بقلم:محيي الدين إبراهيم
ربما مانأخذه على الفيلم ونحسبه للقصة أن الفيلم غفل ( كارثة ) الملاريا التي اجتاحت صعيد مصر في منتصف الثلاثينات وقتلت الكثير من الفلاحين وأكتفى الفيلم بأن يجعل العمدة يمرض بالملاريا كعقاب إلهي بينما القصة ذكرت الكارثة التي لم ينجو منها أحد حتى العمدة .. كما أن الفيلم استبدل شخصية ( المقدس يني ) حلاق القرية القبطي بشخصية ( العطار مبروك ) الذ ي قام بها الرائع حسن البارودي في الفيلم .
[embed]https://youtu.be/IWAqBWYpoNo?si=rsEozSsTHRtuZCcv[/embed]بين الزوجة الثانية قصةً وفيلماً.. حين تتحول الحكاية إلى وثيقة عن مصر:
ثمة أعمال فنية تتجاوز حدود نجاحها الجماهيري لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية، ومن بين هذه الأعمال يقف فيلم الزوجة الثانية شامخًا كأحد أعظم ما أنجزته السينما المصرية في القرن العشرين. غير أن كثيرين ربما لا يعرفون أن هذا الفيلم الخالد لم يولد على الشاشة مباشرة، وإنما خرج من رحم قصة قصيرة بديعة كتبها الأديب المصري أحمد رشدي صالح، ونُشرت ضمن مجموعته القصصية الزوجة الثانية الصادرة عام 1955.
والحق أن العلاقة بين القصة والفيلم ليست علاقة نقل حرفي أو ترجمة بصرية للنص المكتوب، وإنما هي علاقة إبداع بإبداع، وفن بفن. فالقصة تنتمي إلى صاحبها وراويها، أما الفيلم فينتمي إلى الرؤية التي أعادت اكتشافها وصياغتها من جديد. ولهذا لا يجوز أن ننظر إلى الاختلافات بين العملين باعتبارها نقصًا في أحدهما أو زيادة في الآخر، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن طبيعة كل وسيط فني وحدوده وأدواته.
فإذا كانت القصة الأصلية لا تتجاوز عشرين صفحة من القطع المتوسط، فإن الفيلم استطاع أن يفتح لهذه الصفحات فضاءً إنسانيًا واسعًا، وأن يمنح شخصياتها لحمًا ودمًا وحياة يومية نابضة. ولم يكتفِ صُنّاع الفيلم بنقل الشخصيات الأساسية، بل أضافوا شخصيات جديدة بدت للوهلة الأولى هامشية، لكنها تركت أثرًا عميقًا في وجدان المشاهد. ويكفي أن نتذكر شخصية الغفير التي جسدها ببراعة عبد المنعم إبراهيم، لندرك كيف يمكن لشخصية صغيرة المساحة أن تصبح جزءًا أصيلًا من ذاكرة الفيلم.
وهنا تتجلى عبقرية المخرج صلاح أبو سيف، كما تتجلى كذلك القيمة الاستثنائية للسيناريو الذي كتبه سعد الدين وهبة. وأكاد أتصور أن الفيلم ما كان ليبلغ ما بلغه من عظمة لولا الخيال الدرامي الثري الذي أضافه وهبة إلى المادة الأصلية. فالرجل لم يكن مجرد كاتب مسرحي كبير، بل كان ابنًا حقيقيًا للريف المصري، يعرف تفاصيله الدقيقة كما يعرف الإنسان ملامح وجهه في المرآة.
ولهذا جاءت القرية في الفيلم كائنًا حيًا يتنفس ويتحرك، لا مجرد خلفية للأحداث. نرى صندوق الدنيا يجوب الطرقات، حاملاً لأطفال القرى والنجوع نافذتهم الوحيدة على العالم، في زمن لم تكن فيه سينما ولا مسرح ولا وسائل اتصال حديثة. ونرى الأراجوز، ذلك الفن الشعبي العريق، يتحول من وسيلة للتسلية إلى أداة درامية تسهم في صناعة الحدث وتغيير المصير. ونرى الحقول والترع والدروب والبيوت والأسواق وقد رُسمت كلها بعين تعرف المكان من الداخل، لا بعين السائح أو المراقب الخارجي.
لهذا يبدو الفيلم اليوم وكأنه وثيقة بصرية نادرة عن مصر الريفية في الثلاثينيات والأربعينيات، لا مجرد عمل فني يروي قصة صراع بين عمدة وفلاح وزوجته. إنه تسجيل حي لطبيعة العلاقات الاجتماعية، وللغة الناس، ولأحلامهم الصغيرة، ولطرائق تفكيرهم في تلك المرحلة من تاريخ الوطن.
ومع ذلك تبقى للقصة نكهتها الخاصة التي لا يمكن للفيلم أن يحل محلها. ففي القصة يترك أحمد رشدي صالح مساحة واسعة لخيال القارئ، حتى يشعر أنه واحد من أهل القرية، يجلس معهم في المقهى، ويسير بينهم في الحقول، ويشاركهم خوفهم وأحلامهم وأحاديثهم اليومية. ومن اللافت أن الكاتب لم يمنح قريته اسمًا محددًا، بل اكتفى بالإشارة إلى أنها قرية اشتهرت بالسخرية وإطلاق النكات. وكأن القرية هنا ليست مكانًا بعينه، وإنما رمز لمصر كلها؛ نموذجًا مصغرًا يعكس صورة المجتمع المصري في لحظة تاريخية معينة.
ومن النقاط التي أراها محسوبة للقصة ومغيبة عن الفيلم تلك الإشارة المهمة إلى كارثة الملاريا التي اجتاحت صعيد مصر في منتصف الثلاثينيات وأودت بحياة أعداد كبيرة من الفلاحين. ففي القصة تظهر الملاريا باعتبارها مأساة جماعية لم تستثن أحدًا، حتى العمدة نفسه. أما الفيلم فقد اختزل الأمر في إصابة العمدة بالمرض، وكأن الملاريا أصبحت عقابًا إلهيًا لشخص واحد، بينما كانت في الحقيقة كارثة اجتماعية وإنسانية أصابت مجتمعًا كاملًا.
كذلك استبدل الفيلم شخصية «المقدس يني» حلاق القرية القبطي، الواردة في القصة، بشخصية «العطار مبروك» التي أداها ببراعة حسن البارودي. وربما يفتح هذا التغيير بابًا للتأويل المرتبط بظروف إنتاج الفيلم وسياقه التاريخي. فقد عُرض الفيلم في أكتوبر 1967، بعد شهور قليلة من هزيمة يونيو التي هزت المجتمع المصري كله وأدخلته في مرحلة من المراجعات والصراعات الفكرية والسياسية. ومن ثم قد يكون تحويل الشخصية إلى رجل دين مسلم منافق نوعًا من النقد الاجتماعي أو السياسي لبعض الرموز التي كانت تتحدث باسم الدين بينما توظفه لخدمة مصالحها الخاصة.
ولعل أشهر ما يجسد هذه الفكرة تلك العبارة التي يقولها العطار مبروك للعمدة: «والله ما هتنازل يا عمدة عن نص فدان وجاموسة»، وهي جملة تكشف التناقض بين الخطاب الأخلاقي والمصلحة الشخصية، وتفضح قدرة بعض البشر على ليّ عنق القيم والمبادئ حين تتعارض مع منافعهم الخاصة.
هكذا تظل الزوجة الثانية، قصةً وفيلمًا، شاهدًا على قدرة الفن المصري على إعادة إنتاج الواقع وكشف طبقاته الخفية. فالقصة تمنحنا متعة الاكتشاف عبر الخيال، بينما يمنحنا الفيلم متعة الرؤية عبر الصورة. وبين النص المكتوب والصورة المتحركة لا نجد عملين متنافسين، بل عملين متكاملين يرويان الحكاية نفسها بطريقتين مختلفتين، ويؤكدان معًا أن مصر كانت دائمًا أكبر من أن تُختزل في قرية، وأن قرية مصرية واحدة قد تكفي أحيانًا لرؤية مصر كلها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق