قلم: صادق إبراهيم صادق - مصر
المسرح باعتباره فنا يعتمد الحوار، أساسا، قد يتوقف فيه الكلام على توظيف المؤلف للأعراف الاجتماعية و أعراف الكلام. تشير أوبرسفيلد في هذا الإطار إلى أن الكتابة الحديثة تولي الاهتمام أكثر لصراع الأفكار و العواطف التي تنتج عن التعارض بين الأفراد و المؤسسات، و للحروب الكلامية التي تعتمد مختلف استراتيجيات الخطاب التي يعتمدها المخاطبون من خلال استغلال وضعيتهم : إن المسرح المعاصر يعتمد بصفة غالبة الخطاب العادي (واستراتجياته) لإظهار الحركية الخاصة بالعلاقات الإنسانية بالطريقة التي تتجلى عليها إستراتجية أفعال الكلام
هناك من يذهب إلى القول أن الأفعال الكلامية في المسرح هي مجرد تمثيلات الفعل الكلامي في الواقع، و بالتالي فإن الحوار المسرحي هو حوار خيالي لا يمت بصلة إلى الحوار في واقع الخطاب، بمعنى أنه يفتقد إلى وضعية خطابية حقيقية و واقعية تتكلف بتحقيق أفعال الكلام. و لكن ذلك لا يمكنه أن يكون رأيا صائبا، إذ أن الفعل الكلامي قابل للتحقيق بمجرد التلفظ به و لو كانت الوضعية الخطابية غير حقيقية، فحينما يقول أحد للآخر : توقف عن القيام بذلك الشيء، و يتوقف ذلك عن القيام بما نهي عنه، فإننا نقول أن الفعل الكلامي قد تحقق من جراء ذلك، رغم الصبغة الخيالية للمقام الخطابي.
إن الحديث عن الإطار التداولي للخطاب من خلال أفعال الكلام في المسرح، هو حديث عن مفهوم سيرل للقواعد التأسسية و هي مجموعة من الشروط تضمن نجاح المتكلم في تحقيق أفعال الكلام بمجرد التلفظ بها. خطاب المسرحي الذي هو عبارة عن مجموعة من المكونات تشارك في صياغته : الفضاء والزمان والشخصيات وطرق تكوين السردية والمادية و ترتيبها (الزماكانية) و التي تشحن الفواعل دلاليا وهذا ما لا نجده في الفنون الأخرى (الرسم والموسيقى والرقص وغيرها)، لذلك يواجه الباحث في سيمياء المسرح مشكلة أساسية لا تواجه في تلك الفنون، وهي مشكلة "ازدواجية الخطاب المسرحي" ففن المسرح - يتميز وحده بذلك - هناك نصان متداخلان ومتمايزان إلى حد ما، نص المؤلف ونص المخـرج، هذه الازدواجية التي أشار اليها إير كيـلام Eir KElam والمثيرة للانتباه - نص العرض (المسرحي) ونص الدراما (المكتوب) ، لأن الجدل حول هذين النوعين (النص والعرض) ما يزال قائما منذ فترة طويلة وهو عرضة لهجوم شديد من قبل عدد من المنظرين والمخرجين المسرحيين أمثال آرتو وجيرزي غروتوفسكي وجوليان بك وآخرين، كما أن العلاقة بين النص وبين التمثيل لم تتضح بعد بشكل واف ، و هذا الجدل يزداد حدة ويبرز بشكل كبير كلما طرحت مسألة تحديد الأولوية بالنسبة للنص الدرامي أو للنص المسرحي، والمكانة التي تعطى لهذا أو ذاك و التي نجدها قد تغيرت بشكل ملحوظ على امتداد تاريخ المسرح ,وحتى الآن ما يزال البحث السيميائي يتناول النص المسرحي بوصفه جنسا أدبيا مشابها للرواية أو القصة، في حين يتم التعامل مع العرض المسرحي من منظور سيميائي آخر،فقد عبر جيري فيلتروسكي عن هذا التناقض بين النص الدرامي ونسق النص المسرحي و ذلك بالتوتر الجدلي القائم بين النص الدرامي والنص المسرحي الذي يرتكز أساسا على قاعدة العلاقة بين المركبات السمعية والبصرية وبين المصادر الصوتية المستعملة بواسطة الممثل،اذ هي جزء لا يتجزأ منها ، فلذا أصبحت السيميولوجية تعنى باشكالية الخطاب و أفعال الكلام ونظرية العوالم الممـكنةو مقتضيات الخطاب والسوسيوسيميائي ان السيميولوجيا لا تهتم بالكشف عن المعنى ( و هو مجال اهتمام الهرمونيطيقا بل تهتم بنمط إنتاج المعنى عبر العملية المسرحية التي تمتد من قراءة المخرج للنص وصولا إلى النشاط التأويلي للمشاهد/المتلقي فهي درس عتيق و حداثي في آن ذاته يعرفها ميشال فوكو Michel.F على أنها : " مجموعـة المـعارف و التقنيات تسمح بتعريف العلامة و بتحديد معالمها و معرفة العلاقات القائمة بينها و قواعد تأليفها [و على الرغم من تأخر مقاربة هذا المنهج في النقد المسرحي غير أنه استطاع من أن يصوغ أسئلته و قضياه وأن يتميز بنظرته للظاهرة المسرحية مهتما بالنص الدرامي و العرض في تحليله بطريقة علمية و دقيقة مركزا على تنظيمها الداخلي. يتميز الخطاب الروائي السردي عن الخطاب الدرامي، في قدرة مؤلف النص الروائي على الإشارة إلى نفسه وبوسعه أيضاً أن يضع ذاته داخل الشخوص أو خارجها أو أن يجمع بين الأمرين و هذا حتى في الجملة الواحدة ، أما في الخطاب الدرامي فإنه غائب منذ اللحظة التي تظهر فيها الشخصيات الدرامية إذ بمجرد حضورهم ينسحب ومع ذلك فإن بقايا تدخله (المؤلف) تظهر في طريقة توزيعه وتقطيعه للمشاهد وفضاء النص المسرحي الدرامي الذي يكمن في قائمة الإرشادات والمعلومات والملاحظات التي يقدمها عن الفضاء والحركية والحالات الشعورية للشخصيات والتي اصطلح على تسميتها اسم "النص الثانوي " أو "ما وراء الخطاب" *. و لأن الدراسة السيميائية لمكونات نص العرض المسرحي تعتمد أولا وبشكل خاص على الوحدة الأساسية للنص - وهي العـلامة المسرحية - ثم الطريقـة التي تشتـغل فيها أنسـاق العلامات من أجل إنتاج المعنى، كون نص العرض المسرحي لا يدرك إلا بحدوده الفضائية و وجود نسق علامي موزع وفقاً لدستورين كبيرين وضحهما كوفزان * في جدول الذي وضعه من أجل دراسة الوحدات السيميائية لنص العرض المسرحي (سمعي وبصري) فبالرغم من أنه يضعنا في قالب جامد لكنه يساعد على تتبع التصنيفات المشار إليها إن دراسة الكيفية التي يتشكل فيها الخطاب المسرحي لا يمكن أن تستقيم إلا وفقا لنظرية الاتصال والتواصل ، حيث توجد منظومة العلامات(الشفرة أو الرامزة) ورامزة العلامات المستخدمة في المسرح مستوحاة من مكونات التجربة الاجتماعية والعلمية والأدبية والثقافية ؛ لأن النص المسرحي يعتمد في عمل ترميزه وفك روامزه معا على طواعية عدد من الأنساق وعلى مجموعة من الروامز المشتركة بالنسبة للطرفين (الممثل / المتفرجين)، و هذا يقودنا للبحث في المعيارين اللذين تحدث عنهما "كوفزان" في تصنيفه لأنساق العلامات المكونة للنص المسرحي وهما: معيار الاتصال، ومعيار المنشأ, أي مواصفات العلامة ذاتها مثل قابليتها للتحول الحركيوالدينامكية وكذلك تصنيفها الى علامة طبيعية و علامة اصطناعية اذ أنه ليس هنالك علامات تمثيلية ثابتة في المطلق، فالديكور مثلا لا يصور في أغلب الأحيان تماثليا بواسطة وسائل فضائية ومعمارية أو تصويرية ، بل قد يشار إليه بإيماءة (كما يحصل في الميم Mime أو البانتومايم أو بإشارات لفظية أو وسائل صوتية أخرى ، وإن خصوصية النص المسرحي وحيويته تبقى في علاقة (نحن/ الآن / هنا) المشروطة بعدد كبير من الروامز الفرعية المسرحية مثل اتفاقات: الفضاء المسرحي وقواعد اللباس و الماكياج ومعايير البناء المسرحي والروامز الفرعية الدرامية مثل: ضوابط قراءة ترتيب الفضاء في حدود العلاقات بين الشخصيات والفضاء الدرامي وغيرها والقواعد النحوية والدلالية والصوتية ، إن هذه الخصوصية تجعل من الصعوبة بمكان تكرار أي عرض مسرحي لا يمكن أن يتجرد من الإطار الثقافي العام والأيديولوجي والأخلاقي ومن المبادئ المعرفية التي يمارسها الإنسان خارج المسرح، بل على العكس من ذلك يستدعي هذا الفضاء باستمرار فهمنا الشامل للعالم ، لذا تبحث أوبرسفيلدفي كتابها فيعملية الأدوار التي يؤديها المتفرج من خلال نظرية الاتصال المسرحي ، فالممثل لما يتحدث على خشبة المسرح فهو كائن إنساني حي له شخصية مزدوجة ( شخصيته كفرد و الشخصية التي يؤديها )، فيكون اهتمامه متجها صوب المتفرج و يشترك معه في مشاهدة الممثلين الآخرين و بقية المتفرجين : ( أنا الممثل – أنت المتفرج – هم الممثلون – و المتفرجون ) ، و تنتج عن ذلك علاقة متبادلة لأن الصوت الداخلي للمتفرج يجيب على صوت الممثل : ( أنا المتفرج – أنت الممثل – هم الآخرون متفرجون ) ، و مع عمل الخيال تتعقد الأشياء فيجري الخلط بين : ( الأنا الشخصية – أنت شخصية أخرى – هو المتفرج ) ، و من هذا المنطلق يصبح المتفرج في دور الشاهد ليس هو في حاجة إلى أن يوجه للشخصية جوابا ما دام لا يوجه إليه سؤالا فقطبي الواقعة الاتصالية :( المرسل و المستقبل ) من خلال قناة الإرسال والتي هي المسرح في هذه الحالة ، وإذا كان القاص الحقيقي أو الوهمي في النص السردي يقوم بتنظيم الضوابط العقلانية بين الشخصيات فإنه يختلف عنه في النص المسرحي الذي تعبر فيه كل شخصية عن نفسها في إطار الخطاب المسرحي العام، مما يسمح لنا بتحديد وظائفها في المبنى و المعنى ونلج في بنية النص العميقة لنستخرج بنيتين أساسيتين أخريتين ،إحداهما إيديولوجية و الثـانية سيكولوجية عبر عنصري الـفعل ( المرسل و المتلقي) واللذين لهما وظيفة فائقة الأهمية لتحليل المبنى و المعنى في آن واحد ، و التي تدخل في زخم أنساق العلامات المكونة للعرض المسرحي (العلامات السمعية و العلامات البصرية ) ، إن كل هذه العلامات تشتغل في فضاء مكاني و زماني يكون فيه في نهاية المطاف استخراج المعنى أو بالأحرى إنتاجه, مما ينجم عن هذه العملية خلق وحدة سيميائية واحدة تبث في وقت واحد، مما يجل مهمة التحليل صعبة و معقدة تستوجب التركيز و الإلمام بالمعارف الخاصة بالمقاربات السيميائية المتعلقة بمختلف عناصر العرض المسرحي. لقد انخرط نقاد السيميولوجية في البحث عن العلامة و الكشف عنها،العلامة التي ينظر إليها بوصفها و حدة كلية و ليس عبر الجمع بين علاماتها أي وحداتها الدنيا و هذا ما ذهب إليه باتريك بافيس الذي يفضل الحديث عن الوظيفة الدالة عوض الحديث عن أنماط العلامة ( مثل الأيقونة و المؤشر ... وغيرها ) ، وينظر إلى العلامة بوصفها إنتاجا للعمـلية السيميولوجية أي بين مسـتوى التعـبير ( الدال ) و مستوى المحـتوى ( المدلول) و باشتغالها في العرض تعطي ديناميكية عند إنتاج المعنى ، و بذلك صارت الأبحاث موازية بين سيميولوجية النص و سيميولوجية العرض ولأن إيصال خطاب المؤلف الذي يتوجه إلى متلقي مختف (لكنه دوما مفترض) إنه المتفرج، هذا الخطاب المسرحي يقدم غالبا في شـكل حوار أي في شكل تبادل لفظي بين الشخصيات، ويمكن أحيانا أن يتحـول إلى مونولوج أين تخاطب الشخـصية نفسها مما يتيح للمؤلف إمكانية إضافية في الكشف عـن حوافز الشخصية، مما يسمح بفرز ما يكتبه المؤلف و ما تنطق به الشخصيةمـن هنا جاء ذكر مصطلحين مهميـن هما : التلفـظ الـمـزدوجوالتـلقي المزدوج ، بالنسبة للمصطلح الأول فإن المتفرج يسمع ويرى شخصيتين تتحاوران (بفضل تدخل ممثلين يمنحانهما واقعا فيزيائيا) خلفهما متلفظ غائب هو الكاتب الذي يخاطب الجمهور بواسطة شخصياته، وبخلاف الرواية والقصة حيث تكون الحوارات (حينما توجد) مفسرة أحيانا من قبل السارد الذي يتولى أمرها، فإن الأمر في الحوار المسرحي يتعلق دائما بتبادل لفظي مباشر بين الشخصيات يكون مقدما بدون وسيط لا يستطيع الكاتب أن يتكلم أبدا باسمه ، أما فيما يتعلق بالمصطلح الثاني فإن للحوار المسرحي دائما متلقيان، ذلك أن الكاتب يخاطب الجمهور في الوقت نفسه الذي تتكلم فيه شخصياته فيما بينها, ولذلك يكتشف المتفرج خطابا يبدو كما لو أنه ليس موجها إليه بآلية تستعملها الشخصيات بواسطة الكلام للتأثير المتبادل فيما بينها ، و هذا يتطلب مراعاة مقتضيات اشتغال الحوار: أ- شروط التلفظ (إطار الذي يتم فيه إنتاج هذا الأخير أي التلفظ). ب- الافتراضات التي تتخلل الحوار، وتكون متعلقة إما بالتلفظ أو الملفوظ (المجتمع وعاداته غيرها). ج- التضمينات تستنج منه الشخصية معنا ثانيا مما تسمعه والثانية تتعلق بما لم يقل بطريقة مباشرة. د- المقول وغير المقول يتجنب ذكر ما هو بديهي لدى المخاطب . هـ - الصمت يسمح بإنشاء إيقاع للتلفظ وهيكلة المقاطع المختلفة للتوتر الدرامي. وقد حددت أوبرسفيلد الحوار المسرحي بما يلي : "ليس الحوار في المسرح فقط سلسلة من الملفوظات المتناوبة التي ينطق بها مختلف المتكلمين داخل الملفوظ الشامل الذي يعود إلى المؤلف فحسب ، و لكن كل ملفوظ من هذه الملفوظات لا يكتسب معناه إلا في السياق وبعبارة أخرى من وضعية التلفظ، فالسياق هو الذي يعطي المعنى لكل ملفوظ من الملفوظات التي تنتجها الشخصيات ،و ميزة غير المقول في المسرح هي أن يكون مقولا، لكنه مقول ضمني أو مضمرفخطاب الشخصية موجه في الأساس لخدمة الخطاب المسرحي العام مما يمنح لمفهوم الشخصية المسرحية أهمية في أي تحليل للخطاب المسرحي , فهي المرتكز الذي وحد الخطابات على خشبة المسرح و ذلك عن طريق خطابها على خشبة محققة من طرف الممثل و هي موضوع التلفظ عبر الوظائف التواصلية التي حددها يكبسون: الوظيفة الشعرية، الوظيفية المعرفية الوظيفية المرجعية ، الوظيفة التبليغية , الوظيفية مطالسانية و التي طبقتها آن في دراستها ، حيث وضعت نظرية أطلقت عليها : [4] و التي تلخص من خلالها تحليل الخطاب المسرحي متمثلا في صوت المتلفظ (أ-1) المخاطب المؤلف (أ-2 ) في متن الحوار , صوت (ب-1) الشخصية صوت المتـكلم (ب-2) الشخصية الأخـرى (ج-1) و المتفرج (ج-2)[5] فالخطاب المسرحي يتميز بخاصية ازدواجية الحوار فيقول في هذا الشأن "الحوار المسرحي يمتلك وضعيتـين تلفظيتين في آن واحد : الأولى يتوجه فيها المؤلـف إلى الجمهور عبر العرض باعتباره فعلا تلفظيا و الثانية هي الوضعية المعروضة تتبادل فيها الشخصيات أقوالا في إيطار تلفظي يتميز باستقلالية بالنسبة للعرض "[6] ، و عليه فأي تحليل للحوار المسرحي ينبغي أن يأخذ الملفوظات باعتبارها حوارا بين الشخصيات من جهة و ملفوظات موجهة من المؤلف إلى الجمهور من جهة أخرى , فمقاربة مانجينو تنطلق من كون الخطاب المسرحي جزءا من الخطاب الأدبي الذي يتميز بطابعه التلفظي المزدوج و الذي يتقابل مع الخطاب العادي فهو يقول : " الخطاب العادي نفسه يخترق التمسرح و هذا ما يتميز به مانجينو عن مقاربات كل من أورشيوني و بودجان بخصوص التميز بين الخطابين العادي و المسرحي . إن استعراض هذه التصورات حول تداولية المسرح و التي كان جلها يهتم بدراسة الخطاب المسرحي سواء كان تلفظيا أو تحاوريا أو تخاطبيا و مركزا على النص المسرحي في بعده المكتوب مما قد يزيد صعوبة القيام بدراسة تداولية العرض المسرحي الذي يقوم على أنساق مختلفة لغوية و غير لغوية ، فتحديد العلامة الألسنية يتيح لنا التمييز بين أمرين متداخلين و هي ترتسم في ثلاث علامات : أ- العلامة المرجعية التي تحيل إلى واقع معين في العالم الخارجي و يكون لها أثرا واقعا في النص . ب - العلامة التعبيرية التي تشير إلى وجود المؤلف أو القارئ "شخصيات– الروابط" (الشخصيات الناطقة باللسان) . ج - العلامة ذات الصفة التكرارية و التي تحيل إلى إشارات أخرى (شخصيات) إما أن تكون أنبائية أو تفسيرية. حدد جاكبسون Jackobsonالوظائف الستة للخطاب بحيث أصبحت الوظيفة المرجعية في عملية الاتصال صالحة أيضا لتطبيقها على الشخصية ، و يمكن من خلالها إعلامنا عن باقي الشخصيات و عن نفسها و تخبرنا عن الدين أو العقيدة أو السياسة أو الفلسفة، فهي وسيلة لإخبار باقي الشخصيات و الجمهور المرسل إليه كي تعبر عن إيديولوجية الموضوع التي هي أساسية بالنسبة للوظيفة المرجعية, كذلك بالنسبة للوظيفة المعرفية من خلال عملها البلاغي بواسطة التبرير ، التفسـير، الأمر و الإقناع كما تقوم الشخصية بوظيفة تعبيرية ، فهي تترجم المشـاعر ( المؤلف ) للمشاهد و هنا تكمن حدود التحليل الألسني في المسرح , أما الوظيفة الشعرية فهي أساس الخطاب و موضوعه كذا الوظيفة التبليغيةالتي تقوم بها الشخصية و التي هي أمر بديهي في المسرح ، تقول آن:" إن الخطاب في المسرح هو الخطاب المتمحور حول تلفظ الأنا / أنت بالتعارض مع هـو الغائبإن عملية الاتصال الأدبية تتمثل في الرسم التالي :المرسل ( المؤلف ) الرسالة ( الكتاب ...) المرسل إليه المتلقي القارئ فإن الرسم الاتصالي في المسرح يصبح أكثر تعقيد و على النحو التالي : المرسل 1- المؤلف رسالة ألسونية متلقي المرسل 2- المنفذ ( المخرج , الممثل ...) علامة معقدة فونية سمعية بصرية مع الملاحظة أن هذه العملية تحدث في آنية تضمحل بعدها و تندثر مما يجعل الاستقبال الاتصالي في المسرح يزداد تعقيدا كلما تقدمنا، فهو عملية تواصلية بامتياز من خلال الشخصية يصير المخاطب المتلفظ ( المؤلف ) الأول و تصبح الشخصية المخاطبة المرسل الثاني فهي الوحيدة المشاهدة و المسموعة يشاهدها الجمهور حاضرة و كل تلفظ لها لا يكون له معنى خارج هذه العملية[9] ولأن خطاب النص المسرحي يرتكز على نوعين من الحوار : الأول : يكون محددا من قبل المؤلف من خلال الشخصية والإرشادات المسرحية . الثاني : هو قراءة الممثل الواعية ( الأدائية ) من خلال تفكيك شفرات النص الظاهرة و الباطنة و بثها مرئيا من خلال المعطى الجسدي أي بصورته السمعية ( الحوار) و المرئية (الشكل)، وجماليته تكمن في مخالفته شكل الحوار في الأنواع الأدبية المجاورة له إذ ينقسم بين شكلين ظاهرين : كلام (لغة ) و كلام (منطوق) و هذا يتحقق في النص من خلال تأشيرة المؤلف على لسان شخصياته و يتجسد أدائيا من خلال القراءة الواعية له باعتبارها علامة من العلامات و في الكيفية التي يؤشر بها تأويل هذه العلامات بوصفها الحوار الباطن للنص،ليصبح التلقي مزدوجا في الخطاب المسرحي يحدد وضعية المتفرج اتجاه الحدث الدرامي ، فحينما تكون الشخصيات أقل معرفة من الجمهور اتجاه ما يحدث فإن هذا الأخير يتوقع ما سيحدث للأبطال، إنه يرى الفخ المنصوب الذي ستقع فيه شخصية ما ، وإذا كانت وضعية الشخصيات مشابهة لوضعية المتفرجين واكتشاف المعلومات يكون متزامنا كذلك لديهما، فإن التشويقيكون في أقصى درجة ، هنا يكتشف الأبطال والجمهور في الوقت نفسه تطور الحدث فيكون هذا الأخير مشدودا إلى المفاجأة التي تسببها التحولات إنه في نفس مستوى إنفعال الشخصيات لذلك يتوحد معها. هذة مقدمة مهمة عن الخطاب المسرحى وماهيتة وعلاقتة بالجمهور مفهوم الارهاب حتل موضوع الإرهاب حيزاً كبيراً من اهتمام فقهاء القانون الدولي والقانون الجنائي لما تشكله هذه الظاهرة من خطر جسيم على المجتمع بما يخلفه من ضياع للأمن, وتدمير للممتلكات, وانتهاك للحرمات, وتدنيس للمقدسات, وقتل, وخطف للمدنيين الآمنين, أتي الإرهاب في اللغة العربية من الفعل (رَهب , يُرهب, رَهبةً) أي خاف, ورهبه أي خافه. والرهبة هي الخوف والفرع وهو راهب من الله أي خائف من عقابه ,وترهبه أي توعده أما في القرآن الكريم فينصرف معنى الإرهاب الى ما ورد في الآيات القرآنية التي تأتي بمعنى الفزع والخوف, والخشية, والرهبة من عقاب الله تعالى , فقد ورد في قوله تعالى ((وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون))(2). وجاء ((إنما هو اله واحد فإياي فارهبون))(وورد ((إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً كما يأتي الإرهاب في القرآن الكريم بمعنى الردع العسكري فقد ورد ((ترهبون به عدوا الله وعدوكم وآخرين من دونهم))(5). وجاء أيضاً ((واسترهبوهم وجاءوا بسحرٍ عظيم أما في اللغات الأخرى فان الإرهاب يأتي بمعنى رعب (terror) وتعني خوفا,ً أو قلقاً متناهياً أو تهديد غير مألوف وغير متوقع , وقد أصبح هذا المصطلح يأخذ معنى جديد في الثلاثين عاماً الأخيرة ويعني استخدام العنف وإلقاء الرعب بين الناس. والإرهابي هو من يلجاء الى العنف غير القانوني, أو التهديد به لتحقيق أهداف سياسية سواء من الحكومة, أو الأفراد والجماعات الثورية, والمعارضة. وقد بلغت أهمية تعريف ظاهرة الإرهاب حدا" كبيرا"دفع الدول الى إقامة المؤتمرات, والندوات لتحديد مفهومه, وعناصره, ومسبباته. وعموما" ظهر في هذا السبيل اتجاهان الأول الاتجاه المادي والثاني هو الاتجاه المعنوي أو الغائي: أولاً: الاتجاه المادي في تعريف الإرهاب يقوم الأساس المادي في تعريف الإرهاب على السلوك المكون للجريمة أو الأفعال المكونة لها. وطبقاً لذلك يعرف الإرهاب بأنه عمل أو مجموعة من الأفعال المعينة التي تهدف الى تحقيق هدف معينوقد قاد هذا لمفهوم الى تعريف الإرهاب بالاستناد الى تعداد الجرائم التي تعد إرهابية دون البحث في الغرض أو الهدف من العمل الإرهابي. وفي هذا الاتجاه يذهب (بروس بالمر) الى إن الإرهاب قابل للتعريف فيما إذا كانت الأعمال التي يضمها معناه , يجري تعدادها وتعريفها بصورة دقيقة, وبطريقة موضوعية دون تمييز فيما يتعلق بالفاعل مثل الأفراد, وأعضاء الجماعات السياسية, وعملاء دولة من الدول ومن ثم ذهب أنصار هذا الأسلوب الى الاكتفاء بتعداد الأعمال, أو الأفعال التي تعد إرهابيه كالقتل, والاغتيال, والاختطاف, واحتجاز الرهائن, وأعمال القرصنة.... ولا يخفى ما يكتنف هذا التحديد من قصور من حيث انه تجاوز عن أهم عنصر من عناصر الجريمة الإرهابية وهو الغرض, أو الهدف السياسي, كما إن التحديد الحصري لجرائم معينة على إنها إرهابية يؤدي الى خروج الكثير من الجرائم من دائرة الإرهاب لا لشيء سوى إنها لم تذكر في ضمن هذا النوع من الجرائم متجاوزين عما قد يجلبه التطور العلمي والتكنولوجي من صور جديدة للجرائم الإرهابية. إزاء ذلك اتجه جانب من الفقه الى تحديد صفات معينة للجرائم الإرهابية لتمييزها من غيرها وعدم الاكتفاء بالتعداد الحصري ومن تلك الصفات على سبيل المثال:- 1- إن الأعمال الإرهابية تتصف بأنها أعمال عنف, أو تهديد به, وأضاف البعض الى هذه الصفة , إن يكون العنف غير مشروع. وفي ذلك يقول (يورام دينستن) ((أنا اعتبر الإرهاب على انه عمل عنف غير قانوني)) 2- أن يتضمن هذا العنف أحداث الرعب, أو التخويف , وتقوم بهذا الدور الأداة أو الوسيلة المستخدمة في العمل الإرهابي. 3- أن يكون هذا العنف منسقا, أو منضماً, ومستمرأ ,وعلى ذلك فعمل الاغتيال الذي لا يكون جزءاً من نشاط منظم لا يعد إرهابياً. وأياً كانت محاولات هذا الاتجاه في تطوير مذهبة فقد ظل بعيداً عن المحتوى الأساسي للإرهاب والذي يتجلى في الطابع السياسي للجريمة الإرهابية رغم محاولات بعض الدول لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية القبول بهذا التعريف. فقد ذهب وفد الولايات المتحدة في الدورة الثامنة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بالإرهاب وطرق معالجته الى اقتراح تعريف ظاهرة الإرهاب على إنها ((كل شخص يقتل شخصاً أو يسبب له ضررا ً جسدياً بالغا,ً أو يخطفه أو يحاول القيام بفعل كهذا, أو يشارك شخصاً قام, أو حاول القيام بذلك)). وقد عرفت لجنة القانون الدولي في المادة (19) من المشروع المقدم من قبلها الى الدورة الأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة الإرهاب ((هو كل نشاط إجرامي موجهٌ الى دولة معينة ويستهدف إنشاء حالة من الرعب في عقول الدولة أو أي سلطة من سلطاتها وجماعة معينة منها)). وهذا التعريف ركز على العنصر الأساسي للإرهاب المتمثل في النشاط الإجرامي، ولم تحدد لنا اللجنة المقصود بالنشاط الإجرامي وإن كانت الأمثلة التي أعطتها لجرائم الإرهاب توضح ان المقصود فيه الاعتداء على الأرواح والأموال, أو هما معاً، وأيضاً أدخلت في الأنشطة الإجرامية المكونة للإرهاب صناعة الأسلحة والحصول عليها وحيازتها، وكذلك الإمداد بالأسلحة, والذخائر ,أو إمدادها بالمواد المتفجرة لمساعدة الإرهابي على القيام بالعمل الإرهابي. ويعد من قبيل الجرائم الإرهابية بعض الأمثلة الواردة في تقارير لجنة القانون الدولي في نفس الدورة: 1 – الأفعال غير المشروعة التي من شأنها أن تحدث الموت أو الألم الجسمي الشديد إذا وجهه الى رئيس الدولة, أو أحد أفراد أسرته, أو معاونيه ,وكذلك الأشخاص المكلفين بالوظائف العامة إذا ما وجهه العدوان إليهم بصفتهم العامة، والشرط الوحيد لاعتبار الفعل الواقع عليهم إرهاباً هو أن يتم الاعتداء بمناسبة الصفة التمثيلية، وليس لاعتبارات أو دوافع خاصة تتصل بهم كأشخاص عاديين كالقتل للأخذ بالثأر أو السرقة. 2- الأفعال الغير مشروعة التي تستهدف تحطيم, أو إتلاف الملكية العائدة للدولة, أو المال العام. 3- أي فعل غير مشروع آخر من شأنه ان يعرض للخطر حياة الرهائن، أو أي شكل آخر من أشكال العنف يتخذ ضد الأشخاص الذين يتمتعون بالحماية الدولية, أو بالضمانة الدبلوماسية. ثانياً:الاتجاه المعنوي في تعريف الإرهاب: يركز هذا الاتجاه في تعريف الإرهاب على أساس الغاية, أو الهدف الذي يسعى إليه الإرهابي من خلال عمله. غير إن أنصار هذا الاتجاه يختلفون في طبيعة هذه الأهداف فهناك أهداف سياسية, وأخرى دينية, وثالثة فكرية, وهكذا. فهل يتعلق الإرهاب بهدف من هذه الأهداف بالتحديد باعتباره الركن المعنوي للجريمة الإرهابية ؟؟؟ استقر الرأي الغالب على القول بان الركن المعنوي في الجريمة الإرهابية يتجلى في غاية الإرهاب ذاته, وهو توظيف الرعب, والفزع الشديد لتحقيق مآرب سياسية أياً كان نوعها وفي ذلك يعرف الدكتور شفيق المصري الإرهاب بشكل عام باعتباره ((استخدام غير شرعي للقوة, أو العنف, أو التهديد باستخدامها بقصد تحقيق أهداف سياسية)) غير إن هذا التعريف يشكل نوع من التطابق بين الجريمة السياسية, والأعمال الإرهابية, وهو أمر غير مقبول لما يقود إليه ذلك من تخفيف للعقوبة, وعدم إمكان تسليم المجرمينفإذا كان الغرض السياسي عنصراً مهماً في الجريمة الإرهابية فهو ليس المعيار الوحيد في تميزها. إزاء ذلك ذهب البعض الى التركيز على عناصر أخرى في التعريف منها استخدام الوسائل القادرة على أحداث حاله من الرعب, والفزع بقصد تحقيق الهدف أياً كانت صورته سياسياً أو دينياً أو عقائدياً أو عنصرياً , وفي هذا إخراج للجريمة السياسية والتي يمكن أن تحصل دون اللجوء الى العنف. وبلغت مؤامرات التطرف والإرهاب الدينى فى مصر معدلات غير مسبوقة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين ولم تعد هذه الظاهرة مجرد تهديد للدولة والنظام الحاكم ، بل أصبحت تهدد المجتمع المصرى كله ، سواء فى بنيته الداخلية ، أو فى اقتصاده ، أو أمنه الاجتماعى والسياسى ومكتسبا ته الثقافية والفكرية وكذلك إنجازاته الاقتصادية والمادية . ولا تقل الحرب التى يشنها المتطرفون والإرهابيون ضراوة عن أى حرب خاضتها مصر مع أعدائها الخارجيين فى هذا القرن . بل ربما كانت هذه الحرب أشد ضراوة ، لان أحد أطرافها هم أبناء لنا ، أعماهم التطرف ، فاختاروا العنف سبيلاً لفرض إرادتهم وزعزعة استقرار المجتمع ، واستهدف عنفهم أبناء لنا فى أجهزة الأمن ، أو اخوة لنا من المدنيين المسالمين العزل ، مسلمين وأقباطاً . وكلما مرت السنوات ، وظن الناس أن هذه الأزمة قد انتهت بالإجراءات البوليسية العنيفة وحدها ، إذا بها تعود مرة أخرى فى ثوب جديد وشكل جديد ربما كان أشد عنفا واكثر تنظيماً ، وذلك لان العلاج كان دائماً يتناول الشكل دون الجوهر ، ويتخذ جانب رد الفعل المؤقت بدلاً من الحلول الدائمة والجذرية ، ويستخدم المواجهة الشرطية والسجون والمعتقلات بدلاً من أن يغوص النظام الحاكم فى أعماق المشكلة ويحاول إيجاد الحلول الجذرية لها . ولا يختلف أحد فى أن الفن بروافده المختلفة وعلى رأسها المسرح يحمل مع سائر مؤسسات المجتمع مسؤولية كبرى فى تزكية القيم اللازمة للحفاظ على تماسك المجتمع وسلامته واستقراره ، كما تقع على عاتقه مسؤولية مماثلة فى تخليص المجتمع من القيم التى تهدد هذا التماسك وذلك الاستقرار ، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الفن والأدب من أدوات الضبط الاجتماعى ، وإذا كانت قضية الإرهاب ، والعنف بصوره ودوافعه المختلفة قد شغلت السياسة والمفكرين والمسؤولين عن أمن المجتمع ، ولا تزال تشغلهم جميعاً فقد شغلت أيضاً كتاب المسرح ، وعلى رأسهم الكاتب " محمد سلماوى" الذى أكد من خلال مسرحية " الجنزير" رسالة المسرح التنويرية بوضع ظاهرة الإرهاب المقنع بالدين تحت بؤرة الضوء الشديد لتكون " أول عمل مصرى إبداعى يتصدى للإرهاب فقد كتبت عام 1991 ، ونشرت عام 1992 قبل أن تصبح الكتابة عن الإرهاب طرازاً مألوفاً ، أو حتى مقبولاً من الأجهزة الإعلامية والثقافية فى مصر ، ولذلك تحمل المسرحية علامات البداية بالمعنى الذى ينطوى عليه رد الفعل الإبداعى الأول إزاء ظاهرة هى نقيض الإبداع والحياة على السواء وايضا كانت مسرحيات ابو العلا السلامونى ، وعالج فيها موضوعات تتعلق بظاهرة الإرهاب الديني والسياسي، نلاحظ أنه لجأ إلى التراث باحثا فيه عن وقائع يستطيع من خلالها معالجة ما يحدث الآن ، وذلك في مسرحيتي ( أمير الحشاشين - وديوان البقر ) ويناقش موضوعا حيا وواقعيا مباشرة بدون اللجوء إلى التراث في مسرحيته ( المليم بأربعة ) .. في مسرحية أمير الحشاشين يستند السلاموني إلي مقولة ابن خلدون التي جاءت في مقدمته ، من أن العرب اصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، ومن اجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو رياسة أو اثر من دين على الجملة، والمسرحية محاولة تنويرية لطرح هذا المفهوم الذي ذكره ابن خلدون من خلال عرضها لقصة حب رومانسية بين الشاعر تميم الفاطمي ، وبرديس المصرية ؛ وكيف كان من نتيجة هذا الحب إقصاء تميم عن ولاية العهد وإسنادها إلي أخيه الأصغر العزيز بن المعز لدين الله الفاطمي ، والذي قام بنفي أخيه تميم إلى خارج البلاد، فاستغلتها بعض الفرق السياسية ومنها فرقة الحشاشين التي تسعى إلى السلطة زاعمة أن تميما هو الإمام الحق ولعبت لعبتها الإرهابية التي تعتمد على الاغتيال السياسي تحت شعار الدين .. وفي مسرحية ديوان البقر يعتمد على واقعة أوردها الأصفهاني في كتاب الأغاني مؤداها أن "العتابي " نهره صاحبه عثمان الوراق عندما أكل الخبز في الطريق وأنّبه "ويحك أما تستحي أرأيت لو كنا في دار فيه بقر كنت تستحي وتحتشم أن تأكل وهي تراك ، فقال له : لا.. عندئذ قام العتابي ووعظ وقص حتى كثر الزحام عليه فقال لهم : روي لنا عن غير واحد انه من بلغ لسانه أرنبة انفه لم يدخل النار فما بقي أحد إلا واخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة انفه ويقدر حتى يبلغها أم لا ، فلما تفرقوا قال العتابي ألم أخبرك بأنهم بقر. - ومن هذه الحكاية التراثية كتب محمد أبو العلا السلاموني نصه الذي يقدم الصراعات والتحالفات من اجل المصالح على حساب الشعب الذي أصابه داء "البقرنة" فجماعات التطرف والتخلف والجهالة ، تحاول الآن أن تلغي عقولنا ، وتغسل رؤوسنا وتجعل منا قطعانا من أبقار تتدلى ألسنتها لتلعق أنوفها اتقاء لنار جهنم وعذاب القبر. وفي مسرحية ( المليم بأربعة) يعالج موضوعا معاصرا سبّب أرقا لعدد كبير من الناس ، ُعرف باسم قضية توظيف الأموال ، خاصة وأن أصحاب هذه القضية مازالوا قابعين داخل السجون لأنهم يرفضون رد أموال المودعين ، والكاتب يطرح موضوعه ببساطه شديدة ، (علي بمبه) لاعب الثلاث ورقات ، يعود إلى المولد من جديد؛ بعد عودته من الخارج ومعه بعض الأموال التي يريد استثمارها ، فيقوم بتكوين شركة لتوظيف أموال المودعين ، مقابل فائدة أكبر من الفائدة التي تعطيها البنوك الحكومية ، ويضم إلى شركته كل زملائه من العاملين في المولد ، بأنماطهم المختلفة ، ويستطيع - بمساعدتهم - إقناع الناس بمشروعه الذي سيحقق لهم أرباحا كبيرة حلالا ، فالمليم يساوي أربعة مليمات ، والجنيه أربعة جنيهات وهكذا .. وهي مسالة حسابية تجافي المنطق ، وتتعارض مع الحكمة ، وتدعو إلى التأمل ، ولكن لا أحد يتأمل أو يتساءل ، ومن ثم يستطيع جمع ملايين الجنيهات التي يستولي عليها لحسابه ، فيضيع حق المودعين ، ولا يستطيعون الحصول علي أموالهم ، نتيجة لتقاعسه عن السداد ، وحين تتدخل الحكومة نكتشف أنه قد استطاع شراء ذمم بعض المسئولين الكبار ، فيما اسماه بكشوف البركة ، وهي كشوف تُعطي الحق في صرف فوائد شهرية لرصيد وهمي يحدده صاحب الشركة ، مقابل تسهيلات يحصل عليها منهم لتيسير أعماله ، وهذه اللعبة تشبه إلى حد كبير اللعبة المعروفة في الموالد باسم ( المليم بأربعة ) ، وهي أقرب إلى القمار منها إلى أي شيء آخر ، والنص يقول أن الكل شاركوا في ممارسة اللعبة : الحكومة - المودعون ..ولكن ما الذي جعل الجميع يصدقون أن اللعبة ليست لعبة ؟ لأن أصحاب هذه الشركات اتخذوا من الدين ستارا لممارسة لعبتهم اللعينة ، ومن ثم فان البسطاء من الناس ، وغير البسطاء صدقوا أن هؤلاء لايمكن لهم ممارسه عمليه النصب ، فكيف لرجل الدين أن يمارس تلك العملية !؟ التمسح بالدين ؛ وليس الدين ذاته هو الذي أعطي لهؤلاء شرعية ممارسة لعبتهم ، ودفع الناس إلى تصديقهم . انا مسرحية الجنزير لمحمد سلماوى والتى عااجت الارهاب معاجة درامية يتضح فيها ماهية الخطاب المسرحى تدور أحداث المسرحية حول "زهرة" ربة المنزل التى تصطحب إلى منزلها فتاة منقبة قابلتها بالصدفة فى الطريق حيث كانت تشير بيدها لأى سيارة ملاكى لتوصيلها على طريقة (الاوتوستوب) ، وتقف "زهرة" بسيارتها لهذه الفتاة ، التى ترى فيها صورة ابنتها "نرجس" التى رافقت زوجها إلى السعودية ، حيث يعمل ، ولبست النقاب أيضاً حسب عاداتهم . ومن فرط طيبة المصريين تستضيف "زهرة" هذه الفتاة فى منزلها أمله أن تقيم حواراً معها كى تفهم ما يدفع فتيات هذا الجيل إلى النقاب . ومن خلال مونولوج طويل تبدأ "زهرة" فى الحديث عن حياتها الخاصة ، حيث تعيش مع والدها المقعد الذى جاوز الثمانين من عمره ، ولازال يعيش على ذكريات ثورة 19 والوطنية المحبطة تحت وطأة الاستعمار الإنجليزى والبوليس السياسى ، وزوجها المتوفى الذى كان من كبار مهندسى السد العالى رمز الوطنية والثورة والكرامة ، وابنها "أحمد" الذى ضاع بعد وفاة الأب الناصرى وجرفه تيار الإدمان ليعيش تائهاً بلا هدف أو حلم أو قضية ، ونقيضه الابنة الصغرى "ياسمين" سراج الأمل الوحيد فى الأسرة ، والتى تدرس تاريخ مصر وآثارها العظيمة ، وتبحث عن الجذور الأصيلة لهذا الشعب الأصيل . وتفاجأ "زهرة" بأن الفتاة المنقبة ما هى إلا أحد الإرهابيين المتنكرين فى هذا الزى ، ويخرج "محمد" الشاب الإرهابى من وراء ذلك النقاب الأسود حاملاً مسدساً يهدد به صاحبة البيت ، وينتهى به الأمر إلى تقييدها بجنزير حديدى _ فى أحد الكراسى _ رغم توسلاتها وتوسلات أبيها الشيخ المقعد المريض الذى لا يكاد يسمع أو يرى. وتبدأ المواجهة الحاسمة فى مسرحية "الجنزير" منذ اللحظة التى يجتمع فيها شمل الأسرة الجد والأم والابن والابنة الصغرى فى حضور الإرهابى الذى يحتجز الجميع لحساب إحدى الجماعات الإرهابية التى يأمل أن يقبله أميرها عضواً فيها ، ثم يتصل بمكتب وزير الخارجية ليخطره بأنه _ بناء على تعليمات أميره _ يحتجز أسرة بأكملها، ويهدد بقتل أفرادها جميعاً إذا لم يتم الإفراج عن سبعة عشر إرهابياً متورطين فى قضايا أمن دولة . وإذا به يحول المنزل إلى زنزانة محاطة بالجنازير التى أغلقت الأبواب والنوافذ ، وبصرخات التحريم والتكفير التى أغلقت الراديو والتلفزيون ومنعت الحصول على الجرائد . وحين تفشل المفاوضات بين الإرهابيين والشرطة ، يطلب من الإرهابى اغتيال أحد أفراد الأسرة فى تصاعد يراد به إرهاب قوات الأمن ، فيعلن كل واحد منهم استعداده للتضحية بنفسه فى سبيل الباقين ، وهنا يبلغ العمل الأدبى ذروته ، فتزول الغشاوة عن عين الإرهابى ويرفض تنفيذ تعليمات أميره ويعلن انه كان مضللً وانه اكتشف فى سلوك تلك الأسرة المصرية رمزاً للقيم الأصيلة التى تعبر عن الإسلام الصحيح ، خاصة بعد تعايشه معها واقترابه منها . وتنتهى المسرحية بمواجهة عنيفة بين الإرهابيين ورجال الشرطة ، ويقتل "محمد" برصاص جماعته ، بينما تطلق "زهرة" صرختها المدوية "بلدى" وقد تناول "سلماوى" الظاهرة من خلال عدة محاور بدأها بعرض لخطاب الإرهاب الدينى، وأساليب تنفيذه . " فمع مرور الزمن وضع قادة التطرف لأنفسهم فكراً خاصاً بهم يملونه على أتباعهم فى مساجدهم الخاصة فى الأحياء العشوائية وكأنهم جاءوهم بدستور قرآنى جديد . كل هذا فى غفلة وسلبية من أجهزة الدولة ووزارة الأوقاف والأزهر ، فبدءوا فى نشر أفكارهم وفتاواهم التى تتناول كل جوانب الحياة ، وتدعو إلى تحريم كل شىء من نعم الحضارة والحياة المعاصرة ، فالتلفزيون حرام والراديو حرام والتمثيل فى السينما والمسرح حرام ، وكل ما يتعلق بالمرأة حرام ، فصوتها عورة وتعليمها مفسدة ، ومصافحتها إثم ووجهها يثير الشهوة وعملها محرم مهما كان شريفاً ." (9) وقد عكس " سلماوى" هذا الفكر فى مسرحيته من خلال شخصية "محمد" الإرهابى المتطرف الذى غيب عقله بأفكار جماعته المضللة ، فنراه وقد انقض على "زهرة" وأفراد أسرتها بمطارق الرفض والإدانة والتحريم .واستكمالاً لعرض دستور التطرف الدينى تعرض الكاتب لما قامت به هذه الجماعات من تكفير الحكومة والدولة بحجة انهم لا يحكمون بما انزل الله ، " حيث استندت جماعات التطرف الدينى فى تفسير النصوص القرآنية إلى المنهج الحرفى الذى يعتمد على انتقاء آيات وأحاديث معينة والتمسك المطلق بحرفيتها دون الالتفات للمقاصد العامة لها ، أو الأخذ بأسباب النزول ، أو معرفة بأصول الاستدلال اللغوى والفقهى . ومن هنا اعتبروا المجتمعات الإسلامية المعاصرة مجتمعات كافرة لأنها تحكم بقوانين وضعية ذلك استناداً لتفسيرهم للنص القرآنى (12) " ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون " ( سورة المائدة ، آية 44) وقد تأكد هذا المعنى على لسان " محمد" حيث يقول : " محمد : ما فيش مجتمع كافر ممكن يفيدنا فى حاجة ياسمين : طيب أمال الحل إيه ؟ نبنى بلدنا ازاى ؟ محمد : يجب القضاء أولاً على المجتمع الكافر اللى إحنا عايشين فيه ده عشان نقدر نبنى مجتمع الإسلام. ياسمين : أنا لسه مش قادرة اقتنع ازاى الطريق للجنة يمر بالمسدس والجنزير محمد : المسدس ده للكافر. حياة الكافر مالهاش أى قيمة . زيه زى الكلب ."(13) وبناءً على هذا يجوز سرقة أموال الدولة الكافرة باسم ( الاستحلال) ، وذلك لتوزيعها على فقراء المسلمين (أى هم أنفسهم) " محمد : ... فيه جماعة فى امبابة كانوا من الساعة سبعة بالليل يسلسلوا البيوت كلها من برة بالجنازير علشان ما حدش يدخل ولا يخرج . ياسمين : موش دول اللى كانوا بعد ما يحبسوا الناس فى بيوتهم يروحوا يسرقوا الدهب من محلات الصاغة ؟ محمد : استغفر الله ده استحلال .ولم يكتف " سلماوى" بعرض خطاب التطرف الدينى من خلال مبادئه الثلاثة التحريم والتكفير والاستحلال ، بل القى الضوء أيضا على أساليب تطبيق هذا الفكر فى محاولة لكشف النقاب عن مبادئه المغلوطة . فهذا الإرهابى الذى يدعى الغيرة على الدين والأخلاق ليس إلا مخادعاً نذلاً لأنه تنكر فأخفى حقيقة وجهه ، ولأنه استغل طيبة امرأة بريئة متسامحة صدقت انه فتاة غريبة فى حاجة إلى العون فمدت يدها إليه . فى إشارة من الكاتب إلى أن " هؤلاء الإرهابيين مخادعون وليس لهم من جوهر الدين الأخلاقى نصيب ، ومن تنطلى عليه حيلهم السلوكية والمنطقية يصطلى بجحيمهم ويتورط فى تآمرهم . " (16) كما كشف النص عن أسلوب العنف الذى تمارسه تلك الجماعات كوسيلة للدعوة إلى الدين ، أو الانتساب إليه ، والى أفكارهم المتطرفة التى تتنافى مع روح الإسلام دين الوسطية والسلام . " محمد : .... وساعات كنا نكلم الحريم بنفسنا فى الشارع نقول للواحدة منهم لازم تغطى شعرها واللى كانت ما بتسمعش الكلام كنا نرمى على رأسها مية نار!!!. ياسمين : يا ساتر . محمد : مرة تانية كان فى مسرحية فى الدقهلية رحنا ولعنا فى المسرح . بقت حريقة . اللى كنا نسمع أن عنده فرح ابنه ولا بنته كنا ندخل عليه سبع تمن رجالة كده نقوله مافيش رقاصة ما فيش زفة ما فيش مزيكة وإلا بنهجم على الفرح نقلبه ضلمه إن النص ينطوى على دعوة حقيقية للتأمل فى خطاب الدعوات الإرهابية المقنعة بالدين، وتجسيد ذلك الخطاب بما يضعه موضع المسائلة فى ذهن المتلقى الذى لا يمكن أن يستقبل هذا النص استقبالا سلبيا ، دون مشاركة فعلية بالرفض والاستنكار المستند على وعى بدلالات الأحداث ، وما تشير إليه من إدانة لتلك الظاهرة ، مما يسمو بالنص ليكون أداة من أدوات الضبط الاجتماعى ، ليس فقط بعرضه للممارسات الإجرامية لجماعات التطرف بقصد تعريتها ، ولكن لإشارته أيضا إلى نقائض هذا التطرف ، وإبراز سماحة الدين الإسلامى الذى يخلو من التعصب الجامد ، أو التطرف الأعمى الذى يؤدى إلى تساقط الضحايا الأبرياء ، "فقد ركز النص على أسلوب الموازنة بين لونين من ألوان التربية الاجتماعية ليضئ أمام المتلقى صورة للشخصية المصرية الطيبة السمحة الصادقة فى مشاعرها والمؤمنة بالله إيمانا فطريا بعيدا عن التحزب والتعقيدات النفسية والهوس السياسى والدينى ، وفى مقابلها صورة الشخصية المصرية المعقدة والمحملة بهموم عقائدية ، وسياسية ، وذلك فى سبيل إجراء موازنة بين توجهين بشريين فى حياتنا المعاصرة ، توجه خير متدين دون تحزب تمثله " ياسمين " ، وتوجه حديث التدين شديد التعصب يمثله " محمد " ، وذلك للكشف عن ظلام التطرف الدينى فى ضوء سماحة الإسلام ووسطيته . ( 19) كما يحذرنا النص من خلال تلك الموازنة من الخلط بين التدين والتطرف موضحا أن التدين يعنى الالتزام بأحكام الدين والسير على منهاجه ، وهو أمر مطلوب ومرغوب فيه ، ومحمود عند الله وعند الناس، ويعود بالخير والفلاح على أصحابه وعلى المجتمع طالما فى ظل إطار من الفهم الصحيح السديد ، أما التطرف فيعنى الإغراق الشديد فى الأخذ بظواهر النصوص الدينية على غير علم بمقاصدها ، وسوء الفهم لها . كما تؤكد البنية الفكرية للنص من خلال المناقشات الجدلية بين الإرهابى وأفراد أسرة زهرة على أن المتطرف والإرهابى وجهان مختلفان لعملة واحدة ، فالمتطرف يعتنق أفكاراً قد يكون أكثرها خاطئاً أو منحرفاً ، ولكنه يعتقد أنها هى الدين ولا شيء غيرها ، فإذا لجأ هذا المتطرف إلى استعمال العنف بحجة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإنه يتحول إلى إرهابى حتى لو كان هذا العنف باللسان والكلام . ولا يقف النص عند حدود الكشف والإدانة بل يتجاوزها محاولا النفاذ إلى أعماق الظاهرة من خلال المعالجة الموضوعية لأسبابها على مستوى الفرد ، وعلى مستوى المجتمع فمن المؤكد أن التطرف لم ينشأ اعتباطا ، وإنما له أسبابه ودوافعه المتعددة ، ومعرفة السبب غاية فى الأهمية ليمكن على أساسه معرفة وتحديد نوع العلاج . وفى نص "الجنزير" يرجع الكاتب ظاهرة الإرهاب والتطرف الدينى إلى تأثيرات المجتمع وأوضاعه ، واختلال النسق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كأسباب متشابكة ومتداخلة تعمل بأقدار متفاوتة ، وتؤثر أثاراً مختلفة فى توليد نوع من الإحباط واليأس والشعور بالفشل يقود فى النهاية إلى الخروج عن المجتمع واستخدام العنف ضده . وإيماناً من الكاتب بأن السلوك الانحرافى لدى الأفراد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظروف التنشئة الاجتماعية ، وأهميتها فى تشكيل سمات الفرد ، ويقدم لنا " محمد " الإرهابى فى شخصية مثقله بغياب الأم وتنكر الأب وقسوة الحياة ، مما أهله للوقوع فريسة سهلة تقتنصها الجماعة الإرهابية لتلعب دور الأم البديلة . "محمد : أبويا وأمى أطلقوا بعد ما اتولدت على طول ومن يومها ما أعرفش طريق أمى يبقى فين . ياسمين : ما حاولتش تلاقيها ؟ محمد : حاولت كتير بدون فايدة كان نفسى يكون لى أم ذى بقية الأولاد . كنت بحس باحتياج شديد أن يكون لى أم . كنت عارف أن لى أم لكن مش عارف هي فين . موش عارف هى عايشه ولا ميته . المهم أن هى عمرها ما حاولت تلاقينى . عمرها ما حاولت تشوف ابنها إللى سابته فى اللفة ده جرى له إيه ؟ ومن وقتها عرفت قسوة الحياة . عرفت أن الحياة ظالمة بتدى الناس اللى ما يستهلوش واللى يستاهلوا ما بتديهومش . نصّ سلماوي الذي يدور حول الصراع بين الحضارة، ممثلة في زهرة اللوتس، والارهاب، ممثلاً في الجنزير، يتجسّد أخيراً على الخشبة بفضل المخرج جلال الشرقاوي. ويشرح المؤلّف سبب تحوّل العنوان من "الزهرة والجنزير" إلى "الجنزير" كالآتي: "أقنعني الاصدقاء أن اسم الجنزير وحده سيوحي بالخطورة، وهذا هو المطلوب في هذه القضية". تنطلق حدوتة المسرحية من ارهابي يحتجز أسرة في منزلها، تنفيذاً لأوامر جماعته التي يريد الانضمام إليها، ويتّخذهم رهينة للافراج عن معتقلين من الجماعة على ذمة احدى القضايا الارهابية. وعند اندماجه مع الأسرة نكتشف أنه ضحية للتفكك الأسري، وأنه بدأ يشعر شيئاً فشيئاً بالتردد بين ايمانه بقضية نشر الدين بالعنف والانضمام إلى احدى جماعات العنف، واقتناعه بأن الأسرة التي يحتجزها أسرة طيبة: الجدّ عاش ثورة 1919 وتظاهر ضد الانكليز. والأب الغائب شارك في بناء السد العالي ابان الفترة الناصرية يخفي الكاتب الترميز المرحلي إلى حركة الزمن فلا يشير إلى حرب تشرين الاول/ أكتوبر. والأم تترأس إحدى الجمعيات الخيرية. أما الأبناء فأحدهم مدمن يهرب من واقعه، والبنت تدرس الآثار والحضارة المصرية القديمة وتهتم اهتماماً خاصاً بزهرة اللوتس. ولكن النص والمخرج لن يمنحاها قدراً كافياً على المستوى الدرامي والزمني لتلعب دور المعادل الموضوعي الموازن لفعل العنف لدى الارهابي، إذا استثنينا المشهد الوحيد الذي جمعهما معاً. وتتصاعد الأحداث عندما ترفض الشرطة الافراج عن الارهابيين، فتقرر الجماعة التخلص من الأسرة. وهنا يدخل الارهابي مرحلة الوعي والتردد القصوى بين العنف والوفاء إلى الأسرة حيث أنه فقد أسرته منذ طفولته. وهنا يقرر عدم الانصياع لأوامر الجماعة، والانتصار للأسرة وقيمها. ويسجّل لمحمّد سلماوي ابتعاده عن المبالغة في الفيلم الذي حوّل الارهابي إلى شاب مستهتر. في المسرحيّة يدخل الارهابيون ويغتالون البطل، وتقع مواجهة صراع مع الشرطة، ومع ذبول زهرة اللوتس تصرخ الام: "بلدي ففى محافظة الشرقية وعلى مسرح قصر ثقافة الزقازيق تم عرض مسرحية المليم باربعة واخرجها السيد الدميرى لفرقة قصر ثقافة الزقازيق وفى جامعة الزقازيق عرضت مهعد الكفاية الانتاجية مسرحية امير الحشاشين من اخراج صادق ابراهيم كما عرضت كلية التمريض مسرحية الجنزير من اخراج احمد كشك وتطرق لهذة المسرحية كثير من المخرجين فى لمسرح المدرسى ونستطيع ان نقول ان الخطاب المسرحى يحاول ان يقف ضد العنف والارهاب بكل انواعة فهل تصل الرسالة المراجع والمصادر - د. فكري عطا الله عبد المهدي – الإرهاب الدولي – المتفجرات – دار الكتب الحديث 2000 لمسرح المصرى وظاهرة التطرف الدينى ابراهيم حجاج مدرس مساعد بقسم المسرح كلية الآداب جامعة الاسكندرية سوسوليجيا المسرح براند ستلايف الهيئة العامة للكتاب نتمي النص المسرحي " يا بان آدم " لمؤلفة أحمد عبدالسلام المليجي إلى المسرح الواقعي والذي فقدناه كثيرا في السنوات الأخيرة، حيث لجأ المؤلفون الجدد إلى المسرح العبثي والرمزى والتجريدي ، وقبل أن ندخل إلى متن النص الواقعي " يا ابن آدم " لابد ان نعرف ان الواقعية في القرن العشرين كانت حقل صراع نقدي عنيف واختلفت مدلولاتها من نظرية أدبية إلى أخرى ففى بداية القرن نجد الروائية الإنجليزية " فرجينيا وولف .. تطلق على روايتها الجديدة التجريبية وصف الواقعية وتشن هجوما عنيفا على ما أسمته بالواقعية المزيفة التي يقتنع بها بعض الكتاب الواقعيين في عصرها ، وفى ثلاثينيات القرن الماضي ينشب جدل عنيف بين بريخت وجورج لوكاتش حول تفسير معنى الواقعية في الفن فيدين لوكاتش النزعة التجريبية فى الفن باعتبارها مناهضة للأسلوب الواقعي بينما يؤكد بريخت أن الواقعية تتطلب التجريب الدائم في التشكيل الفني حتى تستطيع أن تعبر بصدق عن الواقع باعتباره عملية دائمة التحول ن وحديثا نجد ناقدا كبيرا يعرف الواقعية بأنها التناول الوجداني للعالم المحسوس الذي يبتعد عن الشطحات الفردية والعوالم اللامرئية ويعمل فيه الخيال وفى وفى اتساق تام مع عالم المحسوسات، وعلى طرف النقيض يؤكد لنا الناقد والفيلسوف الفرنسى" رولان بارت " أن أكثر الروايات واقعية لاتحيل إلى مدلول واقعي خارجها. ويؤازره " ستيفن هيت " ضمنا حين يهاجم الواقعية كما مارسها كتاب الرواية فى الغرب فى القرن التاسع عشر ويصفها بأن تشكيل لغوي لا يعبر عن العالم المحسوس أو الواقع بقدر ما يعبر عن نمط سائد فى النظر إلى العالم وتعتبره يتصل بأيديولوجية مهيمنة دينية اقتصادية واجتماعية معينة . وقد تتساءل لماذا أصبحت الواقعية التى رصد " اورباخ " تاريخها الطويل عبر ثلاثة آلاف عام فى كتابه " المحاكاة " حيث تكمن مصطلح الواقعية ن إنه يشبه المصطلحات النقدية الأخرى مثل الملحمية أو الغنائية فى أنه يشير إلى نوع ما أو نهج ما من الإبداع الفني لكنه يختلف عن هذه المصطلحات أيضا كما يبين " ستيفين هيث " كونه يتضمن إشارة قوية إلى شئ خارج العمل الفني إلى واقع ما يرتبط بالمنتج الفني في علاقة حميمة ، ويثير ارتباط العمل الفني بشئ خارجه فى كلمة الواقعية عادة العديد من التساؤلات التي تعرض لها الفلاسفة على مر التاريخ بدءا من ارسطو ، وفى القرن العشرين ازدادت التساؤلات حول علاقة الفن بالحياة . ولهذا فعندما نتحدث عن النص المسرحي " يا ابن آدم " لمؤلفه احمد المليجي كنص مسرحي ينتمي إلى المسرح الواقعي والاجتماعى نرى أنها تتكون من ثلاثة فصول متكاملة ودلالة الاسم " يا بان آدم " تدل على ان موضوع المسرحية يرتبط بالشمولية وترتبط بالواقع الأسري الذي يختص بأسرة معينة ، ولكن لى ملاحظة على الاسم ، فاسم " يا ابن آدم " اسم مجرد " ينتمي إلى الأسلوب الرمزي إلى حد ما ، حيث انه يدل على كل البشر وهنا أيضا نستطيع القول بأن المؤلف أراد أن يعبر عن مسيرة الحياة من خلال الأسرة الفقيرة ، ففي ص3 .. تفتح الستار على صورة خلفية لعائلة إبراهيم مع موسيقى حزينة والأب إبراهيم يجلس إلى الطبلية ومعه زوجته فاطمة وأولاده على وحسن وحنان ، وهم جميعا يتبادلون الفطار البسيط ، عيش وقطعة جبن وجرجير وملح وبجوارهم القلة المشطوفة . من خلال هذا الوصف استطاع المؤلف أن ينقلنا إلى واقع هذه الأسرة التي تنتمي إلى الأسر الفقيرة من خلال الأدوات الفنية التى نقلها لنا حتى وجبة الإفطار- جبن ،جرجير ، ملح ، القلة المشطوفة ، وحتى أسماء الشخصيات والأسرة حدد ملامحها . إن هذا اللوصف الفني لا يكمن في صدق محاكاته للواقع ، ولكن تميزه الفني يكمن في قدرته على إيهامنا بأنه يقدم لنا مادته الخام – عناصر الواقع – كما هي ، وهكذا يبدو فى ظاهره بسيطا وسهلا للغاية ، لكنه فى حقيقة الأمر صعب وممتنع ، فالكتّاب الواقعيون عموما يمكن تقسيمهم إلى فئات وفق درجات الإبداع في ضوء نظرية " ريتشارد بيرس " فى تحليل العلامات ن فإذا اعتبرنا العمل الفني نسقا من العلامات الدالة فسنجد على أدنى مستويات سلم الإبداع من حيث هو خلق وتشكيل الكاتب الواقعي الذي يحاكي الواقع بصورة فوتوغرافية أي بلغة النقد الحديثة ، الذى يقيم نسقا من العلامات الدالة التى ترتبط ارتباطا أيقونيا بمدلول خارجي وسنجد أيضا الكاتب الذي يفرض على الواقع تفسيرا تعسفيا وسيخدم عناصر الواقع باعتبارها علامات يربطها ربطا إشاريا تعسفيا بدلالات يتم طرحها تقريرا إلى التقرير على درجة أعلى من السلم الإبداعي نجد الكاتب الواقعي الذي يمكن أن نسميه بالكاتب المجازي الذي يرتبط عمله كنسق من العلامات ارتباطا رمزيا بالعالم الخارجى وهذا الكاتب فى المسرحيات التى جرى العرف على تسميتها بمسرحيات الإسقاط ، أما على قمة سلم الإبداع فى مجال الواقعية فنجد الكاتب الذي لا يحتاج عمله حتى يتبلور معناه إلى أية إحالة خارجية بل يصبح فيه نسق العلامات هو المعنى ن ويعنى الكاتب أحمد عبدالسلام المليجي إلى هذا النوع الأخير من الكتاب فهو يبدو فى ظاهره أيقوني النزعة اي يحاكى الواقع فوتوغرافيا رغم أن الصورة الفوتوغرافية فى التحليل السيموطيقي للعلامات قد اصبحت علامة معقدة لكنه فى حقيقة الأمر لا يصور بقدر ما يبدع عالما قائما بذاته ، ويصور هذا الحوار ص5 بين إبراهيم وزوجته فاطمة والعالم الذي يحيط بهم إبراهيم : هو فى ايه يا أم علي فاطمة : مفيش حاجة يا اخويا ، انت كنت بس دايخ شويه ولما خت البرشامة ونمت لك شويه .. الحمد لله بقيت حلو أهو ، ربنا ما يحرمناش منك يا أبو علي . إبراهيم : ولا يحرمنيش منك يا أم على يا غالية .. الله هو فى ايه يا ولاد ، مالكم زعلانين كده ليه .. انا حلو أهو والحمد لله الأولاد : مفيش حاجة يا ابه بس احنا ما بنحبش نشوفك تعبان .. ربنا يخليك لينا يا با ولا يحرمناش أبدا منك . من هذا الحوار نستطيع أن نستشف واقع الأسرة المصرية من خلال هذه الأسرة التي تخاف على عائلها وتحاول التخفيف عنه بكل السبل ويدور الحوار بعد ذلك بحلم الأب والأم بأن يريان أولادهما كبارا كمهندس أو سفير أو دكتور ، وجاء متعاقبا ومملا بعض الوقت ،ومكرر فى كثير من الأوقات ، تأكيدا منه بأنه مصمم على الحلم الذي يراود هذه الأسرة . ففي ص11 نجد نفس المعنى في ص6 إبراهيم : ( يضم حنان إلى صدره ويطبطب عليها ويقبلها ويقول : مفيش حاجة يا حنان يا بنتي أنا بس تعبان شويه ، عندي السكر والحمد لله على خفيف ما تخديش فى بالك انا أحسن من غيري بكتير .. كل اللى يهمنى انتوا يا ولادي انتو نور عينى وانتو فرحتى وأمل بكره انتو ... ) لاحظ التكرارات فى المعنى ولكن بمفردات مختلفة الباب يدق : دق .. دق .. دق هنا يقع المؤلف في مأزق ، حيث جعل الباب شخصية أيضا فلماذا لا يضعها بين قوسين كعلامات للمخرج ، وتتكرر هذه العبارة كثيرا وفى أكثر من موضع ص6 . يدق الباب : دق .. دق .. دق والمؤلف هنا ياتى ببعض الشخصيات النمطية الموجودة فى القرية المصرية كشخصية سعاد التي تحكي مأساة ابنها الذي سافر للخارج بعد أن باعت كل ما لديها ن وهناك مونولوج طويل جدا تحكي مأساتها ومأساة ابنها إلى أم على لتكون على مستوى أفقى مع مشكلة أم على ألا وهو الفقر. وأيضا ص17 مشكلة الأنفار التي هاجرت إلى الخارج والتي يبحث عنها العمدة ن ولكن المؤلف ينهي هذا الحوار بأغنية أنها تجسد هذا المعنى بكثير : إبراهيم : أيوه يا شيخ البلد خلاص كبر الولد النفوس اتغيرت والغلابة ادمرت والوحوش عمرت وكتيره فى البلد ويا عالم ايه بكره حنلمه ولا حفرة يا خوفي من بكره انا خايف ع البلد ويأتي الفصل الثاني بعد مرور زمن نلاحظ كبر الأولاد ونجاحهم ودخولهم الجامعة ، لتظهر بعض الشخصيات الجديدة لتبارك لهم وأيضا لا ينسى المؤلف فى وسط هذه الأحداث أن يأتى لنا بمشكلة أخرى وهى مشكلة الابن الذي يتطاول على أبيه لدرجة أنه يصفع أبيه وسط الناس ص35 . خليفة : وهى بتحبك رجب : أكيد بتحبني خليفة : جبت اكيد دى منين يا ابن حفيظة ، صحيح اللى اختشوا ماتوا يا بنى حكم عقلك انت فين وهى فين . ( رجب فقد أعصابه ويرفع يده على أبيه خليفة ويقول له بصوت عال ) رجب : أنت خليت فيه عقل أنا لازم أخطبها والمؤلف لكونه شاعر أيضا فيتغلب الشاعر على المؤلف فى بعض المواضع ، ولا يكون الشعر فى مصلحة النص ، فيتحول الابن فجأة ويندم فيقول : ( لألأ .. انا رفعت صوتي على أبويا بس / لكن ما رفعتش ايدي / ومن يومها ما بشوفشى الشمس / وليلاتى دموعى على إيدي / وكل يوم ضميرى يقتلني ) . وينتهي الفصل الثاني بسفر الأولاد إلى مصر ليحتلوا مراكز مرموقة وينسون واجبات الأسرة وذويهم . ويأتى الفصل الثالث محملا بالدروس المستفادة التى ساقها المؤلف من القرآن الكريم لهجر الوالدين بأسلوب مباشر جدا ، أختلف معه حيث يعطى لنا من خلال الحوار التطهير الدرامي لعقوق الوالدين ، فأصبحت البنت حنان دكتورة وتتزوج من دكتور ويهتمان بالوالدين بعيدا عن الأولاد ، وفى مشهد فجائي كأفلام السينما المونودراما نلاحظ وصول الأبناء فى حالة يرثى لها ص71 . حنان : لأ يا امه مش سائل دا المهندس على وحسن .. اتفصلوا يا بهوات يدخل على وحسن على أمهم ويقبلوها وهم يبكيان طالبين منها السماح ويقول : ) ويتغلب الشاعر على المؤلف هنا أيضا .. فيصبح الحوار شعرا بين على وحنان . ولا ينسى المؤلف في آخر النص أن يعطى الحل الأمثل لعلاج الأب ففى ص74 حنان : لا يا باش مهندس علاجهم عندكم أنتم دواهم حنانكم انتوا .. وجودكم معاهم .. لكن مات فيكم الضمير على : كفاية يا دكتور .. كفاية وفى آخر النص ص75 يموت الأب فى حجرته بعيدا عن أولاده وكان هنا فاصلا عندما دخلت حنان وزوجها الدكتور فقط وحيدا ولم يمنح الأبناء فرصة الدخول لرؤية أبيهم ، وهذه مفارقة متميزة من المؤلف فاطمة : خير يا دكتورة حنان .ز خير يا دكتور عبدالله عبدالله : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اجعلنى من الصابرين وينهى المؤلف نصه المسرحي بأغنية يا ابن آدم بينما جاء الغلاف دالا على الأسرة الفقيرة من خلال اللوحة ، ويوجد إعلان عن المتحف الخاص للشاعر والأديب أحمد عبدالسلام وهو ما لا يتناسب مع النص المسرحى بل إقحام عليه ، وفى النهاية نجد كلمة تقديم للروائى محمود الديداموني ص78 . نصيحتى للمؤلف أن يبتعد عن المباشرة التى تفقد هوية أى نص مسرحى . ولكنى أقول أن مسرحيته تتولد فيها طبيعة التشكيل الفنى واللغوي وفى ضوء هذه الحقيقة يمكننى أن أطلق صفة المسرح الواقعي على نص يا ابن آدم لمؤلفه أحمد عبدالسلام المليجي . ثانيا :عبدالله مهدي وفن المونودراما عودة النوق العصافير مونودراما من تأليف عبدالله مهدي صادرة عن سلسلة خيول أدبية – قصور الثقافة – 2009 مع نص آخر هو " عودة أصحاب الرؤوس السود . المونودراما والمونولوج : كلمة Monodrama هى كلمة يونانية تنقسم إلى Mono وتعنى وحيد و " Drama " وتعنى الفعل وهى اصطلاحا تعنى مسرحية الممثل الواحد بمعنى أن يقوم بتشخيص المسرحية ممثل واحد فقط وهو المسئول عن إيصال رسالة المسرحية ودلالتها جنبا إلى جنب مع عناصر المسرحية الأخرى ، وفى بعض الأحيان يستعمل تعبير رديف وهو عرض الشخص الواحد One man show كما تشرحه الموسوعة البريطانية وهو حديث مطول لشخصية مسرحية ، فالمونولوج الدرامي هو أي حديث توجهه شخصية لشخصية أخرى فى المسرحية بينما المناجاة نوع من المونولوج الذى يقوله الممثل للجمهور مباشرة او يفصح عن أفكاره وما يجول فى داخله بصوت مسموع حين يكون وحيدا او حين يكون بقية الممثلين صامتين ،فثمة خلط يقع فيه الكثيرون بين المونودراما والمونولوج ، هذا الاختلاف يعنى بأن المونودراما نوع مستقل من أنواع المسرح بينما المونولوج هو جزء من المسرحية وليس نوعا منفصلا ، لذا يصبح للمونودراما أن تمتلك خصائصها ونظرياتها الخاصة وليس بالضرورة أن تكون خاضعة لاشتراطات المسرحية وإن تكن تأخذ منها بعض هذه الخصائص وتشترك معها فيها 0 وترتبط المونودراما بالأداء الفردي الذى يعتبر قديما قدم الإنسان ، فهى نتاج فن القول أو سرد القصص وهو فن له علاقة بوجود الإنسان وفعل من الأفعال التى يعبر فيها الإنسان عن كوامنه وينفس من خلال الاستماع إلى القصص أو سردها عن همومه وضجره ، ولكن المونودراما كفن ارتبط بارهاصات المسرح الأولى عند اليونانيين فمنذ نشاته اعتمد المسرح وبعد أن كان لا يعدو كونه طقوسا تعبدية على الممثل الذى انتقل مع المسرح اليوناني القديم من مرحلة السرد إلى مرحلة التمثيل مع أول ممثل فى التاريخ" ثيسبيس " والذي أخذ من اسمه المصطلح الإنجليزي Thcs Pian ويعنى ممثل أو مسرحى ، إذ يعد " ثيسبيس " مرجعا متطورا فى إعطاء المسرح نفحته الأولى والتى كان يحكى فيها حكايات يشد فيها شغف الجمهور غلى تلك التنويعة فى تقديم شخصيات مكانية من خلال الأقنعة والملابس والصوت والتكوين الجسماني ومن هنا فهو يعتبر المؤسس الأول لهذا النشاط ، فهو الذى نقل المسرح من إطاره الديني إلى الدنيوي ، فكان البذرة الأولى لما يعرف الآن بالمونودراما ، فهو يقدم مسرحياته وحيدا قبل أن يدخل أبو التراجيديا استحيلوس فى القرن الخامس الممثل الثاني على المسرح إضافة إلى الجوقة وكان الممثل الثالث قد استحدث فى المسرح على يد سوفوكليس ليخضع بعد ذلك قانون الكتابة والتمثيل للمثلين لثلاث قرون وانتهت الصيغة الحديثة للمونودراما بهذا التطوير الذى أحدثه اسخيلوس بكسر فردانية الأداء وبين هذا التاريخ والظهور الأول للمونودراما الحديثة ظهرت أشكال مسرحية تعتمد على الممثل الفرد مثل عروض الجونجلرز والذى كانت تقدمه بعض الفرق الجوالة وهو شكل من أشكال المايم من زمن الرومان إضافة إلى فن البانتومايم ، وهو أن يقوم ممثل واحد بأداء عمل درامي إيمائيا وعادة ما يكون عرضا منفردا . والمونودراما الحديثة كما هى معروفة اليوم يعود تاريخ ظهورها كما تشير الدراسات غلى القرن الثامن عشر على يد الممثل والكاتب المسرحى ط جوهان كرستيان براندير "( 1735- 1799)، الذى اعاد الحياة لفن ثيبستين واستحضره فى مسرحياته التى كان يقدمها بنفسه وبشخصية واحدة بمرافقة الجوقة ، ويعود أول نص مسرحى يصنف كمونودراما مكتملة الشروط الفنية إلى الفيلسوف والمفكر الفرنسى جان جاك روسو، وكان ذلك عام 1760 وهو نصه بجماليون ولكن من أطلق مسمى مونودراما على نصه ( مود ) كان الشاعر الفريد تيسون فى عام 1855 ،لاحقا بدأت نصوص المونودراما تتكاثر ويرتفع لها الصوت فكتب تشيكوف نصه الشهير ( ضرر التبغ ) ووصفه بالمونولوج فى فصل واحد بينما كتب صمويل بكيث ( شريط كراب الأخير ) والذى اعتنى بالمونودراما ووجدها انسب الأشكال المسرحية للتعبير عن العينة والتى تقوم على عزلة الفرد واستحالة التواصل الاجتماعى ، وكتب الفرنسى كوكتو نصه ( الصوت الإنساني )وكذلك كتب يوجين قبل الإفطار . هذا الاحتفاء بفن المونودراما من قبل كتاب مسرحيين معروفين فتح الباب لتفعيل هذا النوع من الفن المنبعث من زمن الإغريق والاشتغال عليه من قبل كتاب ومخرجين وبالذات من ممثلين ، ويتجلى الاهتمام بهذا الفن عالميا بتخصيص مهرجانات تلتقى فيها الفرق التى تقوم على عروض المونودراما وأشهرها مهرجان ثيبيس العالمى للمونودراما فى ألمانيا الذى يقام سنويا . عودة النوق العصافير هل حققت المونودراما وخاصيتها ؟ تقترب المونودراما من المسرحية العادية فى تقنية الكتابة من الوضعية الاستهلالية والوضعية الأساسية وحبكة رصينة وحدث صاعد وذروة وحدث متهاو وحل وتقترب فى الرؤى الإخراجية واشتغالات السينوغرافيا وفى تقنيات أداء الممثل إلا أنها تمتلك خصائصها التى تمايزها عن المسرحية متعددة الشخصيات وهذا لايعنى أن ثمة قوانين تحكم الكتابة المونودرامية أو تحكم تنفيذ العرض المونودرامي إلا أنه يمكن من خلال قراءة نص مونودرامي استنتاج خصائص هذه الكتابة . 1 - من حيث الموضوع : غالبا ما تكون موضوعات المونودراما مأسوية الطابع ناتجة عن تجربة ذاتية مريرة ، هذه المأسوية هى ما يفتح الأسئلة المصيرية والكونية والوجودية . شخصية " مي " فى مونودراما عودة النوق العصافير شخصية منهزمة سيطر عليها خطيبها السابق ففى ص8 يقول : ( تدخل من الحجرة فى إعياء تام يحملها اثنان يضعانها على السرير ويتركانها ، فهى شخصية سلبية تسيطر عليها أمها ثم خطيبها ، ففى ص9 تقول : ( لقد فتحت عيني على شخصية أمى ... ملكة .. تأمر .. وعلى الرعية التنفيذ .. هكذا شبهتها لى .. ) وخطيبها يسيطر عليها سيطرة كاملة ويبدأ فى تعرية الشخاص امامها حتى يكون هو كيانها الروحي والمعنوى ففى ص10 ( ساعدتنى على أن يكون لى حياتى وحكمى قررت الخروج من قيظ أمى أخذتنى خطوة خطوة .. لم أطق بعدك .. الكل نظر إلى ..) . 2- الزمن : يكون الزمن فى المونودراما ملحمى البعد بمعنى ان يكون متعدد المستويات ، ويكون للزمن الحاضر النصيب الأكبر ويمكن أن تختلط المستويات دون تسلسل منطقي ، والزمن هنا متعدد المستويات حيث يكون فى الحاضر ثم يعود للماضى ففى ص14 ( تتذكر ... ) . فى اليوم التالى سالنى : والدك لم يتحدث فى شئ هل له تحفظ على شئ .؟ بالعكس والدى من أكبر المتحمسين لك سكت قليلا وقال : فهمت .. ربنا يسترها ثم ترجع فى الزمن مرة ثانية إلى الحاضر ففى ص15 يقول ( تمد يدها وتقلب الكتب الموجودة على المكتب فنجد دفترا كبيرا مكتوب علي ثلاث مذكرات ) فمذكرات هى الماضى والحاضر والمستقبل فالزمن هنا متعدد المستويات . 3- المكان : متعدد المستويات فى المونودراما حيث تستحضر الشخصية الوحيدة ملامح الأمكنة خلال عملية التداعى الفكرى ، حيث استطاع عبدالله مهدى أن يحقق هذا الشرط حيث تختلف الأماكن فى الحديث عن علاقة مجدى بمجلس الإدارة وأصدقائه وفى صفحته نساء فى حياتي . 4 – اللغة : تميل لغة الحوار فى النص المونودرامي إلى السرد وصيغة الفعل الماضى لأنها تعتمد غالبا على تداعى الأفكار ، ففى ص17 يقول ( حكيت لى عن ناهد العضو فى اتحاد الطلاب والقيادية فى حزب وحدوى فى البداية حاولت استقطابك لحزبها كما حاولت التيارات السلفية ذلك .. لما سألتك .. كانت جميلة . 5- الشخصيات : يعتمد النص المونودرامى على شخصية واحدها يكون حضورها فعليا بينما يكون حضور بقية الشخصيات متى ما اعتمد الكاتب حضورها كمقترح لتجاوز الوحدانية مجازيا وهذا ما تحقق فى عودة النوق العصافير ، ففى ص7 . مي : فى الخامسة والعشرين من عمرها .. وجهها شاحب وعيناها حزينتان .. شعرها طويل ناعم فكت ضفائره ترتدى ملسا وتنتعل خفا مناسبا للملس .. مدرسة لغة عربية . هنا وصف كامل للشخصية ، وفى استدعائها لشخصيات الأم – مجدى – أصدقاء مجدى . 6- الصراع : يقوم الصراع فى بنية الحدث الدرامي على تنامى الحدث وتصعيده من خلال ما يخلقه من التصادم والتعارض بين أطرافه ليستولد الزمات حيث جوهر الدراما والصراع نوعان ، الصراع الداخلى ويتجلى فى الصراع بين الإنسان ونفسه وعواطفه ، والصراع الخارجى ويتجلى فى الصراع بين الإنسان وشخصية أخرى مضادة او مع الطبيعة وظواهرها او مع المحيط والمجتمع او مع قوى كبرى ( القدر – الموت – الزمن ). وفى المونودراما تختزل كافة تجليات وأشكال الصراع فى الصراع الداخلى ، حيث تنمو حالة التداعى وتبرز الحالة الوجدانية . والبطل فى المونودراما يكون عرضة لكل أشكال الصراعات التى تواجه الإنسان . وبالعودة للقاموس نجد أن " النوق العصافير " هى نوع من الإبل ، وهى نوق عنترة بن شداد وهى سلالة وهجين بنى عبس وموجودة ايضا لدى الرشايدة بالسودان وهم مشهورون بالفروسية خاصة سباق الإبل(الهجن ) . فماذا يقصد بالعنوان وهو بعيد كل البعد عن دلالة النص المسرحي ؟ وعبدالله مهدى بنصه المونودراما كاتب واسع الخيال وصاحب رؤية تمكنه من ضبط السرد والترهل الذى يمكن ان يتبع عن طبيعة اللغة فى هذا النوع من الكتابة ، وكاتب متمكن من تصعيد الحالة الدرامية بشخصية واحدة إذ يتحول الفعل التبادلى فى المسرحية متعددة الشخصيات إلى فعل ذاتي يقوم الكاتب أثناءه بتحفيز شخصية واحدة ويدفعها نحو التطور والنمو ويحدد ردود أفعالها أثناء نمو الحدث . المونودراما تحتاج إلى كاتب شغله قضايا ذات اهمية يتناولها بعمق ومن خلال عملية الكشف الكامنة فى الصراع الداخلى التى تعيشه الشخصية والتى يجب ان تمتلك ديناميكيتها على الخشبة ، شخصية غير ساكنة تمتلك لغتها المسرحية بحيويتها والبعيدة عن الخطابات والشعارات ، نعم كتابة المونودراما تختلف عن كتابة النص متعدد الشخصيات ويمكن القول بأن النص المونودرامي أصعب فى الكتابة من النص المسرحى المألوف فهو نص يمتلك استثنائيته وخصائصه ن وهذا ما حققه المؤلف عبدالله مهدى فى مسرحيته المونودراما " عودة النوق العصافير " المراجع : 1. مسرحية يا ابن آدم – أحمد عبدالسلام المليجي – دار الأجيال 2. تطوير الأداء الفني فى ادب المسرح العربى المعاصر – السعيد الورقى – دار المعرفة الجامعية 2002 3. المسرح الواقعى اسلوبه وكتاباته – مجلة المسرح – عدد 30 4. تجارب مسرحية – عبدالفتاح قلعة جى- الكويت – مجلة الكويت – عدد 215 سبتمبر 2001 5. المسرح فى الوطن العربى – د. على الراعي – عالم المعرفة 6. فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني – القاهرة – كتاب الهلال – عدد 248 سبتمبر 1971 7. المسرح والتكنولوجيا الحديثة – صادق إبراهيم صادق 2001 8. التكامل الفني للنص المسرحي – الكس بوبوف – ت . شريف شاكر –دمشق – منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي 1976 9. عبدالله مهدى – عودة النوق العصافير – قصور الثقافة 2009 10. صادق إبراهيم صادق – المونودراما .. اشكالية التلقى – مجلة إبداع – العدد 10 11. فرحان بليل – النص المسرحى الكلمة والفعل 2003 – اتحاد الكتاب العرب 12. صمويل بكيث – شريط كراب الأخير – المسرح العالمى – الكويت – العدد 110 13. على أحمد باكثير – فن المسرحية من خلال تجاربى الشخصية – مكتبة مصر ط3 – 1985 14. د. نهاد صليحة – فن المونودراما – مجلة المسرح —

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق