الخميس، 9 أبريل 2009

أرواح لا تنام - خيري حمدان

عادة ما تصبح المرأة شديدة التحسّس بعد أن تفقد أحد رموز أنوثتها، ولا يمكن لميلِنا أن تكون استثناءً. المشكلة أنّني أصبحت هدفاً لردود فعلها العاطفية، ومخزناً لتفريغ شحناتها الذاتية السلبية المتراكمة، وكانت تهدف لامتصاص كياني كما تفعل الأفاعي المعمّرة، وكان عليّ أن أعوّضها ما فقدته مؤخّراً من مشاعر الدفء والحبّ. هذا بالطبع حقّها ما دمت قد وافقت على التوحّد مع جسدها قبل دقائق معدودة،

الإهداء إلى الشاعر ديمو إيفانوف ( ألا نعاقب الورد حين نحرمه من أشواكه ) لكلّ حكاية ورواية قصّة، ولروايتي قصّة امتدت أحداثها سنون طويلة، وللأسف معظمها حزين ومأساويّ إلى حدّ بعيد. كان هناك أديبان، أنا والشاعر البلغاري ديمو إيفانوف، هو متمرّد على واقعه الاشتراكي والقمع الفكري ومبدأ حكم الحزب الواحد الأوحد السائد في تلك الأيام في بلغاريا، وأنا فلسطيني الجنسية أجنبي المقام، أمتهن الحياة في البلد الذي احتضنني. هو وسيم، بوهيميّ، متصوّف المشاعر، إنسانيّ المآل، وأنا هادئ مستقرّ معذّب بطريقتي الخاصة. هو يعمل في صبّ الحديد والمعادن، وينفجر وقصائده حين يهرب إلى ربيع الحياة مع إحدى صديقاته الكثيرات، وأنا أقضي معظم وقتي متقلّباً ما بين كتب الأدب والرياضيات. جاءني يوماً .. وجهه أصفر ممتقع وقال: اليوم ربّما أموت! ضحكت بملء فمي، وأصيب هو بسكتة قلبية في منزلي كادت تودي بحياته، نام الليل كلّه ولم أدرك خطورة الموقف إلا في اليوم التالي. سألته حانقاً: لماذا لم تخبرني، كان بإمكاني أن أحضر طبيباً؟ فقال مبتسماً: كانوا سيقضون عليّ في المشفى، ألا ترى لعنة الاشتراكية، حتى المرأة باتت مخبرة، وتقدّم التقارير بحق زوجها وأبناءها، والرجل لا يتوانى لحظة عن الإيقاع بأصدقائه وبعض أفراد عائلته، تحوّلنا إلى دولة بوليسية .. اذهب بعيداً عن هذا العالم يا خيري. بعد يومين أحضر لي وصيته، ضحكت أنا العابث مجدّداً، ورميت بها في عمق أدراجي البالية، وقلت ساخراً: أنت مجنون! ألعام 1989، انقلاب أبيض على الحكم، وبداية الانتقال إلى اقتصاد السوق، أفواج هائلة من البشر تهاجر هاربة من فقرها وحياتها الرمادية، ديمو سافر إلى نيوزلندا، لماذا هذا البلد تحديداً، ربما من أجل امرأة، هذا ليس مهماً الآن، سنوات قليلة تمضي على عجل، ويخونه القلب ثانية، ولكن هذه المرّة، أصرّ القلب على التوقّف طويلاً طلباً للراحة. وحين بحثوا بين أوراقه وجدوا بعض العناوين، من بينها عنواني واسمي، وكنت قد ابتعدت عن صوفيا آنذاك، محاولاً التماهي مع جذوري العربية. قامت الدولة النيوزلندية بدفنه رسمياً لعدم تواجد أي قريب أو صديق للشاعر الذي مضى وحيداً عن هذه الدنيا. حين علمت بالأمر، تفقدت تلك الوصية التي تركها لي ديمو قبل وفاته بسنوات، لكنها كانت قد اختفت مع جزء كبير من أوراقي وكتبي، فقد كنت دائم التنقل والترحال، وربّما ما زلت كذلك، وكأنّ هناك ما يربطني بفطرة الغجر. عندما أرّقني ضميري وحرمني من الراحة، خاصة وأنني لم أقرأ ما جاء في تلك القصاصة من الورق، قررت أن أكتب حياته بقلمي اعتذاراً لديمو، ولجميع الذين حُرِموا من حرية الكتابة والتعبير من الكتاب والأدباء والشعراء على وجه هذه الخليقة. هذه حياته بجموحها وتألّقها وشرودها بين أيديكم، أكتبها بتصرّف لكي يدرك القارئ المنحى الخطير الذي سلكته الدول الاشتراكية ما بعد مرحلة التحول. المرحلة الانتقالية كانت قاتلة وبطيئة لبعض الدول كبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وهنغاريا، ودولٌ أخرى استفادت من تجارب أوروبا الغربية، فتقدمت وازدهرت كبولندا والتشيك. واليوم حين أكتب اسم ديمو على الباحث الالكتروني، لا أجد سوى ذكرى لديوان صغير يحمل ما نجا من قصائده، بعد أن قرر اتّحاد القوى الديمقراطية في بلغاريا إصداره بعد وفاته، والإهداء الذي ابتدأت به روايتي هذه.

الكتاب الأول التيه: أدركت بأنني أصبحت مفلساً تماماً، وكالعادة، ضربت جيبي بأطراف أصابعي، فسمعت صوت ما تبقّى من بعض قطع المال المعدنية ومفتاح .. غريب! ما الذي يفعله هذا المفتاح في جيبي؟ لقد تركته لي تانيا حتّى أتمكّن من فتح باب العمارة الخارجي، لأنّ معظم الأجراس الخارجية لا تعمل. أشفقت عليّ من شدّة البرد في الخارج. أقمت علاقة عاطفية مع تانيا منذ شهرين، وكانت المسكينة تأمل أن تدوم هذه العلاقة طويلاً. وقد طلبت منّي في الفترة الأخيرة عدم استخدام الواقي أثناء ممارستي الجنس معها، لأنّها حسب قولها غير قادرة على الحمل بسهولة .. أنا بالطبع وافقت على الفور، لأنّني في حقيقة الأمر عقيم. حيواناتي المنوية ضعيفة وغير قادرة على إخصاب بويضة. لهذا، لم يبقَ أمامي سوى العبث واللهو، ومراقبة طموح العزيزة تانيا بالزواج يوماً ما. قذفت بالمفتاح إلى أقرب حاوية للنفايات "هذا خطأ؟"، دارت في ذهني هذه الخاطرة على عجل – يوماً ما، أو ربّما خلال إحدى الليالي الشتوية الباردة، سأحتاج إلى بعض هذه المفاتيح، ولكن في تلك اللحظة، كنت أسعى إلى الحريّة المطلقة. لا وعود، لا مفاتيح ، لا التزامات .. هل هذا واضح؟. كنت جائعاً للغاية، وكانت معدتي تتقلّص وتصدر أصواتاً غريبة. لم أتناول منذ الصباح سوى كعكة مالحة وكوباً من الشاي. وكان هذا كافياً لإيقاظ وحش الجوع والرغبة الجامحة في تناول كميات تجارية من الطعام، خاصة وأن البرد في الخارج، يحتاج إلى سعرات حرارية كبيرة. دخلت إلى أحد المقاهي، جلست في نهاية الصالة حيث مكاني المحبّب والمألوف، وضعت معطفي وقبّعتي جانباً. كان الجوّ بارداً ذاك النهار، لم تتوقف السماء عن قذف حبيبات الثلج الكثيفة. وبعد لحظات، قَدِمَتْ كاتيا إلى طرفي، نَظَرَتْ إلى عينيّ مباشرة .. ابتسمتُ لها مطوّلاً، لكنّني فضّلت الصمت. وأخيراً جاء صوتها الدافئ وهمست: - كيف أساعدك يا نيكولاي؟ أنا أيضاً لا أملك المال .. لا أستطيع إعالتك كلّ يوم يا عزيزي. - أنا جائع يا كاتيوشا .. أرجوكِ! - أرجوكَ أن تفهمني .. لا أقدر على السرقة، أنا مهدّدة بالطرد!. أدركت على الفور بأنّ كاتيا غير قادرة على مساعدتي اليوم، لكنّني كنت على ثقة من قدرتي على تجاوز هذه المحنة. - أحضري لي فنجان قهوة مع قطعتين من سفائح الجبن وقطعة من الجاتو المحلاّة .. صدّقيني، أنا اليوم أملك ثمن كلّ هذا. بقيت كاتيا تحدّق في عينيّ غير مصدّقة، أمّا أنا فكنت أنظر إلى عينيها بغباء واضح. - هل أنت متأكّد؟ - طبعاً متأكّد. ضربت جيبي بأطراف أصابعي لأطمئنها وضَحكتُ بأعلى صوتي. كنت أملك ما يعادل الدولار فقط، وهذا لا يكفي ثمن قطعة الجاتو المحلاّة. وأضفت مبتسماً - عزيزتي كاتيا .. كاتيوشا الغالية. هزّت رأسها بأسى وسجّلت طلبي ثم أضافت قائلة: - نيكولاي .. أنا لا أملك سوى القليل من المال الآن، ولكن عند نهاية ورديتي سأحصل على جزء آخر.. قاطعتها بحدّة وقلت لها بأننّي قادر على دفع هذا الطلب المتواضع. وأخيراً ذهبت كاتيا لتحضّر لي ما طلبت من طعام. فتحت مسودة الرواية التي كنت أكتب أحداثها في تلك الأثناء. كنت قد أنجزت كتابة ما يقارب المائة وعشرين صفحة، وكنت أجد صعوبة في العودة إليها. كنت أنسى بعض الأحداث وحتّى أسماء بعض الشخصيات المحورية .. كانت الرواية نصّاً مفتوحاً، حيث تتجاذب الأحداث وتختلط في ملاحم لا تنتهي. لا بدّ أنّ الصيغة النهائية للرواية ستكون مبهمة للغاية. بعد قليل أحضرت كاتيا كلّ ما طلبت. وضعت الصحون وفنجان القهوة بتأنٍ أمامي. - أنتِ رائعة! وعندها أفسحت كاتيا المجال لشبح ابتسامة ليرتسم على وجهها. كانت تتمنّى أن أبقى أناديها باسم الدلال "كاتيوشا". لكنّي في تلك اللحظة، كنت أبدو كالعاشق عندما انساب الكلام من فمي: - يا إلهي .. ما أجمل يديك! .. جسدك، حضورك الأنثويّ. - أنت شقي يا نيكولاي، لا أحد يقدر على مجاراتك. - يا للأسف؟ هل هذا رأيك بشخصي المتواضع؟ - شهيتك اليوم قويّة، ما الذي فعلته ليلة البارحة؟ اشرب قهوتك قبل أن تبرد. فكّرت قليلاً قبل البدء بمهاجمة الطعام أمامي. كنت أفضّل سفائح الجبن، ولهذا، سارعت بتناول الحلوى لكي يبقى الطعم المالح في فمي، عندما انتهي من التهام هذه المأدبة المتواضعة. نظرت إلى الباب الخارجي، وشاهدت صديقي الإيطالي كريستيان يدخل، والى جانبه بالطبع الحسناء اللعينة سيلفيا. - لقد أتى الفرج أخيراً. وعندما التقت أعيننا صِحْتُ بأعلى صوتي "كريستيان .. صديقي العزيز". ولم تمتلك كاتيوشا نفسها من الضحك، ثمّ غمزت بطرف عينيها. - نيكولاي بلحمه وشحمه، إذن أنت ما تزال على قيد الحياة؟ اقتربوا من مائدتي، دعوتهم للانضمام إلي. وبالطبع، جلسوا إلى المائدة دون تردد. - عزيزتي سيلفيا، هل يُعْقَلُ بأنّك لم تسأمي هذا الشاب بعد؟ أنت تولينه اهتماماً كبيراً على أية حال، بدأت حديثي محاولاً أن أضفي جوّاً من المرح. - وأنت يا نيكولاي، ألن تتخلى قريباً عن تهريجك هذا؟ - أنا أعشق التهريج كما تعلمين. أخبرني عن أخبارك يا كريستيان؟ - لدي الكثير من العمل في الآونة الأخيرة، أحاول أن أترجم مادّة جافّة ومملّة للغاية، ولكن ليس لدي الكثير من الخيارات. - السياسة مجدّداً؟ سألته محاولاً تجنّب نظرات سيلفيا. - نعم .. نعم، لكنهم يدفعون بسخاء. - ما رأيك يا سيلفيا لو تتناولون معي بعض الفطائر وفنجان من القهوة؟ كانت سيلفيا في تلك اللحظة مكفهرة ومزاجها حادًّ للغاية، كانت تنظر نحوي، وبالأحرى كانت تنظر من خلالي إلى نقطة ما في فراغ المكان، همهمت قائلة بأنها تفضّل شيئاً من الويسكي، في تلك اللحظة، شعرت بالراحة لأنني حققت ما كنت أصبو إليه، لم أكن أملك ثمناً للفطائر التي طلبتها فما بالك بالويسكي! - أعتذر يا سيلفيا، لا أملك ما يكفي للويسكي يا عزيزتي. عندها تدخّل كريستيان وقال بما لا يقبل الجدل. - لا تقلقوا أرجوكم، أتركوا لي حرية التصرّف، أرغب أن أرفع نخبكم جميعاً، انتم ضيوفي وأرجو أن تقبلوا دعوتي. - ولكن يا كريستيان، حاولت أن أعارض دعوته، لكني سرعان ما لذت بالصمت، تصوّروا لو وافق الرجل، وترك الفاتورة بين يدي، عندها كنت سأفضّل أن تنفتح الأرض على مصراعيها وتبتلعني. بعد قليل أحضرت كاتيا المشروب، وملأت الكؤوس أمامنا، وضعت بعض المكسّرات، ونظرت إلي طويلاً، كانت تدرك بأنني وجدت ضالتي حين التقيت كريستيان، لكنها كانت تدرك جيداً، بأن جميع حلولي في الفترة الأخيرة مؤقتة. وهذا ما كان يزيدها حزنا .. وجمالاً ذات الوقت. كان عليّ أن أجد عملاً في أقرب وقتٍ ممكن، من الصعب أن أستمرّ بهذا النمط من الحياة طويلاً. أنا فتىً قويّ ولا أستسلم هكذا بسهولة، المصانع الثقيلة كثيرة في ضواحي صوفيا، وعادة ما أتمكن من الخلاص في اللحظة الأخيرة، لحظات قبل أن يصل النصل إلى أصل العظام، عندها أصبح شريراً، وأنتزع لقمتي من فم الذئب بيدين عاريتين. - ما هو مصير هذه الرواية يا نيكولاي، ألم تنتهي من كتابتها بعد؟ قال كريستيان والقلق واضحٌ على تقاطيع وجهه. وقبل أن أجيب كريستيان، نظرت إلي سيلفيا بعينين واجمتين، وسألتني عن أمرٍ لم يكن يعنيني البتّة. تذكرت الآن ما قالته لي ذاك الصباح - هل ستحضر معنا إلى الحفلة هذا المساء؟ لم أجبها على الفور، كنت أرغب أن أصرخ في وجه كريستيان: لماذا ربطت مصيرك مع هذه الأفعى الجميلة يا رجل؟ سيلفيا قادرة على خلع سقف بيتك، لتبقى وحيداً في فراشك خلال ليالي الشتاء الباردة. - أعمل جاهداً لإنهاء هذا العمل الروائي، ولكني لا أدري لماذا تعقّدت الأمور إلى هذا الحدّ، أشعر بأنّي غريب عن روايتي، أنسى أبطالي، والأحداث التي أحبكها تبدو غريبة عني، كلّما أردت الشروع بالكتابة أجد نفسي مضطراً لقراءة ما كتبت قبل ذلك. يبدو أنّ روايتي كتاباً مفتوحاً يا كريستيان - هل لديك أبطال محبوبين في هذه الرواية؟ هل تكره أحدهم بالرغم من أنّهم من صنع يديك. - لا أبداً، أحياناً أجد نفسي مضطراً لقتل أحد أبطال روايتي، حين يصبح مزعجاً وغير مريح للنصّ، ولكن هذه الإجراءات تأتي دون تخطيط مسبق، تأتي عفوية - هذا المساء ألكسندر يقيم حفلاً صاخباً في نزله .. صدّقني، حفلات ساشو* لا تفوّت. ما رأيك أن تشاركنا. قاطعتنا سيلفيا دون أن تشعر بأيّ حرج. شخصية هذه المرأة فريدة من نوعها، وهي عنيدة حتى الغثيان، لا تملّ ولا تسأم، وتدرك بأنّي أحتقرها ولا أطيق حضورها، ولهذا تفرض حضورها وتقاطعني في كلّ مناسبة ممكنة. - أنت يا سيلفيا مغرمة بالحفلات، ولا يمرّ يومٌ دون أن تسلّطي الأضواء عليك، وما دمت تصّرين على حضوري فسأكون أوّل المدعوّين. استمرّت سيلفيا تنظر من خلالي، وكانت ردّة الفعل الوحيدة التي أظهرتها سكبها لما تبقّى من كأس الويسكي في جوفها، وسرعان ما ملأت الكأس مجدّداً، كنت على ثقة من أنّها على وشك الانهيار، طبعها الحادّ سيبطل لقاءنا في أيّ لحظة قادمة. - حاذري ألا تثملي يا حبيبتي الصغيرة. قال كريستيان بصوته الدافئ، لكنها أجابت بحدّة - وماذا لو سَكِرْتً يا كريستيان .. أنا في نهاية المطاف إنسان، والسكر ليس حِكْراً على الرجال. في تلك اللحظة، كانت رغبتي بصفعها كبيرة، لكنّي أمسكت، كنت أشعر بالشفقة على الرجل ذو القلب الكبير الذي كان يجلس قبالتي. كيف استطاع أن يحتملها طِوالَ هذه السنين، الحبّ يعمي القلب والعقل في كثيرٍ من الأحيان. - سيلفيا أنت غير قادرة على احتمال وطأة الكحول، وتبدين شرسة وقبيحة حين تثملين، لهذا من الأفضل أن تتوقفي عن جرع الويسكي وكأنّه ماء حميم. كنت حادّاً في ملاحظتي، بل كنت في الواقع أحاول أن أتحدّاها وليتني لم أفعل. نظرت إلي والشرر يتقادح من عينيها، كانت مصرّة على تنفيذ ما عزمت القيام به، جرعت كأسين آخرين من الويسكي، أشعلت سيجارة، أركنت مرفقها على الطاولة أمامها، وقالت: - إلى متى ستمارس حياتك على حساب كريستيان الخاصّ؟ كانت الإهانة كبيرة للغاية، لم أكن قادراً على الصمت من ناحية، وكنت محتاراً في كيفية الردّ عليها، خاصّة وأن كريستيان شعر هو الآخر بالحرج. - اللعنة يا سيلفيا .. هذا يكفي، أرجوك. انفجر كريستيان في وجهها صائحاً.

* ساشو: اسم التحبب لألكسندر أحياناً يفقد كريستيان القدرة على التركيز وتبدو اللثغة واضحة في حديثه، وهو الأجنبي والغريب عن هذه اللغة السلافية، لكن الكلمات خرجت من فمه واضحة، وكأنّه كان حريصاً على عقابها بطريقته الخاصّة، لم تتمالك سيلفيا أعصابها، انزاح مرفقها عن الطاولة، فسقط الجزء العلويّ من جسدها فوق المائدة، ورطم رأسها الصحن أمامها. رفعت برأسها غاضبة، وقالت هامسة - ذاهبة إلى المرافق لم تُزِدْ عمّا قالته كلمة واحدة .. - حاولي أن تستيقظي يا سيلفيا، اغسلي وجهك بالماء البارد. حين وقفت على قدميها، ضربت بطرف يدها كأس الويسكي أمامها، فوقع على الأرض، ملأ صوت الانكسار فضاء المكان، وفجّر معه الهدوء والانسجام الذي كان يسيطر على المقهى في ذلك الصباح الباكر. كلّ هذا لم يثنِها عن عزمها، ومضت بكلّ هدوء إلى المرافق الصحيّة دون أن تعتذر. بعد قليل حضرت كاتيا وبدأت بجمع كِسَرِ الزجاج في المكان. - مقرف. كانت تلك الكلمة الوحيدة التي تفوّهت بها كاتيا، ولم تُضِفْ على ذلك شيئاً. صحيح بأنّ تصرّفات سيلفيا كانت عدائية، ولكنها تعودّت على مثل هذه التصرّفات، خاصّة في المقاهي والحانات الرخيصة التي تقدّم الكحول. - أرجوك، أريد أن أدفع ثمن هذه الفوضى التي لحقت بالمقهى. قال كريستيان خَجِلاً. عندها لم أمتلك نفسي، وصرخت في وجهه: - لماذا تصرّ على اقتناء هذه الحثالة في بيتك يا صديقي؟ نظر إليّ كريستيان فَزِعاً وقال: - لقد تحدّثنا بهذا الشأن قبل ذلك يا نيكولاي، أنا أحبّ هذه المرأة، بدون حدود، وبدون تكلّف. أحبّها بدون تصنّع .. أعشق جنونها، وحدّة طباعها. أنا غير قادر على الوجود دون حضورها الدائم في حياتي كلّ يوم .. كلّ لحظة. - أنت حالة ميئوس منها يا صديقي .. اللعنة! - نعم .. هذه عبارتك المفضّلة .. أخبرني على أية حال، كيف تسير أمورك الحياتية؟ حسناً .. وبكلّ صراحة، كيف تسير أمورك المالية. - ألا ترى بأن نهاري يبدو غريباً بعض الشيء؟ وسأقول لك السبب الذي يدعوني للتفكير بهذه الطريقة. جميع الذين التقيتهم اليوم مهتمون بأحوالي المالية! جميعكم تريدون أن تعرفوا حجم الأوراق المالية الموجودة في محفظتي يا كريستيان! - حسناً يا صديقي، اتّصل بأنطونيو، يقوم هذه الأيام بتصوير دراما سينمائية، من الممكن أن تحصل على أحد الأدوار الصغيرة، ميزانية الفيلم جيدة، وأعتقد بأنّك ستحصل على مردود جيد. - لا أدري كيف أردّ لك الجميل يا كريستيان .. أشكرك .. أنا مدين لك. بعد قليل حضرت سيلفيا، كانت قد غسلت وجهها بالماء البارد، وكان من الواضح بأنّ الأمور قد أخذت تعود إلى طبيعتها، وكان لقاؤنا العابر في هذا المقهى الصغير قد وصل إلى نهايته. كنت قد سئمت حفلات الصخب والضجيج الذي يضفيه ألكسندر على حفلاته، ولكنّي كنت أعلم بأني سأقابل شخصيات مثيرة هناك، كما أن الطعام والشراب لا ينقطع ولذيذ للغاية، ويناسب عضلات معدتي المرنة، وغالباً ما أجد سقفاً أمضي في ظلّه ليلتي. أخذت أشعر بثقل السنين على جسدي، وكنت أرغب في إيجاد مكانٍ آمن ألوذ إليه كلّ مساءٍ. مكان لي وحدي، وأنا أقبل بغرفة على السطوح، أو حاوية قديمة على حافة الطريق، بضعة أمتار فقط، تقدر على ضمّ جسدي وكتبي وأشيائي القليلة المتناثرة، فهل هذا كثير؟ كاتيا غالباً ما كانت تشفق علي، فتتركني أرتاح قليلاً عند ساعات الظهر بينما هي تغسل الصحون وتقدّم الوجبات السريعة للزبائن، عندها كنت أسارع للاستحمام، ونيل قسط من الراحة، كلّ شيء في بيتها الصغير مرتّب، كانت بعيدة كلّ البعد عن الفوضى، وهذا ما يساعدني على كتابة بضعة صفحات من هذه الرواية التي سئمتني وسئمتها. كاتيا أعطتني مفتاح بيتها، وطلبت مني أن أترك بيتها قبل عودتها وأن أضع المفتاح في صندوق البريد، كنت متعباً في ذلك اليوم، كانت سيلفيا قد امتصت كلّ رغبة لدي للعمل والحياة والكتابة، سيلفيا كانت تمتلك طاقة سلبية تكفي لإجهاض رحلة فضائية محمولة على أجهزة دفع ذاتية عملاقة. وهكذا خلدت للنوم بعد أن شعرت بالأثر السحري الذي يتركه الماء الدافئ في روحي وجسدي، وما أن وضعت رأسي على المخدّة حتى غِبْتُ في نومٍ عميق، كنت مجرّد جسد بالي يشخر كقطار قديم يعمل على الفحم الحجري. استيقظت وجرس الباب يرنّ بشكل متواصل، نظرت إلى الساعة، فوجدت بأنّي نمت وقتاً طويلاً، ولا بدّ أن كاتيا قد عادت من عملها. لقد أفسدت حياة هذه الفتاة بأنانيتي المفرطة. كنت أتجنّب دائماً البقاء مع كاتيا تحت سقفٍ واحد، كانت تعني لي الكثير، ولم تكن بالنسبة لي مجرّد جسد اختزله على عجل. سرعان ما ارتديت بنطالي وكنزتي الصوفية، وضعت ردائي فوق كتفي وكنت على أهبة الاستعداد لمغادرة المنزل فوراً، وحين فتحت الباب كانت تقف هناك مرتبكة. - أنا آسف يا كاتيا لقد نِمْتُ طِوال الوقت! - لا بأس .. هذا يعني أنه بإمكانك تناول فنجاناً من القهوة بصحبتي، يبدو بأنّك لست مستعجلاً للذهاب إلى مكانٍ ما؟ في تلك اللحظة، كنت أشعر بأنّ الدنيا تدور من حولي، وكانت لدي رغبة هائلة بشرب القهوة والتهام سيجارتين دفعة واحدة، برفقة المرأة التي أتمنى أن تكون آخر شخص تراه عيني قبل أن أفارق الحياة. عدت إلى الجنّة، خلعت معطفي، بينما غابت كاتيا في عالمها الأنثوي، تنقلت ما بين الحمام والمطبخ، وعادت بعد قليل تحمل بين يديها القهوة والحلوى، وابتسامتها. - وردية صعبة على ما يبدو يا كاتيوشا؟ سألتها متعاطفاً. - ليس هناك من جديد، لقد تعوّدت على هذه الوضعية، أطنان من الملاعق والصحون وما شابه لا تنتهي في مجلى المقهى، وما أن أنتهي من غسلها حتى أسارع بتقديم طلبات الزبائن، وعادة ما يكونون في عجلة من أمرهم. - لماذا لا يوظفّون بعض العمال للتخفيف من وطأة العمل؟ - نعم .. طاقم العمل ليس مكتملاً، كلتا زميلتاي تغيبتا عن العمل لأسباب صحية، هكذا الحال في فصل الشتاء، لماذا لا أصاب أنا الأخرى بفيروس يقعدني في البيت لبضعة أيام؟ حتى المرض يجافيني. وأنت قضيت الوقت كلّه في النوم يا عزيزي. - نعم .. هذا صحيح، لقد نمت كما لم أفعل من قبل، بالمناسبة، ما رأيك لو تحضرين معي للمشاركة في حفلة صاخبة، تنسيك جميع همومك اليومية، أنت بحاجة لتغيير هذه الرتابة القاتلة يا صغيرتي .. اتفقنا؟ - لا يا عزيزي، تستطيع أن تغادر لحفلتك وقتما تشاء، أما أنا فسأضع قدميّ في وعاء كبير مليء بالملح والماء الساخن، أنا بحاجة ماسّة للراحة ولن أغادر البيت هذا المساء، في هذه الأوقات، هناك الكثير من المسلسلات التافهة على شاشة التلفزيون الوطني، أنا قادرة على النوم أمام التلفزيون. أشعلت سيجارة، وكنت أتجنب النظر إلى عينيها مباشرة، كان لدي إحساس بأننا عائلة واحدة، وهذا ما زاد إحساسي بالحرج الشديد، كانت رغبتي بمغادرة المكان على عجل لا تقاوم، وفي الوقت نفسه، كنت أرغب بتقبيل شفتيها وضمّها إلى صدري مطوّلاً. كان بإمكاني امتلاكها الآن وعلى الفور، دون أن أنتظر خلعَ ملابسها، دون أيّ تردد أو ممانعة من طرفها. يا إلهي .. كانت تلك رغبتها المطلقة في تلك اللحظة. شربت آخر قطرة من قهوتي، أشعلت سيجارة أخرى كما وعدت نفسي، ووقفت على الفور. - كاتيا .. أنت أجمل شيء في حياتي، أقسم بأنّي أقول الحقيقة. - هل أنت واثق مما تقول. أغمضت عينيها، كانت كأنها مخدّرة في تلك اللحظة، وكانت تنتظر منّي قبلة جارفة، إذا لم يكن أكثر من ذلك. وهذا ما فعلت تماماً، وضعتُ على خدّها قبلة بريئة، مسّدت شعرها الأسود اللامع بطرف أصابعي، وانطلقت مغادراً دون أن ألتفت إلى الخلف. - ربما يوماً ما .. التفتّ إليها وابتسمت قائلاً: - من يدري؟ ربّما يوماً ما .. كان من السهل التواصل معها، كلمة واحدة، إشارة عابرة لتدرك على الفور ما يجول في خاطري. ما الذي يمكن أن يحدث بيننا يوماً ما يا كاتيا، من السهل أن نبدأ قصة حبّ جميلة، ولكنّي آنذاك كنت بحاجة للحرية وبكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى، حرية فكرية، دون أسئلة والتزامات شخصية، دون لومٍ أو تأنيب ضمير، وضرورة العودة إلى أحضان امرأة في ساعة محدّدة من الليل أو النهار. كنت مصرّا على الحفاظ على استحقاقاتي هذه، ولكنّي في واقع الحال لم أكن أمتلك خيارات عديدة، كنت أملك عاطفتي الجياشة، وإشباع رغباتك الجنسية بين الحين والآخر. هل يكفي هذا لإرضاء امرأة من الطراز الذي تنتمي إليه كاتيا؟ مستحيل. إذا اقتربت من عالمها العاطفي، فستجرفني بأنوثتها بكلّ سهولة، ستلاحقني أينما توجّهت، وستجعلني جزءً من عالمها الخاص، لن تتنازل عنّي، ولن توافق على مشاطرتي مع نساء أخريات. عليّ أن أعترف لكم أعزّائي القرّاء، بأنّني كنت أرتعد خوفاً من سطوتها في تلك اللحظة، وكنت أستمع لصوت داخلي يصرخ فيّ قائلاً: أهرب يا نيكولاي .. لا تلتفت إلى الخلف أبداً. وجدت نفسي وحيداً في الخارج، كان الطقس بارداً للغاية، لكن السماء كانت قد توقفت عن الجَودِ بكتل الثلج الصغيرة، كانت سيارات أمانة صوفيا تعمل على تنظيف الشوارع من الثلوج المتراكمة، وكانت تقذف بها إلى أرصفة الشارع دون أن تهتمّ بالمارة. تذكرت بأنّي أمتلك بطاقة مغناطيسية، وكان لديّ بعض الرصيد، ألقمتها الهاتف العمومي، وطلبت رقم أنطونيو. - برونتو .. قال أنطونيو بصوته الرخيم الهادئ . - كالعادة، نيكولاي من يتسبب بإزعاجك في مثل هذا الوقت. هل لي أن أسأل إذا كان بإمكاني المشاركة في فيلمك يا أنطونيو. - أنا بحاجة لشخصِك لإحدى اللقطات المأساوية، فأنت أفضل من يقوم بها .. على أية حال، سأنتظرك غداً في أستوديو (بانكيا)، أعتقد بأنّك تعرف أين تجدني هناك؟ - بالطبع أعرف المكان يا أنطونيو .. إلى الغدّ .. تشاو. سارعت بإنهاء المكالمة، الهواتف الخلوية تبتلع النبضات المغناطيسية، ومعها كامل الرصيد، لم يبقَ في بطاقتي سوى القليل. ولكن، ألم يحن الوقت للعبث، إنّها الحفلة ذاتها، التي دعتني إليها سيلفيا مراراً. ألكسندر شابٌ غنيّ، يحب تنظيم الحفلات في فيلته الشهيرة في منطقة دراغاليفسكي، الواقعة بالقرب من جبل فيتوشا البركاني الخامد. كان يعشق أمسيات الفرح الصاخبة، وكنت أجده غريب الأطوار. أحياناً كان يظهر للملأ كفنان تشكيلي، وكان يدّعي بأنّه يمتلك موهبة فطرية، لكن الزمن خانه وتاهت موهبته في مهبّ الريح. أنا شخصيّاً لم أتعرّف عن قرب على فنّه، ونادراً ما شاهدت إحدى لوحاته، معظم حاشيته كانوا مولعين بفنّه وموهبته، أمّا أنا فقد كنت مهتمّاً بمعرفة مصدر ثروته وهو الذي ما يزال في مقتبل العمر. من الصعب أن يتمكن شاب كألكسندر، الذي لم يتجاوز عمره الثامنة والعشرين من جمع كلّ هذه الملايين. لهذا كان يحبّ ألكسندر دعوة الفنانين والكتّاب من حوله. حتى يُضفي على نفسه هالة من الروحانية، ويبدو في أعين الآخرين كمدافع ومحامي عن الفنّ والفنانين. عزبة ساشو أو قصره الصغير كان مصدراً للضجيج خلال ساعات الليل، ولكنّ مساحة الأرض التي كان يملكها كبيرة، وكان النزل شبه معزول عن المحيط الخارجي، كما أن منظر الحرس مفتولي العضلات، كان كافياً لردع أيّ كائن حيّ من تقديم شكوى سوى للخالق، ولكنّي وجدت المكان هادئاً على غير عادته ذلك المساء. يبدو بأنني وصلت إلى دراغاليفسكي مبكّراً، ضغطت جرس الباب دون تردّد، ودلفت إلى الداخل. تفاجأت حين شاهدت عدداً كبيراً من الشباب والشابات هناك، كانوا ببساطة يقومون بتجهيز مكبّرات الصوت والأجهزة الموسيقية استعداداً لليلة أخرى معربدة ومتوحّشة. - نيكولاي .. أهلاً صديقي .. أين اختفيت طِوالَ هذه المدّة، لم أرك منذ زمن بعيد. قال ألكسندر ضاحكاً، ومدّ يده للمصافحة. عانقني الرجل بحرارة، ربّت على ظهري، ودفع بي إلى مركز الحدث، حيث كان قد تجمهر الكثير من (الأصدقاء)، كنت أعرف معظم روّاد المكان، ولكنّي لم أشاهد سيلفيا وكريستيان بين الحضور. من الواضح بأنّهم سيحضرون لاحقاً، ليس قبل أن تضع سيلفيا عدّة طبقات من مستحضرات التجميل، وليس قبل أن تبدّل ثوب السهرة عدّة مرّات أمام المرآة. لن تحرّك مؤخرتها الجميلة قبل أن تحرق قلب كريستيان، وفي الحقيقة، كان كريستيان يفكّر برأسه الصغير القابع بين فخذيه، وهذا ما كان يقرّبه يوماً بعد يوم إلى حافة الجنون. كان الجوّ حاراً في الداخل، خلعت معطفي وعلّقته على المشجب في مدخل المنزل، حييت بعض المعارف، محاولاً أن أكون مرحاً بعض الشيء، صببت نبيذاً أحمراً في كأسٍ كبيرة، وأخذت أتذوّق طعمه ورحيقه النافذ. هذا النوع النادر والثمين يصعب أن تجده في أيّ منزل، ولكن لدى ألكسندر كان متواجداً بكثرة. كان بإمكان هذا الفتى ممارسة الحياة برفاهية غير محدودة. جلست في مكانٍ ما، دون أن أعير أدنى اهتمام للأجساد البشرية الراقصة من حولي. وللحظة خاطفة من الزمن تذكرت كاتيا حين تركتها عند عتبة باب بيتها الصغير كفتاة يتيمة مفجعة برحيل آخر من تحبّ، كان هناك حزنٌ مقيمٌ في عينيها .. مجرّد عواطف جيّاشة يا نيكولاي، هذا كلّ ما هنالك، لا تحمّل الأمور أكثر من طاقتها. ولكن، أنظر من حولك، المكان مليء بالحسناوات، نساء ظمأى للغرام والهوى، دَعْ عنك كاتيا، وانهل من نبع الحياة هذا. - بصحتك؟ جاء الصوت من امرأة كانت تجلس إلى جانبي، كانت في الثلاثين من عمرها، شقراء، وكانت عيناها في منتهى الوقاحة. التفتّ نحوها ورفعت كأسي قائلاً: - بصحتك .. أنا نيكولاي. - ميلِنا. مدّت يدها الصغيرة مصافحة، وأضافت قائلة: النبيذ فاخر، أليس كذلك؟ - نعم، في منتهى الروعة. أخبريني يا ميلِنا ما هي اهتماماتك؟ - أعمل كسكرتيرة، أحب الشعر، وأحاول كتابته ما بين الحين والآخر. - صحيح بأن ساشو خبير بأمور البشر، يعرف من يدعو إلى حفلاته، ويعرف كيف ينتقي أصدقائه أيضاً. - نعم .. معظم الحضور أشباه مثقّفين، كتّاب وشعراء وفنانين. - هذا ليس بالأمر السيئ، لكلّ قطار حمولته. شعرت بأنه يسهل التعامل مع ميلِنا هذه، فهي تحسن الاستماع وتتحدث بطلاقة، دون مجاملات أو مقدّمات. - وأنت يا سيد نيكولاي، ما هي اهتماماتك، وما تعمل؟ كنت سأبدو مغفّلاً وغبياً إذا أخبرتها بأنني أكتب رواية، هذا كلّ ما أقوم به الآن. لا يمكن أن تكون كتابة رواية مهنة، وما دامت هي تعمل كسكرتيرة، إذن فأنا أعمل في صبّ الحديد والمعادن المنصهرة. - أعمل في كريميكوفسكي*. - واو! هذا يتطلّب مجهوداً كبيراً. - نعم، ولكني بهذا أتمكن من الحصول على أوقات فراغ طويلة للغاية. أعمل أسبوع في صبّ الفولاذ، ثمّ أرتاح خلال الأسبوع الثاني. وهكذا تكون الفرصة أمامي متاحة لكتابة الشعر والأدب. مثلك تماماً. - هذا رائع، يعجبني كثيراً هذا النمط من الرجال. أنا مطلّقة، باختصار أنا امرأة حرّة، ولدي الكثير من الوقت. أوقات الفراغ تكاد لا تنتهي في عالمي. - ما رأيك لو نلتقي في إحدى الأمسيات. كانت ميلِنا مستعدّة لقبول هذه الدعوة، لم يكن ينقصها الثقة والوقاحة أبداً، نظرت إليّ وقالت حالمة وبصوت واعد. - وهذه الليلة أنّا حرّة تماماً .. لا داعي لإضاعة الوقت. هذا المساء، بل هذه الليلة .. ادعوك لقضائها في بيتي. لتحيا الهرمونات، مرّة أخرى سقف مجانيّ وعواطف جديدة دون حساب. يبدو بأنّها عطشى للجنس، ولكن هذا ليس بالأمر السيئ. اختراع الواقي عبقرية، في تلك اللحظة، شعرت بأنّي قد أصبحت سلعة رخيصة للغاية. هل يُعْقَل بأن أوافق على النوم مع أوّل ثوبٍ يُرْفَعُ طَرَفُه؟ ما دام لديه المأكل والمأوى. انطونيو قادرٌ على أن يوفّر لي ما يكفي لسدّ حاجتي لمدّة شهر أو اثنين. ولكن ما العمل بعد ذلك؟ يبدو بأنّ ما تحدثت عنه قبل قليل بخصوص كريميكوفسكي، سيتحقّق في القريب العاجل. كنت أعرف نظام العمل في هذا المجمّع الصناعي العملاق، وكنت على ثقة من كريميكوفسكي*: مجمّع صناعي عملاق، يقع بالقرب من صوفيا أنّني سأشعر بالأمان في مثل ذلك المكان، لإدراكي بأنّني وحدة إنتاج لا أكثر ولا أقل، موجة في بحرٍ متلاطم، قطرة ماء في مستنقع، رقم وطني في بلادي المجحفة، وفي نهاية ورديتي، سأذهب لمحاسب القسم، لينفحني أجراً ليس بالقليل مقارنة بالمستوى الوسطي للحياة في بلغاريا. - نيكي*، هل لي برقصة لو سمحت؟ وقفت ووضعت يدي على خصرها، وما كان منها إلا أن وضعت شفتيها على عنقي، حاولت الابتعاد عنها قليلاً، هذه المرأة مصّاصة دماء محترفة، وفي تلك اللحظة نظرت إليّ بحيرة، عندها لم أجد بدّاً من تسليم نفسي لها. ضممتها بشدّة إلى صدري، الم أقل لكم بأنّني بضاعة رخيصة للغاية، ومن السهل أن تتمكن سكرتيرة من معالجتي. كنت أدرك أيضاً، بأنّني إذا اقتربت من شفتيها، فلا بدّ من المضيّ معها حتى النهاية. كانت الأغنية الهادئة قد انتهت، وبدأت أخرى أكثر ديناميكية من سابقتها، لم يكن هناك ضرورة لمعانقتها أكثر من ذلك، كنت أملك وقتاً إضافياً للتفكير قبل أن أقرر المضيّ معها حيث تشاء. جلست في مكاني، بينما استمرّت ميلِنا بالرقص، كانت تنظر إليّ بين الحين والآخر، وكنت أرسم على وجهي كلّ مرّة ابتسامة عريضة، كانت تبدو جميلة ورشيقة حين أنظر إليها من تلك المسافة القصيرة. بعد قليل، حضر لطرفي مضيفي ساشو، ملأ الكأسين بنفسه ورفع نخب صداقتنا. - بصحّة هذه اللحظات التي لا تعوّض أبداً. كيف حالك يا نيكي؟ - بخير .. أشكر اهتمامك يا ساشو. - أرجو أن تخبرني قبل أن تغادر المنزل، أريد أن أسألك عن أمرٍ بعض الأمور المشتركة. - حسناً .. كما تشاء، هل ما زلت تمارس هواية الرسم؟ - آه .. إذا كان لا بدّ من الصراحة، ليس لديّ الكثير من الوقت في الآونة الأخيرة للرسم، العمل يأخذ منّي النهار كلّه وجزءً من الليل أيضاً. ولكني أجد الشجاعة أحياناً لمداعبة فرشاة الرسم. قال ساشو فخوراً. - لا بدّ من إقامة معرض لهذه اللوحات يا صديقي. - لا .. لا تبالغ يا نيكي. مجرّد هواية، ولا أعتبر ما أقوم به إبداعاً يستحقّ إقامة معرض. ربّما نلتقي خلال إحدى أمسيات السبت أو الأحد للتحدث عن الفنّ وهمومه، والآن أعذرني فلديّ الكثير من الالتزامات، كما ترى ضيوفي كثيرون، والمجاملة مطلوبة .. هذه إحدى لعنات العصر. الحفلة في منتهى التألق، متّع نفسك قدر الإمكان. أخيراً حضر كريستيان وسيلفيا. يا إلهي، كم تبدو جميلة ومميزة بين كلّ هذه النسوة. كانت ملكة، إلهة قادمة من أعماق الحضارات الغابرة، وكانت تدرك بأنّها قادرة على ليّ أعناق الرجال أينما حلّت. ولكنّها ذات الوقت، كانت شيطان يرتدي فستاناً. بالطبع، لاحقتها نظرات الرجال شهوة، ونظرات النساء حسرة وغيرة وحسد. كان الرجال يراقبون كلّ حركة تقوم بها، وكانت أعينهم تحدّق في صدرها العاري حتى منبع الثديين، جسد يَعِدُ بالكثير من المفاجآت، خاصة عندما تنتحي لسببٍ أو لآخر. كانت قد تعوّدت على أن تكون مركزاً للاهتمام، ولهذا لم تكن تفوّت أيّة مناسبة للظهور والمشاركة في الحفلات الصاخبة. - أخيراً ظهرت يا كريستيان! - هل اتصلت بأنطونيو؟ - نعم، غداً سأقابله في بانكيا، لقد عرض علي إحدى الأدوار الثانوية. شكراً لك يا صديقي. - دائماً تتحدثون عن العمل، رجال! قاطعتنا سيلفيا وكان من الواضح بأن مزاجها جيداً خلال تلك نيكي*: اسم التحبب من نيكولاي الأمسية. - هناك الكثير من النبيذ والشمبانيا، لماذا لا تملئين كأسك يا جميلتي؟ قلت لها مشجّعاً. كان من الواضح بأنّها ترغب الاستماع لاعترافي بجمالها الصارخ، ابتسمت وانطلقت منها ضحكة دلالة على رضائها الكامل عن نفسها، كريستيان أيضاً كان يشعر بالفخر حين يكون إلى جانبها، لا شكّ بانّ الكثير من الرجال كانوا يحسدونه، باستثنائي طبعاً، وكانت هي تدرك هذه الحقيقة. ذهبت سيلفيا لإحضار بعض الطعام والشراب. نظرتُ إلى كريستيان وقلت له ضاحكاً: - جميلة ومزاجية يا صاحبي! - نعم .. لكلّ شيء ثمن يا نيكي. - أنتم الإيطاليّون معروفون بدمائكم الحارّة، ومزاجكم العاصف، كيف تمكنّت منك سيلفيا طِوالَ هذه المدّة؟ - لم تحضََ بمعاشرة الإيطاليات، لو فعلت ذلك، ربّما كنت ستغيّر رأيك. - نعم .. لا بدّ أنّ الأمر كذلك، النساء متشابهات في العديد من القضايا، ولكن كلّ واحدة منهنّ تحتفظ بحضور ورونق مميّز، أقدّم لك ميلِنا، سكرتيرة، وتمتلك أصابع من الحرير الخالص. كانت تقف أمامنا مباشرة، وكانت تحدّق بي عاشقة مدلّهة. اقتربت منّا ومدّت يدها لتصافح كريستيان، الذي سارع بتقبيلها. كان مهذّباً، ويتقن أصول بروتوكولات التعامل كالعادة. - أهلاً عزيزتي .. أنا كريستيان. لم يكن بالإمكان الاستمرار بالمحادثة، بعد أن رفعوا صوت الموسيقى إلى أقصى درجة ممكنة. سارع كريستيان للانضمام إلى حسناءه ليظهر مهاراته في فنون الرقص، كان يتقن رقص التانغو والسالسا، وغيرها من أنواع الرقص المختلفة، أمّا ميلنا فسارعت للالتصاق بي، وسرعان ما أدخلت لسانها في جوف فمي، لتقطف قبلة أقلّ ما يمكن أن يُقال بأنّها شريرة. كانت على وشك الانفجار، ولم تكن قادرة على الانتظار حتى انتهاء الحفلة. كانت تعرف جيّدا جميع خفايا المنزل، سحبتني من يدي وجّرتني لإحدى الغرف النائية في النزل، أغلقت الباب خلفها، وسارعت بخلع الملابس عن جسدها، أبقت أخيراً على ملابسها الداخلية، في تلك اللحظة لم أفكّر كثيراً، تعرّيت، وحاولت أن أخلع بعنف ما تبقّى على جسدها الرقيق من ملابس. عندما وصلت لحمالة الصدر، مانعت وأبعدت يديّ برقّة. لا بأس يا سيدتي، حافظي على صدرك، ما دام الطريق مفتوحاً إلى جحيم جسدك. كنت ممتناً لأن الموسيقى صاخبة وقويّة، لأن ميلِنا كانت تصرخ بملء صوتها من حمّى الشهوة طِوالَ الوقت. كانت قد بلغت قمّة المتعة بضع مرّات، قبل أن أدرك ما الذي أفعله مع تلك المرأة في تلك الغرفة الخاطئة . كم كنت أخشى من العلاقات السريعة العابرة، وها أنا أكرّر الغلطة للمرّة الألف ربّما، كنت على ثقة من فشل هذه العلاقة، حتى قبل أن أشرع بارتداء ملابسي. لماذا نسيت استخدام الواقي، أتمنّى ألا تكون مصابة بأحد الأمراض السارية الفتّاكة. انتهى كلّ شيء بسرعة، تماماً كما تبدأ الحياة سعيرها كلّ صباح. - لقد كنت أكثر من رائع أيّها العاشق. - ما برجك يا ميلِنا؟ - برج السرطان. - حسناً .. دعينا نعود إلى الحضارة مجدداً، ولكن أخبريني قبل ذلك بالله عليك، هل أنت نظيفة .. أقصد غير مصابة بمرض معدي أو ما شابه ..؟ - لقد اضطررت لإجراء عملية جراحية قبل بضعة أشهر، ولهذا قاموا بإجراء كافّة الفحوصات الطبية الممكنة. أؤكد لك بأنّي نظيفة وخالية من جميع الأمراض الجنسية الممكنة. ولكنّي لا أدري إذا كنت أنت كذلك أيضاً؟ شعرت بالطمأنينة لأنّني كنت أجري فحوصات طبية بشكلٍ دوريّ، فأنا ببساطة لا أثق برفيقاتي، وغالبا ما كنت أتنقل من طيرٍ لآخر خلال أيام أو أشهر. ارتدينا ملابسنا وعدنا إلى الصالة حيث الضجيج وعربدة الموسيقى والقهقهة والضحك المتقطّع، تناولنا بعض الطعام والشراب، وجلسنا في مقاعدنا السابقة. في تلك الأثناء، كانت سيلفيا وكريستيان يرقصان في منتصف المكان. كنت أشعر بالدوار، وأخذ الصداع يهاجم خلايا رأسي، نظرت لميلِنا وسألتها مباشرة: - ما طبيعة العملية التي أجريتها إ ذا لم يكن الأمر سرّاً؟ - أرجوك .. لا أريد التحدّث عن هذا الآن. - ولماذا؟ دعينا نعتمد الصراحة منذ اللحظة الأولى. - شؤون نسائية .. أرجوك يا حبيبي لا أريد التحدّث عن هذا الموضوع. اتفقنا؟ بعد وهلة، أدركت سرّها، نظرت إلى صدرها نظرة خاطفة، وأدركت هي حركة رأسي والمكان الذي استقرّت عليه عينيّ. إذن، هذا هو السبب الذي منعها من خلع حمّالة صدرها، لم يكن لها صدراً، استأصله مبضع الجراح كما هو الحال مع ملايين المصابات بسرطان الثدي. ربّما يوضّح هذا عطشها للجنس والحنان. - نيكي؟ - لا بأس يا عزيزتي، كلّ شيءٍ على ما يُرام. عادة ما تصبح المرأة شديدة التحسّس بعد أن تفقد أحد رموز أنوثتها، ولا يمكن لميلِنا أن تكون استثناءً. المشكلة أنّني أصبحت هدفاً لردود فعلها العاطفية، ومخزناً لتفريغ شحناتها الذاتية السلبية المتراكمة، وكانت تهدف لامتصاص كياني كما تفعل الأفاعي المعمّرة، وكان عليّ أن أعوّضها ما فقدته مؤخّراً من مشاعر الدفء والحبّ. هذا بالطبع حقّها ما دمت قد وافقت على التوحّد مع جسدها قبل دقائق معدودة، ولكنّي بالرغم من ذلك، أجد الثمن باهظا. كنت بحاجة لإقامة علاقة عاطفية، ولكن ليس بهذا التعقيد. يبدو بأنّ علاقاتي التي أقمتها مؤخراً غير موفّقة. لا أجد تفسيراً منطقياً لهذه الرغبة الهائلة لامتلاك الآخر. كنت أرفض أن أكون ملكاً لأي شخص مهما كان مقرّبا وعزيزاً على قلبي. - نيكولاي .. تبدو سارحاً طِوالَ الوقت، أرجو ألا تكون رفقتي عبئاً عليك؟ - لا .. أبداً يا ميلِنا، أنت في منتهى اللطف، كنتِ كاللبؤة قبل قليل. غمزتها وابتسمت لها - هل يعجبك أن أكون لبؤة في فراشك؟ ضَحِكَتْ بعد ذلك، وكان من الواضح أنّ إجابتي كافية لإرضاء غرورها. كان هدفي أن تشعر بأنّها مصدر إلهام، وقادرة على إشباع شهوة رجل يحمل اسم نيكولاي. - اعذريني .. لا بدّ من الذهاب لدورة المياه. نظرت إلى ساحة الرقص، كان كريستيان يراقص ضيفة شابة، أمّا سيلفيا فكانت قد اختفت في مكانٍ ما. النزل كان كبيراً، والغرف كثيرة ومتفرقة على طول معابر المنزل. كان هناك بضعة حمامات ودورات مياه. معظمها كان مشغولاً، فتحت باب إحدى الغرف، شعرت بصدمة لا توصف عندما شاهدتها، كانت هي، تلك المرأة التي تحالفت مع الشيطان، سيلفيا .. مستلقية على ظهرها، مفرجة فخذيها، ومن فوقها مضيفنا ساشو يشخر بكلّ ما أوتي من رجولة وعنفوان. لوهلة من الزمن، جزءٌ يكاد لا يُذْكَر من عمر الثانية، التقت عينيها وعينيّ، أغلقت الباب على الفور، ساشو لم يلحظ وجودي، وعندها وُلِدَ سرٌ قبيحٌ ثقيلٌ بيننا، نحن اللذان كنّا نكنّ الصدام والعداء في علاقتنا المتوترة. هذه العاهرة لا تقيم أيّ اعتبار لتفاني كريستيان. القانون لا يحمي المغفلين، كريستيان يستحقّ هذا المصير وهذه الخيانة. ولكن من أكون أنا حتى أحكم على هذا الفتى، كلّ إنسانٍ يحمل مصيره على كتفه ويسير نحو جنّته أو جحيمه، قبل ألفي عام، حمل المسيح صليبه على كتفيه وسار نحو الخلاص الأبديّ. سيلفيا كانت تعلم جيداً ما الذي تقوم به، من جهة كان كريستيان لعبة بين يديها، عاشق تسري في عروقه دماءٌ إيطالية، وتفاخر بين قريناتها بامتلاكه وطاعته، ومن ناحية أخرى، ساشو كان يمثّل الرجل ذو المال والجاه والإمكانات غير المحدودة. هذه المعادلة كانت مناسبة لها، ولن تتخلّى عن أحدهما مهما حدث. نهاية الممرّ شاهدت باباً خلفيّاً، يؤدي لحديقة النزل، ومن هناك، دلفت إلى الفضاء الخارجي والحريّة المنشودة. قابلت أحد معارفي، طلبت منه أن يحضر معطفي من داخل القصر، لم يتردّد لحظة واحدة عندما قرأ آيات الألم تتفاعل في عينيّ، لم يسألني أيّ شيء، أحضر معطفي، ربّت على كتفي واختفى في باطن خليّة النحل حيث تقاطعت حيوات الكثير من روّاد المكان خلال تلك الأمسية. وضعت المعطف على كتفي، وسرعان ما وجدت نفسي في شوارع دراغاليفسكي المُقْفِرَة، أوديت بجميع خططي بقضاء ليلتي تحت سقف ساقطة أو امرأة عابرة. غريب؟ لم أكن رخيصاً إلى هذا الحدّ. ولكن ماذا يمكنني أن أفعله في مثل هذا الوقت المتأخّر من الليل؟ بالرغم من كلّ ذلك، أشعر بالسعادة، كنت حرّاً وبإمكاني أن أنام تحت جذع شجرة، وأتجمّد مع أغصانها في انتظار الربيع الذي لا بدّ أن يحلّ في سماء حياتي يوماً ما. وضعت يديّ في جيوبي محاولاً أن أسرق بعض الدفء من بطانة الصوف، وهناك، وجدت قطعتين من الأوراق المالية من فئة الخمسين ليفا، قلّبتهما بين يديّ غير مصدّق، لا يمكن أن يفعل ذلك سوى شخص واحد اسمه (ساشو). شكراً لك أيّها اللصّ الشريف، شكراً لك أيّها العاشق! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خيري حمدان - بلجيكا : khairi.hamdan@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق