي، وذلك لارتباطه بحياة المصريين جميعاً مثل الاحتفال بوفاء النيل الذي ارتبط بالتراث المصري القديم .
ومن الأعياد التي كان المصريون يحتفلون بها قبل الإسلام وبعده عيد " الغطاس" إذ يقول المسعودي عن احتفالات المصريين بذلك العيد: " ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام الناس فيها, وهي ليلة إحدى عشرة تمضي من طوبه، وستة من كانون الثاني، ويصف المسعودي ما ارتبط بهذا العيد من اعتقادات خرافية بقوله:" وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً ولا تغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ من الداء".
فقد كان المصريون يحتفلون بـ " ليلة الغطاس" مسيحيون ومسلمون يتجمعون علي شاطئ النيل ويشعلون المشاعل والشموع يأكلون ويشربون ويمرحون ويغطسون في ماء النيل حتى يبرؤا من كل داء- بحسب اعتقادهم - وهو اعتقاد مرتبط بالتراث المصري القديم الأمر الذي يؤكد صدق تواصل أجيال الشعب المصري وامتداد المعتقدات والممارسات الشعبية المصرية التي تبرز القسمات الواضحة للشخصية المصرية.
وربما كانت كثرة الاحتفالات والأعياد المصرية وراء تلك الملاحظة التي سجلها أحد الرحالة بقوله " أصل كثرة السرور والأفراح بمصر ناشئ عن كونها إقليماً أخر لأن طبع مصر" زهري" فلذا يميل أهلها إلي الموسيقي والغناء واللهو واللعب، ثم أن شعبها الكبير العدد كثير المال مما يساعده علي الإنفاق في الطرب والذوق والصفا" ويقال أن بين مباهج الأعياد , ومباهج بعض أعياد الفراعنة قرابة وصلة و ومن تلك الأعياد عيد بوباسطيس(تل بسطة بالزقازيق ) وقد وصف لنا هيرودوت كيف أن الرجال والنساء كانوا يركبون قوارب تسير بهم في النيل , وهم يرقصون ويغنون , ويسرفون في تناول الطعام والشراب .
هذه الاحتفالات التي كانت سمة بارزة من سمات الحياة الاجتماعية المصرية كانت تعبيراً عن ثقافة شعب متجانس تكشف عن أن المجتمع المصري عاش حياته الاجتماعية بالشكل الذي يوافق موروثه الثقافي الموغل في أعماق الزمن , والذي يحمل العديد من الممارسات التي تداخل فيها الموروث الشعبي بكل ما يحمله من أساطير ورموز وحكايات وأشعار وخير مثال لذلك، احتفالهم ( بسبت النور) .
حيث :"أعتاد أهل مصر علي أن يتكحلوا اعتقاداً أن من يتكحل في ذلك اليوم يقوي بصره، وأن من يشرب الدواء في هذا اليوم أيضا يكون ذا فائدة عظيمة في الشفاء، كذلك يخرج إلي شاطئ النيل من يعاني من أمراض جلدية ويدهنون أجسامهم بالكبريت ويستلقون طوال اليوم تحت أشعة الشمس" ويهمنا أن نلاحظ تلك الصلة بين المعتقد الشعبي والعادات الجارية . وإذا كان قد نسى هذا المعتقد إلا أننا نستطيع أن نتعرف عليه من هذه العادات ذاتها, فعادة الاستحمام وتدليك الجسم بالكبريت فتذكرنا بالمعتقدات الخاصة بشفاء أيوب في بلواه.
وأما أيوب نفسه , الذي تحول في القصص الشعري الغنائي الشعبي ؛ إلى إنموذج لصفة الصبر , فنحن نعرف قصته الأصلية الواردة في سفر التكوين (الإصحاح الأول إلى الإصحاح الثاني والأربعين من سفر التكوين) وكيف كان رجلاً على قدر كبير من التقوى ووفرة المال وطيب النفس , ثم امتحنه ربه في ماله فصبر , وامتحنه في جسمه "وضرب أيوب بقرح ردئ في باطن قدمه إلى هامته , فأخذ أيوب لنفسه شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد فقالت له إمرأته :أنت متمسك بعد بكمالك بارك الله وموت فقال لها أألخير نقبله من عند الله والشر لانقبل" وتنتهي القصة المقدسة بأن "بارك الله آخرة أيوب أكثر من أولاده" وضاعف له الراحة ومد في عمره عشرة سنين ومائة ورأى أربعة أجيال من ذريته , وماله يزيد ويثرو. ويعزو الذهن الشعبي إلى أيوب أنه دهن جسمه بدهان معين فشفى. ,أما عادة الاكتحال , في تلك الفترة التي يقع فيها شم النسيم , فتتصل باتقاء أمراض العين ( الرمد) الذي كان كثيراً ما يصيب الناس عند انقلاب الجو وتكاثر الذباب , وأتربة الخماسين .وهو الأمر الذي لاحظه الرحالة چوزيف بتس بقوله:"الناس هنا ذوو عيون متقرحة وسيقان متورمة".
كما اعتاد المصريون علي شراء السلاحف اعتقاداً منهم أنها تطرد الشياطين من البيت الذي تكون فيه .كما اعتقدوا أن المرء:"إذا علق منقار الغراب على إنسان حفظ من العين وإذا غمس الغراب الأسود جميعه في الخل بريشه وطلى به الشعر سوده.. وإذا صر في خرقة وعلق على الصبي الذي لم يبلغ الحلم نفعه من السعال المزمن وقطعه ".
أضف لتلك الممارسات والعادات حرص الناس علي تخصيص أيام معلومة لزيارة الأولياء والتبرك بهم:"فجعلوا يوم الخميس والجمعة للقرافة ولزيارة الإمام الشافعي " . وأورد المقريزي حكاية عجيبة عن القرافة (أي مدافن القاهرة) نصها : " وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ظهر شيء يقال له القطرية تنزل من جبل المقطم فاختطفت جماعة من أولاد سكانها ,حتى رحل أكثرهم خوفاً منها، وكان شخص من أهل كبارة مصر يعرف بحميد الفوال، خرج من أطفيح علي حماره, فلما وصل حلوان عشاء رأي امرأة جالسة علي الطريق فشكت إليه ضعفاً وعجزاً, فحملها خلفه, فلم يشعر بالحمار إلا وقد سقط, فنظر إلي المرأة فإذا بها أخرجت جوف الحمار بمخالبها. ففر وهو يعدو إلي والي مصر، وذكر له الخبر فخرج بجماعته إلي الموضع فوجد الدابة قد أكل جوفها ثم صارت تتبع الموتي بالقرافة وتنبش قبورهم وتأكل أجوافهم وتتركهم مطروحين فامتنع الناس من الدفن في القرافة زمناً حتى انقطعت تلك الصورة". أضف لهذه الحكاية العديد من الخرافات والتي شاعت ولا تزال في المجتمع المصري عن عالم القبور والموتى فيذكر الإسحاقي:"أن رجلاً من البهنسا أخبرني شفاهاً أن بها شخصاً مشهوراً بابن الميتة قال وذلك أن أمه ماتت وهي حامل به فلما مضي مدة من دفنها ماتت امرأة من أقاربها ففتحوا قبرها لدفن تلك الميتة فأحس الحفار بشئ يدور حول الميتة. فطلع الحفار وهو مرعوب وأخبر من حضر بما شاهده في القبر فظنوه وحشاً, ثم أوقدوا ناراً وأشرفوا على داخل القبر, فوجدوا ولداً معلقاً بالميتة ملتقماً ثديها, وقد أجرى الله فيه اللبن؛ لرضاعه فأخذ الحفار الولد, وضمه إلى صدره وعصب عينيه؛ خوفاً من مفاجأة النور. وأطلعه من القبر وعاش, وتزوج ورزق الأولاد ". وهذه القصة التي أوردناها عن القرافة مثال جيد علي نوعية قصص الرعب التي كان أهل مصر يتداولونها حول المقابر والرهبة التي أحاطت بالموتى والقبور، وهي تذكرنا بتلك القصص المرعبة التي سمعناها كثيراً في طفولتنا عن النداهة والعفاريت والمارد، بيد أن أهم ما تدل عليه هو مدي سيطرة الخيال والخرافة علي حكي القصص آنذاك.
المجتمع المصري يتصف بلزوجة في عناصره وقضاياه وهمومه وآماله وآلامه لتتشكل كل هذه المقادير في إناء واحد هو "الشخصية المصرية". تلك المعزوفة الإنسانية التي التقت فيها نغمات شتى من مكان , وزمان بين إيجاب وسلب. لتخرج لحناً خاصا هو الإنسان المصري الذي عاش مئات القرون على هذه الأرض, التي تركت سماتها في مكونه الإنساني , وأكسبته مرارة الأيام , والسنين وتواليها سمات وخبرات خاصة ,أضفت على الشخصية المصرية مكوناتها( ) ولزوجتها التي تأتى عفوية في سياق النسيج الاجتماعي المصري اليومي.
لكن لماذا هذه اللزوجة في السوسيولوچيا المصرية؟
إنها تأتى منسجمة مع التركيبة النفسية للشخصية المصرية، فالإنسان المصري يتمتع بين الشخصيات العربية الأخرى بأعلى معدل من الرفاهة والعاطفة التي تجعله سريع التقلب بين الغضب والرضا والمدح والذم والضحك والبكاء والخشوع و الفرفشة.
ولأنه كذلك فإن اللزوجة الوجدانية في مكونات الشخصية المصرية هي أسهل الأساليب لسرعة التحول من الغضب إلى الرضا , حيث ليس ثمة فارق صلب بين هذين الشعورين يستدعى بذل جهد كبير للتحول من أحدهما إلى الآخر كما تفعل الشعوب الأخرى( ).
تلك اللزوجة المصرية التي كانت نتيجة ذاكرة تراكمية, تاريخية, وشعبية. فإذا كان الإنسان في فترة حياته المحدودة يحوى في أعماقه ذاكرة إنسانية لكل تجاربه وخبراته , وينتقل من فترة زمنية إلى أخرى, من طفولة إلى شباب وشيخوخة كل مرحلة تستقر في بؤرة تفكيره قد يتغير منظوره الفكري وأيدلوچيته. فقد ينتقل من اليسار إلى اليمين مع تقدمه في السن. أو يمزج بينهما في تناقص مألوف ولكن تظل تجاربه الفكرية السابقة في بؤرة ذاكرته الحضارية الدافعة والناهضة، والأمر نفسه بالنسبة للمكون الإنساني لشخصية الشعب، فهناك تجارب إنسانية عديدة ومكونات قد تمتزج وتتوارى في الأعماق، ولكنها لا تمحى وتظل في المكون الإنساني, وقد تتوارى خلف المكون اللزج الجديد ويعد ذلك تواصلا وليس انقطاعاً إنسانياً بين الحقب الزمنية التي كانت شاهدة على تغير وامتزاج تاريخي وفكري وديني وأسطوري واضح نلمسه فيما ورثته مصر من العادات والتقاليد والأعراف والأفكار التي تعبر عن وجدانها في شتى عصورها ومعتقداتها في الحياة. مثل بعض العادات التي انطبع وقع حوافرها بقوة في الذاكرة الشعبية للمصريين، كعادة تلقين الميت، وسعف النخيل، وليلة الخامس عشر، والأربعين، كلها عادات مصرية قديمة ظلت متغلغلة في المعتقد المصري إلى الآن( ) شيوعاً ورسوخاً ليكشف عن المدى الواسع الذي تنتشر فيه تلك المعتقدات وعن التأثير العميق الذي تحدثه في حياة الناس( ) ولا غرو في ذلك فالمعتقد هو الفاعل الأصلي في التاريخ( ).
وقد عُرف عن المصريين أصالة الصلة بينهم وبين المعتقدات الشعبية شديدة اللزوجة فى التناقض ولا عجب فعندهم أن "إللى يعتقد فى حجر ينفعو"( ) مما يوحى لدينا أنه يمكن التعايش بين أكثر من نمط فكرى فالشخصية المصرية تتعايش فيها سمات بعضها يرتبط بالماضي وبعضها يرتبط بالحاضر( ) وفقا لمبدأ التعدد في أنماط الأفكار والمعتقدات مما يؤكد على تعايش السمات الثقافية المتناقضة في وجدان الإنسان المصري المتسم باللزوجة الوجدانية وانصهارها وهو سر تميز الشخصية المصرية عن غيرها وهو ما نتلمسه في سياق كتابات الرحالة والمؤرخين الذين زاروا مصر أو كتبوا عنها .
فالمصريان المتخاصمان إنك لن تلبث كثيراً حتى تراهما يرتشفان الشاي معاً بصحبة آخر نكتة!! ومرد ذلك هو الحاجز المصري اللزج بين الصداقة والخصومة وهو ما لم يستطع الرحالة العبدري – في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي – أن يدرك أبعاده حينما سمع مصرياً فى قافلة الحج : "ينادى رفيقه فى الركب فلما أتاه لعنه ولعن أباه وقابله الآخر بمثل ذلك وتهارشا زمانا ثم قعدا يأكلان!! ..." ( ) لهذا فإن المصري قد يكون صديقا لكي مدى الحياة – رغم بعض الخصومات الطارئة – لكنه لا يمكن أن يكون عدوا لك مدى الحياة وكلمة السر عنده هي "الابتسامة": "فهم يفهمون الإنسان الذي يتصادق بابتسامة لطيفة"( ).
كما أنه يتسم بالتصلب النسبي ولا يقبل التغير السريع ويتمسك بالأرض ويتسم تفكيره بالتدين الشديد بل إن المصري – في رأى هيرودوت – يزيد كثيرا عن سائر الناس في التقوى وأنه أول من أوقف للآلهة الهياكل والتماثيل والمعابد( ) وهو نفسه الإنسان الذي يؤمن بالقدرية ورغم ذلك فهو : "أكثر الناس استعمالا لأحكام النجوم وتصديقا لها وتعويلا عليها وشغفاً بها وسكونا إليها حتى إنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلى أن لا يتحرك واحد منهم حركة من الحركات الجزئية التي لا تحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها ولا تضبط جهاتها ولا تقيد غاياتها ولا تقدر أساليبها ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها ونصب يعتمدونها( ) وطبعا هناك اختلاف بين المتعلم وغير المتعلم على الأقل في مجال تصديق الخرافات وتحميل الجن وعين الحسود وأعمال السحر فوق ما تطيق في امتزاج ولزوجة مع الدين فى تناقض عجيب أدهش أبا الصلت أمية – القرن الخامس الهجري – الذي ذكر أنه شاهد "رجلا من الوقادين فى أتون الحمام يسأل رزق الله المذكور عن ساعة حميدة لقص أظافره فتعجبت من سمو همته على خساسة قدره ووضاعة مهنته ... "( ).
ولقد كان إدوارد لين محقا حينما قال: "هؤلاء المصريون الذين يقحمون الدين في أحاديثهم العادية بإخلاص وحسن نية هم أنفسهم الذين قال الكاتب نفسه عنهم: "وكثيراً ما يسمع فى المجتمع المصري العبارات الدينية تعترض الحديث في الأمور الحقيرة والخليعة أيضا، وقد يكون ذلك أحيانا بطريقة تحمل من يجهل أخلاق هذا الشعب على أنه يظنه هزءا بالدين. ويكرر المصريون اسم الله في كثير من أغانيهم الماجنة من غير قصد للإهانة طبعا وإنما يفعلون ذلك لاعتيادهم إقحام اسم الله فى كل ما يدعو إلى الدهشة أو العجب فيعبر الماجن عن انفعاله بالجمال عند رؤيته فتاة فاتنة بقوله أثناء كلامه الفاحش تبارك الذي خلقك يا بدر".
ولقد ركز هذا التناقض الواضح فى تصرفات الناس المثل الذي يقول: "ساعة لقلبك وساعة لربك" أي إنك عندما تمارس الشعائر الدينية لا تنس أن تمتع نفسك وأيضا عندما تمارس لهوك لا تنس ربك( ) ومرد ذلك هو الفاصل المصري اللزج بين هذه وتلك والذى أثار انتباه (وينفريد بلاكمان) وقد دعاها إلى القول أن: "من الملاحظ أن معظم الصفات المتناقضة يمكن أن تجدها في إنسان واحد وبرغم كثرة الفقر والمرض وقلة وسائل التسلية التي تقضى على رتابة حياة الفلاح المصري نجد أنه إنسان مستبشر وراض بصورة تدعو للدهشة والفلاحون المصريون سريعوا الفهم وحاضرو البديهة ويحبون النكتة حتى وإن كانت تسخر منهم وعادة ما يتمتع الفلاح المصري بذاكرة قوية وقلب طيب وروح مرحة وكرم ضيافة يضاف إلى ذلك حبه للعمل وهو فى الوقت نفسه ذو عاطفة جياشة شديد الحساسية ويتسم بالجهل كما أنه فى أغلب الأحيان يعجز عن السيطرة على نفسه ..." ( ).
والمصري هو الأقدر على الإضحاك وهو أيضا الأقدر على الإبكاء وتقلب المزاج بين الحزن المفرط والفكاهة المفرطة( ) والمصريون يضحكون من كل ما يحسون فيه مخالفة للمألوف ويضحكون من الهجاء والسباب والشتم ويضحكون من النوادر والنكت والمزاح ثم هم يضحكون ضحك ازدراء أو ضحك إعجاب أو ضحك سخرية أو ضحك هزل أو ضحك انتصار أو ضحك عطف أو تشفى. فصور الضحك والإضحاك ومنابعها كثيرة والأمم تختلف في إنتاجها وقدرتها على تذوق ضروبها المختلفة والمصريون من أكثر الأمم ميلا إلى الفكاهة والضحك ومن هنا كان أدبهم غنيا بألوانها وخاصة ما اتصل بالنكت وخفة الدم والروح( ) والكتابات التاريخية كانت شاهدة على أن المصري يضحك حتى لا يموت من الغم.
وعلى الرغم مما شهدته الشخصية المصرية من محن وشدائد عديدة صهرتها محنة الحروب الصليبية فقد خرجت منها ومن المحنة المغولية غير فاقدة لقدرتها على المرح والتفاؤل وعشق الحياة فالمصريون لم ينسوا طبعهم أثناء الحروب الصليبية بل لقد خلف لنا هذا العصر طرفة فكاهية مشهور هى "كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش"( ) هذا الكتاب أقدم الكتب الفكهة فى تاريخ مصر فى العصر الإسلامي ألفه الأسعد بن مماتى صاحب ديوان الجيش والمال لعهد صلاح الدين الأيوبي وقد عرف ابن مماتى كيف يحيل قراقوش إلى شخصية هزلية وقد أضافت العصور التالية إلى هذه الشخصية خطوطا وألوانا أخرى إذ نسب المصريون بروح الدعابة التي يمتازون بها إلى تلك الشخصية كثيرا من القصص المضحكة وأصبحت شخصية قراقوش شخصية رمزية لكل حاكم طاغية على مصر فكان المصريون طوال الحكم التركى فى عصر المماليك وبعده يقصون نوادره ويضيفون إليها نوارد جديدة( ) استرسلت فيها قريحتهم التى وصفها ابن بطوطة بقوله : "وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو .. "( ).
ويشير البعض إلى أن: "أصل كثرة السرور والأفراح بمصر فناشئ عن كونها إقليما آخر.. فأهلها يشرعون في الشجار لأتفه الأسباب وذلك لأن طبع مصر "زهري" فلذا يميل شعبها إلى الموسيقى والغناء واللهو واللعب. ثم إن شعبها الكبير العدد كثير المال الذي يساعده على الإنفاق في الطرب والذوق والصفا ... "( ).
: "وكذلك كثر طرب نفوس أهلها وفرحهم ورغبتهم في مداومة اللذات واستماع الأغاني ومواصلة المسرات والرغبة في الراحة وطرح كل يوجب التعب والمشقة والحب للنقش والصورة والرقم والتلوين بالأصباغ وعلى قلة الضجر فى السفر وترك المخالفة لمن يصاحبون وكثرة المبالغة لمن يألفون وحسن المؤازرة لمن يستخدمهم ..." ( ) فيقبلون عليك بالبشر والترحيب ... وبشاشة المحب عند لقاء الحبيب"( ).
وما يعرفه الناس عن خفة ظل المصري فيه الكثير من الصحة ولكنه في الوقت نفسه ضرورة للتفريج عن نفسه ولذلك فإنها وسيلته للقضاء على الشعور بالقهر والضيق واليأس والمرض وهو ما أشاد به (صاحب الرسالة المصرية) برغم حنقه الشديد من مصر وأهلها إلا أنه لم يستطع أن يخفى قسمات وجه وهو يبتسم من: "ظريف ما سمعه أنه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى الأطباء فيدخل على المريض فيحكى له حكاياته مضحكة وخرافات مسلية ويخرج له وجوها مضحكة وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا وعليه قديرا فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوته تركه وانصرف فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ أو يكون منه ما شاء الله ..." وقد دعى أبوالصلت أمية إلى ضرورة العمل بهذا الاختراع المصري خفيف الظل وتعميمه فى كافة أساليب العلاج بقوله: "فليت أطباء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرة فيه ولا غائلة له بل أمره على العليل هين ونفعه ظاهر بين كيف لا وهو ينشط النفس ويبسط الحرارة الغريزية ويقوى القوى الطبيعية ويقوى البدن على دفع الأخلاط الردية المؤذية والفضول مع الاستظهار بحفظ الأصول".( ) مما يدفع بالمرء أن: "يتعجب كثيراً من جدهم ومرحهم"( ).
ولكن خفة الظل هذه قد تصبح داء يعجز المصرى معه أن يقول جملة دون تعليق ساخر أو ضاحك بحيث يصاب محدثه إما بنوبة ضحك لا تنقطع وإما بالضيق الشديد إذا لم يكن من المعجبين بهذا النوع من "القافية" كشكل من أشكال الفكاهة يختلف عن النكتة والتي تتطلب قدرة ومران( ) قلما تجدها إلا عند المصريين بما فيهم: "من نزعة إلى السرور واندفاع فطرى إلى المزاح والمطايبة على وجه ينم على الذكاء وحضور الذهن وسرعن الخاطر"( ) والتي أشار إليها الدهلوي وما تعرض له من (قافية) في مصر أغضبته فيروى أنه عندما ذهبت إلى الحمام بالقاهرة و: "خلعت ملابسي ولففت إزاري ونزلت إلى أسفل فوجدت عددا من المصريين العرايا أجسامهم ضخمة وبنيانهم قوى شاهدوا جسدي النحيل فأخذوا يدعون بصوت عال أن ينجيني الله من مرض الهزال الذي أعانى منه فتأذيت كثيرا من كلامهم هذا ..." ( ).
فالقافية التي تأذى منها الرحالة الدهلوي تعد واحدة من الأساليب المختلفة للمصري في التنكيت والسخرية وتعتمد على المبارزة الكلامية باللعب على الكلمات والمعاني وإن كان لا يقصد منها سوى الممازحة وقد شهد الرحالة الأندلسي ابن سعيد (المتوفى 685هـ) على الحاجز المصري اللزج بين الممازحة والمكر بقوله: :" لم أر فى أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط فهم فى نهاية من اللطافة واللين فى الكلام وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة برعاية قدر الصحبة وكثرة الممازحة والألفة ما يطول ذكره"( ).
والمصري هو الأكثر موعظة ودموعا فهو يبكى فى لحظات الحزن وكذلك فى لحظات الفرح الشديد ويهرع لتلبية أية دعوة للمشاركة فى الحزن ويبكى على راحل ليس من الأهل أو الأصدقاء ويعتقد أن الاشتراك فى تشييع راحل لا يعرفه هو عمل من أعمال الخير، له ثواب عظيم، والظهور بمظهر الإنسانية المتعاطفة مع الإنسان لوجه الله وتأكيد الإيمان بقبول الحكمة الإلهية المتمثلة فى الموت والرضوخ الكامل لها. وعبارة "اللهم اجعله خيرا" التي ينهى بها المصريون ضحكاتهم أو أي تعبر آخر عن الفرح، تدل على أنهم يخشون الفرح بأشد مما يخشون الحزن( ).
وتاريخ المصري على مر آلاف السنين هو سجل حافل بجرائم الحكام والساسة ومفهم بالمعاناة الطويلة والحرمان القاسى وتقلب الغزوات والأجانب عليه بعد عزته فى التاريخ المصرى القديم ولذلك أضحى المصري أشبه يشيخ هرم، مكسور الخاطر أو عزيز قوم ذل. والإحساس المستمر العميق بالظلم لابد أن يفتح منابع الحزن والكآبة سواء فى الفرد خاصة أو الشعب بصفة عامة( ).
وبرغم بشاشة المصرى وعشقه لألوان الحياة إلا أن هذا لا ينفى أن مظاهر الحزن غلفت حياته ذلك أن التعبير الحقيقى عن الوجدان هو البكاء وليس الضحك وقد أحس الرحالة ابن جبير – فى القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي – بروح الحزن التي مست شغاف قلبه لما شاهده من تمسح الناس بقبر رأس الحسين: ".... وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه ببركة التربة المقدسة ومتضرعين بما يذيب الأكباد ويصدع الجماد.."( ) ويصف الرحالة السبتي (ت730هـ) احتفاء أهل مصر بالحجيج على طريقتهم الخاصة بقوله : "... واندفع جماعة من القراء بين يديه يتلون قوله تبارك وتعالى : "الحج أشهر معلومات" الآيات وجعلوا يكررونها بأصوات حسنة ويرددونها بالتلاحين العجيبة متراسلين على عادتهم فى هذه البلاد المشرقية ونمقوا أصواتهم بذلك أى تنميق وأجروا الدموع على الخدود وشوقوا إلى الحرم الشريف أى تشويق .." ( ).
المهم أن العنصر المصري الذى مازال كامنا فى قلب من يسكن فى أرض الكنانة هو الذى تدمع عيناه كلما حان وقت الفراق أو الرحيل نجده قد: "فاضت الدموع ولحق الخشوع"( ).
والشخصية المصرية تعانى من اللزوجة فى ازدواجيتها التى تتبدى فى جوانب عديدة كالتناقض بين الإنشاء والأخبار وبين القول والعمل وبين الداخل والخارج( ) وتسترسل الأمثال الشعبية فى ذلك موردة لتلك اللزوجة المتناقضة فى أحوال وسلوك المصرى فتقول: "أقرع ونزهى" أو "غشيم ومتعافى" و "زى الطبل صوت عالى وجوف خالى"( ) وقد أطال الحديث عن مثل هذه النوعية من البشر صاحب (الرسالة المصرية) وأفاض عنهم فى قوله: "وأما الطائفة المقلدة التى حظها من المعارف القشور دون اللبوب والظواهر دون البواطن والأشباح دون الأرواح فأمثل من بها منهم الآن رجل يعرف برزق الله النحاس فإن له فى فروع هذه الصناعة بعض دربه وتجربة وبتجريباتها وبجزيئاتها بعض خبرة وهو أكبر المنجمين بها وكبيرهم الذي علمهم وأميرهم الذى يلوذون به وكبيرهم الذي علمهم السحر فجميعهم إليه منسوب وفى جريدته مكتوب وبفضله معترف ومن بحره مغترق وهو شيخ مطبوع بتطايب وبتخالع .." ( ) وتحدث عن آخر بقوله: "وكان مثله فى عظم دعاويه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقوله الشاعر:
يشمر للج عن ساقه ويغمره الموج فى الساحل( )
وتسترسل الأمثال فى السخرية ممن ينهون ويتكبرون غير مدركين لقيمتهم الحقيقة موردة تلك اللزوجة المتناقضة فى أحوال وسلوك المصري والذي تراه أحيانا (من بره هللا هللا ومن جوه يعلم الله) وهذا يعكس اهتمام المصرى بالقيمة أكثر من اهتمامه بالشكل أو القشور( ) ولا يتوانى المصري فى توجيه أشد أنواع السخرية وأكثرها اقترابا من الفكاهة لمثل تلك النوعيات التى تراها من (بره رخام ومن جوه سخام) أو تلك الفئة التى تعامل معها الرحالة (الدهلوى) فى مصر والتى يقال عنها: "بعد المعركة ينتفخ المفش" أو "طلع طلع ونزل على فاشوش"( ) فيقول عنهم الدهلوى: "... وإذا حدث واضطررت إلى التعامل معهم فلا تخش أجسامهم الضخمة وهيئتهم المخيفة فهم جبناء ضعاف الهمة كما أنهم يتصفون بالدناءة فإذا ما هددتهم مرة واحدة هربوا على الفور من المواجهة... وقمت أنا أيضا بتعنيفه وأمام جمع غفير من الناس وقضنا بأجسامنا الضعيفة وظللنا واقفين وإذا به يمد يديه طالبا العفو قائلا: دعونى أذهب، ثم أخذ يسب ويشتم وهو يغادر .. "( ) "فهم ذوو لسان سليط كالدعرات لكنهم قلما يهتمون بالدخول فى معارك وإن حدث فإنهم يضربون بأكفهم (يصفعون) وليس بقبضاتهم"( ) و (قلما ينقلب الشجار بين المصريين من التنابذ بالقول إلى التضارب بالأيدي بل أنه سرعان ما تهدأ النفوس وتسكن ثورة الغضب فيها بعد تنازل أحد الخصمين عن حقه بقوله للآخر "الحق على")( ).
والمصري الذي يتسم بطيب النفس: "وبالهدوء والرقة والوداعة قد يرتكب جريمة وحشية فى لحظة .. فقد قتل رجل جاره بطريقة فظيعة لأنه سرق بضع بصلات من حقله وبعد لحظه من ارتكابه لجريمته كان يبكى فوق جثة ضحيته"( ).
وهكذا فالمصري تجده غير مدرك للعواقب ولعل أخطر ما يؤخذ عليه وعلى سخريته حيال الأزمات العنيفة وسخريته من ذاته أنه يكتفى بالسخرية من الشئ أو الشخص أو الأزمة ويضحك ملئ شدقيه ولسان حاله يقول: "شر البلية ما يضحك" ويكتفى بذلك وكأن السخرية قد حلت الأزمة أو غيرت الأمور من حال إلى حال غير مدرك أن السخرية ليست وسيلة تغيير ولا طريقا إلى حياة أفضل وذلك يعنى أنه شخصية غير مدركة للعواقب والغريب أن هذا هو دأب الإنسان المصري منذ قرون بعيدة( ) فقد لاحظ الرحالة عبد الرحمن بن خلدون ذلك منذ ارتحاله لمصر وقال: عن أهلها مصر :" كأنما انطلق (فرغ) أهله من الحساب"( ) أى كأنهم تجاوزوا كل ما هو جاد. وعلق المقريزي على ذلك بقوله: "... وقال شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى: "أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب"( ) وذهب المقريزي إلى أبعد من هذا بقوله: "ومن أخلاق أهل مصر الأعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان .. ومن أخلاقهم الانهماك في الشهوات والإمعان من المملاة وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة ..." ( ) فهذا المصري البسيط والماكر فى آن معا تجده أحيانا "يخاف ولا يختشيش" على حد لسان حال الأمير رودلف حين ذكر أنه: "كان عدد كبير من الفلاحين البؤساء يلبسون ألبسه متواضعة – رغم أن لبعضهم منظرا يوحى بالقوة – يعملون تحت إشراف خولي يلبس عباءة طويلة ويحمل فى يده كرباجا من جلد وحيد القرن وقد تقدم منى هذا الخولي بزهو وتحدث طويلا وهو يومئ كثيرا أثناء الكلام وقد فهمت بعد أنه يرغب منا مغادرة الأرض ولما رأيت أنه يرفع صوته أكثر من اللازم ويحرك يده بعنف استدعيت عثمان الخادم الأسود ... ولما رأى هذا الشرقي الفاضل الخولي البزة المميزة لخادم القنصل انخفض صوته وتراجعت نبراته وانسحب سريعا خوفا من خطر يحيق به واختبأ داخل أعواد القصب الكثيفة"( ). وكأن لسان حال الخولي "اللى ما يعرفك يجهلك". ورغم هذا التناقض الظاهر فى الموقفين أي الاعتزاز البالغ بالنفس مقابل الإكبار والتبجيل من قدر الآخر والخوف منه فإن المصري صدره كبير ويتسع لذلك وأكثر وشعوره فى قرارة نفسه بالعلو لا يمنعه من منح الآخر فى الاحترام( ).
والمصري (قلبه أبيض) لا يحمل الضغينة لأحد يغضب ويزيد ويصرخ كما رأينا ثم تقول له (صلى على النبي) فتنزل به الصلاة على النبي من قمة غضبه لتجعله إنسانا متسامحا يغفر لخصمه: "ويتفق أحيانا أن يتداخل بين الخصمين ثالث ويجعل تمهيده للمقابلة قوله: "اللهم صلى على سيدنا محمد" فيكرر الخصمان هذه العبارة بصوت خافت ثم يقرأن فى سرهما ما تيسر من القرآن ويستأنفان روابط الود القديم بعد أن يتعانقا تعانق الوئام والوداد..."( ).
والمصري يحب لهجته. وكثيرا ما لا يكون مستعدا لفهم غيرها وإذا أراد أن يتحدث لهجة عربية أخرى أصبح كوميديا وفى حين لا يتقن المصري اللهجات العربية الأخرى ويصر على نطق حرف الجيم بصورة مختلفة (دون تعطيش الحرف) والقاف (ألفا) وغير ذلك مما هو معروف عن هذه اللهجة فإنه يرى تحدث الآخرين باللهجة المصرية أمرا بديهيا( ) وليس كوميديا يثير الضحك كما فعل الرحالة العبدري – فى القرن السابع الهجري – فى سياق تهكمه على المصريين بقوله: "واللكنة فيهم فاشية وجمهورهم يجعل القاف والكاف همزة وقد سمعت شخصا منهم فى التلبية يقول: "لبيك اللهم لبيك ويجعل كافاتها كلها همزات فلو سمعته سمعت كلاما مضحكا ..." ( ).
وقد تأسف (الرحالة الهندى النعماني) لما وصلت إليه حال اللغة العربية أمام العامية المصرية غير مدرك إلى أنه لم يجد المتكلمون بالعربية مقرا لهم من أن يخلقوا – إلى جانب الفصح – لغات عامية يباشرون بها شئون حياتهم اليومية( ) فيقول: "إن اللغة العربية المعاصرة مختلفة إلى حد ما عن اللغة العربية القديمة لدرجة أن أي عالم كبير من الهند لو سافر إلى مصر والشام فإنه سيستغرق فى فهم اللغة هناك نفس الوقت الذي يستغرقه أحد العوام تقريبا"( ).
ويشير الرحالة إلى أن أهل مصر: "يختصرون كثيرا من الكلمات إلى حد لا يستطيع الذهن أن يتجه ناحية الكلمات الأصلية ما دام لم يذكرها شخص ما ... يزيدون بعض الحروف فى بداية الكلمات أو فى آخرها والتى بها يتغير شكل الكلمة تماما ... وفى مصر يزيدون حرف (ش) فى نهاية الكلمات مثل (ياخدش) بدلا من (يأخذ) هناك فساد كبير فى نطق الحروف بل يجب القول إن جميع خصائص نطق اللغة العربية قد محيت، فهم يتحدثون بالهمزة بدلا من العين والدال بدلا من الذال والكاف الفارسية بدلا من الجيم والهمزة بدلا من القاف ولا ينطق بهذه العوام والجهلاء فقط بل إن العلماء والأشراف أيضا يؤدونها هكذا بهذه الحروف، سألت طالبا فى مصر ذات مرة من أين جئت؟ قال جاى من الجمعة أى جئت من مسجد الجمعة"( ) غير أن أحد المولعين بمصر رأى أن اللهجة المصرية هى أحد مصادر النكتة: "لاسيما وأن اللهجة التى بها يتفاهمون تساعد على التورية والجناس والتحريف والتصحيف والكتابة إلى غير ذلك مما ينمقون به الحديث ويكسبونه من الطلاوة ما يرتفع له حجاب السمع وتشتاق له النفس..."( ).
وهذا مؤرخ مصرى هو الأدفوى يدرك الناظر إلى كتابه فى التراجم الموسوم "بالطالع السعيد" الطابع المصري الأصيل فهو يحكى القصص ويسوق الأقوال بأسلوب لهجته المصرية أكثر من عربيته( ) فيقول فى ترجمة على بن عبدالرحيم بن الأثير: "ثم بلغه ما اقتضى عزله من تلك الجهة فتوجه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فتكلم شيخنا قاضى القضاه فى المجلس بكلام فشق عليه [وعيط ]عليه ..." ( ).
أما المصنف الموسوم بـ "الإعلام والتبيين فى خروج الفرنج الملاعين على ديار المسلمين" فقد كان على العموم ابن عصره تشيع فى كتابته الأخطاء النحوية ويكتب باللهجة العامية بحيث يقول مثلا: "وفى هذه السنة هجمت (هجم) الفرنج على دمياط وأخذوها بلا طعنة ولا ضربة .. فعضب وشنق من أعيانا ستين نفسا فقالوا: إيه ذنبنا إذا كان عسكرنا هربوا (هرب) فما نصنع نحن ففزع العسكر من السلطان وصطوته (وسطوته) وكان السلطان مريضا فأرادوا (فأراد) مماليكه قتله"( ).
وقد تذمر ابن الحاج فى "المدخل" من تلك اللهجة العامية بقوله: "فالذاكر منهم فى الغالب لا يقول (لا إله إلا الله) بل يقول (لا يلاه يلله) فيجعلون عوض الهمزة ياء وهى ألف قطع حتى جعلوها وصلا وإذا قالوا (سبحان الله) يمطونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه بحسب تلك النغمات والتوجيهات التى تشبه الغناء والهنوك التى اصطلحوا عليها) ( ).
ويقف المقريزي (القرن التاسع الهجري) شاهد عيان على تمسك المصري بلهجته. فيذكر: "أعلم أن ناحية أدرنكة هى من قرى النصارى الصعايدة ونصاراها أهل علم فى دينهم وتفاسيرهم فى اللسان القبطى ... والأغلب على نصارى هذه الأدبرى معرفة القبطى الصعيدى وهو أصل اللغة القبطية وبعدها اللغة القبطية البحرية ونساء نصارى الصعيد وأولادهم لا يكادون يتكلمون إلا بالقبطية الصعيدية"( ) ويشير (صفى الدين الحلى) (المتوفى 750هـ) إلى ما للهجة أهل مصر من مذاق وحلاوة ورقة فيقول: "ولسان المصريين يبدلون الضاد دالا"( ) إلا أن: "لعوامهم لغة لطيفة رقيقة مختصة بهم وظرافات رشيقة هى أحلى موقعا من اللفظ العربي والمغربي ... كحلاوة ألفاظ المغاربة والمصريين"( ).
والمصري يكره النقد لأي شئ يصنعه أو اعتاده. يمكن أن تقول له ما تشاء ولكن بدون توجيه نصح بصورة مباشرة ولا تفكر فى تعريفه بخطئه على الإطلاق بل يكون ذلك بتوضيح وجود إمكانات أخرى للوصول إلى حل للمعضلة وعندها يمكن أن تقول عكس ما يقول باعتباره بديلا لكلامه فيتقبله دون تردد( ) وهذا بعينه الخطأ الذي وقع فيه صاحب (الرسالة المصرية) – فى القرن الخامس الهجري – عندما دخل في مناظرات علمية وكلامية مع أهل مصر ولم يكن واقفا على طبيعة من تحدث معهم فى أمور العلم فيقول: "وجهدت كل الجهد على أن أجد من أهل هذه الصناعة من أستفيد منه وأستزيد بمذاكرته وأقدح خاطري بمفاوضته. فلم أجد غير قوم طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم وطمس إفهامهم وحال بين الحكمة وبينهم.... وقد تخلقوا بكثرة الخلاف وقلة الإنصاف ولزموا البهت والمعاندة والشغب والمكابرة ..." ( ).
ولعل الصفة الأخيرة من أهم صفات المصري وهو الاعتقاد الخاطئ بأنه وحده الموجود على خريطة العالم وأن الدينا حوله لا تساوى شيئا وأن مصر وحدها تعدل نصف العرب وعند هذا المصري شعور بأن حضارة القدماء المصريين تعطيه الحق لينظر للعالم من فوق هرم خوفو. شعور بأنه يستغنى عن العالم كله فعنده – حسب ظنه – الريادة فى كل مجال( ) وقد أنكر عليه الكثير من الرحالة كقول العبدرى – فى القرن السابع الهجرى – : "ومن الأمر المنكر عليهم والنكر المألوف لديهم تدارسهم لعلم الفضول وتشاغلهم بالمعقول عن المنقول فى إكبابهم على علم المنطق واعتقادهم أن من لا يحسنه لا يحسن أن ينطق .. "( ) وقول صاحب (الرسالة المصرية): "ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذى هو عندهم وحسب ..." ( ) وفى الوقت نفسه نجد المصرى يحب جدا النقاش بل والجدال إلى درجة الشجار: "فيرى الشيوخ منهم يتهارشون فى الطرقات ويقطعون بلعنة أسلافهم فسيح الأوقات"( ) وقد عانى ابن خلدون من الإرهاق بمناقشات وحجج وحجج مضادة مع المصريين بقوله: "فتتعارض الفتاوى وتتناقض ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم والخلاف فى المذاهب كثير والإنصاف متعذر ... فلا يكاد هذا المدد ينحسر ولا الشغب ينقطع"( ) وعند ذلك يصبح المصري محترف مكر ووشاية ويكره الوقوف فى آخر الصف بل لابد أن يجد وسيلة ليصبح فى المقدمة ومن هذه السمة عانى ابن خلدون بقوله: "وانطلقوا يراطنون (يكلمون) السفهاء فى النيل من عرض وسوء الأحدوثة عنى بمختلف الإفك وقول الزور يبثونه فى الناس ويدسون إلى السلطات التظلم منى..."( ) ويبدو أن المقريزي قد نال نصيبه من المكر والمراوغة فنجده فى تحليله للشخصية المصرية يشير إلى جغرافية المكان وتأثيرها على طباع وأزمة الناس فى مصر بقوله: "وأن هؤلاء وماءها رديئان" ويرى أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن: "وأبدانهم سخيفة سريعة التغير قليلة الصبر والجلد وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستمال والتنقل بين شئ إلى شئ والدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة فى العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكبد والسعى على السلطان وذم الناس"( ).
وما ذكره المقريزي عن ممالأة الحاكم فهو نتيجة لضغط وقهر إنساني من العديد من الدول التي تداولت الحكم وليس طبيعة مصرية خالصة فما دخل علينا من الخضوع أو ممالأة الحاكم السلبية ليست نتاجا لطبيعة أرض، بقدر ما هي تراكمات تاريخية من قهر لدول حاكمة تملك قوة السلام أمام شعب مسالم يؤثر السلامة ويكره لون الدم ولا يملك أمام السيف إلا الدعاء والشكوى أو الانفجار المفاجئ إذا وصل الأمر إلى مرحلة الموت قبل الموت( ).
والمصري (فهلوى) أى لا يعرف خطوطاً مستقيمة و تقف الحواجز أمامه عقبة كئود بل لابد من البحث عن ثغرة أو مخرج حتى ولو كلفته عناء أكبر من الانصياع لإرادة الآخرين وقلما نجد مصريا يقول (لا أعرف) فهو يجرب ويحاول ولا يفقد الأمل بسرعة ولكن إذا وصل إلى نقطة اليأس فإنه لا يعترف بعدم القدرة بل هناك ألف مبرر بشرط ألا يكون أحدها عدم المعرفة أو أنه خاض فى حقل لا يفهمهم فيه شيئا ودليل ذلك ما أورده أبوالصلت أمية بن عبد العزيز (المتوفى سنة 528هـ) عن رجل مصري يسمى رزق الله النخاس الذي قال عن نفسه: "سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها فى مسألة جملية تخصها فأخذت ارتفاع الشمس للوقت وحققت درجة الطالع والبيوت الأثنى عشر ومركز الكواكب ورسمت ذلك كله بين يدى فى تخت الحساب وجعلت أتكلم عن بيت بيت منها على العادة وأنا فى خلال ذلك أتحسس أمرها وهى ساكتة لا تنبس فوجمت لذلك وأدركتنى فترة عظيمة وألقت إلى درهما قال: فعاودت الكلام وقلت: أرى عليك قطعا فى بيت مالك وضياع فاحتفظى واحترزى! فقالت: الآن أصبت وصدقت قد كان والله ما ذكرت قلت: وهل ضاع لك شئ؟ قالت: نعم، الدرهم الذى ألقيته إليك! وتركتنى وانصرفت ..." ( ).
ويتمتع المصرى بقيم دينية داخلية لم تتغير تبعا لروح العصر بما فيها من أنانية وتجاهل لألم الآخرين وأوضح دليل على ذلك ما يراه الناس من خير وفير فى أيام وليالي رمضان. كما يذكر الكمدى عن عبد العزيز بن مروان أنه كان له ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره كما كانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل وهى مملؤة بالطعام تفرق على الفقراء والمساكين ومعها الخبز( ) فالمصريون ميالون بوجه عام إلى البر بالفقراء والإحسان عليهم لأن فى دينهم من التعاليم والمبادئ ما يجعل هذه الفضيلة فرضا واجب الاتباع( ).
فمازال فى قلب المصري شفقة بالفقير وحسن الظن بالناس يصدق سريعا كل ما يسمع ويحرص على صلة الرحم والبر بالوالدين والحنو على الأبناء لدرجة أنه: "قد حرص كل من الأب والأم على تجميل أطفالهم بالحلى والملابس الجميلة إذا كانا فى سعة من العيش"( ) وكان مشهدا معتادا أن يدخل المصري على أطفاله حاملا لهم "العلاليق" الحلوى التى على هيئة الخيول والسباع والقطط بحيث لا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده( ).
ونفس هذا المصري مستعد لأن يكون رمزاً للجحود والعقوق لا يبالى بأي شئ ولسان حاله يقول: " اللي يعرف أبويا يروح يقوله" ليضرب المثل السيئ فى العقوق حتى تظن للوهلة الأولى أن: "العقوق بينهم متعارف فكان معنا فى طريق الحجاز شخص منهم حج بأمه فكان إذا اغتاظ عليها يقول لها يعنك الله ولعن الذي آواك – يعنى أباه – وذلك بعدما حج بها!! ( ) على حد قول العبدري فى القرن السابع الهجري.
والمصرى البسيط الطيب لا يختلف كثيرا عن باقى الشعوب حين تجوع فلا تجد ما تقتات به سوى شرفها. فى ظل انحصار للأخلاق وتخلخل لمنظومة القيم الاجتماعية للمصري وتحت وطأة البؤس والجوع وحالة الموت ما قبل الموت فيكون موقف المصري إما أن يعمل فى : "نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم وهذه البلية ... وجدت فى جميع بلاد مصر ... من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحى...." ( ) أو أن هذا المصري الأب المكافح والبطل المستعد أن يضحى بكل شئ من أجل أبنائه وفى سبيل توفير قوت يومهم والتي وقد تصل التضحية بالمصري لقبول عمل دون مؤهلاته بكثير ولو فى آخر بقاع الدنيا وفى ظل ظروف عمل قاسية. نفس هذا الإنسان تجسده حين تزيد وطأة الجوع والفقر عليه يترك أبناءه المفلسين فى أمان الله إذا ما وصل أمر العجز عن الوفاء إلى حد الاستحالة لدرجة أن تكون "العين بصيرة والإيد قصيرة"( ) وتكون "حيلة العاجز دموعه" فنجد "كثيرا ما كانت المرأة تملص من أبنائها فى الزحام فيتضورون حتى يموتوا ..." ( ) أو أن يشاع: "بيع الأحرار ... عند من لا يراقب الله حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة"( ) وتجد من يزعم: "أنه افتض خمسين بكرا ومنهم من يقول سبعين كل ذلك بالكسر .." أى بمبلغ يسير( ).
إن مثل هذه الأحوال كانت تترك صوراً سيئة لنفسيات الناس في مصر فقد كانت كالمعاول التي تهدم قيم ومشاعر الناس يغذى ذلك مجموعة كبيرة من الأمثال التي صورت المصرى فى أسوأ الأحوال وتسخر من وضعه الاجتماعي منها: "إذا لقيت عريان ما تسألوش على هدومه .. " فالمصري فى فقره لا يستطيع أن يفعل شيئا لأن: "فقر المرء فى وطنه غربة"( ) ولكن الفقر المصرى له مذاقه اللزج والخاص الذى شعر به الرحالة التركى (جناب شهاب الدين) فيقول: "منظر الفقر والعوز يمزق القلوب كثيرا ها أنتم تشاهدون الآن متسولا عاريا فتطلبون الشفقة له وهو يظهر لكم وقارا هكذا فى أوضاعه وحركاته!!" ( ) ليعبر (جناب شهاب الدين) عن الحاجز المصرى اللزج بين الفقر وعزة النفس أو كما يقال: "فقرا ويتمشوا مشى الأمرا"( ) وقد يعكس اهتمام المصري بالقيمة أكثر من اهتمامه بالشكل أو القشور ويرى أنه ليس من العار ما يعيشه المصرى الآن ولكن عدم إدراكه لسوء ما يعيش وقد نوه الرحالة التركى (جناب شهاب الدين) إلى شعور المصرى بمدى الفقر المدقع الذى وصل إليه فقال: "والواقع أن الوظائف الدوائية الخسيسة ظلت مقصورة على السواد الأعظم من شعب مصر أمثال العربجية والعتالة وقد قال مصرى ملمحا لهذا الوضع بلاشك: "كلما تضارب مدينتنا بالثراء نفتقر نحن فمدينتنا تخدعنا غالبا ..." ( ).
وألمح لهذا المعنى القاضى الفاضل بقوله: "أهل مصر على كثرة عددهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم مساكين يعملون فى البحر ومجاهيد يدأبون فى البر ..." ( ) حتى استحالت مصر إلى جنة للمعذبين فى الأرض. ولاشك أن شعوب العالم أجمع قد عانت عبر العصور من ويلات العبودية بمختلف أشكالها وألوانها ومن بينها تلك المأساة المصرية التي عبر عنها القاضى الفاضل فالمأساة الإنسانية هى الصراع غير المتكافئ بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والمجتمع وبين الإنسان والسلطة أو الحاكم بمعنى أن أحد الطرفين يحمل فكرة قمع الآخر أو قهره أو إذلاله ثم الانتصار عليه ولما كان هذا الصراع هو السمة الأساسية لتاريخ البشر فإن الحس المأساوي والقمعي هو الغالب على بقية أحاسيسهم وقد ظل التاريخ الشعبي منذ العصور الأول للإنسان يعبر عن مقاومته الدائبة لهذه المأساة تعبيرا ملحميا أو ذاتيا يحيط بجملة من الطقوس الاجتماعية والظروف التاريخية الصانعة له( ).
والمصري مستعد للتنازل عن قوت يومه وملابسه بل والطعام لكى يوفر المال للأبناء ليعيشوا حياة لا يعرفها هو أبدا لأنه يعلم أن فى ظل الجوع يصبح المال هو "عصا سليمان" يستطيع أن يذلل كل الصعوبات التى تعترض الإنسان كما أنه – أى المال – يبعث على الثقة "إدى مالك للى عنده مال وادى ولدك للى عنده ولاد"( ) مثلما حدث مع الرحالة البغدادى – فى القرن السابع الهجرى – عندما سألته امرأة تحت ذل السؤال أن: "يشترى ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فعرفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية!!" ( ) ولا عجب فى ذلك "فالفقير لا يتهادى ولا يتدادى ولا تقوم له فى الشرع شهادة"( ) بحسب منطق الطغاة والبغاة وشريعة الغاب حتى وإن: "مات جماعة منهم من شدة الحر؛ حر النار مع حر الزمن"( ).
"وفى الوقت نفسه يدفعهم حب المال لأن يتسموا بالشراهة والجشع وهو سبب المشاكل الخطيرة التى تنشأ فيما بينهم"( ) وهو ما سجله لنا (الرحالة النعمانى) عند وصوله إلى مصر حيث وصل: "بمشقة بالغة وهناك هجم الحمالون فكان كل أربعة منهم يتعاركون حول راكب" ولم ينس النعمانى أن يلمح إلى (خفة الظل المصرية) بقوله: "وحمل أحمد الحمالين الأقوياء حقائبي فاضطررت أن أصحبه ... ومن الطريف أن حضرة الحمال جلس بجواري فأي قدرة لى حتى أعترض على جرأته ..." ( ) "وهذا الجشع الغريزي فى المصريين جعلهم لا يستحيون من الالتجاء إلى الغش والتدليس فى معاملتهم التجارية وبث فيهم الميل إلى الاحتيال والسرقة ..." ( ) وأوجد "غرائب لا نهاية لها فى البيع والشراء"( ) كما أنهم: "لا يعرفون على الإطلاق أسلوب الكسب ويريدون أن يغمضوا أعينهم وينهبوا الناس"( ) وفئة منهم إذا: "عاملهم غريب لم يلق منهم إلا ما يريب يتخذونه هدفا ولكل منهم فيه سهم مصيب حتى يخرج من ماله بغير نصيب"( ).
"فهم بارعون فى الاحتيال والغش خاصة مع الغرباء الذين لا يعرفون عملتهم ولا يعرفون أساليبهم فى البيع والشراء فعندما يضع المشترى بارا فى يد البائع فإن البائع يضعها (أى البارا)- أن أمكنه فى فمه ثم يتناول بمكر بارا أخرى (غير جيدة) كان قد وضعها فى فمه أيضا لتحقيق هدفه ثم يقدم هذه البارا الأخرى (غير الجيدة) للمشترى قائلا أن بارته مغشوشة"( ) فمثل تلك الحيل والملاعيب المصرية لها قواعد وأصول تظهر سريعا مع الأجانب والغرباء على حد قول الدهلوى: "لكن العامل المصري فهم أننى أجنبي وطبقا لقاعدة الخداع المصرية أخذ منى عشرة قروش ..." ( ) كما أن تلك القاعدة لها أدائها الخاص الممتزج بالنصيحة وسرعة البديهة وكثيرا ما تجد: سم الغش ممزوج فى عسل النصائح"( ) التي تصل إلى حد الفكاهة فمثلا: "السهام الانفعالية التى يقذفها كل من البائعين بنظرة جانبية لهم ثم فكاهة مضحكة جميلة فى مشاهدة أنهم يعبرون إلى المنضدة الأخرى صامتين ونادمين ييأس عميق ولاشك مطلقا بأن التاجر فى تلك اللحظة يقول وهو ملئ بالفتور داخليا: حقا إنني ساحر وشيئا ما سيعجبك أنت أيضا ..."( ).
ولسوف تكتشف فى العبارات السابقة إلى أي مدى بلغ دهاء المصريين وحسن حيلهم وفهلوة بعض شرائح منهم استطاعت أن تجعل الرحالة أولياچلبى يصفهم بقوله: "أنهم مهرة قد حذقوا فمنهم إلى حد أن الواحد منهم يسرق العين من الكحل ويبقى الكحل مكانه ..." ( ) كما استطاعت أن "تسرق النوم من العين" نتيجة كثرة التجارب( ) وما تميزوا به من لزوجة بين ما عندهم من: "بشاشة وملق وعندهم مكر وخداع"( ).
ولكن الغريب أن هذه الشخصية اللزجة الوجدان والسلوك سرعان ما تحولك من الغضب إلى الرضا أو الدهشة فمع: "أن أهل القاهرة – مثلا- مولعون بغش الغرباء وخداعهم فإنهم يعاقبون بصرامة من يطفف الكيل والميزان فالخبز يتم فحصه فإذا ما ثبت أن وزنه أقل من الوزن القانوني تم سحبه – أى الخبز – وتوزيعه على الفقراء ومعاقبة الخباز بضربه بالفلكه (القلقة) على قدميه العرا يتين بشدة"( ) وقد شهد بذلك الرحالة جوزيف بتس بقوله: "وقد رأيت ذلك مرات عديدة لذا فإن بعض الخبازين يتركون خبزهم إن كانوا يعلمون أن وزنه أقل من الوزن القانونى ويجرون هاربين لتجنب العقاب البدنى .." ( ).
كما أشار التاريخ إلى ما يلحق (بالزغلية) – أي المزيفون للنقود – من عقاب صارم فيذكر ابن إياس فى أحداث شوال 928هـ أن: "والى القاهرة شنق فى يوم واحد أربعة وعشرين إنسانا وخوزق منهم جماعة وعلقهم فى أماكن متفرقة وكان أكثرهم حرامية وزغلية ومن عليه دم .." ( ) ويذكر التاريخ أن إحدى النساء قد شنقت على باب زويلة لأنها سرقت بعض الملابس والأمتعة من أحد الحمامات( ).ويذهب البعض فى تفسير أسباب ما يلجأ إليه المصرى من حيل وألاعيب تصب فى خانة الخصم من رصيده الحضاري إلى أن : "تعليل هذه النزعة الدنيئة بأن المصريين رئموا للمذلة وصنوف الاضطهاد عشرة قرون كان الحكام فى خلالها يعاملونهم بالشدة والصرامة ويسومونهم خطة خسف ولما كان من المتعذر عليهم مع هذه المعاملة الجائزة أن يدرأوا مطامع أولئك الحكام عن أموالهم وأن يكفوا عنها أيديهم وهى عندهم أعز عليهم وأكرم من نفوسهم فقد تعمدوا الظهور فى سربال الفقر والعوز دفعا لما عساه أن يحيق بأموالهم من خطر السلب"( ) فتأصلت فى: "أخلاقهم من الملق والسياسة التي أربوا فيها على كل من تقدم وتأخر وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا"( ).
وبرغم ذلك فقد أضحى : "الفلاح وزوجته يعيشان في عذاب متصل : فليس من حد يقف ادعاء الحياة ولا جشع رجال الإدارة واختلاسهم مال الأهالي أنهم قد ينتزعون من أسرة الفلاح غدا ما تركوا لها اليوم ومهما حسب الفلاح من حساب فلن يستطيع تدربي ما يضمن له المستقبل .." ( ) فعندهم: "سرعة الخوف من السلطان"( ) والتي تولدت نتيجة الثقة المعدومة بين الحاكم والشعب وأدت بالمصري إلى حيل المكر والخداع والنفاق مرغما متخليا عن كلمته – إلى حين – حتى لا يموت بالسيف لأنه يعلم أنه إذا عاش بالسيف مات بحذاء الحاكم ورموزه فكان لسان حاله : "نحن قوم لا نمل من النفاق إذا لم ننافق متنا".
وقد غذى الوجدان الشعبي تلك العلاقة بمجموعة كبيرة من الأمثال الشعبية التى تولدت نتيجة الغيط والنفور كان أبرزها: "افرحوا واتهنوا بقدومه جاكم بشومه"، "سيف السلطة طويل"( ) ، "السلطة غول وقميصها كل حبتنا" " السلطة غول كلتنا لحم طب وإحنا عضم رمتنا"( ).
وقولهم "حاميها حراميها" كدليل على أن الحاكم لص كبير يتضح ذلك عند الجبرتي في سياق أحداث سنة مائتين وألف : "أن الأمير حسن بك : "ركب بجنوده وذهب إلى الحسينية وهجم على دار .. متولى رياسة دراويش الشيخ البيومى ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش ورجع والناس تنظر إليه .. وفى صبحها يوم الجمعة ثارت جماعة من أهل الحسينية بسبب ما حصل فى أمسه من حسين بك وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا إلى الشيخ الدردير .. وقال لهم : أنا معكم .. وتنهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنها ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم .. وركب الشيخ فى صبحها إلى إبراهيم بيك وأرسل إلى حسين بيك فأحضره بالمجلس وكلمه فى ذلك فقال فى الجواب: "كلنا نهابون أنت تنهب ومراد بيك ينهب وأنا أنهب كذلك" وانفض المجلس وبردت القضية"( ).
مما يعكس لنا ضعف فاعلية السلطة وتراخيها في التصدي لمظاهر العنف والظلم الواقع على كاهل الناس والذي يهدد أمنهم وحياتهم فى المجتمع ويساعد على اهتزاز ثقة الناس فى رموز الحكم وخلق حالة من الخوف عان منه الناس وعبر عنها الرحالة البغدادي بقوله: "ورأيت مع امرأة فطيماً لحيماً فاستحسنته وأوصيتها بحفظه فحكت لى أنها بينما تمشى على الخليج انقض عليها رجل جاف ينازعها ولدها فترامت على الولد نحو الأرض حتى أدركها فارس وطرده عنها ... وبقى الولد مدة مريضا لشدة تجاذبه"( ).
فالمؤكد أن هناك شرخاً فى هذه العلاقة من الخوف والانعزالية وهو ليس وليد وقائع محددة أو فترة محددة ولكنه نتاج لتراكمات حدثت عبر فترة ممتدة من الزمن. وقد أخذت هذه التراكمات أشكالا مختلفة تبلورت فى معظمها حول قضية إهدار كرامة المصري على يد الحاكم ورموزه من العسكر( ) وتفريغ مبدأ (إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين) ( ) وإخلال الحاكم بمبدأ الإمامة القائم على خلافة شخص من الأشخاص للرسول فى إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة على وجه يجب إتباعه على كافة الأمة( ) وتفريغ ذلك كله من مضمونه الحقيقي فارتبط ذلك بعملية فساد وإفساد واسعة داخل حوزة الحاكم بكل قطاعاته وطوائفه تعددت معه وتكاثرت أشكال العنف وقسوة الحاكم ورموزه بل وارتبطت بها. فالإسحاقى المنوفي ينقل ما معناه: " ويقال أن ... القسوة عشرة أ
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
-
( نادر جداً ) أغنية “take me back to Cairo ” لكريم شكري 1960م وهو أول مطرب مصرى يقدم الفرانكوآراب منذ 50 عاما وقد غناها من بعده الفنان...
-
المرأة الشرقية: ضحية لثلاثية "الموت والحب والعار": تُعد رواية دعاء الكروان من أبرز أعمال الدكتور طاها حسين، وأحد النصوص المؤسسة ل...
-
أقسي مافي الحياة .. أن تمارس الحق في صمت .. ثم يأتي من يقول: لم أسمع له!
-
( فانتازيا قصيرة جداً مستوحاة من أحداث تاريخية حقيقية ) ثارت قريتنا على العمدة ( الطاغية ) .. حررها الثوار بقيادة شيخ البلد من ( عبث ) الع...








