أصبح النظام العالمي الجديد يعني القضاء على الهوية القومية لصالح العالمية عن طريق تفكيك الدولة القومية الواحدة القائمة على أساس لغة واحدة إلى وحدات منفصلة على أسس أنثروبولوجية عرقية أو مذهبية. وفي الوقت نفسه العمل على تدمير الإتجاه إلى إنتماء قومي كبير. وكان المقصود من دعوة العالمية الجديدة تفكيك القومية العربية وعزل العرب بعضهم عن بعض حتي يتم القضاء على الفلسطينيين لصالح إسرائيل ويعم السلام المنطقة !!. ثم يلحق مشرق الأمة العربية في خريطة سياسية جديدة باسم الشرق الأوسط الكبير تعزل أهله عن مغرب الأمة وتربطهم بقوميات أخرى تركية وإيرانية وإسرائيلية بطبيعة الحال تحت المظلة الأمريكية.
في الثالث والعشرين من يولية 1952 قام تنظيم "الضباط الأحرار" من داخل الجيش بالاستيلاء على سلطة الحكم ، وتم خلع الملك فاروق بعد ثلاثة أيام ، وألغيت الأحزاب السياسية (17 يناير 1953) ، ثم أعلنت الجمهورية في 18 يونية 1953 ، وأسقط العمل بدستور 1923 لفترة إنتقالية مدتها ثلاث سنوات ، ووضع دستور مؤقت لهذه الفترة (10 فبراير 1953) أعلن في نهايتها دستور جديد صدر في 16 يناير 1956. وأصبحت مصر على أبواب عصر يختلف عن العصر الذي سبقه في عدة نواح لعل أهمها فيما يتعلق بموضوعنا أن المصريين أصبحوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم بعد أن حرموا هذا الحق ردحا طويلا من الزمن منذ انتهاء حكم الأسر الفرعونية القديمة ، وسقوط البلاد في يد الغزاة الذين تتالوا عليها منذ الفرس قبل الميلاد وانتهاء بحكم أسرة محمد علي باشا ذلك الوالي العثماني الذي انفرد بحكم مصر وجعلها ولاية متميزة في إطار الولايات العثمانية التابعة. وقد حفل العامان الأولان من الثورة (1952-1954) بحوادث متسارعة صاحبها كثير من الإضطراب حول صيغة الحكم إلى أن تم عزل محمد نجيب في نوفمبر 1954 ، واستقرار السلطة في يد جمال عبد الناصر الذي أصبح رئيسا للجمهورية في يونية 1956. وكان على القيادة الجديدة ممثلة في مجلس قيادة الثورة الدخول في سياسات بناء القوة محافظة على الثورة وحماية للاستقلال. وقد فرضت هذه السياسات على الحكم الجديد الدخول في معارك داخلية مع القوى التي تأثر وضعها السياسي والاجتماعي بإجراءات الإصلاح الزراعي ، والعزل السياسي ، وتاميم رأس المال الصناعي والتجاري. كما دخلت في معارك خارجية ضد قوى الغرب الأوربي-الأمريكي بسبب رفض الإنضمام للأحلاف الغربية ، وانتهاج سياسة الحياد الإيجابي ثم عدم الإنحياز ، وتأميم قناة السويس ، فضلا عن رفض منهج التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي على حساب المصالح العربية العليا عامة ومصلحة الفلسطينيين على وجه الخصوص. والحق إن هذه السياسات في مجملها كانت جديدة على ساحة العمل السياسي في مصر ، ولم تكن في أي منها امتدادا لسياسات العصر الملكي وحكوماته إلا فيما يتعلق ببعض المبادىء والأفكار التي كانت تنادي بها بعض القوى السياسية الممثلة في فصائل الحركة الشيوعية ، والإخوان المسلمين ، ومصر الفتاة (الحزب الوطني الإسلامي في 1940 ثم الحزب الإشتراكي في 1948) ، وكانت مبادىء عجز أصحابها عن فرضها على حكومات النظام السياسي القائم آنذاك لأنهم كانوا على هامش الفعل السياسي ، وبعيدين عن مقاعد السلطتين التشريعية والتنفيذية. بين العروبة والإسلام والعالمية على أن السياسات التي اتبعتها حكومة الثورة خلال الخمسينات والستينات أدت إلى تحديد مفاهيم الفكر السياسي والاجتماعي للسلطة الحاكمة ، فأصبحت العروبة وفي القلب منها مشكلة الفلسطينيين منهجا أساسيا في سياسة الحكم وعلى أساسها تحددت علاقات مصر الخارجية. وفي هذا الإطار نص دستور 1956 في مادته الأولى على أن "مصر دولة عربية مستقلة ذات سيادة والشعب المصري جزء من الأمة العربية" ، وهو أمر كان جديدا على الحياة المصرية إذ لم تكن العروبة جزء من سياسة الحكم رغم عضوية مصر في جامعة الدول العربية ودورها في وضع النظام الأساسي للجامعة. ولقد أثار هذا الوعي بالعروبة في إطاره الجديد تساؤلات من عدة روافد ثقافية حول حقيقة هوية المصريين ، وهل مصر عربية أم إسلامية أم فرعونية-قبطية أم أنها بحر متوسطية, وقد اصطرعت هذه الروافد على ساحة الفكر ، وكل منها يحاول إثبات صحة فروضه فيما يتعلق بمستقبل البلاد. ويجب ألا يغيب عن البال ونحن نبحث في جدل الهوية أن مصر تحفل بروافد ثقافية كثيرة متصارعة وغير متسامحة منذ اتصلت بالغرب الأوربي منذ القرن التاسع عشر من خلال البعثات التعليمية وغيرها. على أن الصوت المسموع والأعلى على الساحة كان للعروبة بتأثير النهج الرسمي للدولة مع ثورة يوليو 1952. أما الأفكار الأخرى المعارضة فلم تعرب عن نفسها خشية مضايقة السلطات واكتفى أصحابها بعرض أفكارهم في الجلسات الخاصة. وعلى هذا انتشرت مقالات العروبة وسادت .. ففي1956 كتب محمد مصطفى عطا كتابه "نحو وعي جديد" يستعرض فيه التاريخ العربي المعاصر ، وكيف أن الغرب الأوربي تلاعب بمصير العرب ، وعمل على تفتيت قواهم. ثم يدعو الكاتب في في نهاية كتابه إلى "قيام إتحاد عربي مكين يواجه الأحلاف المطروحة على الساحة العربية" (1) . ويكتب علي رفاعي محمدي –مفتش الوعظ العام بالأزهر – كتابه "وحي النهضة الوطنية في الخطب المنبرية" ويقول إن ثورة مصر أيقظت وعي العرب ، لأن مصر دائما كانت محط آمال العرب ، وإن المستعمر استطاع أن يفرق بين من جمعهم الدين والجوار واللغة والمصالح المشتركة ، ولكن ولأن الله يأبى إذلال أمة الإسلام فقد قيض فتية من شباب مصر آمنوا بها وقاموا بالثورة. (2) وفي 1957 يكتب مصطفى عبد اللطيف السحرتي كتابه "إيديولوجية عربية جديدة" ليقول بأن مصر ولدت بعد الثورة بوعي جديد فنالت بجهادها الحاضر استقلالها وعمت أرجاءها روح القومية العربية ، وإن الإيديولوجية العربية تتوائم مع التطور التاريخي لمصر وخصائص مصر الوجدانية والروحية والثقافية. وفي رأيه إن تلك الإيديولوجية تمتاز على خمس إيديولوجيات أخرى تحوم حول مصر مختلفة فيما بينها ومتضاربة ومتصارعة وهي : إيديولوجية طائفية رجعية متزمتة ، وإيديويلوجية غربية مادية قناصة ، وإيديولوجية إشتراكية ديكتاتورية متطرفة ، وإيديولوجية أمريكية محاربة.(3) وتتوالى الكتابات التي تؤكد عروبة مصر وأهمية التوحد العربي وخاصة بعد إعلان وحدة مصر وسوريا في 1958 ، فيكتب إسماعيل القباني عن الوحدة الثقافية العربية (1958) ، ويكتب حسين نصار "مصر العربية" (عام 1960). وفي العام نفسه يكتب صلاح عبد الصبور "أفكار قومية" ، ويكتب علي حسني الخربوطلي "المجتمع العربي".(4) ويكتب لمعي المطيعي "المجتمع العربي" ، ويكتب إميل شوقي "في مجتمع عربي جديد" ؛ ويكتب منير الشريف "حب العرب لقوميتهم" ؛ وتنشر دراسة للأدب في ظلال القومية العربية بإشراف محمد قدري لطفي. وهكذا أصبحت الكتابة عن العروبة هاجس المثقفين سواء كتبوا عن إيمان بها أو من باب الزلفى للوسط الحاكم. وفي الوقت الذي وجدت فيه الفكرة العربية أنصارا لها ودعاة يكتبون ويشرحون باعتبارها محددا لشخصية مصر العربية ، انطلقت أقلام أخرى تتكلم عن الوحدة الإسلامية. ففي عام 1958 (عام وحدة مصر وسوريا) يكتب الشيخ محمد أبو زهرة "الوحدة الإسلامية" ؛ ويكتب الشيخ أحمد حسن الباقوري عن "العروبة والدين" في إطار من الوسطية الفكرية التي تمزج بين العروبة قوميا والإسلام دينا وتوحد بينهما ، وتقرن الإسلام بالعروبة والعروبة بالإسلام ، وتقول بالحضارة العربية الإسلامية حتى أنه عندما مات عبد الناصر أصدر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كتابا بعنوان "جمال عبد الناصر بطل العروبة والإسلام". وفي إطار التوازنات نفسها كتب عيادي العيد العيادي في 1958 عن "المسيحية والقومية العربية" ؛ وكتب شفيق الحوت في 1959 عن "اليسار والقومية العربية". ويكتب استاذ علم الإجتماع علي عبد الواحد وافي عن "مشكلات المجتمع المصري والعالم العربي وعلاجها في ضوء العلم والدين" وذلك فيما يتعلق بزيادة السكان ، ونزول المرأة لميدان العمل ، والاختلاط بين الجنسين ، وتعدد الزوجات. ويناقش هذه المشكلات ويطرح لها الحلول في ضوء العلم الديني وليس العلم الوضعي بالمعنى الإصطلاحي.(5) وفي عام 1959 يكتب السيد محمد أبو المجد عن "الوحدة العالمية في ضوء الإسلام" منطلقا من أن الإسلام دين لا يختص بإقليم دون إقليم ، وينظر إلى العالم كله نظرة موحدة ، فلا حدود وحواجز. والوحدة العالمية التي يريدها تقوم على امتزاج الأمم ، واختلاط الشعوب لتبادل المنافع وتشابك الأرحام وتقارب الأنساب بفعل الهجرات حتى يصير الجميع أمة واحدة موحدة تلتقي قلوبها وعقولها في عبادة الواحد القهار.(6) غير أن اتجاه السادات إلى الإتفاق مع إسرائيل من باب "الواقعية" ، وخروجا على الإجماع العربي ، هز بشدة بناء الهوية العربية لمصر التي كانت سمة الخمسينات والستينات ، وأصابها بشروخ عميقة ، وأصبحت مصر تتصرف في المسائل العربية تصرف الدول المراقبة من الخارج ، ذلك أن إتفاقية "السلام" مع إسرئيل في مارس 1979 نصت على أن لها أولوية على التزامات أحد الطرفين تجاه أطراف أخرى مما يعني في عبارة أخرى نسف إتفاقيات الدفاع العربي المشترك في إطار الجامعة العربية. ولقد صادف هذا التوجه الجديد هوى في نفوس بعض المثقفين المصريين الذين استعادوا رابطة البحر المتوسط كما نادى بها طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" (1938) ، ورموا العرب بالجهل والحماقة وعدم التحضر ، وأذكر في هذا الخصوص أن أحد أساتذة التاريخ الحديث قال لي : إنه سوف يكرس بقية عمره للكتابة عن مصر المصرية وليس مصر العربية التي خسرت كثيرا بالانتماء العربي. وكان في مقدمة هؤلاء حسين فوزي الذي أخذ يتكلم عن أن الصراع مع إسرائيل صراع حضاري في المحل الأول بين التقدم والتخلف ، كذلك كتب توفيق الحكيم ولويس عوض وذلك أثناء مفاوضات كامب ديفيد بين السادات وإسرائيل. وأصبح التطبيع مع إسرئيل مسألة جدلية أخرى شقت صفوف المثقفين المصريين على عدة مستويات. وظهرت قلة قليلة تسعى للتطبيع والإعتراف بإسرائيل ، وتقديم تنازلات دون مقابل سوى "السلام" الغامض. ولقد انتهى أمر هذا الفريق إلى تأسيس جمعية للسلام في القاهرة تستهدف إقناع المصريين بالتطبيع. ولقد أدت هذه التصرفات إلى إلقاء ظلال من الشكوك حول عروبة مصر التي لم تتحصل منها على أية فائدة إلا الفشل والخسارة. وراجت الأفكار التي تقول بان مصر خسرت كثيرا بعروبتها ، وانها أقحمت نفسها فيما عاد عليها بالضرر. وتجدد الحديث مرة أخرى عن حقيقة هوية مصر. وفي هذا المنعطف وفي مطلع التسعينات تتعرض الشخصية القومية لتحد جديد من العالمية الجديدة Globalism التي تمثل خطورة على الهوية القومية لبلاد العالم. وقد انقسم المثقفون المصريون وما يزالون حول هذه العالمية ، فاصبح جدل الهوية ثلاثي الأبعاد : العروبة ، والإسلام ، والعالمية الجديدة. بين الشيوعية والليبرالية عندما بدأت حكومة الثورة تأخذ بالتنظيم المركزي للإقتصاد بإنشاء مجلس تنمية الإنتاج القومي (2 أكتوبر 1952) ، ثم المؤسسة الإقتصادية العامة (13 يناير 1957) وذلك في إطار سياسة التأميم التي بدأت بتأميم قناة السويس (1956) ، وتأميم رأس المال الأجنبي (1957) ، ثم تأميم وسائل الإنتاج الكبرى لرأس المال المصري (1961) وإنشاء القطاع العام ، ساد انطباع بأن مصر "تنجرف" نحو الشيوعية. وكان لهذا الإتجاه ردود أفعال مختلفة حيث ثار الجدل بين التيارات الفكرية حول جدوى هذا الطريق أو عدم جدواه ، وكل تيار ينظر إلى الموضوع بطبيعة الحال في إطار إيديولوجيته الخاصة. وفي هذا المقام رحب اليسار المصري بكل فصائله بهذه التوجهات برغم حملة الإعتقالات الشاملة في يناير 1959 ، ووجد في التأميم أول خطوة جادة نحو الإشتراكية الحقيقية. وتأكد لهم ذلك أكثر حين تضمن ميثاق العمل الوطني (1962) ثلاثة أبواب عن حتمية الحل الإشتراكي (الباب السادس) ، وعن الإنتاج والمجتمع (الباب السابع) ، ثم التطبيق الإشتراكي ومشاكله (الباب الثامن) ، فضلا عن تكوين منظمة الشباب الإشتراكي (1964). وقد رأى بعض اليساريين في تأميم قناة السويس بشيرا بالتحول للإشتراكية فبادروا بدراسة تاريخ المجتمع المصري في ضوء المقولات الماركسية للبحث عن مراحل البدائية والعبودية والإقطاع. وكان في مقدمة هؤلاء إبراهيم عامرالذي نشر كتابيه "ثورة مصر القومية" عام 1956 ، و"الأرض والفلاح : المسألة الزراعية في مصر في عام 1958 ؛ ثم شهدي عطية الشافعي وكتابه "تطور الحركة الوطنية المصرية 1882-1956" في عام 1957 ؛ ثم فوزي جرجس وكتابه "دراسات في تاريخ مصر السياسي منذ العصر المملوكي" في عام 1958. وفي عام 1967 يكتب فؤاد مرسي "حتمية الحل الإشتراكي سياسيا وإقتصاديا وفلسفيا". ولقد أثارت تلك الكتابات جدلا كبيرا عن خطورة آلية التطبيق الماركسي على تاريخ مصر. وفي الوقت نفسه انبرى المعارضون للإشتراكية للهجوم عليها مقرنين إياها بالشيوعية وبالاستعمار وبالإحاد ، ورأوا -على العكس- في الإسلام وديموقراطيته حلا مناسبا ومثاليا لمشكلات المجتمع ، فيكتب عباس محمود العقاد (1956) عن "الشيوعية والإنسانية" لينفي عن الشيوعية الجانب الإنساني. ثم يكتب في العام التالي (1957) "لاشيوعية ولا استعمار" مؤكدا على أن الشيوعية استعمار يحيط بعيوب الاستعمار كله ، واستعمارها ليس طارئا يمكن التخلص منه بعد فترة تقصر أو تطول لأنها مذهب يقرر لأصحابه السيطرة على ثروة الأمة وعلى سياستها. ويوضح محمد مصطفى عطا "إن الإشتراكية وعدت الطبقة الكادحة بأن يكون لها في الحياة نصيب ، أما الإسلام فقد وعد المؤمنين المتقين بالجنة وبحياة أفضل من الحياة الدنيا. ويقول أيضا إن الإسلام يدعو للإتحاد وإنكار الذات والوحدة والتعاون وتضحية الفرد بنفسه في سبيل المجموعة. (7) وفي 1957 يعيد محمد عبد القادر العماوي طبع كتابه "هذا هو الإسلام" مبينا مبادىء الإسلام في العدل الإجتماعي. وكذلك فعل محمد قطب في إعادة طبع كتابه "الإنسان بين المادية والإسلام". ويكتب محمد عطا (1957) قائلا إن المجتمع المصري يشهد نزعات يسارية مستخفية وبخاصة بعد أن أظهر الإتحاد السوفييتي تعاونا كاملا خالصا مع الحكومة المصرية (يشير إلى موقف الإتحاد السوفييتي من العدوان الثلاثي في 1956). ويقول إن مصر اليوم لا تميل إلى إعتناق هذه النزعات لأن مصر بصدد تكوين شخصية مستقلة تلائم حياتها المصرية كل الملائمة .. فلا تطرف ولا إفراط في الإنحراف. وينتهي إلى القول بأن مصر قادرة على أن تسلك مسلك الوسط لأنها محافظة بطبعها وأن شخصيتها أقوى من أن ينال منها أو تضيع معالمها وسط المذاهب المستوردة. (8) كما يكتب محمد عبد اللطيف السحرتي (1957) عن أهمية اعتماد الروح الديموقراطي النقي بعد تجريد الديموقراطية الغربية من نزعة التملك والاستغلال والاستعباد ، لأن هذه الروح تحترم كرامة الإنسان وتقر مبدأ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص في تهذيب الشخصية الفردية ، لا التكافؤ في خدمة الدولة وطاعتها طاعة عمياء (9) . وبعد أن يرفض المؤلف إتخاذ المادية منهجا للتقدم يقول : إنه لا بأس بإيجاد نظام إشتراكي معتدل للتخفيف من حدة الرأسمالية ، والتقليل من الفوارق البارزة في مستوى الطبقات (ص 29-35). وتكثر الكتابات من منظور إسلامي لمواجهة التيار الإشتراكي الذي أخذت به الدولة تحت شعار "المجتمع الإشتراكي التعاوني الديموقراطي" آنذاك .. ففي 1958 - بعد تأميم شركة قناة السويس (يولية 1956) وبداية توجيه النشاط الرأسمالي- يكتب عثمان خليل عن الديموقراطية الإسلامية ؛ وإبراهيم على أبوالخشب عن "الإسلام المظلوم". وفي 1959 يكتب مصطفى درويش "الإسلام في مواجهة الرأسمالية والإشتراكية" مؤكدا على الوسطية. ويكتب محمد عرفه ناقدا الشيوعية بعنف في كتابه "الإسلام أم الشيوعية". وفي عام 1960 يكتب عباس محمود العقاد عن "الإسلام في القرن العشرين : حاضره ومستقبله" ؛ ويكتب لبيب السعيد "الشيوعية والإسلام" ؛ وعبد الرازق نوفل عن "الإسلام دين ودنيا". وفي 1965 وكانت الدولة قد أخذت بالتطبيق الإشتراكي بعد إنشاء القطاع العام بمقتضى قرارات التأميم الكبرى في يولية 1961 يكتب عبد الرازق نوفل كتابه "الإسلام ونظم الحكم المعاصرة". وفي 1967 يكتب خالد محمد خالد "لله وللحرية". وفي 1970 يكتب أحمد الشرباصي "بين الدين والدنيا" ؛ ومحمود الشرقاوي عن "الدين والدولة المصرية". ويلاحظ أن كل هذه الكتابات تتناول القيم الإسلامية المثالية وأهميتها بالنسبة للفرد وللحكومة دون أن يفكر أصحابها في بيان كيفية تطبيقها ، أو توضيح كنه العلاقة بين الثابت والمتغير. ثم تظهر كتابات وسطية من قلب التيار الإسلامي لا ترى في الإشتراكية تناقضا مع الدين ، ربما محاولة من أصحابها التوافق مع فلسفة الحكم القائمة. وعلى سبيل المثال ما كتبه أحمد شلبي (1966) بعنوان "الإشتراكية : دراسة علمية نقدية يدعمها اليقين الروحي" ؛ وكتاب مصطفى الهمشري "مع الدين في سبيل الإشتراكية" (1967). وفي السبعينات وبعد حرب أكتوبر 1973 تشهد مصر إنقلابا على الخط الإشتراكي حين بدأ السادات في التوجه نحو تحرير الإقتصاد المصري من سيطرة القطاع العام. وكان ذلك في إطار التسوية السياسية للصراع مع إسرائيل من باب تشجيع رأس المال الأجنبي في مختلف مجالات التنمية. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تصرح بأن رأس المال لا يمكن أن يغامر بالاستثمار في منطقة ما تزال متفجرة وتنذر بخطر الحرب. ومع التحولات الإقتصادية-السياسية الجديدة اعتبارا من قانون الإنفتاح الإقتصادي (إبريل 1974) بدأ الجيل الذي نشأ في حمى الإشتراكية والعدالة الإجتماعية ودور الدولة في الرعاية الإجتماعية يشعر بأن مصيره إلى زوال ، وأصبح كل من يتكلم في العدالة الإجتماعية يوصف بأنه من أنصار الشمولية والإنغلاق ، وأصبحت "الناصرية" التي رفعت شعار العدالة الإجتماعية رمزا للإنغلاق والحقد على الأغنياء. والحاصل أن البعد الإشتراكي في السياسة المصرية أخذ يتآكل مع حكم السادات ، وأخذ يزداد تآكلا مع حكم مبارك مع تشريعات الخصخصة منذ حكومة عاطف صدقي (1985) وما تلاها. ومن شأن هذا التوجه التأثير على حيوية الإنتماء لدى الطبقة الوسطى وما دونها ، وتزداد حدته مع زيادة نسبة البطالة وتخلي الدولة عن كافة إلتزامتها الإجتماعية. المواطنة سياسيا حرصت حكومة الثورة فور قيامها على التماسك الإجتماعي بين المصريين وإشعارهم بأن الضباط الأحرار –وهم مصريون من أبناء الطبقة الوسطى- قد قاموا بالثورة من أجل المصريين جميعا. وكان قائد الثورة يخاطب المصريين بقوله : "أيها المواطنون" خلافا للخطاب الملكي الذي كان يقول : "يا شعبي العظيم". ومن أجل إزالة التمايز بين المصريين قررت الحكومة إلغاء رتب : الباشوية والبكوية وصاحب المقام الرفيع وصاحب السعادة وصاحب المعالي ..إلخ (2 أغسطس 1952). غير أن إلغاء الأحزاب السياسية (يناير 1953) التي كانت قائمة في مصر قبل 1952 ، وإقامة التنظيم السياسي الواحد الذي يضم كافة القوى الإجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير الجديد ، ومنع السياسيين القدامى الذين صدرت بحقهم قرارات العزل السياسي من التمتع بعضوية التنظيم السياسي ، أثار جدلا كبيرا حول مشروعية نفي المواطن داخل وطنه وحرمانه من مباشرة حقوقه السياسية ، وهو جدل لم يعرف طريقه إلى وسائل الإعلام المسموع والمنشور وظل حبيس صدور أصحابه حتى السبعينات. وكانت قيادة الثورة ترى أن الأحزاب أفسدت الحياة السياسية في مصر حيث كانت تتصارع فيما بينها من أجل كرسي الحكم ، وأنها لم تنجح في تحقيق هدف الإستقلال وإجلاء الإنجليز منذ اندلعت الثورة في 1919 تحت شعار "الإستقلال التام أو الموت الزؤام" ، فضلا عن أن تلك الأحزاب –وكانت تضم صفوة ملاك الأراضي الزراعية وأصحاب رأس المال الصناعي والتجاري- كانت تضع مصالحها في المقام الأول من خلال سيطرتها على السلطتين التشريعية والتنفيذية. وعلى هذا استهدفت الإجراءات السياسية تجريد تلك الصفوة من مصدر قوتها السياسية بقوانين الإصلاح الزراعي والتأميم منعا لسيطرة رأس المال على الحكم. والحال كذلك استبعدت حكومة الثورة عناصر النظام القديم وأركانه من عضوية التنظيمات السياسية التي أقامتها من أول هيئة التحرير (1953) ، والإتحاد القومي (1956) ، ثم الإتحاد الإشتراكي العربي (1962) واعتبرتهم أعداء الشعب واقتصرت العضوية على العمال والفلاحين وأبنائهم من مختلف شرائح الطبقة الوسطى. وقد إزدادت أهمية التنظيم السياسي الواحد عندما تقرر أن يقوم الإتحاد القومي بناء على دستور 1956 (المادة 10) بالترشيح لعضوية مجلس الأمة ، وأن يكون قراره في هذا الشأن نهائيا. وقد ورث هذا الدور تلقائيا الإتحاد الإشتراكي العربي الذي خلف الإتحاد القومي وان لم يتضمن دستور 1964 نصا بذلك. وربما يعود السبب في عدم النص على دور الإتحاد الإشتراكي في هذا المقام أن هذا التنظيم قد تشكل في إطار دستور 1956 ، وأن دستور 1964 اكتفى بالنص على أن الإتحاد الإشتراكي هو السلطة الممثلة للشعب ، والدافعة لإمكانات الثورة ، والحارسة على قيم الديموقراطية السليمة (مادة 3). والحق أن هذه الإجراءات وبصرف النظر عن مقاصدها "الثورية" أثارت جدلا هائلا وإن كان مستترا بين السياسيين القدامى وأنصارهم من المثقفين حول مشروعية العزل السياسي وقانونية حرمان المواطن من ممارسة حقوقه السياسية وتقييد حريته رغم أنه خارج أسوار المعتقلات والسجون. غير أن الخطاب الرسمي كان يردد دوما أن "الحرية .. كل الحرية للشعب .. ولا حرية لأعداء الشعب .. وأن الأحزاب التي استقطبت جماهير الشعب وجعلتها تردد هتافاتها وشعاراته زمنا طويلا لم تفعل شيئا ملموسا لهذه الجماهير في طريق العدالة الإجتماعية والحقوق السياسية ، بل لقد كان الإعتقال السياسي وسيلة حكومات ما قبل 1952 لحماية النظام الإجتماعي والسياسي وبمقتضى دستور 1923. ولكن .. وفي المقابل أصدرت حكومة الثورة مرسوما بقانون للعفو الشامل عن الجرائم السياسية التي وقعت في المدة من تاريخ توقيع معاهدة 1936 إلى ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952 وقد بلغ عددهم 934 شخصا (المرسوم بقانون رقم 241 في 16 أكتوبر 1952). والمغزى .. أن أصحاب تلك الجرائم كانوا من العناصر التي ناضلت ضد النظام الملكي وضد الإنجليز. كما أعطى دستور 1956 للمرأة حق الإنتخاب وكذلك لأفراد القوات المسلحة ، وللمصريين الذين يعملون على السفن المصرية وللمقيمين بالخارج المقيدين بالقنصليات المصرية. وكان جميع هؤلاء وأولئك محرومين من هذا الحق في قانون الإنتخاب القديم. كما خفض القانون سن الناخب إلى ثمانية عشر سنة ميلادية لكي يتاح للشباب دور إيجابي للمشاركة في مجريات الأمور ، وكانت السن المحددة في القانون القديم واحد وعشرين سنة لإنتخاب أعضاء مجلس النواب وخمس وعشرين سنة لإنتخاب أعضاء مجلس الشيوخ. غير أن القانون رقم 32 لسنة 1964 الخاص بالجمعيات الأهلية كان ضربة واضحة لحرية المواطنين في الحركة الإجتماعية والسياسية المستقلة لأنه حرم على الجمعيات الإشتغال بالدين أو بالسياسة. وبصرف النظر عن أن هذا القانون كان متسقا مع توجهات حكومة الثورة ، إلا أنها لم تكن أول من ابتدعته فقد كان هذا التحريم قديما ويعود إلى عام 1892 حين تأسست الجمعية الخيرية الإسلامية وجاء في نص إنشائها ألا تعمل بالسياسة أو الدين وطبق هذا النص الذي وضعه سعد زغلول وكان قاضيا حكوميا على كافة الجمعيات الأهلية التي تأسست بعد ذلك. ولكن لما اكتشفت حكومة الثورة أن الجمعيات كانت بمثابة الباب الخلفي لممارسة السياسة بعد إلغاء الأحزاب السياسية في يناير 1953 أصدرت ذلك القانون لتقييد الجمعيات ومنعها من أن تكون واجهات للعمل السياسي الذي احتكرته الحكومة وكافة المنظمات التابعة. وفي عهد رئاسة السادات وفي إطار تحرير الإقتصاد المصري من المركزية ونقل نشاطاته إلى الأفراد كان من الطبيعي أن تحدث إنفراجة مماثلة في التنظيم السياسي. ومن هنا أعلن في إبريل 1976 وبعد عامين من قانون الإنفتاح الإقتصادي تكوين المنابر السياسية وفقا للتقسيم الكلاسيكي بين يمين ويسار ووسط. وسرعان ما ألغى تنظيم الإتحاد الإشتراكي العربي ، وتحولت المنابر إلى أحزاب سياسية في أكتوبر من نفس العام من باب حق المواطن في التعبير السياسي. وكون السادات لنفسه حزبا باسم "حزب مصر العربي الإشتراكي" ما لبث أن تركه وكون حزبا جديدا باسم "الحزب الوطني الديموقراطي". لكن قانون الجمعيات الأهلية ظل قائما كما هو دون تغيير يسمح بحرية العمل الإجتماعي الخاص أسوة بحرية العمل الإقتصادي الخاص !!. ورغم تلك الإنفراجة السياسية بتكوين الأحزاب إلا أن نظام الإنتخابات والترشيح للهيئة التشريعية لا يسمح لأحزاب المعارضة بتحقيق أغلبية في مجلس يعطي الحزب الفائز حق تشكيل الحكومة منفردا أو مؤتلفا مع أحزاب أخرى حسب مقتضى الحال شأن الديموقراطيات في الغرب. ولأن الحكومة تمنح الأحزاب إعانة سنوية فلا يصح أن ينتظر منها مواقف إستقلالية ومعارضة حقيقية. والحال كذلك أصبحت كل الأحزاب بمثابة فروع للحزب الوطني الديموقراطي كل حسب مجاله .. فحزب التجمع لشؤون اليسار ، والوفد لشؤون "الليبرالية" ، وحزب العمل لشؤون اليمين وهكذا ، ويحتفظ الحزب الوطني الديموقراطي لنفسه بالوسط الذهبي. فإذا أضفنا إلى هذا أن قانون إنشاء الأحزاب يشترط لقيام حزب جديد أن يكون متميزا في البرنامج أو في الوسائل عن الأحزاب القائمة في الساحة أدركنا مدى عقم الإنفراجة التي أريد لها أن تكون "ديموقراطية". الطائفية / الوحدة الوطنية في إطار التماسك الوطني بين جميع المصريين قررت حكومة الثورة إعمال مبدأ تكافؤ الفرص في التقدم للوظائف من خلال ديوان الموظفين ، ومبدأ القدمية المطلقة في الترقي للوظائف الأعلى ودون تفرقة دينية أو نوعية بين المرأة والرجل فيما عدا الوظائف القيادية العليا فيتم شغلها بالإختيار. وفي الإطار نفسه صدر في سبتمبر 1955 قانون إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية (القانون رقم 462 لسنة 1955) وإحالة إختصاصاتها (دعاوى الأحوال الشخصية والأوقاف) إلى المحاكم الوطنية إعتبارا من أول يناير 1956. وكانت لكل طائفة دينية قضاؤها الخاص وقوانينها الموضوعة الخاصة. ورغم حرص حكومة الثورة على إقرار مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين دون تفرقة والتأكيد على أن المواطنين متساوون جميعا أمام القانون في الحقوق والواجبات ، إلا أنه على مستوى الممارسات العملية كانت التفرقة تفعل فعلها ضد المرأة من حيث حرمانها من تولي وظائف قيادية معينة وضد المسيحيين كذلك حسب توجهات صاحب القرار ، ومن ثم انفتح باب الفتنة بما يهدد دعائم الوحدة الوطنية والهوية المصرية. ومنذ فترة مبكرة (1956) تنبه بعض المثقفين إلى خطورة إشعال نار الفتنة ودعوا إلى التمسك بفضيلة التسامح والبعد عن التطرف والتزمت ، لأن المصريين مرحين بطبيعتهم ويؤمنون جميعا بالقضاء والقدر ويزاوجون بين الفرائض والترويح عن النفس ، ومن هنا فلا مكان لوجود الجماعات المتطرفة المتعصبة بينهم ، كما أن طبيعة المجتمع المصري صهرت كل السلالات المتباينة والمذاهب المتفرقة وطبعت الجميع بطابع المحبة والخير والتسامح ولين الجانب وحسن المعاشرة.(10) كما وجهت إنتقادات "للفكرة الطائفية - الثيوقراطية" التي يريد أصحابها تطبيقها على سياسة الدولة واقتصادها وأوضاعها الإجتماعية ومشكلاتها المعاصرة .. الذين يرون يرون في الماضي كل الحاضر ، ويحاولون استنباط أحكاما من أحداث موغلة في القدم لتطبق على أحداث العصر وحاجياته دون أن يدري هذا الفريق أنه بهذا الإتجاه يعذب الماضي تعذيبا شديدا. وبعض أعضاء هذا الفريق من ناحية أخرى ينكرون الدستور والبرلمان ويصفون القومية بأنها مؤامرة على قتل الدين ، ويرون إن النظام الإقتصادي الإسلامي نظام قائم بنفسه ويمكن تطبيقه في العصر الحاضر ، وآخرون منهم يقولون ببطلان القوانين الجنائية بطلانا مطلقا. وينتهي نقد هذه الطائفية بأنه لن تقوم وحدة قومية في ظل إيديولوجية ثيوقراطية لاختلاف الأديان في كل أمة. (11) والحقيقة أن دعاة الثيوقراطية لم يتوقفوا عن التمسك بدعواهم واستمروا يشرحونها من آن لآخر ، وتضمن خطابهم مصطلحات أهل الكتاب وأهل الذمة. وفي ذلك كانوا يقولون : إن الإسلام من باب المحافظة على العقيدة يتساهل مع أهل الكتاب ما داموا يعتقدون بالوحدانية المطلقة ، ويسالمون المسلمين ، على أن يقدموا للمسلمين نفقة يسيرة في مقابل حماية المسلمين لهم من هجمات الأعداء ، وعلى المسلمين في هذه الحالة أن يتركوا لهم حرية العبادة ويحافظوا على حياتهم وعلى أموالهم. (12) وفي إطار نقد هذه الثقافة الدينية ذهب البعض إلى إنتقاد التعليم الأزهري الذي سمح بإنشاء مرحلتين للتعليم (إبتدائي وثانوي) لأن هذا يعتبر "بدع بين جامعات العالم"، ولأنه من ناحية أخرى يقيم بناء موازيا للتعليم المدني القائم في مصر من شأنه أن يزيد من إنقسام الأمة ويشعب ثقافتها ، ويمنع إجتماعها على كلمة واحدة. والمفروض عند هؤلاء النقاد أن تكون المرحلة التعليمية قبل الجامعة مدنية عامة تتكفل بها الدولة وتنشر فيها القدر الثقافي المشترك بين المواطنين جميعا. (13) وحيث أن مقومات الثقافة في مصر ترد إلى روافد فرعونية ، ويونانية ، وعربية إسلامية ، وغربية حديثة : فرنسية وإنجليزية وألمانية وأمريكية وروسية معاصرة ، فينبغي استيعاب كل ثقافة دون تعصب لأي منها مهما تكن الصلة بها ، ذلك أن التعصب جمود وركود وإنتكاس . (14) والحقيقة أن السياج القانوني للحكم السياسي حمل في طياته قواعد متناقضة ، إذ كان يسمح للفكر الثيوقراطي بمشروعية ما .. فدستور 1964 ينص على أن الإسلام دين الدولة (مادة 5) ، وفي الوقت نفسه ينص على أن المصريين لدى القانون سواء دون تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة (مادة 24) ، وأن حرية الإعتقاد مطلقة ، وأن الدولة تحمي حرمة القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو يتنافى مع الآداب (مادة 34). وعلى هذا فإن أحكام المادتين 24 ، 34 أصبحت غير ذات معنى ولا توظيف حقيقي لها في وجود المادة الأولى. وفي السبعينات حدثت تحولات سياسية وإقتصادية أساسية كان لها تأثيرها على سؤال الهوية والمواطنة. والحاصل أن السادات كان قد رفع مبكرا شعار "دولة العلم والإيمان" وكان قصده محاربة الشيوعيين والناصريين. غير أن العناصر الإسلامية التي أخرجها من المعتقلات تلقفت الشعار ووظفته عمليا في تكوين قيادات إسلامية للمستقبل. ولما اختلفت هذه العناصر حول طريق الحكومة الإسلامية وقع الانشقاق بين صفوفها وقام كل منشق بتكوين فريقه الخاص للدعوة والحركة. وهكذا تعددت الأسماء وانقسمت الهوية الإسلامية الواحدة إلى عدة هويات كل منها يكفر الآخر وجميعهم يكفرون المجتمع ويصفونه بالجاهلية. وعلى هذا عادت الفكرة الإسلامية من جديد تنازع الفكرة العربية التي كانت قد استقرت في سياسات الحكم طوال الخمسينات والستينات. وبدا أن مصر تتخلى عن عروبتها وخاصة عندما أقدم السادات على زيارة إسرائيل (نوفمبر 1977) ، ومضى في طريق التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي منتهيا بتوقيع إتفاقية مع إسرائيل (مارس 1979). وعندئذ انقسم ولاء المصريين بين الإتجاه الإسلامي والإتجاه العربي. وفي هذا المناخ الجديد بدأ الخطاب الإسلامي يتفوق على خطاب القومية العربية ، وكثرت بشكل ملحوظ الكتابة في التوجه الإسلامي والشخصية الإسلامية. وتكونت بكليات الجامعات المصرية جماعات إسلامية تنشط للسيطرة على الإتحادات الطلابية. كما نشطت العناصر الإسلامية للسيطرة على النقابات المهنية وأندية أعضاء هيئة التدريس بالجامعات. وعلى سبيل المثال أصدر إتحاد طلاب هندسة القاهرة في عام 1972 كراستين : الأولى بعنوان "الإسلام عقيدة وحياة" ، والثانية بعنوان "إلى أين نحن مسوقون" وهو بحث نشره على عبد المنعم (المستشار الثقافي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت) بمجلة الوعي الإسلامي وأعاد إتحاد الطلاب نشره. وفي تقديم الجمعية للبحث قال المحرر : إن البحث يصل بنا إلى أن حالتنا اليوم كما يحدثنا القرآن والسنة صائرة إلى أحد إحتمالين لا ثالث لهما ، إما إلى استبدالنا بقوم غيرنا ولن يكونوا أمثالنا ، وإما إلى يوم القيامة حيث ينفخ إسرافيل في الصور ، اللهم إلا أذا إبتعد المسلمون عن واقعهم المر فأصلحوا أنفسهم بتطبيق دينهم ، ثم سعوا إلى قيادة الدنيا إلى الحق والخير والسلام. (15) وفي 1972 أيضا يكتب أحمد كمال أبو المجد "الفكر الديني وبناء المجتمع العصري" ؛ ويكتب عبد الكريم الخطيب "الإسلام ومواجهة العصر وتحدياته ؛ ويكتب عبد العزيز كامل "الإسلام والعصر" ؛ ويكتب أنور الجندي "مشكلات الفكر المعاصر في ضوء الإسلام". وفي 1974 يعيد السيد محمد ماضي أبو العزايم طبع كتابه "الإسلام وطن والمسلمون جميعا أهله". وفي 1977 يكتب محمد عزت إسماعيل الطهطاوي "النصرانية والإسلام : عالمية الإسلام ودوامه إلى قيام الساعة". وفي 1978 يكتب الشيخ محمد الغزالي "حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي". وعندما كان الرئيس السادات يصرح بأنه حاكم مسلم لدولة إسلامية تتشجع تيارات التعصب. وبدلا من أن يفهم التصريح في إطار المناورات السياسية التي كان يجيدها ، إعتبرتها الجماعات المتطرفة إشارة خضراء لممارسة التعصب ، وإثارة الفتنة ، وفرض ذاتيتها على كل المجتمع. وعلى هذا بدأت مشاعر الفتنة تتصاعد حيث أحرقت كنيسة الخانكة (1972) ، ثم كنيسة سمالوط (1979) ، وانتهت بحوادث الفتنة والشغب الكبرى في منطقة الزاوية الحمراء (يونية 1981) التي خمدت مع إغتيال السادات (6 أكتوبر 1981) ولكن إلى حين. ولقد شد من أزر التيارات الدينية التي عرفت بالإسلام السياسي ، العائدون من العمل بمجتمعات النفط في بلاد شبه الجزيرة العربية وخاصة المملكة العربية السعودية حيث حملوا في عودتهم قيم مجتمع البداوة وخلطوا بين الدين والبيئة ، واعتقدوا أن الإسلام الصحيح يكمن في التشبه بسلوك أهل الجزيرة وثقافتهم وذلك على حساب التقاليد المتوارثة ودون اعتبار لوجود أصحاب العقيدة المسيحية من المصريين. هكذا انشطرت الهوية المصرية إلى هويتين : واحدة إسلامية للأغلبية ، وأخرى مسيحية. وعاد من جديد استخدام مصطلح أهل الذمة الذين عليهم دفع الجزية عن يد وهم صاغرون. وعاد القول بأن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وفي المقابل توارت الهوية العربية بعد أن انتقد السادات العرب بشدة بسبب موقفهم المعادي من التصالح مع إسرائيل. وعندما نادى السادات بالبحث عن الذات وكتب مذكراته تحت هذا العنوان ، لم يكن يقصد الذات العربية بعد إنهيار المشروع العربي الذي كان سمة الخمسينات والستينات ، وإنما كانت ذات دينية ، أو عرقية ، أو إقليمية مما يهدد وحدة المجتمع الواحد وتفتيته بين كيانات أنثروبولوجية متعددة. ومن ناحية أخرى طالب التيار الديني بضرورة أن يتضمن دستور الدولة نصا بأن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع. وعندئذ ثار جدل كبير حول درجة المصدر بين النسبي والمطلق .. وهل تكون الشريعة المصدر الرئيسي أم الأساسي أم الوحيد أو أن تكون مصدرا وفقط. وإزاء ضغوط هذا التيار بدأ مجلس الشعب يناقش مشروع قرار بتحريم بيع الخمور والمسكرات في الأماكن العامة. لكن النقد الذي أثاره الرأي العام الغربي عن جدوى الإنفتاح الإقتصادي مع تحريم تقديم الخمور أدى إلى تقرير تقديم الخمر للأجانب فقط ، وسرعان ما دفن المشروع في النهاية. وفي الثمانينات تقوى الجماعات الإسلامية وتستوي على عرشها وتفعل فعلها في شطر الذات المصرية إلى ذاتين دينيتين (إسلامية ومسيحية). وتنزعج لجنة "الدفاع عن الثقافة القومية" التي كانت قد تشكلت في 1979 في أعقاب الإتفاق مع إسرائيل ، وتعقد الندوات وتصدر النداءات من أجل التماسك الإجتماعي مشددة على "المصرية" في مواجهة الذاتية الدينية ومواجهة الهيمنة الغربية التي تزكي نار الفتنة وتستفيد من إختلاف المصريين فيما بينهم. وفي هذا الخصوص عقدت اللجنة خلال النصف الأول من 1987 سلسلة ندوات تحت عنوان "الفتنة الطائفية في مصر". وفي الوقت نفسه عادت الأقلام "الإسلامية" من جديد .. ففي 1988 يكتب جمال البنا "الإسلام هو الحل" ؛ ويكتب أنور الجندي "إسلامية الثقافة" ؛ ويكتب محمود عبد الوهاب فايد "كفاحنا في مقاومة الشيوعية". وفي 1989 يكتب سعيد طه "الإسلام والشيوعية والرأسمالية" ؛ ويكتب مصطفى حلمي "الصحوة الإسلامية عودة إلى الذات". وتنتهي الثمانينات بحوادث الفتنة في أبو قرقاص (محافظة المنيا) ويتجدد الحديث عن الوطن الواحد ، وحقوق المواطن ووضع الأقليات. وتسارع السلطات باستحضار وحدة الهلال والصليب أثناء ثورة 1919 ، وتنظم الإجتماعات المشتركة بين رجال دين مسلمون ومسيحيون وتؤخذ الصور التذكارية والإبتسامة على وجوههم وكل منهم يحتضن الآخر. وبهذا يتم إبراء الذمة الرسمية من جرم الفتنة الطائفية. ويفكر بعض المثقفين الوطنيين من كافة التيارات الفكرية في تكوين جمعية للوحدة الوطنية. وبعد مناقشة ضافية بينهم استقر الرأي على أن يكون إسمها "الجمعية المصرية لدراسات الوحدة الوطنية" خشية أن ترفض وزارة الشؤون الإجتماعية تسجيلها بناء على قانون الجمعيات الأهلية. ورغم هذا الإسم الأكاديمي الطابع إلا أن الوزارة حفظت الأوراق ولم توافق ولم ترفض. (16) وطوال التسعينات تنشط الكتابات الإسلامية تضخم من الذات الإسلامية دون اعتبار لطبيعة المجتمع وتاريخ المصريين المشترك ، مع إهمال تام للحقيقة القائلة بأن ما يجمع المصريين على مستوى التقاليد والعادات المشتركة أكثر مما يفرقهم على مستوى العقيدة. وعلى سبيل المثال يكتب أحمد شوقي الفنجري "كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية" (1990). وفي 1991 يكتب يوسف القرضاوي "أوليات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة" ؛ ويكتب الشيخ محمد متولي الشعراوي "الإسلام بين الرأسمالية والشيوعية" ؛ ويكتب محمد عبد الهادي المصري ضد العلمانية وموقف أهل السنة والجماعة منها ؛ ويكتب محمد شاكر الشريف في الموضوع نفسه "العلمانية وثمارها الخبيثة". وفي 1992 يكتب محمد رشدي حمادي "البلاغ الأخير نحو قيام جمهورية الولايات العربية المتحدة – الإتحاد الإسلامي". ويكتب جابر عصفور من موقعه بالمجلس الأعلى للثقافة "دفاعا عن التنوير" (1993) ، ثم "محنة التنوير" ، ويعقد المجلس الأعلى للثقافة عدة ندوات ومؤتمرات عن التنوير وشخصياته في مصر ، ويعيد المجلس نشر المؤلفات المصرية التي تخاطب العقل وتنير طريقه تحت شعار "المواجهة". وهنا ينبري محمد إبراهيم مبروك ليكتب ضد كتب المواجهة ويختار لكتابه عنوان "مواجهة المواجهة : المناقشة الإسلامية للأفكار العلمانية وكتب المواجهة" (1994) ، وفي الكتاب يهاجم مبروك الأساس الفكري للعلمانيين المعاصرين في مصر الذي يتمثل في رأيه في كتب : الشعر الجاهلي ؛ ومستقبل الثقافة في مصر لطه حسين ؛ والخلافة وأصول الحكم والسياسة للشيخ علي عبد الرازق. ويتناول بإسهاب موقف الحركة الإسلامية بمختلف أجنحتها من أحد عشر مسألة في مقدمتها : العلمانية ؛ والعقلانية ؛ وتطبيق الحدود ؛ والدولة الإسلامية والدينية والمدنية ؛ والأقباط وموقفهم في الدولة الإسلامية معتمدا في ذلك على أفكار المدرسة الإخوانية ، والإمام المودودي ، وتنظيم الجهاد ، والجماعة الإسلامية ، وحزب العمل ، ومن أسماهم بالتجديديين المعاصرين وفي مقدمتهم فهمي هويدي. ويناقش بشكل خاص كتابات كل من : غالي شكري ، وجابر عصفور ، ورفعت السعيد ، وحسن حنفي ، وحسين أحمد أمين باعتبارهم علمانيون معاصرون. وفي المقابل كان على الأقباط أن يدخلوا في معمعان معركة الهوية والمواطنة ، فيكتب ميلاد حنا في يناير 1989 في أعقاب حوادث الزاوية الحمراء "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية" ، وقبل ذلك بتسع سنوات كتب يقول "نعم : أقباط ولكن مصريون" مستهدفا إبراز ما يجمع بين المصريين على مدى حلقات التاريخ المصري من الفرعونية ، واليونانية-الرومانية ، والقبطية-المسيحية ، والإسلامية. ويضطر القس باخوم عطية شحاته الكاهن بمطرانية بني سويف أن يكتب في نوفمبر 1991 وفي عقابيل حوادث أبو قرقاص "لماذا الوحدة الوطنية" .. أقول يضطر .. لأنه خرج على طبيعته في الكتابة في مجال الأخلاق من منظور ديني ، فنراه يقوم بوضع برنامجا -من واقع الشعور بالخطر- لتدعيم الوحدة الوطنية عن طريق إعلاء قيمة المحبة ، وبالكتابة الدينية المشتركة في مواضيع وحدانية الله وصفاته والفضائل الكبرى والوحدة الوطنية ، وبالتوعية الدينية بالمساجد والكنائس للوقوف ضد التيارات المعادية وإلغاء الخط الهمايوني العثماني (1856) والذي تجدد في 1934 ، وتشكيل مجلس دائم للتعاون الإسلامي-المسيحي. (17) ويفتتح رفيق حبيب الإنجيلي المذهب ملف التيارات المسيحية والإسلامية في مصر (ديسمبر 1991) ، ويقدمه الناشر (الدار العربية) بكلمات دالة على ما وصلت إليه مشكلة الهوية المصرية والمواطنة إذ يقول : إن رفيق حبيب ارتكب خطايا أربعة فهو باحث عقلاني يعيش في مجتمع يؤمن بالخرافة ، وهو من أقلية دينية في بلد سيطر على الأغلبية فيه التطرف والتدين السطحي ، وهو من أقلية داخل الأقلية (أنجليكاني وسط محيط أورثوذكسي) ، والخطيئة الرابعة أنه يشعر بالأمل في بلاد سيطر عليها الإرهاب بكل أنواعه في حماية قانون الطوارىء. ويكتب سعد الدين إبراهيم "تأملات في مسألة الأقليات" داعيا إلى مؤتمر موسع لمناقشة أوضاع الفتنة الطائفية لكنه لا يتمكن من عقده في القاهرة فيضطر إلى عقده في قبرص. وبينما يتجادل المصريون على ذلك النحو طوال النصف الثاني من القرن العشرين حول هويتهم بين الفرعونية-القبطية ، والإسلامية-العربية ، والعلمانية والشرائع الدينية ، والإشتراكية والرأسمالية .. يخرج علينا الرئيس الأمريكي بوش وهو يستعد لإخراج العراق من الكويت بعد غزوه في أغسطس 1990 بمقولة إن محاربة العراق ليس دفاعا عن دولة صغرى (الكويت) ضد دولة أكبر منها (العراق) .. إنه الدفاع عن النظام العالمي الجديد . وظلت المقولة غامضة إذ سرعان ما ترك الرئيس بوش البيت الأبيض آخر 1992 للديموقراطيين برئاسة كلينتون حتى إذا ما عاد الجمهوريون برئاسة جورج بوش الابن في يناير 2001 ويحدث الهجوم على برجي نيويورك الشهيرين في 11 سبتمبر 2001 أصبح النظام العالمي الجديد يعني القضاء على الهوية القومية لصالح العالمية عن طريق تفكيك الدولة القومية الواحدة القائمة على أساس لغة واحدة إلى وحدات منفصلة على أسس أنثروبولوجية عرقية أو مذهبية. وفي الوقت نفسه العمل على تدمير الإتجاه إلى إنتماء قومي كبير. وكان المقصود من دعوة العالمية الجديدة تفكيك القومية العربية وعزل العرب بعضهم عن بعض حتي يتم القضاء على الفلسطينيين لصالح إسرائيل ويعم السلام المنطقة !!. ثم يلحق مشرق الأمة العربية في خريطة سياسية جديدة باسم الشرق الأوسط الكبير تعزل أهله عن مغرب الأمة وتربطهم بقوميات أخرى تركية وإيرانية وإسرائيلية بطبيعة الحال تحت المظلة الأمريكية. وفي هذا المنعطف يستجيب نفر من المصريين لهذه العالمية الجديدة ويسعون لإعلان حزب سياسي باسم "مصر الأم" يدعو إلى الفرعونية باسم المصرية لتخليص مصر من العروبة ، ويعود جدل الهوية من جديد وتختلط المداخل بين عدة مستويات اجتماعية-طبقية وعقائدية دينية ووضعية ، حتى لقد أصبح من الصعوبة التمييز بين الجدل الذي أصله عقائدي ديني ويستخدم المصالح الإقتصادية ، والجدل الذي أصله إقتصادي ويستخدم المذهب في تمرير المصالح وحمايتها. وهكذا يدور المصريون في حلقة مفرغة لا تنتهي من جدل الهوية والبحث عن مصير محدد يستوعب متغيرات الداخل ويستجيب لطلبات الخارج !!. الهوامــش سؤال الهوية سؤال حديث جدا بالنسبة لمصر لم يستخدم إلا منذ مطلع تسعينات القرن العشرين مع سقوط حكم الأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية وبروز مصطلح "العالمية" Globalism الذي أصبح يمثل خطرا على الشخصية القومية للدول. والهوية مسألة فضفاضة لها أكثر من تعريف فيفهمها البعض على أنها الشخصية القومية ، والبعض على أنها الخصوصية الثقافية ، والبعض الآخر على أنها جوهر العقل وماهيته أو المثل الأعلى للعالم ، أو هوية الشخص في إطار إجتماعي ، أو تعميم وإدماج الذات في الغير. راجع : هاني نسيرة ، خطاب الهوية حين ينتفخ في غياب العقل ، النداء الجديد ، أغسطس 1999. (1) محمد مصطفى عطا ، نحو وعي جديد ، القاهرة 1956 . ص 34-42. وفي 1957 كتب نفس المؤلف كتابه "مصر المعاصرة" يؤكد فيه إن مصر أمة عربية ارتبطت بالعرب ارتباطا وثيقا في كل عصور التاريخ وأنها شاركت في الدفاع عن أرض العروبة شرقا وغربا (ص 76-83). ومن الواضح أن الكتاب كتب في إطار إتخاذ خطوات إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958. (2) على رفاعي محمدي ، وحي النهضة الوطنية في الخطب المنبرية ، القاهرة 1956 . ص 162-167. ويذكر المؤلف أنه كتب الكتاب ليكون دليلا لخطبة وعاظ المساجد ، وكل خطبة تحاكي غرضا من أغراض النهضة المباركة وتدفع إلى تحقيق هدف من أهداف الثورة الميمونة. والجزء الأول من الكتاب بعنوان "الأنوار المحمدية في الخطب المنبرية" أعجب به الرئيس جمال عبد الناصر فأمر بتوزيعه على خطباء المساجد. (3) أنظر ص 4-6 والكتاب صادر عن جماعة "البعث الجديد" وهو رقم 4 في سلسلة عنوان الكتاب الأول منها "جولة في العالم الإشتراكي" للدكتور محمد مندور ، والثاني "قصة الأدب في الحجاز في العصر الجاهلي" لكل من عبد الله عبد الجبار ومحمد عبد المنعم خفاجي ، والثالث كتاب "في ظلال الإسلام" لكل من محمد عبد المنعم خفاجي ، ومحمود النواوي ، ومحمود فرج العقدة. (4) هناك كتابان لذات المؤلف بعنوان : محمد والقومية العربية (1959) ؛ والتاريخ الموحد للأمة العربية (1970). (5) وفي الإطار نفسه الخاص بالوسطية يكتب محمود الشرقاوي في عام 1960 "تقويم الفكر الديني وصلته بالقومية العربية" ؛ ويكتب أنور الجندي في 1969 "أصالة الفكر العربي الإسلامي في مواجهة الغزو الثقافي. (6) السيد محمد أبو المجد المستشار الفني للمؤتمر الإسلامي آنذاك وألقى محاضرة في 16 مايو 1959 بقاعة المحاضرات بالجامع الأزهر في الموسم الأول للمحاضرات العامة لعام 1959 (ص 30-34). (7) ص 80-82. (8) مصر المعاصرة ، ص 112-113. (9) كتاب "إيديولوجية عربية جديدة" . ص 50-51. (10) محمد مصطفى عطا ، نحو وعي جديد . ص 50-51. (11) السحرتي ، المرجع السابق . ص 36-186 والحديث يدور عام 1957. (12) السيد محمد أبو المجد ، الوحدة العالمية في ضوء الإسلام ، القاهرة 1956. ص 22-23. (13) محمد مصطفى عطا ، المرجع السابق. ص 152-153. (14) نفسه ، ص 115-120. (15) أما باقي السلسلة كما أوردتها اللجنة في هذه الكراسة فتبين حقيقة التوجه وهي : المادية ومظاهرها وآثارها ؛ السلام والحروب في الإسلام ؛ المال والملكية في الإسلام ؛ نظام الشورى الإسلامي ؛ المرأة بين حرية الإسلام وقيود المدنية ؛ الشيوعية والدين ؛ مشاكل الشباب والسبيل إلى حلها ؛ الإسلام ومعركتنا مع إسرائيل. (16) انبثقت الفكرة من خلال أحداث أبو قرقاص عام 1989 واستضافتها منظمة تضامن المرأة لحين إشهارها. وأذكر في هذا الخصوص -وكنت أحد المشاركين- أن التيار الإسلامي في الإجتماع التحضيري انتقد بشدة أن تتخذ الجمعية مقولة "الدين لله والوطن للجميع" شعار لها وقال أحدهم : لماذا نأخذ الشعار الذي صكه شبلي شميل. (17) أنظر مؤلفاته السابقة على هذا الكتاب وعنوانها : نظرة مسيحية للدوافع الفطرية ؛ التعزيات السمائية ؛ دروس روحية من مدرسة الألم ؛ وكتابات ضد التدخين والخمر والمخدرات.
د.عاصم الدسوقي هو أستاذ التاريخ المعاصر ورئيس جامعة حلوان الأسبق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق