غالبية سكان إسرائيل اليوم لا تحمل خبراتهم المعاشة سوى التاريخ الإسرائيلى فحسب ، وإنهم لم يحتفظوا من مرجعيتهم سوى حقيبة السفر الجاهزة دوما ، ولم يعد فى داخلهم ذلك الحماس الذى كان يشعل جيل المؤسسين الصهاينة من ذكريات الهولوكوست ، ومعاناة اليهود فى شرق أوروبا تحديدا !
[caption id="attachment_971" align="alignleft" width="150"]الصراع العربى الإسرائيلى الذى إمتد قرابة ثلاثة عقود من الزمان ، وراح ضحيتها آلاف الشهداء غالبيتهم من الأطفال ، والنساء ، والشيوخ ، بدء من إنتفاضة البراق عام 1928 ، حتى مذبحة غزة عام 2008 ، هذا الصراع ويحذرالدكتور قدرى حفنى - أستاذ علم النفس السياسى جامعة عين شمس ، من تغلغل تأثيرات هذا الصراع الطويل الذى يمتد إلى ما هو أبعد كثيرا من الزعماء السياسيين ، وصناع الرأى العام ، ليصل إلى أعماق المجتمع كافة ، حيث أصبح هذا الصراع سمة أساسية فى حياة ما يزيد عن ثمانية أجيال من العرب ، واليهود ، وجزء لا يتجزأ من أعماق الهوية القومية لأفراد كل جماعة من الجماعات المتصارعة - العربى ، والإسرائيلى - يتوارثه أبناء الطرفين ، بحيث لا تخلو ممارسات الجميع بأفراحهم ، وأطراحهم ، وإحتفالاتهم الدينية من تداعيات متصلة بهذا الصراع الذى يشكل صورته إن هزم ، وإحساسه بمكانته وسط العالم ، وأنماط سلوكهم ..إلخ ، حتى هؤلاء الذين لم يخدموا فى الجيش ، ولم يسهموا إسهاما مباشرا فى القتال !
أحداث دامية ! يذكرأن " حفنى " كان قد تقدم بأطروحته حول الشخصية الإسرائيلية ، فى ينايرعام 1974، للحصول على درجة الدكتوراه ، التى كانت آنذاك عملا رائدا ، ولم يكن يخطر له آنذاك حجم التغييرات التى سوف تطرأ على التركيبة الداخلية لكل طرف من أطراف الصراع ، وطبيعة العلاقات المتبادلة ما بينهما ، ويشير" حفنى " إلى متغيرين أساسيين طرأ على البنية السكانية ليهود إسرائيل ، لما لهما من علاقة وثيقة على قرارت إسرائيل فى الحاضر ، والمستقبل ، فضلا عن إرتباط هذين المتغيرين بما نشهده أمام أعيننا اليوم من أحداث دامية !
المتغير الأول يتعلق بطبيعة تكوين الأجيال اليهودية الإسرائيلية ، وتحديدا جيل " الصابرة " ، الذين ولدوا داخل دولة إسرائيل ، وتربوا فى المستوطنات الصهيونية ، والذين كانوا موضوعا لأول دراسة له نشرت تحت عنوان ( تجسيد الوعى ) عام 1971 ، مستشهدا بأبرز نموذج من قدامى جيل الصابرا " آرييل شارون " ، الذى جاءت أسرته اليهودية ، الصهيونية ، المتشددة من روسيا ، إلى فلسطين عام 1928، وكانت تضم مزارع يدعى " صمودين موردخاى شليمن " ، وزوجته " فيرا " التى كانت تعمل بالتمريض ، لتستقر الأسرة فى واحدة من أوائل المستوطنات الزراعية ، اليهودية ، التى أقيمت فى فلسطين ، وأنجبت الأسرة أثر وصولها " آرييل " ، الذى نشأ فى أحضان جيل المؤسسين الرواد المقاتلين فى إسرائيل ، وتشرب مبادئهم ، والذى كان بالتالى أكثرقادة إسرائيل إرتباطا بما يجرى اليوم أمام أعيننا فى غزة ، لافتا إلى دوره فى تدمير ما عرف بإتفاقيات ( أوسلو للسلام ) التى عقدت فى 13 سبتمبرعام 1993 ، حين قام بزيارته الشهيرة إلى المسجد الأقصى فى 28 سبتمبر عام 2000، والتى تفجرت على آثرها الإنتفاضة الفلسطينية الثانية ، كما إنه كان صاحب ما عرف بقرار الإنسحاب أحادى الجانب من غزة ، هذين القرارين اللذين ترتب عليهما هذه الأحداث دامية التى ما زلنا نشهد تداعياتها حتى اليوم ! ويضيف " حفنى " إن أجيال ( الصابرا ) ظلت أعدادهم تتزايد تدريجيا حتى وصلت من 6,70 % فى عام 1993 ، إلى 68 % عام 2008 ، أى إنهم أصبحوا يمثلون غالبية يهود إسرائيل اليوم ، وإنهم بحكم نشأتهم فى أحضان الدولة الإسرائيلية ، فقد أصبحوا بالتالى الأكثر إرتباطا بها ، وإفتقادهم ذلك التكوين التاريخى المزدوج ، الذى كان يميز جيل ( الصابرا ) الذين نشأوا فى أحضان الرواد القدامى ، حيث أن غالبية سكان إسرائيل اليوم لا تحمل خبراتهم المعاشة سوى التاريخ الإسرائيلى فحسب ، وإنهم لم يحتفظوا من مرجعيتهم سوى حقيبة السفر الجاهزة دوما ، ولم يعد فى داخلهم ذلك الحماس الذى كان يشعل جيل المؤسسين الصهاينة من ذكريات الهولوكوست ، ومعاناة اليهود فى شرق أوروبا تحديدا !
تطرف ! المتغير الثانى – توافد اليهود الروس إلى إسرائيل منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضى ، أثر إنهيار الإتحاد السوفيتى ، والذين تصل نسبتهم إلى حوالى 17 % ، من بين من يحملون الهوية الإسرائيلية ، وتفوق نسبة الحاصلين منهم على شهادات جامعية أربعة أضعاف نظرائهم من الإسرائيليين ، ويشير " حفنى " إلى إختلاف هؤلاء المهاجرين الجدد من اليهود الروس عن موجات الهجرة السابقة - إلا فيما يتعلق بتبنى مواقف أشد تطرفا حيال الفلسطينين - حيث أنهم أشد حرصا على الإحتفاظ بثقافتهم الروسية الأصيلة ، ولغتهم ، وعاداتهم ، وتقاليدهم ، ويقاومون كل محاولات الإنصهار فى الثقافة العبرية السائدة فى إسرائيل ، والتى حرصت الصهيونية على ترسيخها لدى أبناء إسرائيل ، حتى إنهم نجحوا فى فرض اللغة الروسية كلغة ثالثة على أجهزة الإعلام الإسرائيلية ، الرسمية إلى جانب العبرية ، والعربية ، كما إنهم يفتخرون بأنهم تمكنوا من إنشاء متجر لبيع المشروبات ، والمأكولات المستوردة من روسيا ، فى وسط الحى اليهودى فى القدس ، وقد كتبت اللافتات داخل المتجر باللغة الروسية ، بينما كتبت اللوحات الخارجية باللغتين الروسية ، والعبرية ، فضلا عن نجح اليهود الروس فى أن يكون لهم تجمعاتهم السياسية الخاصة بهم داخل إسرائيل ، أبرزها حزب ( بيتينو) أى إسرائيل بيتنا الذى أسس فى مارس عام 1999، والتى أظهرت النتائج النهائية فى إسرائيل تقدم هذا الحزب العلمانى ، المتطرف بزعامة " أفيجدور ليبرمان " ، وصعوده إلى المركز الثالث ، مما قد يرشحه لتشكيل الحكومة الجديدة . يذكر إن برنامج هذا الحزب السياسى يطالب بضرورة فصل الضفة عن قطاع غزة فصلا تاما ، ونهائيا فى كافة مناحى الحياة ، بحيث يصبح هناك كيانين منفصلين ، كيان فى الضفة الغربية ، والآخر فى القطاع ، تتعامل إسرائيل مع كل كيان منهم على حدى ، كما يطالب بأن تتركز المفاوضات مع " أبو مازن " على الضفة فقط ، وإعتبار كافة الإتفاقيات التى وقعتها الحكومات السابقة مع السلطة الفلسطينية لاغية ، مشترطا على الحكومة الجديدة المقبلة أن تقضى على حركة حماس التى تسيطر على قطاع غزة ، رافضا أى تفاوض ، أو تهدئة معها !
تحديات ! ويضيف " حفنى " إنه فى ظل تلك التغييرات التى طرات على البنية السكانية ليهود إسرائيل ، وجدت إسرائيل نفسها فى وضع شبيه بما واجهته عند نشأتها ، حين فتحت أبوابها لإستجلاب يهود العالم وبصرف النظر عن تباين أصولهم ، وأعراقهم ، ولذا عمد مؤسسى إسرائيل آنذاك إلى صياغة آلية فعالة لصهر ذلك الشباب المتنافر ، ليذوب فى سبيكة واحدة متماسكة هى دولة إسرائيل ، وقد وجدوا ضالتهم فى غرس الإحساس بالخطر الداهم فى أعماقهم لما يواجه إسرائيل من مخاطر الإبادة على أيدى العرب الذين يحيطون بهم ، مع تأكيد مواز بالقدرة العسكرية الإسرائيلية على التصدى لذلك التهديد ، وحماية مواطنيها المسالمين ، وهى المهمة الأساسية التى مارسها بإقتدار قادة إسرائيل الأوائل حتى يدفعوا يهود إسرائيل لينصهروا ، ويتحدوا فى مواجهة الخطر ، ويروعون بها يهود العالم حتى يزدادوا إلتفافا حول إسرائيل ، ويحصدون تعاطف العالم الغربى ، فضلا عن محاولة تخدير الشارع العربى بتدعيم إحساسه الزائف بأنهم لايزالون الطرف الأقوى ، رغم الإنقسام ، والتفكك ، والخلافات العربية ، والإسلامية !
حق المقاومة ! يشير" حفنى " إلى بعض المسلمات البديهية فى علم النفس الإجتماعى ، والسياسى ، التى تؤكد أن الإحساس بالخطر ، والتهديد الخارجى ، يؤدى إلى التوحد ، وتماسك الجماعة ، بينما السلام ، والإستقرار يؤدى إلى ظهور التباينات ، والصراعات الداخلية ، والتى عادة ما تستطيع الكيانات الطبيعية أن تتحمل آلام هذه الصراعات ، على خلاف إسرائيل التى بحكم تكوينها التاريخى لن تتمكن من تحمل مثل هذه الصراعات ، وخاصة بعد أن بدأت أكذوبة التهديد العربى المرعب لإسرائيل فى التأكل ، والتى بدأت تحدث فعلها فى الشارع اليهودى الإسرائيلى ، منذ زيارة الرئيس المصرى الراحل محمد أنور السادات إلى القدس ، وتوقيع معاهدة السلام فى كامب ديفيد عام 1977، ما بين مصر أكبر الدول العربية فى المنطقة ، وإسرائيل ، ثم مؤتمر مدريد عام 1991 ، ثم إتفاقية أوسلو عام 1993 ، وإذا بالفلسطينين أيضا يقبلون بإقامة سلام مع دولة إسرائيل ، ويليهاالأردن ، وكذا مع تزايد أعداد الصابرا ، وقدوم المهاجرين الروس ، مما زاد من تأكل الآلية الصهيونية الإسرائيلية ، ولذا لم يكن أمام إسرائيل سوى إعادة ترويج أكذوبتها الكبرى فى تضخيم الخطر العربى العربى للوجود اليهودى فى إسرائيل ، والتى بدأت فى وضعها موضع التنفيذ مع زيارة شارون إلى المسجد الأقصى فى 29/ 9 / 2000، لتنفجر الإنتفاضة الثانية فى القدس ، ويحل رصاص كتائب الأقصى التابعة لحركة فتح ، وكتائب القسام التابعة لحماس ، محل الحجارة سلاح الإنتفاضة الأولى ، ثم إقدام " شارون " بعد الإنتخابات الفلسطينية على قراره بالإنسحاب أحادى الجانب من غزة ، مع إستمرارحصارها ، ولذا كان من الطبيعى أن تتداعى الأحوال لتصل إلى ما نحن عليه من إنتهاكات إسرائيلية ، إستفزازية ، تدفع بحماس إلى رفض تجديد الهدنة ، ثم ممارسة حقها فى مقاومة الإحتلال بما تمتلكه من سلاح ، مع العدوان الإسرائيلى على قطاع على غزة - الذى كانت تهدف منه أساسا إلى جانب ترويج أكذوبتها الضخمة بخطورة التهديد العربى ، إنهاء أساطير السلام ، وتكريس الإنقسام الفلسطينى - ليتحد الشارع الإسرائيلى تحت أشد الشعارات يمينية ، وتطرفا ، لمواجهة الخطر الفلسطينى ، الأصولى ، الإسلامى ، مع إنطلاق المظاهرات الشعبية ، والإعلامية فى كافة الدول العربية ، دون إستثناء تضامنا مع أهل غزة ، رافضة التطبيع مع الكيان الصهيونى ، داعية إلى تحرير فلسطين
أرض الميعاد ! يؤكد " حفنى " أن الدول العربية ، لم تتفق على موضوع من قبل قدر إتفاقها على خطورة الخطر الصهيونى ، الإسرائيلى ، الذى يبدو بجلاء أمام العيون ، والعقول العربية ، متجسدا عبر سنوات طوال إجتاحت فيها جيوش إسرائيل حدودنا المصرية أكثر من مرة ، وإرتكبت ما إرتكبته من مذابح ، مجازر، وإبادة جماعية للشعب الفلسطينى الأعزل ، حتى أصبح تحرير فلسطين وعدا تلجأ إليه العديد من السلطات العربية ، فى تبرير إحكام قبضتها على شعوبها ، كما تلجأ إليه التنظيمات المعارضة لحشد صفوف المعارضين للسلطة ، وما أن ينهار نظام عربى حتى يتضمن البيان الأول للنظام الجديد وعدا بتحرير فلسطين ، ومحاكمة النظام السابق الذى تهاون فى مواجهة هذا العدو الصهيونى ! أخيرا يذكر " حفنى " إن العدوان الإسرائيلى على غزة قد جسد مدى الإنقسام العربى ، والفلسطينى ، فوجدنا أنفسنا حيال المفاضلة بين غزة الفلسطينية ، المسلمة ، المحتلة ، ورام الله الفلسطينية ، المستسلمة ، المحتلة أيضا ، وفى ظل ذلك التفكك ، والإنقسام ، وجدنا كل طرف يلقى بالعبء ، واللوم على الطرف الآخر ، ويتهمه بعرقلة حل القضية الفلسطينية ، كما أفرز هذا الصراع ثلاث تيارات أساسية الإسلامى المتطرف ، المعتدل ، والقومى العربى - التى تتصارع حاليا - كما فرض واقعا جديدا على المنطقة ، يحمل فى طياته علامات الخطر الذى لم يعد مقتصرا فقط على تبعات التضخم المتسارع فى قوة إسرائيل ، الأمر الذى يستوجب منا إستعادة الوعى بأهمية الإعتبار للعمل العربى المشترك ، وتصفية الخلافات ، ووحدة الدول العربية التى يجمعها الجوار ، واللغة ، والدين ، مطالبا جامعة الدول العربية القيام بدورها ، مؤكدا إنها وحدها التى يمكنها أن تحتوى آلام ، ومخاطرالصراع العربى الإسرائيلى ، داعيا إلى إيجاد تسوية عادلة لهذه القضية العربية ، الإسلامية ، التى أصبحت تؤرق أحرار العالم ، محذرا من إستمرارالإنقسام الفلسطينى الراهن ، الأمر الذى قد يترك بصماته على الجانب الأعمق من الهوية الفلسطينية الأساسية ! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهال قاسم : nihal.kasem@gmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق