السبت، 14 مارس 2009

لحظة وفاء - قصة أميرة سعيد عز الدين

توزع ابتساماتها على كل من تري . رفعت طرف شالها لتخفي به وجهها وهي تتذكره ... تتذكر حبها له وإخلاصها له .. وتمزقها بين واجبها نحوه و واجبها المقدس ... تذكرت ثورته عليها وحبه وخوفه عليها .. تذكرت كم قال لها ألوف المرات : " احرصي على نفسك يا (وفاء) ..

يزدحم المكان بمراسلين وكالات الأنباء العالمية ..... تسطع أضواء الكاميرات محاولةًً تخليد هذا المشهد في ذاكرة الإنسانية ..... ينطلق مندوبون القنوات العالمية في إصدار الأحكام ..... يقول المراسل الإنجليزي وهو يسوى رابطة عنقه في برود : " إنه عملاً جنونياً بالتأكيد .. يفتقد للمنطق والتعقل .. " والمراسل الأمريكي واضعاً إحدى يديه في جيب الجينز : " إنها إرهابية ... متطرفة .. " مراسل وكالة النجمة الزرقاء يقول قاطباً جبينه في وحشية : " مخربة عربية ... " طفل دون العاشرة اسمه (شادي ) ..... يمسك بكرة ويبكي قائلاً: " أنا لم أغضبها ... لقد نفذت ما طلبته مني قبل خروجها ... لقد راعيت أمي .... فلماذا لم تعد كما وعدتني ؟ .. " لم يكن أحدهم هناك حقاً .. ولكني أنا كنت هناك , رغم أنى لم أكن .... كنت أعرفها , رغم أنها لم ترني عمرها .... هي فتاة في ريعان الشباب ... عمرها سنوات بالمخيم وسنوات أخرى بيننا في القاهرة .... جنسيتها .. عربية جداً ... وديانتها التوحيد بالله العلى العظيم ..... لم تروها في ذاك الصباح ... تدور في أرجاء منزلها ... تعتني بكل شئ ولا شئ .... توقظ أمها وتضاحكها وتعد لها الطعام وتحضره لها في فراشها ..... فتضحك الأم قائلة : " لماذا الطعام اليوم في الفراش !!! ... " تجيبها بابتسامة يشع بها وجهها كله : " أريد أن أريحك ... أفي ذلك شئ !.... " تربت الأم على كتفها وتهمس ببسمة حنون : " أدامك الله لي يا بنيتي ... " لاحظتها أمها تتطلع لمرآتها وهي ترتدي ملابسها في هدوء .... وتسوي من وضع شالها المطعم بخيوط بيضاء وسوداء فوق رأسها , وتلتفت لتتناول الحزام الذي تتزين به وهي تتلمسه في حرص مبتسمة , ثم تثبته حول خصرها حين تسألها أمها : " أتنوين الخروج يا ابنتي ؟ .. " تجيبها بنفس الابتسامة : " نعم يا أماه .. " وتذهب لتجلس إلى جوار أمها التي تقول في حنان : " إذن اجلسي لتتناولي الإفطار معي ... " تحتضن كف أمها في صدرها وتقبله ألفاً متطلعة لعينيها اللتان ورثتهما عنها وتهمس : " تناوليه أنت يا أمي .. " تمسح الأم علي رأسها في قلق وتقول : " أتتركينني أتناوله وحدي !!! و...... " ترفع إليها وجه ابنتها الشارد وقد تزايد قلقها : " ما بك يا ابنتي ؟... " تنظر الفتاة في عيني أمها لحظة ثم تفتعل بسمة قائلة : " أود الخروج لقضاء بعض الحاجات ولا أطمئن لأن يرعاك (شادي) فهو دائماً يلعب بالخارج " وتذهب نحو الباب وهي تستكمل : " ولكني سوف أناديه ليبقي إلى جوارك وإن لم يفعل سوف لن أحادثه بعد اليوم .... " وترفع صوتها لتنادي وأمها مازالت تتابعها قلقة : " (شادي) .... (شادي) تعالي هنا .... تعالي .. " يأتي فتي صغير في نحو العاشرة يركض نحوها ممسكاً في يده كرة وهو لاهث الأنفاس ويسألها: " ماذا تريدين الآن يا (وفاء) !! إني لم انهي لعبي بعد ... " أجابت وهي تجذبه نحو أمهما : " ولن تنهيه أبداً أجلس هنا مع أمي لترعاها , و إلا سوف أغضب منك " واحتضنت أمها في شدة قائلة : " سلام عليك يا أمي ... " لم تجيب الأم واحتضنتها أكثر ... ثم تابعتها وهي تذهب نحو (شادي) الذي جلس يلعب بالكرة وحيداً في ركن الحجرة وتقول له : " (شادي) ... أنت الآن رجل .... أحرص علي والدتنا بحياتك فليس لها سواك ..." جزعت نظرات الأم وأجابها (شادي) وهو مازال لا ينظر إلا للكرة : " وأنت !!! ألست أنت الأخت الكبرى ! ... " لاحظت هي جزع أمها فقالت : " ليس لها أولي رجل سواك ... أم أنك لم تصبح رجل بعد , فتلك مسألة أخرى " ألقي بالكرة وصاح : " بلى .. أنا رجل .. وسوف أرعى أمي .. " تحتضنه وتمسح على رأسه وتمتم : " هكذا يكون أخي .... حتى لا أغضب منك ... " تذهب متجهة نحو الباب وهي تتطلع لأمها ثم تدير وجهها في سرعة ... فتناديها أمها فجأة : " (وفاء) ..... " تلتفت إليها (وفاء) قائلة : "ادع لي يا أماه ... ادع لي ... " وتخرج مسرعة وهي تسمع دعوات أمها تحيطها ...... سحبت دراجتها من فناء المنزل لتركبها مخترقة بها الشوارع الضيقة الممتلئة بالأطفال اللاهيين والسيدات اللاتي يجلسن على أعتاب منازلهن يتبادلن الأحاديث وهي توزع ابتساماتها على كل من تري . رفعت طرف شالها لتخفي به وجهها وهي تتذكره ... تتذكر حبها له وإخلاصها له .. وتمزقها بين واجبها نحوه و واجبها المقدس ... تذكرت ثورته عليها وحبه وخوفه عليها .. تذكرت كم قال لها ألوف المرات : " احرصي على نفسك يا (وفاء) ... أنت تعلمين أن حبي لك هو مدعاة غضبي منك .... " وتذكرت نبرته الغاضبة وهو يهددها : " لك أن تختاري ... إما زواجنا وحياتنا .. أو تمسكك برأيك .... " ارتوي الشال الذي ترتديه بدموعها وهي تتمتم : "اقسم بربي أني ما أحببت سواك .. ليتك علمت ذلك , وليتك تعلم كم هو قاس علي تركي إياك " جفت دموعها فجأة وعلت الابتسامة وجهها مرة أخرى وهي تتطلع إلى تلك اللافتة المعدنية الضخمة والتي عليها عبارة بالعبرية : (محطة حافلات تل أبيب) اقتربت منها أكثر .... وفي وسط المحطة تقريباً جذبت حزامها من فوق خصرها لتجذب معه صمامات أمان ما تحمل من متفجرات ..... وهي تهتف : " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .... " و ............... دوت الإنفجارات .... الانفجار تلو الآخر ... النيران في كل مكان .... والصراخ لحناً تردده الطرقات ... والدماء تصبغ كل شئ بلونها القاني ..... متدفقة أنهاراً ... تكفن الأجساد جميعاً وهي .... (وفاء) لقد اختلطت أشلائها بأشلائهم ... بعد أن سقط الشال عن وجهها وكشف عن أجمل ابتسامة تشع من أجمل عينين لفتاة مقدسية .. كانت تلك لحظة وفائها ... اللحظة التي دفعها إليها الوفاء ........... واليأس .

" إلى روح وفـــــــــاء إدريــــــس " وفاء إدريس شابة فلسطينية , كانت يوم رحيلها في مارس2001- عندما فجرت نفسها في محطة الحافلات الرئيسية في تل أبيب - في السابعة والعشرين من عمرها . خريجة الجامعة الأمريكية بالقاهرة ...... أما عن حياتها الخاصة , فأنا لم أكن أعرف عنها شيئاً أكثر من أنها كانت متزوجة وانفصلت عن زوجها ووالدها متوفى وليس لها إلا أمها وأخيها الأصغر منها..... أما ما دون ذلك فهو من محض خيالي . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أميرة عز الدين : amira201179@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق