الاثنين، 27 أبريل 2009

حرية الفكر والاعتقاد والتدين - صالح خريسات

الإنسان، يمتاز بنزعته الدينية، و ميله إلى التدين، و الإيمان بقوة عليا، تسيطر على هذا الكون، وهذه النزعة الدينية، أمر فطري في الإنسان يولد وهو مزود به، وينبع من أصل طبيعته الخلقية.

ما نجده في كتب التاريخ، و تؤكده الأديان السماوية الثلاثة، أن الناس، مجبولون على توحيد الله، و الإقرار بربوبيته. وأن مهمة الرسل، تذكير الناس، و الدعوة إلى الله، بالحكمة، و الموعظة الحسنة ، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. فالإنسان إذن , المسلم , و المسيحي , و اليهودي , يمتاز بنزعته الدينية، و ميله إلى التدين، و الإيمان بقوة عليا، تسيطر على هذا الكون، وهذه النزعة الدينية، أو الشعور الديني، هو أمر فطري في الإنسان، يولد وهو مزود به، وينبع من أصل طبيعته الخلقية، ولا يقل في فطريته، عن سائر الأحاسيس، و المشاعر الإنسانية الأخرى . بدليل، أن الكتل البشرية،التي عاشت على ظهر هذا الكوكب، مارست التدين ،والطقوس الدينية، وبحثت عن الله ،بطرائق مختلفة، قبل أن يبعث الله رسله إليهم.وقد جهد إبراهيم عليه السلام، في البحث عن ربه، وسجل القرآن الكريم، صور القلق الروحي، والتردد النفسي، الذي عاشه أبو الأنبياء عليه السلام، أثناء تأملاته في الكون وما يحيط به. و الإسلام ،دين يحمل مبدأً إنسانياً، يضمن للناس الحرية، و المساواة، فقد وقف نبي الإسلام، خطيباً عند باب البيت ، ليعلن في الناس، مبدأ الإخاء : " الناس لآدم، وآدم من تراب ". و حسبنا أن نشير، إلى قصة عمر بن الخطاب، مع واليه على مصر ،عمرو بن العاص، حين ضرب ابنه ،القبطي، متطاولاً عليه، بأنه " ابن الأكرمين" و كيف سافر القبطي، من مصر إلى المدينة، شاكياً الوالي، و طالباً النصفة، و العدل، فما كان من عمر، إلا أن استدعى عمرو و ولده، و أمر القبطي، أن يضرب ابن عمرو، كما ضربه، ثم قال لعمرو بن العاص، كلمته الشهيرة : " متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " . وفي عهده أيضاً، أسلم جبلة بن الأيهم، ملك غسان، ووفد على عمر بن الخطاب، في عظمة الملوك، و تلقاه عمر بالترحيب الذي يليق به، و بينما جبلة يطوف حول الكعبة ،إذ وطئ إزاره أعرابي من خزارة، فلطمه على وجهه ، فشكا الأعرابي إلى عمر، فاستدعى عمر جبلة، وقال له: لطمة بلطمة , إما أن ترضيه، و إما أن يقتص منك ؟! فعز على الأمير الغساني ،أن يقبل بذلك، وقال : ألا تفرقون بين الملوك و السوقة ؟! فقال عمر : إن الإسلام قد سوى بينكما , فاستمهل جبلة عمر إلى الغد، ثم اخذ قومه،وفر بهم ليلاً ،و لحق بهرقل بالقسطنطينية، ولم يبال عمر، ولا الصحابة معه , لأن ارتداد رجل عن الإسلام ، أهون بكثير من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم، من مبادئ الإسلام، كالمساواة، وخسارة فرد لا تقاس بخسارة مبدأ . وهذا علي بن أبي طالب , يفقد درعاً، و يبحث عنها، فيعلم أنها عند يهودي، فحاكمه لدى القاضي شريح، وجلس بجانبه، ثم ادعى بالدرع ،فأنكر اليهودي، فطلب القاضي البينة من أمير المؤمنين، فأتى بابنه الحسن، و مولاه قنبر، فقال القاضي : شهادة الابن لا تجوز لوالده، وقبل شهادة قنبر، و لم يستطع علي، أن يكمل نصاب الشهادة، بشاهد آخر، فحكم القاضي شريح، لليهودي بالدرع . إن الإسلام دعا إلى أخوة عالمية ،على أساس من التعارف ،ودعا إلى العلاقات القائمة ،على أسس من الحب ،و البر، و العدل، و أولى بالإنسان أن يحافظ على هذه النعمة . وإن الإسلام، يؤمن بأن حكمة الله و إرادته، قد شاءت للإنسانية التعددية، و ليس وحدة النموذج، و الاعتقاد، و الشريعة. وقد احترمت النظم الإسلامية، حرية العقيدة، احتراماً كاملاً، ونفى القرآن أن يكون الإكراه، طريقاً لاعتناق الدين، ومنع المؤمنين أن يكرهوا أحداً على ذلك. على أن حرية التدين، لا تتحقق من منع الإكراه فقط، بل إنها تبتدئ من ذات النفس، بأن يكون الشخص متحررا،ً في تفكيره بالعقيدة، التي يؤمن بها، فيحكم العقل، غير مقيد بأوهام، ولا خاضعاً لأهواء . ولقد حمى الإسلام حرية التدين، ومنع التقليد الأعمى، و إتباع الآباء، وحث على أن يكون العمل، على مقتضى الاعتقاد ،وعمل على حماية عقيدة الدين ،لمن يستظلون بظله، أو يعقدون معه عهداً، بل إنه سهل لهم القيام بشعائر دينهم، في معابدهم و كنائسهم . ولقد عاش غير المسلمين، مع المسلمين، قروناً طويلة، على خير حال من الحب و الود، و تمتعوا بحريتهم كاملة ،وضرب عمر بن الخطاب مثلاًً رائعاً ،في تأكيد مبدأ حرية التدين و الاعتقاد. فقد حضرته الصلاة وهو قريب من الكنيسة، فصلى خارجها ،فقيل له ألا تجوز الصلاة فيها؟ فقال : خشيت أن أصلي فيها، فيزيلها المسلمون من بعدي، و يتخذوها مسجداً . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صالح خريسات : dar_afak@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق