الجمعة، 26 ديسمبر 2008

نقد رّواية إمرأة الرّسالة لرجاء بكريّة - د. سميح مسعود

اهتمت رجاء بكرية بالبعد المكاني، بالمحددات الجغرافية الفلسطينية، في رحاب حيفا، وعكا، ويافا، وتميزت بقدرة فنية في استحضار البحر موجة موجة، ورسم الشوارع، والمحلات، والحدائق، ومكاتب البريد، ومزاريب البيوت، وحجارة مداميك سور عكا حجرا حجرا، بكل تفاصيلها وإشاراتها مهما بدت صغيرة أو عابرة، عبر مفارقة تصويرية محزنة، عكست بها حالة التناقض الصارخ ما بين المظهر العام لكل هذه التفاصيل في وطنها وحقيقة واقعه المرير.

lamasat1 - Copy"إمرأة الرسالة "تفتح الباب على مصراعيه لإعادة اكتشاف خوابئ أجزاء من فلسطين غابت عنا ما يقارب من ستين عاماً، وما زالت وشماً نحملها في تغريبة الشتات، مظللة بحرائق داخلية لا تنطفئ. هذه هي الرواية الثانية للكاتبة الروائية الفلسطينية المعروفة رجاء بكرية، صدرت عن دار الأداب ببيروت، والمعروف تنوع الاهتمامات الأدبية والفنية لهذه الكاتبة، فبالإضافة إلى كتابة القصة والرواية، هي أيضا فنانة تشكيلية، وناقدة مسرحية، تتمتع بموهبة متميزة، ونتاجات كثيرة، نالت عليها جوائز تقديرية كثيرة، منها جائزة القصة القصيرة النسائية لنساء حوض المتوسط. تتسم الرواية بإدراك واضح لمضامين الكتابة الحداثية المعبرة عن الذات الأنثوية بإحساسٍ رومانسي لافت، تتجلى بفيض صور كثيرة تسجلها فنانة باحثة في المسرح الفلسطيني عن تفاصيل حبها لمخرج مسرحي من عكا، عبر رسالة ترسلها إليه بعد اختفائه، ودخوله السجن نتيجة تلفيق تهمة أمنية ضده. تتداخل لقطات أحداث الرواية بكل ما فيها من مشاهد، في بناء مسارات سردية، تتألق في رحابها نشوة "إمرأة الرسالة"، وهي تكتب رسالتها المطولة بصيغة المتكلم عن تجربتها في لحظات السعادة، والقهر، والصراع، والضياع، وخيبات واقع الاحتلال المهين، والتنقل ما بين حيفا، وعكا، ويافا، وعمان، ولندن. تكشف " نشوة " في رسالتها بكل جرأة وشفافية، عبر منبسطات حسية عارمة،عن تفاصيل أحوالها العاطفية، والروحية الدفينة، بما في ذلك تقلباتها في علاقاتها مع أكثر من رجل، "هربها من واحد الى اخر"، وتعلقها بالمخرج المسرحي، وقلقها من مطاردة النساء له، وارتباطه بامراة أجنبية شقراء، له أبناء منها. حَلَّقْتُ في قراءة هذه الرواية، وغُصتُ في أعماقها من حيث المبنى، والمعنى والرؤية، ووجدتها متميزة في لغتها وأسلوبها الحداثي، وبكل جوانبها التقنية، والفنية (سردا، وصفا، زمانا، مكانا)، مما ساعد على ترتيب فعاليتها النصية بإنجاز بنائي متقن، تكاملت به العتبات النصية ببراعة فائقة، خاصة العنوان الذي هو من أهم هذه العتبات، فقد وفقت رجاء بكرية بتحديده كدالة متوافقة مع النص توحي بصفات أنثوية رقيقة، وهذا على جانب كبير من الاهمية لما في العنوان من قدرة إغوائية لدفع القارئ في مسالك الرواية. كما وفقت على عتبات النص باستخدام لغة شاعرية شفافة مطواعة تتسم بالبساطة والجمالية، والتناغم مع أجواء الرواية وأحداثها، مع تميز واضح في استحضار تشبيهات مستحدثة، واعتمادٍ على أسلوب " السرد" بصورة خالصة، مع تداخلات محدودة يمتزج فيها السرد بالحوار، وفيض من التساؤلات حققت قدراً كبيراً من التأنق في سياق صور سردية ممتعة فنياً وجمالياً. كذلك وفَقَت في بناء شخصية تَخَيُّلِيَّة للراوية نشوة "امرأة الرسالة"، كقطب تلتف حولها خيوط الاحداث، جعلت منها إمراة عصرية قادرة على البوح بجرأة بكل تفاصيل علاقاتها العاطفية بما فيها من تقلبات وتداعيات من خيانة، وشوق، وجنس، وهجران، كما جعلت منها في الوقت نفسه مدافعة باقتدار عن بنات جنسها، بتعليقات تبين قدرتهن الفاعلة، كقولها" النساءهن من يسبغن الخصوصية على الرجال". ولان الرواية مكثفة بمشاهد تاثيرات وإفرازات مختلفة، تترامى على أطراف أمكنة كثيرة، وفقت الكاتبة باستخدام تقنية بنية الترجيعات السردية إلى مشاهد زمنية سابقة، ضمن الأبعاد المكانية المختلفة للأحداث. وثمة جانب آخر تتميز به الرواية، يتجلى بأدوات "الدعابة السوداء" التي توظفها الكاتبة في أجزاء مختلفة من النص، بضحكات مريرة ساخرة، وهي كما يقول فرويد، "تضيف قدراً من التسامي والارتفاع "للأنا" الرافضة للقهر والمذلة" واضيف إليها أيضا الرافضة لمعاناة الاحتلال والواقع العربي المهزوم. في هذه السياقات الابداعية اهتمت رجاء بكرية بالبعد المكاني، بالمحددات الجغرافية الفلسطينية، في رحاب حيفا، وعكا، ويافا، وتميزت بقدرة فنية في استحضار البحر موجة موجة، ورسم الشوارع، والمحلات، والحدائق، ومكاتب البريد، ومزاريب البيوت، وحجارة مداميك سور عكا حجرا حجرا، بكل تفاصيلها وإشاراتها مهما بدت صغيرة أو عابرة، عبر مفارقة تصويرية محزنة، عكست بها حالة التناقض الصارخ ما بين المظهر العام لكل هذه التفاصيل في وطنها وحقيقة واقعه المرير، قائلة "فلسطين لم تعد فلسطين، ويافا، وعكا لم تبقيا مدينتين بيدين ممدودتين الى فوق، بل "يافو" و"عكو" بيدين مكتوفتين فوق الصدر، ومستسلمتين". أرادت الكاتبة بهذه التفاصيل تذكير أهل الشتات، وكل العرب بالمدن الفلسطينية لأنها بنظرها هي "حفر القلب في موج الذاكرة"، وهكذا أدخلتها في مقاطع سردية كثيرة بينت بها دواخل أهلها تحت نير الاحتلال، مشحونة بتفصيلات دقيقة للقهر، وكوابيس فعلية بعيدة عن التخيل، يظهر فيها "المكان" كائناً حياً يعبر عن قتامة الاحتلال بصوت محسوس. أجد "المكان" في سياق الرواية يشكل نوعاً من الكتابة قائماً بذاته، أحد الخفايا المتميزة في سيرة نشوة "إمرأة الرسالة " التي تفتح بها الباب على مصراعيه لإعادة اكتشاف خوابي أجزاء من فلسطين غابت عنا ما يقارب من ستين عاماً، وما زالت وشماً نحملها في تغريبة الشتات، مظللة بحرائق داخلية لا تنطفئ. بالرغم من تنوع المسارات السردية في الرواية في مواضيع كثيرة، وتعدد احتمالات التأويل والتلقي لهذه المواضيع، إلا إنني أجد محور الرواية الرئيس سياسيٌ بكل المقاييس، وهكذا أجدها مشحونة بالدلالات، والمضامين المعبرة عن قهر الفلسطيني في بلده، بكل مسببات القهر وتنويعاته، سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، ولا أغالي القول حتى عاطفياً، ووجدانياً لعيشه في ظل ظروف محنة موجعة غير طبيعية، مريرة تؤثر على أحاسيسه وأجوائه الداخلية والنفسية، وحصاره في بؤر تخلف تزيد من معاناته، وأوجاعه الذاتية والعامة. في ظل هذا الواقع المرير تواجه الراوية نشوة "امراة الرسالة" التباسات كثيرة، في صور مختلفة، وبخاصة في هويتها كفلسطينية، (هوية معاني مخفية في الصدور حسب تعبير ابو عثمان الجاحظ)، وعلاقتها مع دولة الاحتلال، وتشير في هذا الشان إلى دلالات محنٍ عاصفة كثيرة تستلها من عتمة الحياة المعاشة، تكررها شكلاً، ومضموناً، هنا وهناك، كقولها: "لم أشعر لحظة واحدة أنني داخل تعريف المواطنة التي منحوها لنا منذ رفعنا الاعلام البيضاء، وبطاقتي الزرقاء لم يقرأوها على الحدود دون أن يصنفوني ضمن خلية الارهاب التي يدرسون أوصافها وفق معايير العرق، والدين، والانتماء" ومع كل ما في حياتها من قساوة وقهر تحت وطأة الاحتلال، أجد نشوة "امراة الرسالة" ساخرة من كل ما يحيط بها، بعيدة كل البعد عن فخ الإحباط وبراثن الكأبة، ومصرة على البقاء مقمطة بتراب أرضها. إننا أمام امراة تصر على عدم الهرب من واقعها، عكس شخوص الرواية العربية الحديثة، حيث يشيع فيها هرب العربي من واقع حاضره وهو يبحث عن هوية وجوده، نتيجة الهزائم المتواصلة، والضغوط النفسية، والاجتماعية، والسياسية التي يتعرض لها. صمود "نشوة" وشعورها الدائم بانتمائها إلى بلدها، ثبتته في آخر كلمات سجلتها في رسالتها وهي تخبر حبيب عمرها المخرج المسرحي، بأن ابنا له يتكون على مهل في أحشائها، قالت له: "هيئ له سريراً من قطن البحر الذي أحبنا". بعد هذه العبارة المسكونة بوهج البقاء والصمود، وقعت الرسالة وأنهتها، وحفرت اسم عكا على غلافها واضحا "كموج قلب كأنه آخر ملجأ للذاكرة من السلب". بهذه الكلمات لامست الروائية رجاء بكريه شواهد دلالية بسقف إيقاعي عال، ارهصت بها حركة انبعاث أجيال فلسطينية آتية، ستمتد جذراً عميقا في الأرض.

raja2bakria - Copyرجاء بكرية ، كاتبة وفنانّة تشكيلية... مواليد الجليل ، فلسطين . حاصلة على اللقب الأول في موضوع اللغة العربية ، والفن التشكيلي حاصلة على اللقب الثاني في موضوع اللغة العربية وآدابها , قسم اللغة العربية , جامعة حيفا. وتحضّر للّقب الثالث في موضوع المسرح، جامعة تل- أبيب. تعيش في حيفا منذ ، 1989 .

صدر لها : مزامبر لأيلول ، ( مجموعة نثرية ) ،النّاصرة 1991 عواء ذاكرة ، ( رواية ) ،النّاصرة 1995 الصّندوقة ، ( مجموعة قصصيّة) . بيروت 2003

جو ا ئـز جائزة القصة القصيرة النسائية لنساء حوض المتوسط لعام 1997 ، عن قصّة "الصندوقة"، مارسيليا ، فرنسا . جائزة ، فنان ـ معلم ، قسم الفن التشكيلي العلوم والرياضة ، وزارة المعارف لسنة 1996 /7 ، و ، 1997 /8 جائزة ، فنان ـ معلّم ، فسم الفن التشكيلي العلوم والرياضة ، وزارة المعارف لسنة 01 / 02 ، 02 / 03

شاركت في العديد من المؤتمرات والمهرجانات العالمية والمحلية ، أهمّها: مؤتمر دولي عربي حول " الرواية الفلسطينية " . القدس الشرقية ، 1997 مؤتمر دولي شرق أوسطي حول " القصة القصيرة النسائية" . مارسيليا، فرنسا ، 1997 مؤتمر دولي حول " الحداثة وما بعد الحداثة في الرواية العربية " . جامعة فيلادلفيا ، عماّن ، 1999 مهرجان جول ـ وي ، مؤتمر عالمي ، ( منصة أدبية خاصة بالأدب الفلسطيني مقابل الأدب الأسرائيلي ). دبلن،00

معارض شخصية وجماعية محلية ، دولية ـ اوروبية ، وعالمية تجربة عملية

مراكز ثقافية ـ ورشات في الفن التشكيلي . 1994 /7 مشروع فنان ـ معلم للموهوبين . 1995 ـ 1998 تأهيل طلاب للأرشاد الفني . كلية الجليل ، المعهد العالي . 1998 ـ 2000 فن متعدد المجالات، أثراء لجيل الطفولة المبكّرة. 01 / 02 ، 02 /

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق