الاثنين، 27 أكتوبر 2008

تجديد الفكر الديني عند زكي نجيب - بقلم د. منى أبو زيد

يشير زكي نجيب محمود إلى أن الدور المنوط بالفكر الديني القيام به غير متحقق في واقعنا الحالي؛ لأن فكرنا الإسلامي قد وصل إلى حالة من الجمود والتخلف؛ مما يجعله عائقا، وليس باعثا للحضارة. وينقد الحالة التي وصل إليها فكرنا الإسلامي، ويضعه في الدرجة الدنيا، التي ليس لنا فيها فكر يوصف بأنه فكر عربي معاصر، مع أن تراثنا "يمدنا بالخامة الولود التي يمكن أن نتخذ منها محورا لموقف عربي أصيل إزاء القضايا الإنسانية".

zakkiإذا كان "زكي نجيب محمود" قد فرق بين الدين وعلوم الدين، فإنه كذلك يفرق بين علوم الدين والفكر الديني؛ لأن العلم الديني هو وجهة نظر جزئية لجانب معين من الدين، أما الفكر الديني فهو رؤية شاملة للدين ككل، تدخل فيها العلوم بجزئيات وتصورات، ويضاف إليها روح الدين وقيمه، فالفكر الديني أوسع مجالا من أي علم من علوم الدين. إن قيم الدين واحدة ثابتة منذ ظهوره حتى نهاية الوجود، أما الفكر الديني فيمكن الحكم عليه حكما معياريا، فنصفه بالازدهار أو الجمود، ونطق عليه أنه فكر ديني تقدمي، أو فكر ديني رجعي. وقد وجه زكي نجيب نقده إلى الفكر الديني المعاصر، محاولا تقديم فكر ديني آخر يتناسب مع واقع حياتنا ومتطلباتنا، مع الالتزام بالثابت من الدين، ومحاولة فهمه بما يتناسب مع متطلبات عصرنا.

عناصر الفكر الديني يفرق زكي نجيب في مجال الفكر الديني بين ثلاثة عناصر هي: الفكرة، والمفكر الديني، والواقع الذي يخدمه هذا الفكر، ويحاول تغييره نحو الأفضل. فأولا توجد الفكرة، وهي نفسها التي يشار إليها في مجال الدين بلفظ: "الكلمة"، كلمة الله سبحانه وتعالى في النص الديني. ثم تأتي الحلقة الثانية، وهي أن تتجسد الفكرة المعينة في فرد يؤمن بها، ويكتمل الطريق بتلك الفكرة إذا أصر حاملها على أن ينشرها في الناس؛ لتكون أساسا من الأسس التي تبنى عليها مناشط الحياة العملية، وبهذه الفكرة الأخيرة تتغير صور الحياة.

ثانيا: الفكر الديني: يرى د.زكي أن المفكر الحقيقي هو الذي يريد للأفكار العظيمة أن تتحول لمنارات تهدي السالكين؛ ليزيد الأمل في حركة تتقدم نحو الأقوى، والأعلى، والأغنى، والأفضل. يحمل الدين داخله مجموعة من القيم، ويدعو إلى سلوك معين للوصول إلى غاياته، وعلى المفكر الديني أن يستخرج من الدين قيمه، وغاياته، وأهدافه، وحكمه، وأسراره، ويرسم خطة يسير نحو تحقيقها؛ حيث إن الفكرة هي "بمثابة خطة معينة يسلك على هديها الناس إذا هم اعتنقوها، واتخذوها دستورا لحياتهم". ويشير زكي نجيب إلى أن هذا ما فعله مفكرونا القدماء، فاستخرجوا من الدين قيمه، وحددوا غاياته المطلوبة، كما حددوا الوسائل الصالحة الواجب على المؤمنين اتباعها للوصول إلى تحقيق هذه الغايات؛ فأوجدوا فكرا دينيا يتلاءم مع حياتهم حينذاك، واستطاعوا بذلك تحقيق نهضة المسلمين الأولى. ويؤكد د.زكي على أن تجديد الفكر يؤدي إلى تغيير الواقع، والفكر الأصيل يساعد على تغيير المناخ الثقافي، ويساعد على بعث روح جديدة نحو العمل. ووظيفة المفكر المسلم هي إيجاد الفكر الإسلامي الأصيل الذي يساعد على تجديد شباب الفكر وحيويته، وبعثه من حالة الجمود التي لحقت به؛ ليكون فكرا متطورا باعثا على مواصلة التقدم. وعلى المفكر الديني أن يجعل من فكره أداة تدعو إلى العلم والإبداع، والاطلاع على علم الآخرين، وألا يقف عند حد التقليد، بل يضيف إلى هذا العلم إضافته الخاصة، وأن يجمع في ثقافته بين الوافد والموروث جمعا يوافق طبيعة فكره الإسلامي، ويتلاءم في الوقت ذاته مع التطور العلمي المعاصر. يقع على المفكر المسلم عبء بناء حضارة إسلامية جديدة، حضارة تجمع بين روح العصر، وتتواءم مع روح الإسلام، ويقدم بهذا صورة للحضارة الكاملة؛ فحيث قصر الغرب يقع واجب المفكر المسلم. ويؤكد د.زكي على إمكان نجاح المفكر المسلم في هذا؛ لأن "في العقيدة الإسلامية من التفصيلات ما هو كفيل بأن يسد النقص في صورة الحياة العصرية كما هي قائمة". ولكن هل هذا الدور متحقق في واقعنا المعاش في العالم الإسلامي المعاصر؟ يجيب زكي نجيب بالنفي؛ لأن فكرنا الديني قد أصابه الضعف والوهن، ولم يعد دافعا نحو مزيد من العلم والرقي، بل أصبح عائقا من عوائق التقدم.

أسباب ضعف الفكر الديني يشير زكي نجيب محمود إلى أن الدور المنوط بالفكر الديني القيام به غير متحقق في واقعنا الحالي؛ لأن فكرنا الإسلامي قد وصل إلى حالة من الجمود والتخلف؛ مما يجعله عائقا، وليس باعثا للحضارة. وينقد الحالة التي وصل إليها فكرنا الإسلامي، ويضعه في الدرجة الدنيا، التي ليس لنا فيها فكر يوصف بأنه فكر عربي معاصر، مع أن تراثنا "يمدنا بالخامة الولود التي يمكن أن نتخذ منها محورا لموقف عربي أصيل إزاء القضايا الإنسانية". ويصف هذا الفكر بأنه يعيش حالة جمود؛ لأنه يقف عند الواقع الجزئي، عاجزا عن استخلاص ما يمكن استخلاصه من صور نظرية تصلح أن تنتقل للتطبيق على واقع جزئي آخر، "وهو ما قصده السابقون بأن إدراكنا لـ "روح" النص أهم من إدراكنا لـ "حروفه"، وإدراكنا لغايات وأهداف الدين أهم من وقوفنا عند مجرد إدراك ظاهر النصوص"، ويحدد سبب هذا الضعف الفكري في أمرين: الأمر الأول: الوقوف بالفكر عند معنى قديم، في حين أن الأفكار من شأنها أن تنمو مضموناتها مع خبرة السنين، فقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ} (الأنفال: 60)، كانت القوة قديما تشمل السيوف، والرماح، والخيل، فهذا هو المعنى المعتاد للقوة العسكرية وقت نزول الآية الكريمة. ولكن تطور مفهوم العتاد العسكري، وتغير مفهوم القوة، فلم تعد القوة العسكرية هي وحدها التي ترهب؛ فهناك قوى أخرى، مثل قوة العلم والتكنولوجيا، والاقتصاد، والسياسة، فلم تعد القوة العسكرية هي القوة الوحيدة التي ترهب أعداء الإسلام. الأمر الثاني: أن مجال الحياة الفكرية يعوزه الروابط والضوابط الواضحة لما هو صواب وما هو خطأ، وتحديد معيار الصدق يتوقف على مدى ملاءمته مع سائر ظروف الحياة، أو عدم الملاءمة، وكذلك على المفكر الديني أن يوجد الوسائل التي تطور حياتنا، ولا تؤدي إلى تخلفها. فإذا كنا في عالم الأفكار نتبنى مجموعة من الأفكار نرى أنها صالحة لحياتنا المعاصرة، مثل الحرية، والتعاون، والصدق، والحب، والخير، والسعادة، والعدالة الاجتماعية، والإيمان، فإنه من الواجب على المفكر الديني أن يجعل تحقيق هذه الأفكار غايته، فيأتي من الدين ما يدعم هذه الأفكار. فالدين قد أتى للإنسان بكثير من القيم، وأعطانا الضوابط، وترك لنا حرية التطبيق الذي يناسب حياتنا، فعلى المفكرين أن يرسموا الأهداف ليهدوا بها السائرين كلا في ميدانه، والغاية واحدة على الجميع أن يرصدوا مشكلاتنا القائمة على أرضنا بالفعل؛ ليعالجوها بقدراتهم العقلية ابتغاء الوصول إلى حلولها. وكانت أول مشكلة واجهت زكي نجيب في مجال تجديد الفكر الديني، هو التعصب الديني الذي وصل في حالات كثيرة إلى مرحلة الإرهاب الديني، فحاول معالجة هذه المشكلة بتحليلها، وبيان لماذا يتعصب البعض ويتهم الآخرين بالكفر، ولماذا يستخدم القوة في إجبار الآخرين على اتباع فكر ديني معين، على الرغم من أن الفكر ليس مقدسا في مجال الدين، وإنما هو رؤية إنسانية فيها ما فيها من الصواب والخطأ، ولا يحق لمسلم أن يكفر أخاه.

معضلة التطرف الديني مسألة التطرف الديني إحدى المسائل التي عالجها زكي نجيب محمود في مجال تجديد الفكر الديني، ورأى أنها تدخل في حرية كل مسلم في أن يتصور دينه وعقائده بتصوره الخاص؛ فالعقيدة أمر داخلي يكمن في قلب الإنسان لا يحق للآخرين محاسبته عليه. والتطرف يظهر لدى الإنسان عامة عندما يختار مسلكا فكريا أو عقائديا يرضى عنه، ولا يريد هذا الإنسان لغيره أن يختار لنفسه ما يعده من فكر وعقيدة. يشيد زكي نجيب محمود بموقف حجة الإسلام الغزالي عندما نادى المسلم بالاعتدال في إيمانه، في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد"؛ لأنه إذا تطرف في عقيدته -بمعنى أن يسيء الظن بكل من خالفه بغير بحث، ولا إمعان للنظر- كان بمثابة من ضيع على نفسه نعمة الرؤية المتروية المتزنة. وهذا الاختلاف بين المسلمين ليس اختلافا في الدين، وإنما هو اختلاف في رؤية كل واحد منهم، وتصوره للصورة المثلى للدين؛ فالمسلمون متفقون على الكتاب الكريم، لكنهم مختلفون في فهمهم لبعض آياته. الاختلاف في فهم الدين ليس بدعة، بل هو حقيقة ظهرت عند المسلمين الأوائل؛ فقد اختلف الصحابة في فهمهم للآيات؛ فبعضهم وقف أمام ظاهر النص، والبعض الآخر بحث عن مقصد الشريعة، واختلفوا في الفقه إلى مذاهب، واختلفوا في حرية الإرادة وجبرها، واختلفوا في السياسة بين شيعة وخوارج، بل اختلفوا أيضا في تصورهم للذات الإلهية بين مشبه ومنزه. وعلى الرغم من اختلافهم إلا أنهم كانوا يلتزمون روحا واحدة وقواعد متفقا عليها، فللإسلام كتاب واحد، ولكن لكل مذهب من مذاهب المسلمين طريقة في استدلال مبادئه المذهبية من الكتاب، والخطأ يظهر عندما يدعي أي فرد أن له قداسة أو عصمة، هنا يتحول المتدين إلى التزمت والتعصب، بل والتطرف والإرهاب. يصف د. زكي المتطرف الديني بأنه إنسان يملك مجموعة من الأفكار والعناصر الدينية، لا يعيبها في ذاتها شيء، وإنما العيب في ترتيبه لها، فالتطرف يكمن في الطريقة التي رتب بها صاحبها عناصر موقفه؛ بحيث لو أعيد ترتيب هذه العناصر مرة أخرى، وحذف منها عنصر، وأضيف إليها عنصر لانحلت المشكلة. والسبب وراء ظهور المتطرف الديني يرجع إلى أنه "وضع في رأسه اعتقادا بأن مصدره هو وحده المصدر، وأن محصوله المعرفي هو وحده المحصول، فدخل الخطأ، مع اعتقاده للعصمة في ذاته، على الرغم من أنه يفكر، وتفكيره يحتمل الخطأ والصواب. والخطورة تكمن عندما يتحول هذا التطرف إلى الإرهاب؛ فالإرهاب يظهر عندما يريد حمل الآخرين بالقوة -كائنة ما كانت صورتها- على مشاركته فيما يعتقد، وتكمن أيضا حين يلزم غيره بالحديد والنار أن ينخرط معه تحت سقف فكري واحد، وهذا ما يحدث من إرهاب ديني متطرف مسلح بوسائل التدمير. ويحدد د.زكي السمات النفسية والعقلية لهذا المتطرف، وهي: أ- افتقاده إلى النضج العقلي؛ مما يميل بصاحبه إلى الحكم على موقف معين بأحد الضدين، متجاهلا درجات الطيف التي تملأ الفجوة بين الضدين، ويرى أنه لحل المواقف المتطرفة علينا أن نأخذ دائما بالرأي الوسط، ولا نكره أحدا عليه. ب- الإرهاب وسيلة الإقناع عند المتطرف؛ لأنه لا يملك الحجة العقلية. ج- المتطرف إنسان ضعيف، لا يلجأ إليه إنسان قوي واثق بنفسه وعقيدته. د- المتطرف إنسان خاوي الرأس، إرهابي أهوج، خلت رأسه من الضوابط التي تمكنه من احترام مخالفة الآخر له في وجهة نظره. هـ- آخر الصفات التي يصف بها د.زكي المتطرف أنه مريض نفسي؛ فالمتطرف في الحقيقة ليست له وجهة نظر، بل التطرف هو حالة من حالات التكوين النفسي، وهو لا يعترف بأنه مريض، شأنه في ذلك شأن المرضى بسائر الأمراض النفسية. وعلى المفكر الديني يقع عبء معالجة مثل هذه الحالات، بالحوار العقلاني الهادئ، ولكن ليس هذا فقط هو وظيفة المفكر الديني، بل له عدة أدوار أخرى.

دور المفكر الديني أوجب زكي نجيب محمود على المفكر الديني القيام بعدة أدوار منها: 1- مع المخالفين لدينه: يقع على عاتق المفكر الديني المسلم عبء تقديم الإسلام بصورته الصحيحة بما يحمل من قيم أخلاقية عليا، وبما يدعو إلى النهضة والتقدم؛ وذلك تصحيحا للفكرة السائدة الفاسدة التي يعتقدها الآخرون عن الإسلام، من كونه دينا يوحي بالتطرف والتعصب، أو يمنع عن العلم والتقدم، وهذا على خلاف حقيقة الإسلام. فيجب على المفكر المسلم عندما يخاطب غير المسلمين أن يحدثهم عن الإسلام بما يجذبهم نحوه؛ فيقدم لهم العقيدة في لبها وأساسها، فيشرح لهم التوحيد الإسلامي: ما معناه، وما مداه في توجيه النظرة الإسلامية نحو الأكمل، وفي تشكيل السلوك نحو الأقوم. ولا يخاطب غير المسلم كما يخاطب المسلم؛ فالخطاب مع شخص ينكر عقيدة الإسلام مختلف، فيحدثه حديث الفيلسوف الذي يوجه إقناعه نحو المفكرين قبل أن يوجهه نحو المؤمنين، فيختار نقطة محايدة، ثم يخرج منها النتائج. وإذا كان الحديث مع من لا يؤمن بأي كتب سماوية، فإن الطريق الأصلح أن نقدم له أدلة الإثبات استنادا إلى شيء من فطرة الإنسان، وهو العقل، وهنا يكون إثبات صحة الحقيقة المعنية قائم على الدليل العلمي ومنهج البحث العلمي. والبنيان العقلي متحقق بأبلغ صورة في الديانة الإسلامية؛ إذ هي أكثر الديانات اعتمادا على العقل. 2 - دور المفكر الديني مع النشء: للمفكر المسلم دور بالغ الأهمية في تربية النشء على طريقة إسلامية صحيحة؛ فليس المطلوب منه فقط أن يعلمهم عبادتهم، بل أن يفهمهم سر هذه العبادة، فتتحول العبادة من مجرد كلمات وحركات إلى قيمة تحرك الإنسان نحو الالتزام في السر والعلن. ويؤكد زكي نجيب أن بيان ما هو حلال وما هو حرام لمن نربيه على الإسلام، يزداد عمقا في نفس المتعلم، إذا عرف بعقله لماذا حلل الحلال، وحرم الحرام. وعلى المفكر الديني أن يحول الدين عند الصغار والشباب إلى قوة تحميهم، وإلى هدف يعملون على تحقيقه، وإلى قيم يسعون إلى التحلي بها، وأن يتحول هذا كله إلى ضمير يحدد لهم حياتهم المثلى كي يسيروا إليها، ولا يصرفوا حياة المسلم إلى تفصيلات لا تمس عقيدته، ولا ينصرفوا إلى الإجابة عنها، حتى لا يتحول محور اهتماماتنا الدينية إلى تفصيلات شكلية لا تمس روح الدين وجوهره، ولا تحرك الضمير الديني. 3ـ دور المفكر الديني مع جمع المتدينين: على المفكر الديني تقديم صورة الإسلام الصحيحة، التي من أجلها نزل؛ فإحياء الدين يكون بالعودة بالإسلام إلى عهوده الأولى، ليس بحفظ ما سبق أن قاله القدماء، وإنما إعادة روح الإسلام الحقيقية الداعية إلى القيم، أو الداعية إلى المعرفة، والداعية إلى العقل، إحياء لا يغفل دور العلم في صنع الحضارة، بحيث يبدو إسلام المسلم متسقا أتم الاتساق مع النظرة العلمية الوافدة إلينا من حضارة العصر. علينا أن ننظر نظرة عصرية إلى مشكلاتنا العصرية، لكننا نستعين بروح سلفية، بما يصلح الاستعانة به من تراثنا المجيد، ويكون هذا الإحياء وسيلتنا التي تحمينا من الذوبان في حضارة الآخرين، وتحمينا من الانهيار والهزيمة، ويكون إنقاذا لنا من تخلف، وطريقة حياة جديدة. وأن يساهم في تحقيق التقدم المطلوب، وتحقيق صورة الإسلام الصحيحة في مجال القيم، ومجال العمل، ومجال الحرية. ففي مجال القيم قدم د.زكي القيم الإنسانية التي سبق ونادى بها كدعائم لقيام الحضارة في مرحلتها الفكرية الأولى، وهي قيم العدالة، والتكافل، والحرية، والمساواة، وغيرها، في صورة يقبلها المسلم من خلال تأويل عقلي لبعض السور القرآنية، بالإضافة إلى الدعوة إلى العلم والعمل، فالدين مع العلم الطبيعي الحديث هما إحياء لروح الدين الحقة، وهي الساعية لتحقيق الحضارة التامة، أما الاكتفاء بأن يكون العلم والتعليم مقصورا على التعليم الديني وحده، فهذا غير كاف لإخراج الإنسان الكامل. بل علينا أن نسعى إلى العلم بكل صوره، ولا نكتفي بتحصيله فقط، بل المشاركة فيه بالإضافة والإبداع، وأن يتحول العلم إلى عمل ومنجزات علمية، وفي هذا التحول يكمن الإحياء الديني. وقد قدم زكي نجيب محمود عدة أمثلة لما يجب أن يقوم به المفكر الديني من اجتهادات في مجال القضايا الفكرية الدينية، فعرض لبعض هذه النماذج.

نماذج من قضايا التجديد الديني قدم زكي نجيب بعض النماذج من قضايا في مجال الفكر ترتبط في أحد أبعادها بالدين؛ ليرينا صورة من صور هذا الاجتهاد، محاولا استخدام منهجه العقلي في تقديم رؤى تتناسب مع متطلبات عصرنا، ولا تعارض ثوابت الدين، ومنها: 1 - الأحكام الشرعية: يعرف زكي نجيب الأحكام الشرعية بأنها "قانون يوضع لتنظيم الفعل في المجتمع، ويضع له الحدود"، فكان التشريع، والفقه عمله رسم الحدود لما يجوز، وما لا يجوز للإنسان أن يفعله. ويؤكد زكي نجيب على أن الأحكام الشرعية قد وضعت بحيث توافق العقل، ولا يمكن أن يصدر عن الدين الإسلامي حكم يخالف العقل، ولما كان هذا العقل يتطور فهو يتكيف مع الزمن، ويتكيف مع المؤثرات المختلفة. فالإسلام أوجد الأحكام التي بها مرونة، وجعلها صالحة لكل زمن تطبق فيه، وقد منح الإنسان شرف المواءمة بين متطلبات عصره ومقتضيات عقيدته، فأحال إليه الاجتهاد الدائم؛ لتحقيق هذا التوافق. فالأحكام الشرعية فيما يرى مفكرنا، هي مجموعة من القواعد العقلية والسلوكية، استخرجها القدماء من النصوص الدينية لتوافق متطلبات عصرهم، فإذا تغيرت هذه الظروف وجب أن تتغير هذه الأحكام، ما دامت لا تتعلق بالثوابت من العقيدة. وهذا ما عبر عنه قائلا: "ما دامت أركان الدين قائمة، جاز لنا، بل وجب علينا فيما يختص بأوضاع الحياة المتغيرة، وفي اتجاهات الفكر والذوق أن نلائم بينها وبين ما استحدثته الظروف في زمن رحل"، ومن هنا كانت دعوته إلى التجديد في أحكام الفقه الإسلامي، وهو ما سماه: "الاجتهاد الدائم في فهم الأحكام وملاءمة الواقع". ولا يدعو د.زكي إلى تغيير الأحكام الشرعية لمجرد التغيير فقط، بل يطلب التغيير لكي تتواءم الأحكام الجديدة مع الظروف المعاشة، ويكون المقياس بأيهما يحقق أكبر نفع، وقوة، وكرامة، واستنارة لأكبر عدد من أبناء الشعب. ونختار ثلاثة أمثلة لهذا التصور العقلي الداعي لربط الأحكام الفقهية بمجالات الحياة المتغيرة: 1 - مثال عن المرأة: يطالب د.زكي المرأة المسلمة الجديدة أن تتحرر من صورتها القديمة، وأن تتطور لتلائم عصرها؛ ففي مسألة الزي يفرق بين ما يقرره الشرع من مبادئ السلوك، وبين أن تأتي المرأة بمحاكاة السابقات في جزئيات حياتهن، وطالب بتطوير ملبس المرأة، مع المحافظة على المبدأ الذي أقره الإسلام. كما طالب بتطوير قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بها، مع المحافظة على المبادئ التي قررها الإسلام تجاهها، أما الإبقاء على القوانين التي كانت تتعامل مع المرأة القديمة، فهو نوع من الظلم؛ لأن المرأة العربية الجديدة إنسانة أخرى غير امرأة الأمس؛ فلقد أصبحت المرأة العربية اليوم طبيبة، ومهندسة، ومحاسبة، ومدرسة في مختلف مدارج التعليم حتى كرسي الأستاذية بالجامعات، فلا يصح أن تعامل بعادات وتقاليد وضعت لسابقاتها من بنات (الحريم والجواري). 2 - مثال عن الاقتصاد: يطالب د.زكي الفقهاء بالتفكير في تطوير موقفهم القديم من "الربا" الذي يطلقونه على فوائد البنوك، في عصرنا الحالي؛ لأن لفظ (فائدة) لا يساوي لفظ (ربا)، فتحريم الربا يقع على ما تثيره هذه اللفظة من معنى، فقديما كانت كلمة (ربا) تطلق على علاقة استغلال من الدائن للمدين، ويعلم الدائن عجز المدين وشدة حاجته. أما في عصرنا الحالي فنحن أمام موقف جديد؛ فالدائن يضع أمواله في مصرف، والمدين شخص مجهول يبني عمارة، أو ينشئ مصنعا، فيقترض من المصرف ما يعينه على إتمام مشروعه؛ ليحقق مزيدا من الكسب والربح، وبالتالي لا وجه لتحريم فائدة البنوك؛ لأنها لا تقارن ولا تشابه الربا. 3- مثال عن الفن: حرص د.زكي على بيان تصوره لموقف الإسلام من الفن؛ فقد رأى خطأ تفسير من ذهب إلى أن الإسلام قد حرم الفن، ودلل على ذلك بمفسر فسر الحديث النبوي القائل: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»، تفسيرا يخالف ما قد عرف عن تحريم الإسلام للفن التشكيلي؛ فيذكر أحد المفسرين القدماء، وهو أبو علي الفارسي الذي حلل هذا الحديث النبوي تحليلا لغويا قياسا على الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ} (الأعراف: 152) وقدم تفسيرا يؤدي إلى عدم تحريم الفن. ويرى د.زكي أن التفسير الذي يؤدي إلى تحريم الفن هو الفن الذي ضخ العجل، واتخذه عبادة، فالمقصود بالعقاب هم أولئك الذين يصفون الله تعالى في صورة يعبدونها، فلا بأس ولا تحريم في أن يكون للمسلم فن تشكيلي. هذه بعض النماذج التطبيقية التي قدمها زكي نجيب محمود، ورسم بها للفقهاء طريقا للسير، وعليهم احتذاء هذا المنوال؛ لكي تتناسب أحكامهم الشرعية مع متطلبات حياتنا العصرية.

-- -- ---------------------------------------------------------------------------- رئيسة قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة حلوان- مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق