يمكننا أن نري التجربة الأنصارية للشاعر عبد المنعم الأنصاري كما قلت من خلال مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولي ما قبل 1975 ويمثلها ديوان أغنيات الساقية، المرحلة الثانية ما بعد 1975 وتمثلها دواوينه بعد ذلك.وليس لمنصف أن ينكر انصهار تجربة الأنصاري بمأساة ولده طلال غير أنني أري أن ديوان أغنيات الساقية كان يحمل ارهاصات قوية لمشروع الأنصاري الشعري والذي تأكد بعد ذلك واصطبغ بماساة طلال فأخذ بـُعداً أكثر من مشروع شعري إلي مرآة حياة وعقيدة.
محاولة لتسلق ابداع الشاعرعبد المنعم الأنصاري أولا: مساحة حب كنت قد تخطيت عشرينيتي بقليل حين قرأت للأنصاري: من أي عاصفة هوجـــــاء أقبلتِ وما وراءك من ســـرٍ؟ ومن أنتِ بيني وبينك آمـــــاد.. وأزمنـــــة نما عليـــها قتاد الخوف والمقـتِ الطير ملوِّيةُ الأعنــــــــاق ذاهلة الصمت ران عليها منذ أن رحتِ والنار صارت رماداً في مواقدنا واصفر ماكان مخضراً من النبت فإننــي لم أهيئ –بـعد- مائدتـــي ولم أجمل بأزهــــار المني بيتـــي هلاَّ تريثتِ حتــي أستـــعد كمــا يليق بالوصــل يومــاً.. هل تريثتِ فعرفت أن هناك امرأة أخري غير تلك التي عرفني عليها نزار قباني، والذي كنت متأثراً به شأني في ذلك شأن معظم أبناء جيلي إن لم يكن كلهم، عرفت تلك المرأة التي تتجاوز أنوثتَها، والتي تتجاوزُ أنوثتُها ذكوريتنا إلي ما هو أقدس وأسمي، فعرفت المرأة القضية والثورة والحلم، وعرفت المرأة الوطن والقصيدة والكلمة..عرفت المرأة الأرق كان ذلك في منتصف الثمانينات، حيث الأنصاري قطب شعري تتحلَّق حوله الاتجاهات الشعرية بكل اختلافاتها وتباينها تحلُّق المريدين، ومن هذه الاتجاهات من يختلف مع الأنصاري فنياً أو فكرياً، غير أنهم لم يختلفوا عليه شاعراً ذا خصوصية وتفرد، تشرئب الأعناق بكل انبهار واعجاب إلي قصيدته الشامخة في تحدٍ مهيب لكل الإدعاءات التي تحاول أن تنال من كبرياء القصيدة البيتية، فكانت القصيدة الأنصارية شاهد حق علي كذب هذه الادعاءات والافتراءات، إذ طرحت نفسها أنموذجاً واعياً للمعاصرة والحداثة، وهي في بُعديها الفني والأيدولوجي حاملة للوجع الوجودي والأرق الانساني بمعناهما الشامل، حيث يطمح هذا الوجع للإنفلات من كل العلائق الكائنة بالراهن إلي المأمول في أفقٍ أكثر رحابة وحرية، وهو في سعيه لذلك يتعثر في كم من الإحباطات التي تلونه بهذا العبق الأنصاري. فقصيدة الأنصاري هي هذا السعي في المسافة بين ما هو كائن ومحبط وبين ما يجب أن يكون، وهي قصيدة متمردة علي هذا الإحباط، فهي تتمرد علي المرأة الواقع طامحة إلي المرأة الأميرة ثم هي بعد ذلك تطمح إلي مصر الأميرة والكلمة الأميرة لتطمع في الحرية أميرة الأميرات. نزف الأنصاري شعرَه من نخاع عمره المنهك، فهو في صدامٍ دائم لأنه في طموح ٍ دائم..* قد يكون من المفيد والمهم أن أذكر أهم التواريخ التي تلكَّأتْ عندها مسيرة الأنصاري ما بين مولده في مايو 1929 ورحيله في فبراير 1990
- 25 من ديسمبر 1950 – مذيل بهذا التاريخ قصيدة الراعي، لتكون بذلك أول قصيدة موثَّقة للشاعر، وإذا عرفنا أن هناك الكثير من القصائد التي كتبها الشاعر في بداياته غير مؤرخة، فإننا نستريح إلي احتمال أن قصيدة الراعي ليست بالضرورة أن تكون أول قصيدة تستوي للشاعر فقد تكون سبقتها قصائد أخري، ولكنها أول قصيدة مؤرخة حسب علمنا.
- مارس 1990م وهو الموافق 1410 هـ كما هو مؤرخ به العدد 543 من مجلة الشرق السعودية التي نشرت قصيدة مقاطع من ملحمة الحزن والتي أعتقد أنها آخر قصيدة نشرت للشاعر ولم يمهله القدر لقراءتها حيث أنه توفيَّ في فبراير أي قبل صدور العدد بشهر تقريباً وما بين قصيدتي الراعي 1950 ومقاطع من ملحمة الحزن 1990 رحلة من الابداع والألق والدهشة.. .. والأرق كان نتاجُها. - 1969 ديوان أغنيات الساقية - 1989 ديوان علي باب الأميرة - 1986 ديوان قرابين وصدرت الأعمال الكاملة وتصم ديوانه الرابع "مواجهة" عام2006 جمع وتحقيق كاتب السطور. - 1975 صدور حكم الاعدام علي ابنه طلال في أحداث الفنية العسكرية الشهيرة ومن المؤكد أن هناك تواريخ أخري لها أهميتها في حياة الشاعر علي المستوي الاجتماعي ولكني معنيّ هنا بالتواريخ التي خمشت تجربته الابداعية، وأشير هنا إلي ملاحظة أراها مهمة وضرورية، وهي أن "تاريخ القصائد مما يستفز الجدل والحيرة عند الأنصاري" فنجد أن ديوان أغنيات الساقية تخلو كل قصائده من التاريخ، حتي أن الديوان نفسه يتعرَّي من تاريخ صدوره، ولولا حديث أجراه مأمون غريب مع الأنصاري علي صفحات مجلة آخر ساعة ما عرفنا أن ديوان الأنصاري صدر عام 1969 كما ذكر الأنصاري في الحوار، كما أنني قد لاحظت أن عدداً ليس بالقليل من القصائد قد تذيَّل بأكثر من تاريخ مما كاد أن يشكل ظاهرة عند الأنصاري، وقد عُرف عنه –رحمه الله- كثرة تجويده لقصائده، وقد كان مخلصاً في ذلك إلي درجة العذاب، والعذاب هو المصطلح الذي كان يوجهني به الأنصاري شعرياً حين أعرض عليه قصائدي، فكان يقول "هذه القصيدة تحتاج إلي مزيد من العذاب"، وهو يعني مزيداً من التجويد.. وكان يقول"أنا أكتب القصيدة أكثر من خمس وثلاثين مرة" وأنا لا أدري ما سر هذا الرقم الـ (35) ولم أسأله؟، وربما كان ذلك هو السبب في أننا نجد بعض القصائد تتكرر في دواوينه وتتعدد تواريخها، ففي كل مرة يراود الأنصاري قصيدته القديمة يمنحها ميلاداً جديداً. وأعتقد أن 1975 هو التاريخ الفاصل في حياة الأنصاري علي المستويين الانساني والابداعي، فإذا كانت قصائد ما قبل 1975 اصطبغت –إلي جانب ما يمكن أن تتلون به من جموح الشاعر الشاب وثورة مشاعره –بإفرازات هذه المرحلة التاريخية سياسياً واجتماعياً. هذا زمان قبيح الوجيه كذاب أنا وأنت به والحق أغراب إلي أن يقول: عمري فداءٌ لفجرٍ فـــات موعــده ولم أكن فيه حتي الآن أرتــــابُ لكنني ونيوب الجـــوع تنهشنـــي وفي شفاهي يطوي اللحنَ إرهابُ والليل يحشر غيم الزيف في أفقي والأرض يذوي بها نبت وأعشابُ قد لا يضيرك مني أن سألت متـي ياصاحبي غيم هذا الزيف ينجاب (قصيدة أصداء 1969) إن قصائد ما بعد 1975 امتزجت بنزيف الشاعرالأب وحنكة الفارس، فلم يكن يوم 30/5/1975 يوماً يمكن تجاوزه عند الأنصاري مثلما تم تجاوزه عند الملايين، فقد اختزل كل عمر الأنصاري في غصة ذلك اليوم، حيث قررت المحكمة تحويل أوراق كل من د/ صالح عبد الله سرية وطلاال الأنصاري وكارم الأناضولي إلي المفتي في أحداث قضية الفنية العسكرية التي وقعت أحداثها عام 1974. وقد خفـَّف الرئيس السادات الحكم علي طلال من الإعدام الي الأشغال الشاقة المؤبدة، وتعددت الروايات حول كيفية وأسباب تخفيف الحكم وسعي الأنصاري في ذلك لا يتسع المقام هنا ولا يناسب ذكرها، كما لا يحضرنا هنا طلال المتهم الثاني في قضية الفنية العسكرية ولكن يحضرنا طلال الابن الذي حكم عليه بالإعدام فاختزلت حياة أبيه في شهقة الألم لهذا اليوم، وتنزلت جلّ قصائد الشاعر بهذا الحزن النبيل. من القتيل؟ ومن منـكم هو الجــاني لكنــهم وُلــدو مــن غيـــر آذانِ تشـابه القول؟ أم طـافت علي شفتي مقاطع من غريب اللفظ سريـاني ما آمنــوا بك مثلي دون برهــــــان ولم يزعزع مصابي فيك ايـماني الحزن فوقي ومن تحتي وفي رئتي ومن جميع دروب الأرض يلقاني ما عدت أدري أأمشي فوق عاصفةٍ أم أنني كنت أمشي فوق بركـــان ِ فلا تدعنــي هنــــا نهبـــاً لأحزانـي مالي سواك حبيب بــات يرعـاني مــاذا أعــد لمــولاي الأميــر ومـن أدعوه للعرس من أهلي وخلانـي ومــن سيختــار للمحبــــوب حلَّتــه ولونهــا أبيــض أم أحـمر قـــانـي ومــن سيـصحبنـي حتــي أودعــــه في آخر الحفل عند الشاطئ الثاني (مقاطع من قصيدة لم تتم 1975) وفي عام 1987 يقول في حكاية المغني فيه طيش؟ بلي وفيه خشونه و أوارٌ مدمدمُ تكرهـــــــــو نـه فأدينـــــــوه يا مولاي أدينــــوا كيف شئتم فإنني لن أدينــــــــــه فهو يدري أو ربما ليس يدري أن باب الحياة أغلق دونـــــــــه في بلاد يحيـــا بها ألفُ وغـــدٍ بلغ الشأوَ يوم باع يقينـــــــــــه والمماليــــك ليس يخفي عليهم أن للجوع عضّــة ملعونــــــة وقيوداً تلتف مثل الافـــــــاعي والمغني هيهات يحني جبينـــــه عندما لا يكون إلا التــــــحدي فعلي الحرف أن يصون عرينه يارفيقي في محنتي كيف أنسي أن بعضي عند الموالي رهينه وظنوني تحت الرقابة تجـري ودموعي وذكرياتي الحزينـــه فالمماليك يكرهون الأغــــاني المملاليك يؤثرون السكينـــــة وأن القصائد التي انفلتت من هذا الحزن هي رقصة الطير الذبيح، , وأري أن (طلال) الابن السجين تحول في هذه القصائد إلي رمز لكل القيم النبيلة والسجينة بسلطة القهر وهو ما كان من شأنه أن يعلي من قيمة الحرية في شعر الأنصاري، وقد استطاع الاب الشاعر أو الشاعر الأب أن يتجاوز بقصائده حدود ذاته و(طلاليته) وهو ما سوف تحاول أن تقترب منه في هذه القراءة بالإتكاء علي بعض المحاور التالية وتحت عنوان ثانياً: قـُزح الأنا وأرق المخلّـص الأنا .. والمرأة الأنثي أعتقد أن أول من روَّي نبتة الإبداع في حياة أي مُفنٍ هي المرأةُ، فمنها.. ولها.. وعنها كانت القصيدة الأولي واللحن الأول واللوحة الأولي، وبها توسل الشاعر القديم، وهو يفخر ويرثي ويهجو ليُكسب شعره طلاوة ولينا، ولكي نمنحه حق اقتحام مشاعرنا واستلابها، وفيها اختزلت كل تفاصيل الطبيعة وتناقضاتها. وقد أبدع الله في خلقها وجعلها خير متاع الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وهي أول من يستقبل المتقين علي باب الجنة، وأحبُّ من تؤنسهم علي أرائكها ولم يكن الأنصاري بدعاً وهو يناوش المرأة بشعره وأرقه، والذين يعرفون الأنصاري يعرفون عنه اعتداده بذاته والذي كان أكثر ما يتوهج وهو يقول الشعر، ذلك الاعتداد الذي لم يتخل عنه أمام أنثاه: إني ولدتك من ضلعي وما برحت يداي تسقيك من صحوي واعصاري هكذا يستفزها في القصيدة الأولي من الديوان الأول بعنوان "حواء" ونراه يتلون حيناً بالنرجسية. ياحلوتي أني شاعر لن تندمي إن تعرفينـــــــــه يشدو بحسنك كالطيور علي الذري إن تصحبينه سيظل يشكو للنجوم يهيم في ليلات تيـــــــــــــه ويظل يشدو.. يطرب الدنيا ويطرب محرقيــــه فلئن يفر إلي السماء فتونه .. لن تدركيه.. (الثوب القصير صـ 67) اتركيني للتي تفهمني عندما تبدو الرؤي فوق جبينــــــــي عندما تصرع أنغامي دجي عندما يشرق فجرٌ في عيوني عندما يرتعد النهرأســـــي تحت أعماقي ويجتاح سكونـي وإذا ما حامت الطير علي شرفتي لم تغلق الأبواب دوني اسكبي الدمع ما شئتُ فلن تصعدي حيث أنا أو تنزلينــــي (نهاية صـ 74) وكذلك أبعدما كان من وصـــال ظننت أن العناد يجـــــدي عودي. أنا فارس الليالي وليَ نورس الظلام وحدي ولا تماري فأنت ظمـْـأ ى وإن شربت الغمام بعــــدي وأحيانا بالغرور أنا لن أعود إليكِ.. لا تتصوري.. لا تحلمي خليك أغنية بلا وتر .. ولا مترنم ما عدتِ قادرة بأن تهبي ولا أن تحرمي.. (قصيدة كبرياء صـ 113) وأيضاً لا ترجعي للعبة الخطره وإذا رجعت فلست منتصره إلي أن يقول: فإذا رجعت إليَّ باكيـــــــة ووقفت عند الباب معتذرة هيهات أفتح باب صومعتي ولئن وقفت العمر منتظرة (اللعبة الخطرة صـ234) إنها الأنا الذكورية التي تستفحل أمام الأنثي نرجسيةً وكبرياءً وغروراً كما رأيناها واضحة وجلية، وقد تشاغبنا هذه الأنا مستترة خلف (الأنتَ) قالت بصوت فيه سحر الغنـــــاء ياشاعري الأسمر ما زلت تسقي مخدعي في المساء بشدوك الأخضر حتي إذا كدت ألبي النـــــــــــــداء يوما وأن أظــهر أشحت عن وجهي في كبريــــــاء أنت إذن تحــــذر أن تلمس الجوهر ياضيعة الجوهر أو رقصاتك يا أنت مسرة يا أنت ببشرتك السمرة بقايا كلمات صــ99 ويقول أنا لست أدري أيَّ سر فيك يلقي بي لديك وانا ابنة العشرين بتُّ فراشة حامت عليك أو هرة بيضاء تمسح شعرها في عارضيك عشرون وخمسون صـ 116 وتلح هنا ملاحظة، وهي أن القصائد التي تتحدث فيها المراة عن نفسها، وتستتر فيها الأنا بكبريائها خلف الـ أنت، تحتل مساحة ليست بالقليلة في الديوان الأول، في حين أنها لا تتجاوز القصيدتين في (علي باب الأميرة) وقصيدة واحدة في (قرابين) وهو أمر له دلالته في تطور تجربة الأنصاري وأرقه الشعري، وهو ما سوف نحبو إليه متكئين علي: 2- الأنا .. والمرأة الأرق يمكننا أن نري التجربة الأنصارية كما قلت من خلال مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولي ما قبل 1975 ويمثلها ديوان أغنيات الساقية، المرحلة الثانية ما بعد 1975 وتمثلها دواوينه بعد ذلك.وليس لمنصف أن ينكر انصهار تجربة الأنصاري بمأساة ولده طلال غير أنني أري أن ديوان أغنيات الساقية كان يحمل ارهاصات قوية لمشروع الأنصاري الشعري والذي تأكد بعد ذلك واصطبغ بماساة طلال فأخذ بـُعداً أكثر من مشروع شعري إلي مرآة حياة وعقيدة، ويتجلي ذلك في القصائد التي تجاوزت فيها المرأة أنوثتها وحطَّت علي أعتاب الأرق، وهي قصائد مفتوحة الدلالات علي أفق رحيب من التأويلات، وهي تمنح معطياتها لكل من أراد أن يفشي من بحارها درَّا.. ولنر أينا يراها القصيدة الثورة وأينا يراها الحرية أو الوطن. وأثق أننا لن نختلف ، فكل منا سوف يحضن أميرة لا تمنح نفسها إلا بحقها وحق الشعر الراقي وحق الدهشة التي يطلقها الأنصاري في نفوسنا كأنها النـــــار في جنبــــيَّ تضطرمُ جوعي تسائلني ماذا ستلتــهمُ أطعمتها ذلتي الأولي وفـــاض علي جحيمها أرقي المحموم والندم أطعمتها.. أطعمتها رعبي في هدأت وإنما جُـنَّ في أحشـــائها النهم النار والكلمات صـ60 في الشمس كنت تحذرين الكلام أمــا وأنت الآن قيــد الظــــــــلام علي فراش الإثــم عريــــــانـــةً تحلو لك الشكوي ويحلو الخصام أكــره أن تبـــكي وأن تسكبــــي دمعك هذا في ليـــالي الغــــــرام سيـــدك اشتـــراك ثــــم انثنــــي يأتيك بالعطر وريش النعـــــــام وكنتي في هواه مخدوعـــــــــــة مثـــلي.. ولكنــــا خشينا المـلام خمس أغنيات صـ 96 ويقول في الحزن والصمت: لا تسأليني الآن عن قصتي وأشرقي كالنجم في وحشتـــي وثــرثــري أنت ففي داخلي قد يستبد الوحش إن تصمــتي وقــد أحـس أننـــي لــم أزل أعيش في أسري وفي غربتي إلي أن يقول فالصمــت أجدي للـــذي زيــفتْ أمجاد َه أنامل الذلــــــــــــة همتُ علي وجهي شربت اللظي أكلتُ عيني فـــارس ميت تركتُ روحي في فراش الخنـــا مكــرهة تبكي بلا نجـــدة ضــاجعتُ رعبي ثم أجهضـــته أقعيتُ في الشقوق كالحية الحزن والصمت صـ 114 لا أستطيع إلا أن أكون منحازاً إلي هذا الإبداع وإلي هذا الشاعر الذي ينكأ أوجاعنا بهذه الروعة أوغلتُ في تيهي وأوغلـتِ وأنــا وراءك حيثــــــما كنتِ أمشي بأوزاري علي كتفي فمتي تميد الأرض من تحتي تحولات صـ 140 ومن نبوءته هو الموت يحدو بي فمن أين أبـدأ تصيبين.. لكني أصيب وأخطئ وأشعل نيراني لمن ليس يصطلـي وأكتب أشعاري لمن ليس يقـرأ وقد تنكرين الحبَّ لو أهدروا دمي فمن ذا يزيح العار عني ويــدرأ ويابؤس أرضٍ لم أكن مثل أهلهــا فمن مات حياً ليس بالقتل يعبـــأ نبوءة صـ 141 ويقول في القرابين حين ارتحلتِ وأغوتني شياطيني وكاد جوعي إلي نعماك يرديني أكلت من خبز أعدائي فأورثنــي جبنَ العبيد وإقدام المجــــانيـــن ورحت أختال في قيدي ويلعنني والعار ينشرني جهراً ويطويني حتي هتفت وأوزاري علي كتفي من أي منعطفٍ يــا موت تأتيني تشابه الدرب في عينيَّ د لِّينى فومضة من جبين الطهر تكفيني حتي أميز ما بين الصقور وبين البغاث وبين الضعف والليــــــن وأستشف الذي وارته أقنعـــــــة وما وراء احتراق النور في الطين وأستعيدك من قاع المنون فـــإن لم تستجيبي لصوتي.. لا تلوميني القرابين صـ 224 لم أنس أن الحديث عن الأنا والمرأة الأرق، ولكني أردت أن تُقدم هذه الأنا نفسَها ونحن نستفز المرأةَ َ الأرق، أردت أن تبرئ هذه الأنا نفسَها من النرجسية التي واجهتنا قبلاً مع المرأة الأنثي، فهنا أنا مغايرة، ونحن نراها معافرة ترزح بالهم الإنساني تحت وطأة اللاحرية بكل أوجهها من ظلم وهزيمة وقهر وانكسار، لتعلي من شأن الحرية الوطن والحرية القصيدة والحرية الحلم. فهي وإن كانت تستعلي علي المرأة الأنثي نجدها تشرئب إلي المرأة الأرق. -أطعمتها ذلتي الأولي وفاض علي جحيمها أرقي المحموم والندم - أطعمت.. أطعمتها رعبي فما هدأت - الصمت أجدي للذي زيفت أمجاده أناملُ الذلةِ - أمشي بأوزاري علي كتفي - فمن ذا يزيح العار عني ويدرأ - أكلت من خبز أعدائي فأورثني جبن العبيد واقدام المجانين وكثير ما نري هذه الأنا المعافرة تستشعر إدانتها في وجه الخوف والقهر، تنتفض تفح ثورتها وغضبها لا تقولي إنما صمتك جبن فصدي لحن بأعماقي يــرن كنت أخفيه إلي موعــــده وإليه الموعد الدامي يحـــن ها أنا أوشك أن أمضي به أكشف المسخ وما بات يكن اللحن صـ 132 إنها تستعلن نفسها وتمردها وهي تستشف الغيب بفجر يطوي الظلام، تستشرف علي أعتابه الفارس.. لتصل إلي: 3- الأنا والمخلِّص أعتقد أن المخلِّص يمثل أهم المحاور التي يقوم عليها مشروع الأنصاري الشعري، أو بالأحري ما خلص إليه مشروعه الشعري، والذي ابتدأه بأغنيات الساقية الذي كان بمثابة "المانيفستو" لهذا المشروع فمعظم المحاور التي نزعت اليها تجربة الأنصاري هي امتداد متعمِّق لارهاصات استوت علي سوقها بأغنيات الساقية. وقد كان المخلـِّص بأقانيمه الثلاث الخير والحق والعدل أهم هذه الملامح - ليلتها نهب من نومنـــــــا نراه آتياً في ظلال الغمـام وثوبه تحت الدجي أبيض ووجهه كالبدر عند التمام ودرعه المنيع إيمانـــــــه وسيفه البتار روح السلام خمس أغنيات صـ 97 - لنري موكبك الآتي ضحي وفؤاد الرب من فوقك يحنــو ولك النـــــــور الذي نعشقه حرية والريح من تحتك وتن اللحن صـ 132 يارب كن سيفه واشدد عزيمته فإن تكن سيفه يكتب له الغلبُ ألا يتماهي الغمام، والنور مع الخير، والسيف والحرية مع الحق والإيمان والرب مع العدل؟! وألا تشكل هذه الاقانيم أسس المجتمع السليم والحياة الكريمة؟! وألا يقوِّض غياب إحداها سلامة المجتمع وكرامة الحياة؟! ألا يستفز غيابها الحريَّة ويستفز المخلص من خلف الغيب؟! وألا تستحق كل قيمة منها أن تستنفذ لأجلها حياة؟! لقد لعب التماهي دوره الهام في تأطير هذا الملمح، ولأن هذا الملمح يعالج بشكلٍ ما همَّاً جمعياً أكبر وأوسع وأشمل من أن تتحمله ذاتيةُ "أنا" أو شخصيتُها فإننا نري هذه الأنا في أحيان كثيرة تتماهي مع الـ "نحن" - يقال مكتوب علينا القيام - - أيها القادم ها نحن علي هضبات الرعب في أفقك نرنوا - - نحن انتظرناك جوعي زادنا خجل اليأس والمخاض صـ 309 ويتابع التماهي دوره، فهو النشيد: هذا النشيـــــد الذي للفجر أهديـه من لي بطير ربيعيِّ يغنيــــه فالفجر يسأل عنه وهو من زمنٍ ببابه ويد الإرهاب تقصيه ... من شرفة الأمس تدنو لي معانيه تغريه بي وأنا بالفجر أغريـــــه والطير يزورُّ ياسكين قاتــــــــله تحطمي فزعاً إني ساحميـــــــه ياقاتلي النور ما تخفيه ظلمتـــكم أنا نشيدي سنى يأتي يعريــــــه يجوز أن تأخذوا عيني وأرجعها منكم وأن تجرحوا قلبي وأشفيه لكن قتل نشيدي ليس يغفـــــــره قلبي وفي أبحر النسيان يلقيه نشيد للطيور صـ 107 وهو الفارس: حورية يتغزل الشعراء فيها ويخطب ودَّها الأمراء لكنها ألقت إليه وشاحها من دونهم فتهامس الفقـراء ومن السعيد؟! فقيل فارس من بينكم لم تطغه نعمــاء قالوا: تكون دروعه وسيوفه مِنَّا، ومنه لها هوي وفـداء ثرثرة الأشلاء صـ 148 وهو الزعيم: حتي أتي المنقذ الموعود واحتدمت من حوله النار والأحقــــــاد والريبُ وهب في ثورة شمَّاء –فارتــــعدت فرائص الكون واستشري به الرهب عودة الروح صـ 76 وهو البطل: ايها الفرْح الذي فاجــــــــأني من بعد أن أقعدني الحزن عليلا حيث لم أفرش له الحزن ولم أكس بالثوب الربيعيِّ النخيـــلا يارماد امرأةٍ عاشقـــــــــــــةٍ لهواها لم ير الكون مثيـــــــــلا انظري فارسك القــــــادم في هالة النور الالهيِّ جميـــــــــلا وافتحي أحضانك الخضر لـه من سواه الآن تبغين خليــــــلا أغنية إلي بطل صـ 129 وهو طلال لو أنبأوه بأنَّ دمعك لا يجف ُّ عن الوســــــاده وبأنَّ وجهك ضارع القسمات لا ينسى سهاده وبأنَّ قلبك رغم طول العهد لم يسـأم حــــداده لو أنبأوه .. فربَّما بلـَّغـتِ قاتـلــه مـــــــــراده تبكين من جزع ٍ عليه ولم يزل صُلب الإراده هو لم يطأطىء رأســــه ذلَّـاً ولم يسلس قياده لو نال منه السوط من جسد ٍ تمزَّق ما أراده هيهات يسحق روحه الطغيان أو يطوى عناده * * * الصبر أجدى .. والصلاة لأجله تُورى زناده فيظل يرعى نبــــتةً بيضـــاء سكنتْ فــؤاده لتصيـــر سنبلة لمن قد جاوزوا عام الرماده ومشارف العهد الذى لا حمل فيه .. ولا ولاده صـ 170 وإذا تعددت الأقنعة التي تماهي بها ومعها المخلِّص عند الأنصاري كما رأينا فإنه يمكننا القول أن المخلـِّص قبل 1975 وأخص بها مرحلة أغنيات الساقية التي تتوقف عند العام 1967 وملابسات هذه الحقبة التي فرض صدقُ التجربة الشعرية أن يرتدي المخلـِّص في أحيان كثيرة قناع عبد الناصر، أما المخلص بعد عام 1975 فقد انصهر بمأساة طلال فتماهي معه إلي حد التوحّد به - قالت الدهماء للمعتزلـــــه في سراديب الظنون المهمله من مثير الرعب في قريتنا بنبوءات الخلاص المُعْجلـــه أتراه عاشــــق أسلمـــــــه عطرُ ما يعشقه للقتـــــــــــله وأتى يختال في مشيتــــــه رائعَ الهامة نحو المقصـــله يرسم الكبرُ علي جبهتــــه بدم النور حروفَ البسمــله قراءة في سورة البروج صـ 160 - جاء تحدوه خطى من سبقه راكبا متنَ رياح نزقـــــه كان لا يحمل في جعبتـــــه من كتاب الحب إلا ورقـه وبذوراً قد أتي يزرعهـــــا في رماد الأنجم المحترقة فإذا جانبها الغـــــــيث ولم ينزل الطلُ سقاها عرقـه القادم صـ 230 تـود بك الأيــــــــــــــــام لو تتبرَّجُ وتندي بعينيك الليالي وتأرجُ ويبحث عنك المستبدون في دمي وفي نظراتي عندمـا تتوهج وأنت بحصن دونه كل ليلـــــــــةٍ تهاوي قتيل بالدماء مضرّج الرهينة 233 ويقول في حكاية المغني: فيه طيش؟ بلي وفيه خشونه و أوارً مدمدمٍ تكـر هـــــــــــو نه فأدينـــــــوه يا مولاي أدينــــوا كيف شئتم فإنني لن أدينــــــــــه فهو يدري أو ربما ليس يدري أن باب الحياة أغلق دونـــــــــه في بلاد يحيـــا بها ألفُ وغـــدٍ بلغ الشأوَ يوم باع يقينـــــــــــه والمماليــــك ليس يخفي عليهم أن للجوع عضَّــة ملعونـــــه وقيوداً تلتف مثل الافـــــــاعي والمغني هيهات يحني جبينـــــه عندما لا يكون إلا التــــــحدي فعلي الحرف أن يصون عرينه يارفيقي في محنتي كيف أنسي أن بعضي عند الموالي رهينه وظنوني تحت الرقابة تجـري ودموعي وذكرياتي الحزينـــه فالمماليك يكرهون الأغــــاني المملاليك يؤثرون السكينــ ــه وبعد: فبالرغم من قناعتي ألا أحجِّم رؤى القصيدة بشخص أو بحدث، إلا أنني رأيت من الظلم أن أنزع شريان طلال من تجربة الأنصاري، التي تتكئ علي ملامح ومحاور لم تستوف حقها من القراءة والدراسة، ربما كان أبرزها ملمح الموت ، وهو ملمح لايمكن تجاهله فى هذه التجربة الغنية ويستحق أن أقف عنده وقفة مطولة فى قراءة أخرى بإذن الله (*) الشواهد التى تضمنتها هذه القراءة من ( ديوان الأنصارى/ الأعمال الكاملة - جمع وتحقيق أيمن صادق-) الصادر عن دار الوفاء 2006
سيرة ذاتية الاسم: أيمــن محمــد صــادق اسم الشهرة: أيمن صادق الجنسية: مصري مكان الإقامة: مدينة الإسكندرية تاريخ الميلاد: 13/ 1 /1964 - عضواتحاد كتاب مصر - عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية - عضو هيئة الفنون والآداب والعلوم الأجتماعية - عضو منتدى الشعر العربي * نشرت قصائده معظم الصحف والمجلات المصرية والعربية * كتب عنه في عدد من المعاجم منها:- معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ، شعراء الإسكندرية المعاصرون عن المجلس الثقافي البريطاني' ،ملتقى الشعراء العرب ،قرنفلة لسيدةالبحار-شعراء من الإسكندرية-،دليل اتحاد كتاب مصر ، معجم أدباء الأقاليم ، مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين * قدم دراسات عنه كل من :- أ.د / محمد زكى العشماوي ، د / محمد عزيز نظمى ، د / محمد زكريا عناني د / كمال نشأت ، د / عبد اللطيف عبد الحليم ،د / السعيد الورقي ،د / فوزي خضر ، الشاعر/ أحمد سويلم ، أ / محمود عبد الصمد زكريا…وآخرون الإصدارات : - سمريات / شعر / منتدى الشعر العربى / 1996 - سمر وحلم النوارس / شعر / هيئة الفنون والآداب / 1996 - الموت على قارعة النشيد / شعر / دار نشر الثقافة / 2001 - جمع وتحقيق الأعمال الكاملة للشاعر/ عبد المنعم الأنصاري / دار الوفاء/2006 - من نشيد الأنشاد الذي إلى سمر ، شعر - سِفْر الأرق ، شعر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أيمن صادق : aimansadekalex@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق