‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 25 أبريل 2025

قراءة في رواية دعاء الكروان د. طاها حسين

المرأة الشرقية: ضحية لثلاثية "الموت والحب والعار": تُعد رواية دعاء الكروان من أبرز أعمال الدكتور طاها حسين، وأحد النصوص المؤسسة للرواية العربية الحداثية، فهي ليست مجرد قصة انتقام لفتاة ريفية بريئة، بل صرخة إنسانية تُدين الظلم والجهل، وتُفكّك البنية الأبوية للمجتمع، وتُعيد تشكيل مفهوم العدالة خارج منطق القانون الجامد، فالرواية، ليست مجرد مأساة أنثى، بل هي فاجعة مجتمع، ودرس في الفن الروائي، وفي كيفية تحويل الألم الشخصي إلى خطاب كوني، صوت آمنة يصرخ من أعماق الطين المصري، لكنه يصل إلى قلب الإنسان أينما كان، وفي هذا تكمن عبقرية الدكتور طاها حسين: أنه كتب رواية بالدم والدموع، لكنها أيضًا مكتوبة بالحكمة والمغفرة.
:البنية السردية: صوت المرأة بوصفه مركزًا للمعرفة منذ اللحظة الأولى، تدفع الرواية بالقارئ إلى مواجهة صوتٍ أنثوي حادّ، صوت "آمنة"، الأخت الناجية، التي تسرد القصة من موقع الفقد والثأر، لكنها لا تلبث أن تتحول من راوية إلى صانعة للفعل الروائي، فنبرة السرد متوترة، متأرجحة بين الحزن والغضب، بين الحنين والتمرّد، وهذا ما يجعل العمل كله يدور في فلك الانفعال الداخلي العنيف، الذي ترجمه د. طاها حسين في جُمل طويلة متدفقة تحمل طابع المونولوج الداخلي، كما في قولها: "أغيرةٌ هذه التي تغلي في عروقي ويصعد لها اللهب في وجهي؟" في هذا المشهد، يختلط الغضب بالهوية، وتتشكل ملامح شخصية قيد التشكل، امرأة لم تعد خاضعة لمنطق العيب بل لمنطق التجربة والاختيار. الرمز والبعد الجمالي: الكروان صوتٌ للحقيقة الموءودة: إن اختيار "الكروان" ليس اختيارًا عابرًا، بل يتقاطع الرمز مع الفضاء السردي كله، فالكروان، الطائر الذي يطلق نداءه في الصحراء ليلًا، يصبح قرينًا للبطلة، شاهِدًا على الخطيئة الأولى، وعلى فقد الأخت "هنادي"، لكنه أيضًا شاهد على التحوّل من الضعف إلى المواجهة، وفي المقطع الشعري لخليل مطران في مقدمة الرواية، نقرأ: "دعاء هذا الكروان الذي أشهى متاع القلب والفكرِ" هنا يتحول "الدعاء" إلى خطاب فلسفي يربط الجمال بالحزن، والموت بالحب، والمرأة بالطبيعة، والطبيعة بالعار، في ثلاثية قاسية لا تهدأ. الشخصيات: الإنسان في مواجهة قدره: والدكتور طاها حسين لا يصور شخصياته ككائنات ثنائية (خير/ شر)، بل يمنحها أبعادًا نفسية متشابكة، "آمنة" ليست فقط أخت القتيلة، بل هي عين الكاتبة، ضمير النص، المهندس الشاب، رغم جرمه، لا تقدمه الرواية كشيطان مطلق، بل كنتاج لفساد اجتماعي وصمت قروي طويل، حتى الخال القاتل يُرسم دون تمجيد، بل في غلظة الريف القاسية، وسلطته المهترئة. المكان: الريف كخزان للذكورة والعار: تجري الأحداث في فضاء ريفي، تحكمه العادات والتقاليد، لكنه ليس مجرد خلفية، بل شريك أساسي في الجريمة: يراقب، يصمت، ثم يعاقب، والريف هنا ليس "الطبيعة النقية" بل بؤرة للعنف الممنهج ضد المرأة، يتجلى في الجريمة الأولى التي تفتح الرواية، وفي صمت الأم، وفي تبعثر القانون. ثلاثية الموت والحب والعار: والرواية لا تستسلم لمنطق الدم، على العكس، تتحول "آمنة" من أخت الثأر إلى كائن يبحث عن معنى، عن عدالة داخلية، إنها تحب وتُصاب بالارتباك، كما في وصفها: "يظهر في هذا كله غموضًا يثير ميلي إلى الاستطلاع، ويكاد يسليني عن المهندس الشاب" إنها لحظة انكسار للثأر، لحظة تُعيد تشكيل الإنسان، وتُحرره من دائرة الحقد. ويمكننا القول أن في دعاء الكروان، لا تتجسد المرأة فقط كشخصية روائية، بل كرمز كوني للضعف المعاقب، وللجمال المقموع، وللحقيقة التي يخافها المجتمع الذكوري، إنها "هنادي" التي تُذبح باسم الشرف، و"آمنة" التي تكاد تُسحق بين رغبتها في الانتقام ورغبتها في النجاة، إذ بين سندان الجهل القروي ومطرقة الأعراف المتحجرة، تقف المرأة عارية من الحماية، محاطة بنظام لا يرى فيها سوى "العورة". ومنذ السطور الأولى في الرواية، يصدمنا النص بمشهد قتل "هنادي" على يد خالها، مشهد لا تبرره القيم الأخلاقية، بل تشرعنه تلك البنية الذكورية القاسية التي تُحمّل المرأة وحدها وزر الخطيئة، بينما ينجو الرجل (المهندس) بفعلته، لا يُسائل ولا يُحاسب. كأنما كل شيء في الريف ( الحقول، البيوت، وحتى اللهجات ) يشارك في تلك المؤامرة الصامتة ضد النساء. "آمنة"، رغم خروجها إلى المدينة، لا تفلت من تلك النظرة، إنها دومًا محاطة بعين المجتمع التي تراقب، تتهم، وتخشى أن تتمرّد أو تثور، بل حتى عندما تخطط للانتقام من الرجل الذي أغوى أختها، لا يكون دافعها نابعًا من العدالة بقدر ما هو نابع من الإحساس بالعار الاجتماعي، وكأنها تحمل داخلها المحاكم نفسها التي أعدمت "هنادي". وفي أكثر اللحظات مأساوية، يتحول صوت "دعاء الكروان" ( ذلك الطائر الوحيد ) إلى مرآة لوضع المرأة؛ طائرٌ ينوح في الظلام، لا أحد يفهم لغته، ولا أحد يجيب نداءه، إنها استعارة بليغة للمرأة في هذا النص: كائن ناطق لا يُسمع، وحي لا يجوز تصديقه، وضحية لا يتم البكاء عليها إلا سرًا. ومن ثم، فالرواية ليست مجرد مرآة لواقع المرأة الشرقية، بل هي مرثية مكتوبة بحبر الألم، ترصد مصير أنثى وقعت أسيرة ثلاثية جهنمية: الموت والحب والعار، ثلاثية لا تتوالى زمنيًا بقدر ما تتداخل نفسيًا واجتماعيًا، لتجعل من حياة المرأة الشرقية جرحًا مفتوحًا، يقطر من حافة كل سطرٍ في الرواية. الموت: العقوبة التي تتربص بالأنثى منذ الولادة: والموت في دعاء الكروان ليس خاتمة، بل بداية، موت "هنادي" على يد خالها يفتح الرواية، لكنه يفتح أيضًا أبواب الأسئلة: لماذا تُقتل الضحية؟ لماذا يتحول الشرف إلى فخ للذبح؟ موتها لم يكن عدالة، بل إعلانًا صريحًا بأن الأنثى لا تملك جسدها، ولا قرارها، وأن موتها أسهل من مواجهة المجتمع برجولته الجوفاء. حتى "آمنة"، التي نجت جسديًا، تعيش موتًا معنويًا طويلًا، كل خطوة تخطوها في المدينة، كل عمل تمارسه، كل لحظة تذكر فيها أختها، هي شكل من أشكال التآكل الداخلي، كأن الحياة بعد الموت ليست حياة، بل استكمال لعقوبة معلقة. الحب: الحلم الممنوع، والشعور المسموم: في قلب هذه المأساة، ينبثق الحب ككذبة مُغرية، حيث تقع "آمنة" في حب المهندس ( قاتل أختها، ورمز الذكورة المهيمنة ) لكن حبها لا يولد من طهر المشاعر، بل من تعقيداتها، إنها تحبه رغم كل شيء، لأنها ضحية للرغبة في الفهم، في التسامح، في الإنقاذ، لكنه حب يوشك أن يخنقها، لأنه مشبع بالخطيئة، بالماضي، بالدم. والدكتور طاها حسين هنا يرسم الحب لا كخلاص، بل كقيد إضافي، فالمرأة الشرقية إن أحبت، أُدِينت؛ وإن كرهت، أُدِينت؛ وإن التزمت الحياد، صُلبت على جدار الشكوك، لا طريق يمر دون أن يلوّثه العار. العار: الوصمة التي لا تزول: والعار هو ما تتركه الجريمة على جلد البريئة، فالمجتمع لا يرى الفرق بين المغوية والتي أغوت، الخال لم يُقتل، المهندس لم يُحاسب، لكن "هنادي" ماتت، و"آمنة" كادت تفقد نفسها، العار يلاحق المرأة لأنها وُلدت أنثى، جسدها تهمة، صوتها شبهة، استقلالها تمرّد. وهنا تكمن عبقرية الدكتور طاها حسين: أنه جعل "آمنة" لا تنتقم، بل تختار طريقًا آخر .. طريقًا يبدأ برفض الثأر، وينتهي بإعادة تعريف الكرامة لا كقيد، بل كوعي. وفي الرواية لا ينهي الدكتور طاها حسين الثلاثية، لكنه يفتح فيها ثغرة، فالحب لن يبرر الموت، ولا الموت سيغسل العار، لكن الوعي ( وعي "آمنة" ) هو أول خطوة نحو كسر هذه السلسلة الجهنمية، فالمرأة الشرقية، حين تتكلم، لا تكون فقط ضحية، بل شاهدة، وفاعلة، وقادرة على إزاحة الموروث مهما بلغت سطوته. الفقر كأداة قمع: الرجل الذكوري وتفريغ العجز في جسد المرأة: والدكتور طاها حسين في دعاء الكروان، لا يُصوَّر الرجل الذكوري كمجرّد مستبد واعٍ بسلطته، بل ككائن مهزوم، مسلوب الإرادة، يعاني في ظل بنية اقتصادية خانقة، فيُفرغ عجزه في جسد المرأة، لا حبًا في القهر بل يأسًا من الحياة، هنا، يصبح الفقر أكثر من حالة اجتماعية، يتحول إلى فلسفة خفية تحكم السلوك وتقدم القمع كشرع مقدس. الخال الذي يقتل "هنادي" لا يملك في الحقيقة شيئًا؛ لا سلطة حقيقية، ولا احترامًا، ولا حتى رأيًا يُسمع في فضاء أوسع من قريته، لكنه يملك ( أو هكذا يتصور ويخيّل إليه ) شرف "الأنثى"، هذا الشرف هو الثروة الوحيدة المتبقية له، فيتعلق به كمرفأ أخير، ويدافع عنه بالسكين، الجريمة ليست دليلاً على القوة، بل اعترافًا بالهزيمة، قناع يرتديه رجل مكسور ليتوهّم أنه ما يزال سيدًا في بيت من تراب. في هذا المشهد، تطل علينا فلسفة القمع في أنقى صورها: لا يضرب الرجل زوجته لأنها مذنبة، بل لأنها الأضعف، لأنها المرآة التي تفضح هزيمته، لأنها لا تستطيع أن تردّ الصفعة، وهكذا تُصبح المرأة، في الرواية، مساحة للتفريغ النفسي والاقتصادي معًا، إنها الحائط الذي تُرمى عليه فشلات الفلاح، ونكبات الكادح، وجوع العامل. الدكتور طاها حسين لا يبرر هذا العنف، بل يُعرّيه، يجعلنا نراه من الداخل، حيث الرجل الفقير لا يجد أمامه سوى المرأة ليثبت ذاته، تمامًا كما نجد في وصف الخال، في لحظة تنفيذ الجريمة، نظرة هي مزيج من القلق والانكسار، لا البطولة. بهذا المعنى، يمكن القول إن دعاء الكروان ليست فقط رواية عن قهر المرأة، بل عن مجتمع يطحن الجميع، رجالاً ونساء، لكنه يسمح للرجل بأن يمارس سلطته الوحيدة ( سلطة الجسد ) فيغدو جلادًا لأن لا أحد علّمه كيف يكون إنسانًا.

الثلاثاء، 8 مايو 2018

حلول وتناسخ الأرواح عند توفيق الحكيم ( 2 ):

وفي فانتازيا من خيال الكاتب يتصور توفيق الحكيم ظهور "روح" منزعجة وهي خارجة من ( مسرح ) الدنيا .. يملأ ملامحها الاندهاش والذهول كمن أفاق فجأة .. أنتبه فجأة .. وهوهنا متأثر بالحديث الشريف الذي يقول: الناس نيام فإذا ماتوا إنتبهوا" .. ويستسرسل مع الروح التي استفاقت وانتبهت وأصبحت في حالة ذهول ويقول أن هذه الروح أول ماقابلت حين خروجها من مسرح الدنيا كان ذلك الملاك الذي يقوم بدور ( الريجيسير – مدير المسرح ) وتصرخ في وجهه الروح غير مصدقة وتهذي بقولها: يقولون إني مت !! .. هل أنا ميت ؟؟
ويصف توفيق الحكيم رد فعل الملاك بالبرود إذ لا يلتفت للروح .. فهو منهمك في أعماله .. شاخص ببصره في اللوح الذي أمامه والسجل الذي بين يديه، فلما كررت عليه الروح نفس السؤال مرات ومرات، نظر إليها الملاك بنفس البرود بينما مازال يتفحص اللوح والسجل وقال له: كلكم هكذا .. لا تريدون تصديق أنكم أموات .. ماذا أصنع لكم؟ .. ليس لدي وقت كي أهدره معكم .. ليس لدي وقت أقنعكم فيه وأقيم الدليل والبرهان لكم لكي تؤمنوا أنكم بالفعل أموات، وهنا – من وجهة نظر توفيق الحكيم – تنهار الروح، فيتركها الملاك منشغلاً بعمله الذي بين يديه بينما تحكي الروح مآساتها وهي غير مصدقة أنها روح شخص مات الآن، بعد أن كان على مسرح الدنيا طبيباً ناجحاً يشار إليه بالبنان، ويسهب توفيق الحكيم في مشهد أقرب للمونودراما المسرحية في قص حكاية الروح على لسان الروح في الحياة الدنيا وكيف عاشت وكيف كانت النهاية وكيف أصبح الآن في مرحلة يسميها هذا ( الملاك الريجيسير ) بالموت .. ويقدم لنا توفيق الحكيم قصة هذه الروح المسكينة في تصور حركي مسرحي أحادي وكأنها ( أي الروح ) تقف على خشبة المسرح وتخاطب الجمهور فماهي حكاية الروح وماهي مآساة موته؟.
للحديث بقية

حلول وتناسخ الأرواح عند توفيق الحكيم ( 1 ):

يقول توفيق الحكيم في مجموعته القصصية الثانية الصادرةعن دار سعد عام 1949 أن مسألة حلول الروح مسألة تدعو للتأمل أكثر مما تدعو للأستنكار حيث تزعم أن عدد الأرواح في الكون محدود كما عدد الممثلين في المسرح محدود وأن الذي يتغير فقط في حياتنا المنظورة التي نعيشها هو الأدوار التي يتقمصها أولئك الممثلون، وهي أدوار لا حد لها ولا نهاية لها في تلك الرواية ( الحياة ) الإستعراضية العظمى التي نعيشها !
ويوجه حديثه للمؤمنين بهذه النظرية ويقول: إذا سايرنا أصحاب هذا الزعم، فإن الصورة التي يمكن رسمها للدنيا تبدو جديرة بالتأمل، ومن السهل تخيل الأرواح في ظهورها وإختفائها فوق مسرح الدنيا، وكأنها أصلاً موجودة في مكان بعيداً عن هذه الأرض، مكان خفي، مكان يمكننا أن نتصور فيه ملاكاً يقوم بوظيفة ( الريجيسير - مدير مسرح ) ويباشرأعماله اليومية، وينظر في اللوح الذي أمامه والمسطور فيه الأدوار والأقدار، ويستعرض ألوف الأرواح المُهيأة للظهور على مسرح ( الدنيا )، وفي نفس الوقت يستعرض ويستقبل الألوف من الأرواح الخارجة منه.
للحديث بقية