الجنرال ديفيد ماكيرنان قائد قوة المساعدة الأمنية لحلف الأطلنطى فى أفغانستان:
المسألة فى أفغانستان ورطة وأكثر تعقيدا. أفغانستان دولة مركبة ومعقدة . أنا مؤمن بأن غالبية الأفغان يرغبون فى مستقبل أفضل
الجنرال ديفيد ماكيرنان ليس مجرد قائد قوة المساعدة الأمنية لحلف الأطلنطى فى أفغانستان، وهى القوة العسكرية الرئيسية العاملة فى البلاد، وليس مجرد جنرال يحمل أربع نجوم على سترته العسكرية، والتى تعنى أنه باق له نجمة واحدة لكى يصل إلى أعلى المراتب العسكرية، وإنما هو جندى، تاريخ خبراته العسكرية زاخر بخدمة فى مسارح عمليات امتدت عبر ثلاث قارات، والعديد من المناطق فيها، بداية من القارة الأمريكية، ومرورا بأوروبا فى البوسنة والهرسك وكوسوفو، وعبورا بالعراق التى قاد فيها القوات البرية خلال غزو 2003، ووصولا إلى أفغانستان التى تولى قيادة قوة 'أيساف' بها فى مايو 2008. كان اللقاء مع الجنرال ماكيرنان فى مقر قيادته بالعاصمة كابول، حيث جرى الحوار معه حول ما يميز مسرح العمليات فى أفغانستان عن المسرح بالعراق على كافة الأصعدة: القبلية والعملياتية والاستخبارية، بالإضافة لاستطلاع معلوماته عن أعداد عناصر الطالبان داخل أفغانستان وفى منطقة القبائل، واستراتيجيته فى التعامل مع طالبان. وفى هذا السياق، قال ماكيرنان إنه ليس لديه رقم محدد لعناصر المتمردين، مشيرا إلى أن المسألة تعتمد على تعريف المتمرد، والذى يراه إنسانا لا يرغب فى نجاح الحكومة الشرعية، وهو التعريف الذى يضم طالبان وتنظيمات متطرفة أخرى مثل الحج، وأخرى تعبر الحدود من منطقة القبائل مثل القاعدة، ناهيك عن مهربى المخدرات، والذين لا يرغبون هم الآخرون فى نجاح الحكومة الأفغانية فى مهمتها. وأوضح أن الاستراتيجية التى يفضلها للتعامل مع ظاهرة المتمردين تكتسب منظورا إقليميا، وهو ما يحتم ترتيب حل مع باكستان لمشكلة منطقة القبائل المتفاقمة بسبب عدم خضوعها لسلطة حكومية، والتى توفر ملاذا آمنا للجماعات المتطرفة التى ترسل مقاتليها عبر الحدود إلى أفغانستان. وتحدث القائد الأمريكى عن أسلوب تحرك الجماعات المتطرفة، مشيرا إلى أنه يختلف باختلاف المناطق التى يتحركون بها، موضحا أن هذه الجماعات تعتمد فى تحركها على تواطؤ السكان تارة، وتخويف الآخرين تارة أخرى، وذلك فى أقاليم مثل كونار ونورستان ونانجرهار، ووصولا إلى شمال شرق أفغانستان، فى حين أن تحركها فى أقاليم أخرى، مثل جودريز وباكتيكا وباكتيا وخوست، يتخذ ديناميات مختلفة لممارسة التهديدات. وأكد ماكيرنان أن هذه الاختلافات فى تحرك هذه الجماعات تؤكد التعقيد الذى يميز الساحة فى أفغانستان.
ما السر وراء تصاعد العنف الملحوظ خلال العام الحالى فى شرق البلاد؟ لقد رصدنا فى الفترة الأخيرة وجودا متزايدا لمقاتلين لا يتحدثون اللغة البشتونية، ولا أيا من اللغات الأفغانية فى تلك المنطقة، وهو ما يطرح التحدى المتمثل فى منطقة القبائل التى توفر ملاذا آمنا لهذه الجماعات المتطرفة، وهو أيضا ما يجعلنى لا أعتقد بوجود أمل فى نتيجة إيجابية بدون التعامل مع المشكلة فى منطقة القبائل.
تحدثت عن أن أصل المشكلة الأمنية يتمثل فى المشكلة القائمة فى منطقة القبائل، إلا أنك لم تتحدث عن تصور الحل؟ إما من خلال تأمين خط الحدود، أو التوصل إلى حل مع باكستان، وأعتقد أن الحل يجب أن يأخذ بالخيارين معا.
ما هى رؤيتكم إزاء مساعى دول ترغب فى الانضمام للتحالف الدولى فى أفغانستان؟ نحن نرحب بمشاركة أى دولة ترغب فى الانضمام للتحالف لبناء مستقبل لأفغانستان، حيث إن ذلك سيظهر إرادة المجتمع الدولى لإعادة بناء هذا البلد.
لا يمكن لأى حملة عسكرية أن يقدر لها النجاح من دون معلومات استخبارية على مستوى عال، خاصة فى دولة مثل أفغانستان .. كيف تقيمون الدعم الاستخباراتى للعمل العسكرى هنا؟ وإذا كانت لديكم مصادر بشرية، فما هى الإجراءات التأمينية التى تلجأون إليها فى مجتمع قبلى عرقى يكون هناك دائما احتمال قوى بأن تعمل هذه المصادر لصالح الجانبين؟ سؤال جيد، وبالنسبة لى، فإن أفغانستان دولة مركبة ومعقدة لعدة أسباب، من بينها تلك الشبكة من القبائل والعشائر، والتى تتميز بالتعقيد، خاصة لمن لا ينتمون لهذا البلد. ولذا، فإنك عندما تتحدث عن الدعم الاستخبارى لعملنا العسكرى، فإنك تتحدث عن قائمة طويلة من أشكال هذا الدعم الذى يشمل الصور الجوية، وصور الأقمار الصناعية، وأنظمة رصد الاتصالات، بالإضافة إلى الاستخبارات القائمة على العناصر البشرية، وهى أهم أنواع المعلومات الاستخبارية لنا. وأستطيع أن أقول لك إن الغالبية العظمى من الأفغان يؤيدون الحكومة الشرعية، وبالتالى فإنهم لا يدعمون طالبان.
هل تعتمدون على هذا التأييد لمواجهة احتمالات وجود عملاء ذوى وجوه متعددة وولاءات مزدوجة؟ أنا مؤمن بأن غالبية الأفغان يرغبون فى مستقبل أفضل، ويريدون حكومة شرعية توفر لهم متطلباتهم، وحريتهم، كما تضمن لهم أفغانستان آمنة، وبالتالى، فإنهم لا يرغبون فى عودة طالبان للسلطة.
هل لديكم أدلة محددة على أن غالبية الشعب ترغب فى هذه الحكومة الشرعية؟ دليلى على ذلك هو تجوالى فى ربوع أفغانستان، ومناقشاتى مع الأفغان. وأعتقد أنه فى حال إجراء استقصاءات رأى، فإن النتيجة ستتطابق مع رؤيتي.
ما هى استراتيجيتكم فى التحرك العسكرى لمواجهة طالبان؟ التحرك إزاء حركة التمرد المسلح يعتمد على تطهير كل منطقة يوجد بها المتمردون بالتعاون - إن أمكن - مع القوات الأفغانية، سواء من الجيش أو الشرطة، وذلك قبل أن تأتى مرحلة التشبث بهذه المنطقة لتوفير الأمن لمواطنيها، ودخول الحكومة المركزية للبدء فى توفير الخدمات للسكان. وباختصار، فإن الاستراتيجية تتمثل في: التطهير، والتشبث، والبناء.
وما هى المرحلة التى تستحوذ على النصيب الأكبر من الجهد والمال من التحالف؟ كل هذه المراحل مكلفة على كافة الأصعدة، إلا أن مرحلة التشبث تعد حاليا أصعب حلقات هذه الاستراتيجية، وذلك بسبب عدم وجود قوات كافية فى إطار قوة المساعدة الأمنية الدولية 'أيساف' من ناحية، وقوات أمن أفغانية تسمح بدخول حكومة ذات كفاءة للبدء فى التنمية من ناحية أخرى، بما يساعد على التشبث بكافة المناطق، وهو ما يدفعنا للعمل بجد على استكمال بناء الجيش، والحصول على مشاركات من دول أخرى فى قوة 'أيساف'. فبدون التشبث، يمكن للعدو العودة مرة أخرى للمناطق نفسها.
ولكن ماذا تريدون أكثر من قوة دولية تضم 75 ألف جندى، بما فى ذلك القوة التى تحمل اسم 'عملية دعم الحرية' لكى تفرضوا سيطرتكم؟ كقائد لقوة المساعدة الأمنية الدولية، فإن تفويضى محدد بـ 'أيساف' التى يبلغ عددها 55 ألفا فقط، وبالتالى، فإننى لا أتحدث عن قوة عملية دعم الحرية 'أو إى إف'.
حسنا، ما هى حجم القوة التى تحتاجون إليها لتحقيق الهدف؟ أنا ليس لدى، ولا أستطيع أن أعطيك رقما محددا، ولكن أستطيع أن أقول إننا ليس لدينا العدد الكافى حتى الآن. والمسألة ليست مجرد جنود، وإنما هى حكم رشيد وتنمية، وهى الأشياء التى يجب أن تعمل بشكل متواز لتحقيق أهداف التطهير، ثم التشبث، فالبناء.
لقد توليتم المسئولية فى العديد من المناطق المنكوبة بحروب، مثل البوسنة والهرسك والعراق.. طبقا لخبراتك الواسعة، ما الذى يميز مسرح العمليات فى أفغانستان عن غيره من مسارح العمليات التى توليتها، وذلك بخلاف الطبيعة الجغرافية؟ وما هى التحديات الجديدة التى لم تواجهها فى المسارح الأخري؟ بخلاف الطبيعة الجغرافية التى ذكرتها، فإن التحدى الأكبر هو التعقيد الذى تتميز به تركيبة أفغانستان وظروفها. فمن ناحية، هناك ندرة موارد فى هذا البلد الفقير. ومن ناحية أخرى، فإن الأمية هنا تتجاوز نسبتها 75% فى المدن، فى حين ترتفع خارج المدن لتصل فى المناطق الريفية إلى أكثر من 95%، وهو ما يصعب من عملية التواصل مع الشعب. أيضا، فإنه مما يزيد الأمر صعوبة تلك الشبكة المتشعبة للقبائل والعشائر، والتى تتميز بالتعقيد على الصعيد العام، وحتى داخل القبائل نفسها، تلك القبائل التى تتقاطع عبر الحدود بين أفغانستان وباكستان. بالإضافة إلى هذه التحديات، فإن هناك تحديا آخر يتمثل فى ذلك الجيل الكامل الذى لم يعرف فى حياته شيئا سوى الحروب المتصلة. تلك هى أصعب التحديات التى تواجه عسكريا مثلى فى هذه الحملة، وأتمنى أن تسمح لى الظروف بأن أستغل خبراتى السابقة فى القيادة فى هذه الحملة.
هل يتشابه التعقيد القبلى والعشائرى هنا مع ذلك الذى تعاملت معه فى العراق؟ كلا، فالمسألة فى أفغانستان أكثر تعقيدا بكثير.
وما هى أكثر هذه المسارح عصيانا على التغيير؟ لا أدرى ما هى الأكثر عصيانا عن الأخرى، ولكننى أعرف يقينا أنه يوجد عامل مشترك بينها جميعا، ألا وهو العنف، وأن مجموعة معينة من السكان تكره الأخري.
خلال شهر سبتمبر الحالى، سينتقل الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية فى العراق، لتولى مسئولية القيادة المركزية التى تقع أفغانستان فى دائرة مسئوليتها .. فهل جاء ذلك بسبب ما يقال عن نجاح تكتيكه فى تأسيس مجالس الصحوة فى العراق؟ وهل هذا يعنى أنه سيعمل على تطبيق التكتيك نفسه فى أفغانستان بإنشاء مجالس لصحوتها ؟ لا أستطيع أن أجيب على ذلك، فإننى لم أتحدث مع الجنرال بترايوس عن أفغانستان حتى الآن، ولكننى أستطيع أن أقول إن الرجل جندى ذو كفاءة كبيرة، وهو قائد على مستوى عال، وهذا هو السبب فى اختياره قائدا للقيادة المركزية. وأنا لست على علم بالخبرات التى اكتسبها من العراق، والتى سيطبقها فى أفغانستان، خاصة أن الظروف مختلفة، ولكن المؤكد أنه توجد تكتيكات ومباديء قيادية يمكن استخدامها. وأنا أعلم أن الجنرال بترايوس قائد ذكى، وإننى على يقين بأنه سيعرف كيف يمكن الاستفادة بالخبرات والدروس السابقة.
ولكن هل يمكن تطبيق نموذج 'مجالس صحوة' الأنبار بالعراق فى أفغانستان؟ أعتقد بوجود حاجة ملحة للاستعانة بدور أمنى للقبائل فى مناطقها، تلك القبائل التى تلعب دورا كبيرا فى هذا المجتمع. وأنا فى هذا المقام، لا أتحدث عن إنشاء ميليشيات مسلحة، فالجانب المسلح سيكون مؤسسات، مثل الجيش والشرطة والحكومات محلية. أما القبائل، فإن إشراكها سيكون بهدف أن تكون جزءا من الحل الأمنى فى المستقبل. ونحن، على كافة مستويات القيادة العسكرية، على اتصال دائم طوال الوقت مع زعماء القبائل.
هناك دول مشاركة فى التحالف، وأخرى ترغب فى الانضمام لديها محظورات على مشاركة قواتها فى عمليات قتالية، مثل ألمانيا واليابان. وفى حوار سابق لنا مع مسئول فى حلف الناتو، أكد أن انفراد دول بعينها فى التحالف بتحمل عبء الخسائر البشرية العالية قد يؤدى إلى توترات داخل التحالف .. ما هى رؤيتكم إزاء هذه القضية؟ نحن نعتقد بأن القيود على العمل القتالى، لدى قوات بعض الدول، تعكس التوجه السياسى فى هذه الدول، بقدر ما تعكس مدى دعم الرأى العام للمشاركة. فى الوقت ذاته، فإنه عندما تأتى المشاركة العسكرية مصحوبة بمحظورات، فإنها تقلل من المميزات التى لدينا فى مواجهة العدو، تلك المميزات التى تتمثل فى القيادة والتحكم، والاستخبارات، والقدرة على التحرك السريع، والإمكانات اللوجيستية، وحجم النيران. ومرة أخرى، أنا أرحب بأى مشاركة، ولكننى أقترح على هذه الدول التى لا تبغى المشاركة فى الأعمال القتالية ألا ترسل جنودا، وإنما أن تكون مشاركتها العسكرية طبية، أو هندسية، أو فى مجال النقل الجوى، أو فى مجال التدريب الشرطى، أو التمويل.
كيف ستعرفون أن الحكومة الأفغانية قد أصبحت قادرة على الأخذ بزمام الأمور؟ أفضل طريقة لمعرفة ذلك من خلال الشعب الذى سيقول كلمته خلال الانتخابات التى ستجرى فى عام 9002. وهناك أيضا استطلاعات الرأى التى يمكن إجراؤها. فى الوقت ذاته، توجد مؤشرات، مثل التقدم الحادث على البنية الأساسية على كافة الأصعدة، سواء فى مؤسسات الدولة أو الخدمات.
من الذى سيكون عليه أن يقول لقوة المساعدة الدولية 'أيساف': شكرا يمكننا الاعتماد على أنفسنا الآن؟ أعتقد أنها الحكومة، وبناء على إرادة الشعب الأفغانى، وذلك عندما يبلغ مرحلة يشعر فيها بأنه بات على كفاءة وقدرة على الاكتفاء بالذات بأنفسهم.
بالرغم من الإنجازات التى حققتها الحكومة الأفغانية بالتعاون معكم، فإنكم تحدثتم عن أن بعض الجماعات المتطرفة تعمل أحيانا بالتواطؤ مع السكان .. كيف يستقيم ذلك ؟ لا تنس أنه قبل عام 2001، كانت طالبان تحكم أفغانستان، وبدعم من جانب من السكان، خاصة فى المناطق الريفية، وهو الأمر الذى لا يمكن تغييره فى عام أو اثنين. ولذا، فإنه لا تزال توجد جيوب من السكان تؤيد المتمردين لأسباب قبلية وعائلية، وفى أحيان أخرى لقيام طالبان بدفع الأموال، إلا أن الغالبية لا يريدون استعادة طالبان السلطة.
هل يمكن أن يكون أحد أسباب استمرار تأييد البعض لطالبان الضحايا من المدنيين الأبرياء ممن يسقطون بنيران قوة المساعدة الدولية 'أيساف'؟ نحن نشعر بالقلق طوال الوقت إزاء هذه الأحداث، التى أحقق فيها على الفور، بهدف ضمان عدم التكرار. ولكن يجب لفت النظر إلى أن الطرف الآخر لا يقتل المدنيين عن طريق الخطأ، وإنما يستهدفهم فى كثير من الأحيان عن عمد.
ما الإجراءات التى تتخذونها لتقليل مخاطر احتمال حيازة المتمردين صواريخ محمولة مضادة للطائرات؟ نحن على حذر من هذه المخاطر، ولدينا المعدات والتكتيكات لمواجهتها.
تردد وجود شراكة وتعاون بين روسيا وقوة المساعدة الدولية 'أيساف' التابعة للناتو .. ما حقيقة هذا التعاون ؟ حسب معلوماتى، فإنه لا توجد شراكة، وأترك الحديث عن إمكانية وجودها فى المستقبل لمن هم فى مواقع أعلى منى من صناع السياسة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق