قرأت "اولاد حارتنا" عندما نشرت سلسلة فى جريدة "الاهرام" عام 1959 وكان رئيس التحرير هو محمد حسنين هيكل ثم قرأتها فى الطبعة الاولى البيروتيه.. ثم قرأتها اخيرا فى الطبعة البيروتيه الثانية عام 1972، وفى كل مرة كنت ازداد لها فهما واعجابا وتقديرا.
يقرر نجيب محفوظ بوضوح متى انهى صومه عن الكتابة ومتى قرر ان يعود الى استئناف نشاطه الابداعى:"اولاد حارتنا" هى اول رواية اكتبها بعد قيام ثورة يوليو 1952 ، وسبقتها خمسة سنوات من الانقطاع التام عن الكتابة ، وتحديداً بين عامى 1952، 1957 ...." ثم يقول: "فى عام 1957 شعرت بدبيب غريب يسرى فى اوصالى، وجدت نفسى منجذبا مرة اخرى نحو الادب ، وكانت فرحتى عارمة عندما امسكت يالقلم مرة اخرى.ويقول نجيب محفوظ عن روايته "اولاد حارتنا" :" ربما تكون "اولاد حارتنا" اكثر رواياتى اثارة للازمات والجدل، وهذا الامر لايتفق مع حسن نيتى الذى كان وراء كتابتى لهذه الرواية.
وبلغ من حسن نيتى اننى فكرت فى كتابة مقدمة للرواية اشرح فيها وجهة نظرى ..... ويبرر عدم كتابة هذه المقدمة."لانى كنت احسب ان من يقرأها قراءة صحيحة سوف يفهمها" ولم اصدق نفسى عندما جلست امام الورق من جديد لاعاود الكتابة، وكانت كل الافكار المسيطرة على فى ذلك الوقت يميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة، فجاءت رواية "اولاد حارتنا" لتصحى فى داخلى الاديب الذى ظننته قد مات"ويوضح لنا نجيب محفوظ فى صدق وفى امانه وفى وعى مغذى روايته .. والرسالة التى اراد ان تصل الى القارئ –كل قارئ- وهو يبدع رواية "اولاد حارتنا" بعد صمت... بعد صوم عن الكتابة استمر خمس سنوات .. خمس سنوات كاملة فى حياة مبدع نشط صاحب رسالة "المغزى الاساسى لرواية" اولاد حارتنا هو انها حلم كبير بالعدالة، وبحث دائم عنها، ومحاولة للاجابة عن سؤال جوهرى:هل القوة هى السلاح لتحقيق العدالة ام الحب ام العلم؟ وهنا يتساءل قارئ نجيب محفوظ عن سر صمته وصومه عن الكتابة من عام 1952 وهو العام الذى قامت فيه ثورة يوليو .. وهى ثورة القوة –قوة الجيش- حتى عام 1957 .. وبعد هذا العام اخذ يفكر ويتساءل هل حققت ثورة يوليو احلامه التى كان يدعو اليها فى كل ابداعاته السابقة. احلامه فى العدل والحرية والكرامة .. والتى لخصها فى نهاية "السكريه فى كلمتى "الثورة الابدية" ويعترف لنا نجيب محفوظ لماذا عاد الى الكتابة بعد صمته او صومه الطويل يقول:"والذى دفعنى لكتابة هذه الرواية –اولاد حارتنا- ، وهى اول رواية اكتبها بعد قيام ثورة يوليو .. هو تلك الاخبار المتناثرة والتى ظهرت فى تلك الفترة- حوالى عام 1958 عن الطبقة الجديدة التى حصلت على امتيازات كبيرة بعد الثورة، وتضخمت قوتها، حتى بدأ المجتمع الاقطاعى الذى كان سائداً فى فترة الملكية يعود مرة أخرى، مما ولد فى نفسى خيبة امل قوية، وجعل فكرة العدالة تلح على ذهنى بشكل مكثف، وكانت هذه هى الخميرة الاولى للرواية"كانت خيبة الامل –اذن- هى التى دفعت نجيب محفوظ الى استئناف ثورته الابدية والمطالبة بتحقيق العدل والحرية والكرامة –كرامة كل انسان يعيش على هذه الارض .. وفى هذا الوطن.. ورواية "اولاد حارتنا" هى صرخة احتجاج ضد كل الوان القهر والظلم، ودعوة صادقة للعدالة والحرية والكرامة.. ويؤكد لنا نجيب محفوظ فى بداية "اولاد حارتنا" هذه الدعوة.. يقول الرواى فى اولاد حارتنا كيف احترف الكتابة: "كنت اول من اتخذ الكتابة حرفة فى حارتنا على رغم ماجره ذلك من تحقير وسخرية، وكانت مهمتى ان اكتب العرائض والشكاوى للمظلومين واصحاب الحاجات ، وعلى كثرة المتظلمين الذين يقصدوننى فإن عملى لم يستطع ان يرفعنى عن المستوى العام للمتسولين فى حارتنا ، الى ما اطلعنى عليه من اسرار الناس واحزانهم من ضيق صدرى وشجن قلبى""اولاد حارتنا" عرضحال كبير ابدعه نجيب محفوظ وهو الذى يقول –على لسان الراوى- فى بداية الرواية :"وما اكثر المناسبات التى تدعو الى ترديد الجكايات كلما ضاق احد بحاله، او فاء مظلم او سوء معاملة اشار الى البيت الكبير على رأس الحارة.. وقال فى حسدة:"هذا بيت جدنا" ، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقوا اوقافه، فلماذا نجوع وكيف ؟
ثم اصل مع القارئ الى رسالة نجيب محفوظ التى اراد –واعيا ومدبرا- ان تحملها وتبلغها رواية "اولاد حارتنا" هذه الرسالة نجدها فى خطبة قاسم بعد انتصاره على الفتوات لكل اولاد وبنات الحاره."اشار الى البيت الكبير.. وقال:"هنا يقيم الجبلاوى، جدنا جميعا، لاتمييز فى الانتساب اليه بين حى وحى، او فرد وفرد، او رجل وامرأة. وحولكم وقفه وسيكون لكم جميعا على السواء، وعلينا ان نحسن استغلاله حتى يكفى الجميع ويقبض، فنحيا فى رزق موفور وطمأنينة شاملة وسعادة صافية وغناء.ذهب الناظر الى غير رجعة واختفى الفتوات.لن يوجد فى حارتنا بعد اليوم فتوة. لن تؤدوا اتاوة لجبار، او تخضعوا لعربيد متوحش، فتمضى حياتكم فى سلام ورحمة ومحبة.وبيدكم انتم الا يعود الحال كما كان.راقبوا ناظركم...فاذا خان اعزلوه.واذا نزع احدكم الى القوة اضربوه.واذا ادعى فرد او حى سياده فأدبوه.بهذا وحده تضمنون الا ينقلب الحال الى ماكان .وربنا معكم.واقول مؤمنا اعمق الاديان واصدقه بما اقول ان نجيب محفوظ من اجل بلاغ هذه الرسالة ابدع عمله الباقى "اولاد حارتنا" وارى –من وجهة نظرى- ان الجبلاوى صورة متساوية متعالية للسيد احمد عبد الجواد –بطل الثلاثية- وهذا يؤكد ان "اولاد حارتنا" ملحمة كونية تعبر تعبيرا واقعيا عن الحارة . التى هى مصر .ولعله فى سنوات صمته –او صومه- عاد الى تاريخه المصرى الطويل- وكأنه يشاهذ فيلما تسجيليا يمتد هذه المسافة الزمنية وهى خمسة وعشرون قرنا من قمبيز حتى الانجليز .
– عاش نجيب محفوظ هذا التاريخ الطويل الممتلئ بكل الوان العناء والقهر وبكل الوان الكفاح والتمرد والثورة –ايضا- واخذ عناون روايته "اولاد حارتنا" من اطفال الجمالية وهم يرددون:يااولاد حارتنا توت توتوتوت هو رب الحكمة والقلم والكتابة فى مصر القديمة..ونحن نرى نجيب محفوظ يوم الاربعاء 19/10/1994 بعد حادثة محاولة اغتياله:"يوجه من غرفة العناية المركزة بمستشفى الشرطة بالعجوزة رسالة الى مؤتمر المثقفين الذى عقد فى اليوم التالى بمسرح البالون القريب من المستشفى ومن منزل الكاتب الكبير.. قال فيها:"فليجتمع المثقفون جميعا حول مبدأ الحرية، لان الثقافة لاتكون الا بالحرية.فلنترك خلافاتنا جانبا ونتفق على رفع راية الحرية فى وجه جميع اشكال العنف والارهاب"وكأن نجيب محفوظ من غرفة العناية المركزة يقود تظاهرة من كل المثقفين ضد "جميع اشكال العنف والارهاب"قرأت "اولاد حارتنا" عندما نشرت سلسلة فى جريدة "الاهرام" عام 1959 وكان رئيس التحرير هو محمد حسنين هيكل ثم قرأتها فى الطبعة الاولى البيروتيه.. ثم قرأتها اخيرا فى الطبعة البيروتيه الثانية عام 1972، وفى كل مرة كنت ازداد لها فهما واعجابا وتقديرا. واسمح لنفسى ان اقرر ان "اولاد حارتنا" هى الجزء الرابع والاخير لثلاثية "بين القصرين" وهذه الرواية تنتمى الى الواقعية النقدية. ولعل قارئ "السكرية" ( الجزء الثالث من الثلاثية) يذكر هذا المشهد الذى يصور لقاء على كريم واحمد شوكت.. والحوار الذى دار بينهما.كما ان رواية "زقاق المدق" –كما اراها- هى افتتاحية رائعة لثلاثية "بين القصرين" والقفزة الفنية والانسانية من الزقاق الى الحارة قفزة مبدع قدير متمكن من فنه ورؤيته الانسانية والاجتماعية.نراه فى ختام "الاود حارتنا" يبشر بثورة علمية تحقق لابناء وبنات الحارة الحرية والعدل والكرامة.
كما تحرر الحارة وبناتها وابنائها من كل الوان الظلم والقهر والاستبداد والاستغلال والفقر بكل صوره."قالت عواطف –زوجة عرفه (الذى يشير اسمه الى العلم والمعرفه والنور) لزوجها:- سحرك قادر على مداواة العين.ويكون رد عرفه:- وعلى اشياء لاتحصى .. وقد يتمكن يوما من القضاء على الفتوات انفسهم، وتشييد المبانى وتوفير الرزق لكافة اولاد حارتنا.فتساءلت عواطف ضاحكة:- وهل يمكن ان يحدث ذلك قبل يوم القيامة!فرفرت عيناه الحادتان بنظره حالمه وقال:- آه .. لو كنا جميعا سحرهوالسحر هنا هو العلم والمعرفه والنور.. (الا تردد حارتنا المصرية: العلم نورن)تمكن حسن (تلميذ عرفه) بعد مصرع عرفه وزوجته من الهرب ومعه كل اسرار علم عرفه.وقبيل مصرعه صاح عرفه فى وجه الناظر:- حسن هرب بكل الاسرار، وسوف يعود يوما بقوة لاتقاوم فتتخلص الحاره من شرك.وبدأ يوم جديد فى حياة الحارة.. ويعبر نجيب محفوظ عن فجر هذا اليوم الجديد فى نهاية "اولاد حارتنا":"وتمنى الناس لو يتعاونوا مع حسن فى موقفه من الناظر، لعلهم يحرزون بانتصاره عليه نصرا لهم ولحارتنا.. وصمموا على التعاون ماوجدوا الى ذلك سبيلا باعتباره السبيل الوحيد للخلاص"ويقول نجيب محفوظ:"وجدت ان اخذ بعض الشباب من حارتنا يختفون تباعا ، وقيل فى تفسير اختفائهم انهم اهتدوا الى مكان حسن فانضموا اليه، وانه يعلمهم السحر استعدادا ليوم الخلاص الموعود.."وفى كلمات ممتلئة بالتفاؤل يبدع نجيب محفوظ لحن الختام لسمفونية "اولاد حارتنا" :"لكن الناس تحملوا البغى فى جلد، ولاذوا بالصبر، واستمسكوا بالأمل، وكانوا كلما اضر بهم العسف.. قالوا:"لابد للظلم من آخر، ولليل من نهار .ولترين فى حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب"لهذا الفجر الجديد القادم. ابدع نجيب محفوظ "اولاد حارتنا"رواية "اولاد حارتنا" يقول عنها مبدعها نجيب محفوظ وهو تحت العلاج فى مستشفى الشرطة (الخميس 27 اكتوبر 1994):"مازلت اكرر ان "اولاد حارتنا" مجرد عمل ادبى يجب النظر اليه بهذا المفهوم"ويقول عن روايته ايضا:"رواية "اولاد حارتنا" لاتخلو من خلفيه اجتماعيه واضحه"ويسجل الراوى عن حارته المسكينه هذه الحقيقه:"ولولا ان آفه حارتنا النسيان ما انتكس فيها مثال طيب، لكن آفة حارتنا النسيان"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق