الاثنين، 2 فبراير 2009

الحكمة المصلوبة تأليف سعود السرحان (2) - تقديم الدكتور حسن حنفي

هذا الكتاب "الحكمة المصلوبة: مدخل إلى موقف ابن تيمية من الفلسفة" لسعود بن صالح السرحان، يمثل حدثاً ثقافياً هاماً بل ويعتبر من اهم الكتب الدسمة التي ظهرت في واقعنا الثقافي الحالي فهو كتاب جريء في عنوانه "الحكمة المصلوبة" منذ هجوم الغزالي على الفلسفة والفلاسفة في "تهافت الفلاسفة" واستئناف ذلك عند ابن تيمية وابن القيم مروراً بابن الصلاح، حتى أصبح موقفاً رسمياً للاتجاه السلفي. وسوف يقوم موقع مصرية نظرا لأهمية هذا الكتاب وقيمته بعرض اهم فقراته على حلقات متتالية بإذن الله.

الحلقة الأولى

[caption id="attachment_611" align="alignleft" width="150"] كتاب الحكمة المصلوبة تأليف سعود السرحان[/caption]

في دمشق: طلب الفتى النابه ابن تيمية العلم، وواظب على حضور مجالس الحديث والفقه والتفسير، ولم تذكر كتب التراجم أنه قرأ الفلسفة أو العلوم العقلية على أي شيخ، بل لا نجد في شيوخه، وهم كثير، من كان ذا معرفة بالفلسفة والعقليات. فكيف كان وضع الفلسفة في الشام ومصر والعراق في عصر ابن تيمية؟: لم تخرج الشام فيلسوفاً كبيراً، مع أنه دخلها جمع من الفلاسفة، لا سيما متفلسفة الصوفية، أما في عصر ابن تيمية ما بين عامي 651- 750 فلا نكاد نجد فيلسوفاً كبيراً سواءً في مصر أو الشام أو العراق إلا ما ندر بل إننا نعجب من قلة المشتغلين بالعقليات من فلسفة ومنطق وطبيعيات في ذلك العصر، وقد جردتُ جملة من الكتب التي أرَّختْ لتلك الفترة، وبحثت عن كل مَنْ قيل عنه أنه فيلسوف أو منطقي، فلم أجد إلا عدداً قليلاً سأذكرهم هنا. أما الفلاسفة المهمون الذين كانوا في عصر ابن تيمية؛ فهم: نصير الدين الطوسي: أبو عبد الله محمد بن محمد بن حسن الطوسي، الفيلسوف الكبير، والفلكي المشهور، كان إسماعيلياً وبنى مرصداً في قلعة ألموت، وبعد استيلاء هولاكو عليها صار من حاشيته، وانتقل إلى مذهب الإمامية، ولا أدري هل كان انتقاله تقية أم عن قناعة. وتوفي في ذي الحجة سنة 672، وقد نيَّف على الثمانين. وقد أقنع هولاكو سنة 657 فبنى له مرصداً في مدينة مراغة "ونقل إليه شيئاً كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد، وعمل دارَ حكمة ورتَّب فيها فلاسفة، ورتَّب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم، ودار طب فيها للطبيب في اليوم درهمان، ومدرسة لكل فقيه في اليوم درهم، ودار حديث لكل محدث نصف درهم في اليوم". وأكثر ابن تيمية من الرد عليه في كتبه، مثل "درء التعارض" و "الصفدية" و"منهاج السنة"، واطَّلع من كتبه على كتاب "شرح إشارات ابن سينا".وقد عاصر ابن تيمية جماعة من تلاميذ الطوسي، وجرى له جدال مع أحدهم وهو: الحسين بن يوسف بن المطهر الشيعي، المتكلم الإمامي، وكان له اشتغال بالعلوم العقلية، وكتب كتاباً لملك المغول يدعوه فيه إلى التشيّع سماه: "منهاج الكرامة في إثبات الإمامة"، وتوفي سنة 726. وقد ردَّ عليه ابن تيمية بكتابه المشهور "منهاج السنة النبوية"، وذكر الصفدي أن ابن تيمية كان يسمي ابن المطهر "ابن المنجس". ومن تلاميذ الطوسي غير ابن المطهر: الحسن بن شرفشاه الحسيني، من كبار تلاميذ الطوسي، وقد جعله الطوسي رئيس أصحابه بمراغة، إلا أنهم لم يحكوا عنه اشتغاله بالفلسفة بل بالفقه، توفي سنة 715. عبد الله بن محمد ابن الخوام العراقي الشافعي، كان ماهراً في الطب والحساب والمعقولات، إلا أن اشتغاله كان في الطب والحساب فقط. عبد الرزاق بن أحمد الشيباني، الحنبلي المؤرخ المتكلم، من تلاميذ الطوسي، وباشر كتب خزانة الرصد بمراغة، وتوفي 723. محمود بن مسعود، قطب الدين الشيرازي، كان فقيهاً شافعياً، من تلاميذ الطوسي، إلا أنه في المعتقد كان على دين العجائز، توفي سنة 710. فالطوسي هو الشخصية المهمة ذات التأثير الفلسفي، في ذلك الوقت، والملاحظ أن تلاميذه كانوا من شتى المذاهب والفرق الإسلامية. أما الشخصية الثانية، فكانت: ابن سبعين: قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم الإشبيلي، ولد سنة 613، وتوفي منتحراً في مكة سنة 668. وبالغ ابن تيمية في الرد عليه، لا سيما في كتابه الذي سمي "السبعينية" نسبة إلى ابن سبعين هذا، وهو مطبوع باسم "بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد"، وسأذكر بعض ما قاله ابن تيمية عنه فيما سيأتي من هذا البحث. ومن تلاميذه الذين أدركهم ابن تيمية: ابن هود: بدر الدين حسن بن علي المغربي الأندلسي، ثم الدمشقي، اشتغل بالطب والحكمة، و"عنده من علوم الأوائل فنون" وكان يشرح لليهود في دمشق كتاب "دلالة الحائرين" لموسى بن ميمون اليهودي، مات سنة 699. وقد رآه ابن تيمية، وردَّ عليه في بعض كتبه، كما سيأتي. السيوفي: محمد بن عبد الرحمن، صاحب ابن سبعين، مات سنة 734. أما الشخصية الثالثة؛ فكانت: 3- العفيف التلمساني: عفيف الدين سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، ذكروا أن ابن سبعين كان جده من جهة الأم، توفي في رجب سنة 690، وله ثمانون سنة. وقد أكثر ابن تيمية من الرد عليه، وسماه في بعض كتبه "الفاجر" كما سيأتي في هذا البحث. أما الشخصية الرابعة؛ فكانت: 4- الصدر القونوي: محمد بن إسحاق بن محمد القونوي الرومي، ثم الدمشقي، من تلاميذ ابن عربي، وقد تزوج ابن عربي أمه ورباه، توفي سنة 673. وقد كفره ابن تيمية، وأكثر من الرد عليه؛ كما سيأتي. والشخصية الخامسة: 5- مولانا جلال الدين الرومي: محمد بن محمد بن الحسين القونوي الرومي، المعروف بجلال الدين، صاحب (المثنوي)، وصاحب الطريقة المولوية، من القائلين بوحدة الوجود، توفي سنة 672. ولم أجد أي كلام لابن تيمية عليه، ولا على كتابه "المثنوي"، ولا على طريقته الصوفية، أو على طريقته المشهورة في السماع والرقص. هذه أهم الشخصيات الفلسفية التي كانت في عصر ابن تيمية، وإذا استقرأنا كتب التراجم لذلك العصر؛ فإننا نجد جماعة "قليلة" اشتغلوا بالفلسفة، أو بالمنطق، ونستطيع أن نقسمهم إلى مجموعات: فمنهم: من يشتغل بالفلسفة وهم شيعة في المذهب: العز الضرير، حسن بن محمد بن أحمد الإربلي، كان شيعياً بصيراً بالعربية، رأساً في العقليات، مات سنة 660. نجم الدين أحمد بن محسِّن بن ملي الشافعي، كان فاضلاً في الأصول والطب والفلسفة، متهماً بالتشيع والطعن في الصحابة، مات سنة 699. عبد القادر بن مهذب الأدفوي، فيلسوف يعتقد نبوة محمد، ومقبل على قراءة كتاب "الدعائم" للقاضي النعمان، توفي سنة 752. محمد بن أسعد التستري، شيعي كان فقيهاً فائقاً في المنطق والحكمة، مات سنة بضع وثلاثين وسبعمائة. ومنهم: من كان من علماء الكلام، وله عناية بالمنطق، ولبعضهم معرفة بالفلسفة، لكنهم متكلمون وليسوا فلاسفة: شمس الدين الخسرو شاهي، أبو محمد عبد الحميد بن عيسى التبريزي الشافعي، متكلم، من تلاميذ الرازي، تقدم في علم الأصول، وتفنن في علوم متعددة منها الفلسفة، ومن مؤلفاته: "مختصر الشفاء" لابن سينا، مات سنة 652. شمس الدين الأصفهاني، أبو عبد الله محمد بن محمود العجلي الشافعي، له " الفوائد في العلوم الأربعة" الأصلين والخلاف والمنطق، و "غاية المطلب" في المنطق، مات سنة 688. وكان يدرس "الشفاء" لابن سينا. وله عقيدة مختصرة شرحها ابن تيمية، وانتقد مواضع كثيرة منها، وشرحه مطبوع باسم: "شرح العقيدة الأصفهانية". علاء الدين الباجي، أبو الحسن علي بن محمد بن خطاب المصري الشافعي، المتكلم الأشعري، كان إماماً في المنطق، مات سنة 714. إبراهيم بن سليمان المنطقي، كان إماماً في المنطق، مات سنة 732. ومنهم: من لا ينتسب إلى إحدى الطائفتين السابقتين، وهم قليل، مثل: ابن النفيس، علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي الشافعي، الطبيب المشهور، وله تصانيف في المنطق، توفي سنة 678. حسن بن محمد بن محمد، له اشتغال بكلام الفارابي وابن سينا، توفي سنة 732. عثمان بن علي الطائي، ابن خطيب جبرين، كان يدرس في كل فن حتى الطب والحكمة، مات سنة 738. ابن الأكفاني، محمد بن إبراهيم بن ساعد السنجاري الأصل ثم المصري، أتقن الحكمة والرياضة والطب والروحانيات، توفي سنة 749. أحمد بن عبد الله الأزدي، من متفلسفة الصوفية، مات سنة 730 تقريباً. ويمكن تتبع بعض الإشارات إلى وجود جماعة من الدارسين للفلسفة، والمعظمين للفلاسفة، فابن تيمية في مقدمة كتابه "الرد على المنطقيين" يقول: "لما كنت بالإسكندرية [سنة 709 محبوساً في القلعة] اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد، فذكرت له بعض ما يستحقونه من التجهيل والتضليل". ويقول الأدفوي المتوفى سنة 748، في أبيات يشرح فيها الحالة العلمية في مصر، في عصره:

إنَّ الدروسَ بمصرِنا في عصرنا طُبِعَتْ على لَغَطٍ وفرط عياطِ ومباحثٍ لا تنتهي لنهايةٍ جدلاً، ونقلٍ ظاهرِ الأغلاطِ ومدرسٍ يبدي مباحثَ كلَّها نشأت عن التخليطِ والأخلاطِ ومحدثٍ قد صار غايةُ علمهِ أجزاءَ يرويها عن الدمياطي وفلانةً تروي حديثاً عالياً وفلانَ يروي ذاكَ عن أسباطِ والفرقَ بين عزيزهم وغريبهم وأفصحْ عن الخياطِ والحناطِ والفاضلُ النحرير فيهم دأبه قول أرسطاليس أو بقراطِ وعلومُ دينِ الله نادت جهرةً هذا أوانٌ فيه طيُّ بساطي ولَّى زماني وانقضت أوقاتهُ وذهابه من جملة الأشراط

وبعد هذا العرض لمجموعة من المشتغلين بالفلسفة والمنطق في ذلك العصر؛ يمكن أنْ نخرج ببعض الملحوظات: الملحوظة الأولى: قلة المشتغلين بالفلسفة في ذلك الزمن مقارنة بما سبقه من عصور، ولعل مرجع ذلك هو الموقف السني المتشدد الرافض للفلسفة، لا سيما بعد ارتباطها بالمذاهب الشيعية الباطنية. الملحوظة الثانية: أن غالب المشتغلين بالفلسفة في ذلك العصر هم إما من الشيعة، أو من المتكلمين الذين لهم عناية بالمنطق، وببعض المباحث الفلسفية، أو من متفلسفة الصوفية الذين يقرب مذهبهم من مذاهب الباطنية. فالفلسفة ارتبطت بالمذاهب الباطنية الشيعية حتى أن الإسماعيلية كان يطلق عليهم لقب "الفلاسفة" أو الملاحدة. أما المتكلمون: فإن الفلسفة دخلت إلى الأشاعرة منهم عن طريق بوابتي "المنطق" و"الإلهيات"، فالغزالي هو من أول من أدخل المنطق إلى علم الكلام، وإلى أصول الفقه، أما فخر الدين الرازي فهو من أوائل المتكلمين الذين اعتنوا بكتب الفلاسفة، وشرحوها، لا سيما "الشفاء" و"النجاة"و"الإشارات والتنبيهات" لابن سينا، لذا فالملاحظ على المعتنين بالفلسفة من المتكلمين في ذلك العصر هو اقتصارهم على "المنطق" وعلى كتب ابن سينا فقط. فالرازي شرح كتب الفلاسفة واختصرها (ابن سينا على وجه الخصوص) وكتب في مباحثها لكن منطلقه كان كلامياً ولم يكن فلسفياً، وفي المقابل كان نصير الدين الطوسي (الذي يعد في طبقة تلاميذ الرازي أو تلاميذ تلاميذه) الذي شرح كتب المتكلمين واختصرها لكن من منطلق فلسفي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. حسن حنفي : assarhan@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق