المسرحيون هم أضخم قبيلة ثقافية على وجه الإطلاق، وظاهرة المسرح هي أضخم الظواهر الثقافية في مصر على وجه الإطلاق برغم أنها قد تبدو دائما على السطح وكأنها أكثر هذه الظواهر وهنا وأقلها تأثيرا وأضعفها انتشارا ،وأعتقد أنه قد حان الوقت لكي نبدأ في تلمس ظاهرة المسرح المصري عبر تشعباتها وتعقداتها وميلها الدائم إلى ذلك التواري النابع من عدم قدرتها على الوعي بنفسها وبذاتها ، وهو ما سنحاول القيام به عبر هذه السلسلة من المقالات تحت عنوان " في ظاهرة المسرح المصري" .
سنحاول هنا كبداية أن نقدم تقديرات جزافية أو أرقام تقريبية للعروض المسرحية كل عام ، ولجموع الممارسين والمشتغلين بهذه العروض ، وذلك باعتبار أن معرفة حجم الظاهرة ومدى انتشارها هو مقدمة لكل تحليل يمكن تقديمه عنها . ولنبدأ أولا بحساب متوسطات الأرقام التقريبية لعدد العروض المسرحية المنتجة كل عام ، فلدينا حوالي 60 عرض ينتجهم المسرح القاهري ، وهو رقم يشمل القطاع الخاص ، و مسرح الدولة بكافة أوعيته وقطاعاته ، ثم لدينا حوالي "350 "عرض تنتجهم " الهيئة العامة لقصور الثقافة" عبر أوعيتها المختلفة ، فهناك فرق الأقاليم ( وكانت تنتج قرابة الـ 130 عرض ، وقد انخفض هذا الرقم في العامين الأخيرين ولكن ليس كثيرا ) ، ونوادي المسرح ( وكانت تنتج أيضا قرابة الـ 200 عرض ) ، ثم الفرق التابعة للجمعيات الثقافية ، ومسرح الطفل .. الخ.. وهكذا يصبح لدينا أكثر من 400 عرض تنتجهم هذه الأوعية سنويا. ثم لدينا الأوعية الأخرى، مثل فرق المسرح الجامعي ، ولدينا حوالي 25 جامعة تتضمن قرابة 200 كلية ، وكل كلية منهم تنتج حد أدنى عرضين في العام الواحد ، هذا فضلا عن ما قد تقوم بإنتاجه بعض الأسر الطلابية ،ثم لدينا مراكز الفنون التابعة لوزارة الشباب ، وعددها يصل إلى 25، والمسرح جزء أساسي من نشاطها ، كما أن لدينا مراكز الشباب وعددها يصل إلى خمسة آلاف مركز ، ونسبة منها تقوم بتقديم إنتاج مسرحي سنوي سواء كان ذلك يتم بانتظام ، أو بغير انتظام ، وكلا هذين الوعاءين ( الجامعة ومراكز الشباب ) ينظمان مسابقات مسرحية كل موسم . وهكذا فإن الرقم التقريبي يتضاعف هنا ليصل إلى أكثر من ألف ، أو 1200 عرض سنوي ، وكل ذلك ونحن لم نتعرض بعد للمسرح المدرسي الذي ربما كان يقدم بمفرده رقما مماثلا من العروض ، فكل مديرية تعليمية عليها أن تقدم بحد أدني عرضين سنويا لكل مرحلة تعليمية ( ابتدائي ، إعدادي ، ثانوي) ، وبعض المديريات تنظم مسابقة سنوية لعروض مدارسها ، وقد أخبرني الصديق الناقد مؤمن عبده أنه قام بالتحكيم ذات مرة في مسابقة أحد المديريات التعليمية بالاسكندرية ، وكان عدد العروض يقترب من الثلاثين عرضا . وإلى هنا يصل الرقم إلى ما يتجاوز الألفي عرض سنويا ، بينا لا يزال لدينا عروض بعض النقابات العمالية ، وتجمع المسرح الحر ، وجمعية هواة المسرح ، بالإضافة إلى مجموعات الهواة الغير مرتبطة بأي وعاء مسرحي ، والذين عادة ما نفاجأ بهم في مهرجانات الهواة. هذا بالإضافة إلى ظواهر جديدة ، فوزارة الصحة قد أصبحت منذ عدة أعوام تنتج عروض مسرحية وتقدمها بانتظام في القرى والمدن الصغيرة ، ومؤخرا صدر عن المركز القومي للبحوث كتاب من جزءين عن المسرح في السجون . إن كل الأرقام الواردة هنا هي تقريبية ، وأغلبها مجرد اجتهاد شخصي مني ، أو نتيجة لمحاولة تسقط معلومة من هنا أو من هناك ، فمنذ بدأت في الاهتمام بهذا الموضوع هالني عدم وجود أي أرقام أو إحصاءات لحجم الظاهرة المسرحية في مصر ، أما ما أثار دهشتي أكثر فهو أنه لا أحد يهتم أصلا بطرح هذا السؤال ، لا الأفراد ، ولا الباحثين ، ولا التجمعات المسرحية المختلفة ، ولا المؤسسات البحثية والعلمية المنوط بها دراسة الظاهرة . وإذا كنا نصل عبر تلك التأملات غير المدققة إلى أن عدد العروض المنتجة سنويا في مصر يتجاوز الألفي عرض ، فإن هذا يعني أن كم الممارسين للنشاط المسرحي يقاس بعشرات الألوف ، ونحن نعرف أن طبيعة الظاهرة المسرحية تميل دائما إلى الإحلال والتجديد ، بمعنى أنه حتى بالنسبة للفرق المحترفة أو المنتظمة سنجد أن نسبة لا تقل عن 20% من أفرادها يتجددون كل عام ، وسترتفع هذه النسبة مع فرق الهواة ، كما ستصل أحيانا إلى ذروتها مع الفرق الجامعية والمدرسية نتيجة أنها تعمل ضمن وعاء يتجدد كل من فيه بالكامل على نحو تلقائي عبر دورة تستغرق عدة سنوات . وهكذا فلو أننا توقفنا قليلا عند موضوعة الإحلال والتجديد لرأينا أن كم ممارسي المسرح في السنوات العشر الأخيرة يقاس بمئات الألوف ، وهو ما يجعل من المسرحيين أضخم قبيلة ثقافية على وجه الإطلاق . وكل هذا يعني في النهاية أن الظاهرة المسرحية في مصر لا تجد الاهتمام الذي يليق بحجمها وأهميتها وانتشارها وتأثيرها ، والأسؤ من ذلك أن هذه الظاهرة لم تقدم إلى الآن أي جهد ملموس في سبيل تكوين وعي بذاتها وبطبيعتها الخاصة والفريدة . وبعيدا عن مدى دقة الأرقام التقريبية الواردة هنا ، فليس الهدف من هذا التحليل الأولي إلا مجرد محاولة للفت الأنظار إلى مدى تغافلنا عن دراسة الظاهرة المسرحية في مصر ، محاولة هدفها الحث على الاهتمام بالتفكير في هذا المنحى والاهتمام به ، وعندما يتم ذلك ربما سنكون قادرين يوما على التحدث عن أرقام دقيقة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق