الجمعة، 1 مايو 2009

سوء تفاهم ابداع الكاتب المصرى بشر فارس - توفيق حنا

"ان القصصى لايستطيع ان يعطى ماشاء، على ان يكون مخلصا للحياة، للفن، للقارئ" اردت بهذه الكلمات القليلة ان اقدم تحية للرائد الشاعر بشر فارس بمناسبة مرور 44 عاما على رحيله.

الاهداء الى : من هذبتنى.. فشعرت" بشر فارس من الرواد.. فى القصة والمسرحية والنقد والبحث العلمى.. رحل عنا منذ سنوات ولايزال مكانه شاغراً . وهذا الفراغ ينطبق على جيل الرواد.. طه حسين.. توفيق الحكيم.. العقاد.. سلامه موسى.. احمد امين.. مصطفى عبد الرازق.. احمد شوقى.. بيرم التونسى... الخ الخ. ونحن نلمس فى كل اعماله الابداعيه والعلميه هذه الرغبة.. وهذا الحرص على التعدد.. من "سوء تفاهم" الى مسرحية "جبهة العنب" (وهى مسرحيته الاخيرة او وحيدته ) مرورا بهذه المسرحية "مفرق الطرق" التي ثار حولها معركة تقدمية اشترك فيها المخرج الكبير زكى طليمات. وفى مجموعة "سوء تفاهم" التى صدرت عن دار المعارف عام 1924.. والتى اشرف على اخراجها وكتابة عناوين قصصها بشر فارس نفسه – اذ كان يحرص على ان يكون شكل الكتاب مثل مضمونه وموضوعه متحققا فى الصورة التى يريدها .. فهو فنان يمتاز فى ابداعه وفى سلوكه وفى حياته بالاناقة والتأنق.. وهذا نلمسه ايضا فى اسلوبه الادبى والعلمى .. ايضا. وكان بشر فارس –ايضا- مهتما اشد الاهتمام بالتصوير وبالمنمنمات –على الاخص- والتى يطلق عليها miniature ورحل بشر فارس فى فبراير عام 1963 .. ولااجد من يذكر هذا الرائد المتميز بشر فارس.. ولا اجد فيما اقرأ ذكرا او دراسة لاعماله.. وارجو ان اكون مخطئا! عاش بشر فارس مغتربا فى وطنه.. ونلمس هذا الشعور بالغربة والاغتراب فى هذه القصة التى اراها ابدع قصص هذه المجموعة وهى قصة: " قيثار مغترب" .. ولعل هذه القصة محاولة فنية لكتابة " سيرة ذاتية " والقصة تحكى لنا ذكريات باريس وهذا اللقاء الحزين مع جماعة من الروس البيض الذين يعيشون بعيدا عن وطنهم. ويمارسون حياة المغتربين.. بكل ما فيها من شقاء وعناء وحزن. يحدثنا بشر فارس عن هذه الحياة البوهمية التى يعيشها فى باريس .. ويقول فى اسلوبه الاعترافى: "كنا الى جانب الاكثار من القراءة والاستماع نكثر من اكل الخبز وشرب الماء.. ايها القارئ الجوعان مع رقة الحال.. انت ادرى بفضل الخبز الكثير والماء الكثير...." وكان الجوع ورقة الحال يضطرانه الى اختيار مطعم متواضع.. ويقول : ".. فكنا فى اخريات الشهر نقصد الى مطعم روسى فى اقصى الحى اللاتينى . مطعم تقودك اليه روائح توابل حارة كأنها جمعت من انفاس اسرى القيصر.. اننا كنا نقصد الى ذلك المطعم، لان فتيات جمعن الى لمعة النجم لفحة الشمس. كن يخدمننا فى جلال ويباسطنا فى وقار، وكانت لهن انامل خلقت لمسح الوحدة ونسج العزاء وحل القسوة. قيل لنا انهن اميرات او نحو ذلك، قد اضطررن الى الجلاء عن روسيه والبلشفيه ثائرة" حرصت ان اسجل للقارئ نصوصا طويلة من ادب بشر فارس حتى ينضج اسلوب بشر فارس الفتى.. واوضح مافى هذا الاسلوب هو ولع وغرام الاديب الفنان بالتشبيه ثم يقدم لنا بطل هذه القصة "قيثار مغترب". "وذات ليلة كنا نتأهب لدفع الحساب، والتأهب لمثل هذا واجب شاق.. وبينما نحن نتأهب اذ رجل ضخم لم نره قط، يقتحم الباب اقتحاما، تترى يهتك خدرا، وكان الرجل مرتديا لباس سواق "تاكسى"، وكان يتأبط شيئا مستطيلا مدرجا فى كيس اسود.. ياترى هل سلب الرجل الليل سرا من اسراره؟" ويصف لنا بشر فارس احتفال الفتيات بحضوره: " انتبذت الفتيات بالرجل زواية اهملها الضوء، واحضرن له قنينة فودكا، والتففن عليه ازاهير لليل.." ثم يكمل هذه اللوحة: "سلك الرجل يده فى الكيس واخرج قيثارا، ثم اخذ يصلح الاوتار بالشمال ويعب الفودكا باليمين، حتى شد القيثار وارخى الجفن، ضرب وغمز فاسمعنا "اللحن الحزين" لتشيكوفسكى فتبسم فى الزاوية أدان الطرب ونقم الظلمه، لمحان الانامل تطفر وتهبط على رجفان الوله ودنف الصبابه" ثم يستكمل فارس الوان وحركات هذا المشهد الذى يتدفق حزنا وشوقا وحنينا: ".. ثم عزف الرجل للفتيات" "رقصة بنات كييف" .. ثم اخذت انامل الرجل تزيد فى اللمحان لارتجاج التزة فى العروق، فكادت الزاوية تنور، فتأملنا ارضا وشتها ورود ترفعها اعاصير الشمال، ثم حدقنا، فلمحنا موكب لوعات العذارى قد ترقى نحو الخدود والنحور.. ثم انتقل الرجل، الذى كان دوقا روسيا، من هذه الموسيقى الراقصة ومال الى الشدو. فغنى صوتا روسيا مشهورا، صوت "نازح معّنه التشواق".... وينتهى هذا المشهد فى رقة ناعمه حزينه دامعه: "سكت الدوق وسكن القيثار وخافت القلوب ان تخفق.. سلك فى مسرى الروح انقطع.. الصمت من العذاب .. احيانا" وتأثر شاعرنا الفنان المغترب فى باريس بهذا المشهد اعمق التأثر .. الذى الهمه هذه القصيدة.. ولعلى اردت ان احدثك عن هذه القصة حتى اجد فرصة ان اسجل للقارئ هذه القصيدة التى تكاد ابياتها ان تذوب دموعا.

نوح قيثار مغترب سلسل الوجد بالطرب حبس الامس فى وتر جن من جس مدكر سلسل الوجد بالطرب نقص نوبات منجذب شغل العجر بالسفر علق القلب بالخطر

حبس الامس فى وتر وارد هب كالشرر من اساطير كالشهب رقصت فى دجى الحقب

جن من جس مدكر وتر ورق للحسر وانصاب الهوى اللجب فى شرايين ملتقب نوح قيثار مغترب

وقارئ الشاعر الفرنسى بودلير يلمس بوضوح تأثر بشر فارس –شاعر- بديوان "ازهار الشر" .. ويقول الشاعر بشر فارس فى الهامش: "هذه القصيدة تجرى على بحر وضعه المؤلف. اجزاؤه! فاعلاتن مفاعلتن (مرتين) كتب بشر فارس هذه القصة "قيثار مغترب" فى القاهرة فى يناير 1940 بعد عودته من باريس. واكتفى هنا بتقديم قصة "قيثار مغترب" من مجموعة "سوء تفاهم" .. مجرد اشارة خاطفة لفن بشر فارس واسلوبه ومدى فهمه لفن القصة القصيرة.. شكلا وموضوعا ومضمونا.. وانا اراه من رواد الحداثه .. وهذا ماتؤكده كلماته.. اذ يقول: "يجب ان تكون القصة برقا لماحا طي سحب سوداء، والسحب السود هى الحياة الجياشة.. وهذه مشكله من حيث مباعثها ومن حيث دفائنها.. فالقصاص هو الذى يستطيع ان يبصر، يبعث من هذه المباعث او بدفينه من هذه الدفائن، فيدونها. ويجب ان تنطوى القصه على شاعرية فى الاداء وفى التصوير خاصة، حتى نفلت من جفوة الواقع. واما قوامها فرهافه فى تحسس القيم الانسانيه بمعالجه كأنها هينه، مادتها حادث تفه، عباره سانحه، شعور قد ومض، مع اجتناب التبيين المنطق" ثم يقول: "ومدار الانشاء الرفيع ان يجعل المنشئ القارئ يشاطره فنه، يلابس المنشئ تجربه ترجف حسه فينقلها وجوها الخفى الى القارئ، فى لطف وصدق، فالقصة ليست للتسلية، عليها ان تثير القارئ وان تشغل باله، ومابها حاجه الى حبكه متصلة السلك، بل شأنها ان تكون جسات تتدفق على لوح الحياة المتدفقه، فلا مقاطعه ولا توقف، ولكن مساوقه وتبسط. ذلك هو الايقاع الطافر الهابط، المستقيم المنكسر، لاتحبسنه خطه ملفقه فى ذهن المنشئ" ثم ينتهى الى هذا القانون الغنى: "ان القصصى لايستطيع ان يعطى ماشاء، على ان يكون مخلصا للحياة، للفن، للقارئ" اردت بهذه الكلمات القليلة ان اقدم تحية للرائد الفنان الشاعر الباحث الناقد بشر فارس بمناسبة مرور اربعه واربعين (44) عاما على رحيله فى فبراير 1963. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الناقد الكبير توفيق حنا : aupbc@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق