إلى أي مدى يمكن لعين الفنان أن تجعل الصورة أكثر إشعاعا؟ سؤال أربكني وأنا أدخل عالم مدونات هيلدا اسماعيل في معرضها الأخير الذي احتفى به متذوقو فن الصورة في بيت التشكيليين بجدة، ففي لوحات الفنانة إيقاعات مضطربة تربك عينيك وترهق حسك وتعتدي على هدوئك الداخلي فتعجز عن إيجاد تفسير واحد ينطبق على كل ما تراه تاركا إحساسك نهبا لمفردات الصورة.
تطالعك إحدى المدونات بعبارة تقول: ليست خدعة أن تتعثر بكائن يفترش الرصيف ويلتحف السحاب « عندها تسأل نفسك: ما هي الخدعة إذن؟ يصدمك الرصيف النازف من الجدران, تقرأ مدونات على جباه دامية لقطط وأطفال ونساء وعجائز وحتى جدران متعبة, تركلك أرجل تخرج فجأة من غرف مظلمة ضيعت جغرافيتها, وتنفجر في وجهك يد تمزق اللوحة فتشعر هنيهة أنها تحاول أن تقبض عليك, فلعلك ضالتها وهي تحاول اقتناصك في هذه اللحظة, ورغم أن المكان يعج بالوجوه من كل الأجناس و الأعمار إلا أنها _ الوجوه _ تتشابه في ملامحها وكأنها تقول لك أن لون الدم واحد, وأن ما تبقى هو قضية تفاصيل لا معنى لها. وفي اللحظة التي تستسلم فيها لمنطقية الوجع الذي ينبعث من كل زاوية أمامك وخلفك وعن يمينك ويسارك وعندما يصبح المكان مثل غرفة «الماغوط» بآلاف الجدران, يصادرك المشهد فلا تقوى إلا على الاعتراف بحتمية المأساة ونمطيتها واختراقها للزمان و المكان, فجأة, تقفز أمام عينيك عبارة تقول «لم أبحث عن أي طابع منطقي لأن ما رأيته ببساطة ..كأي نهاية أخرى لا منطق لها» _- هيلدا -, حينها تعاود محاولة فهم ما يجري من حولك, تجهد لاستنطاق كائنات لا تعرف مدى منطقيتها من عدمه, وهنا يكمن جمال الصورة, وهي جدلية ازعم أنها تشبه مغارة أفلاطون, ليس المهم فيها هنا أن الحقيقة تنبعث من النور أم من الظلام, إنما الأهم هو أننا موجودون فعلا فليست الصورة هنا خدعة وليست المأساة والمعاناة حالة طارئة, فكما يقول تشيخوف «ومتى لم تكن الإنسانية في زمن صعب», إن ما يجري من صراع داخل اللوحات ليس محاولة بحث عن المنطق, على اعتبار أنه فعل تأثر وتأثير يشترك فيه طرفان رئيسيان يشكلان محور الصراع الكوني, إرادتان تتحديان المنطق باللامنطق تارة, وأخرى تثبتان الشك باليقين, وتبقى النهايات وحدها المنطق الحقيقي الذي لا تقبله عقولنا, نهايات الموت, وهي ضرورة حتمية نشترك بها جميعا ونختلف في تفسيرها, كما نختلف في تفسير سبب وجودنا وتتمايز آليات فهمنا لحقيقة الحياة ومما لا شك فيه أن جميع اللوحات تتماهى في موضوعها لتشكل وحدة متكاملة وإن لم تكن ثمة منطقية في ربط جزئيات بعضها كما يحدث في لوحة المريض الذي يتغذى من خاصرته, إلا أن النهايات واحدة فساحة المعركة تتكون من مجموعة من الأرصفة والشوارع والأيدي النازفة, والوجوه المنهكة, وهذه بمجملها تنفتح على فضاء واحد اسمه الهروب, وقد تختلف الأسباب أو تتفق فالأمر سيان, لأن إرادة البقاء تجبرنا أحيانا على البحث عن أمكنة أخرى منطقية وغير منطقية, قد تكون عند زاوية مهملة على رصيف وقد تكون غرفة في دواخلنا نسكنها ونغلق ابوابها لكي لا تتخطفنا يد القهر, وعندها نكون محكومين بقهر اشد وأكثر إيلاما, قهر اغتراب الذات, وهنا أحاول فهم جدوى المحاولة لإيجاد « مأوى غير الأرض « عند هيلدا, ولكأني بها تقول ان تلك الكائنات الضوئية المتثاقلة الملقاة هنا وهناك, هي تعبير حقيقي عن رغبات كامنة تدفع البشرية لاجتراح حلول زائفة للهروب من واقعها المؤلم إنها محاولة صارخة لفلسفة الهزيمة دون الخضوع لها. في كل لوحة تقترف هيلدا جريمة وتترك عليها بصماتها أو أحد أدواتها التي تدل على المجرم الضحية, إنه الإحساس الواعي بالرغبة في التغيير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق