لقد أسقط جروتوفسكي كل تنظيرات المسرح ومكوناته من وجهة نظر آن أوبرسفيلد ويجب أن نعلم أن المتفرج هو الذي يخلق الفرجة مثله مثل المخرج المسرحي ولأنه يريد العودة بالمسرح الى منابعه الأولى وأصوله, فقد دعا جروتوفسكي إلى إقامة عروضه المسرحية داخل حجرة عادي لا يفصل بين المرسل والمتلقي فيها أي شيء تحقيقا للتواصل الحميم والمباشر بين الطرفين (الجمهور والممثلين) فيحذف المنصة ويدع أحداثه وإن كانت عنيفة تحدث على بعد ذراع من المشاهد عساه يحس حتى بأنفاس الممثل
تجارب أمريكية وعراقية ومصرية قابلة للتعمين في عًمان هناك نصوص مسرحية تعرض على خشبة المسرح في أمريكا وأوروبا الآن تعتمد على الكلمة والأداء وغالبا ما تكون الشخوص التي تتحرك على خشبة المسرح لا تتعدى أصابع اليد الواحدة وفي معظم الأحيان تعتمد على ممثل واحد يقوم بأداء المنولوج بمفرده . ويمكن للمشتغلين بالمسرح العماني ( تعمين ) هذه الفكرة وتوطينها في التربة الثقافية العمانية واستقطاب الجمهور للمشاركة في الفعل المسرحي وهذا النوع من المسرح لايحتاج إلى ميزانيات أو هندسة إضاءة أو ديكور فعموده الرئيس هو الممثل والجمهور .
* تقنية الترانس نشأت فكرة ( المسرح الفقير ) على يد جروتوفسكي الذي كان يري بأن المسرح ليس في ثراء السينما فهو فقير ولا يستطيع أن ينفق مثل التليفزيون فلا بد أن يكون متقشفا وقد نادي جروتوفسكي بممثل قديس لمسرح فقير وقاعة عرض مفتوحة تصلح لجلوس المتفرجين بينهم ممرات وفجوات لأداء الممثلين مشركين معهم الجمهور، فالمسرح من وجهة نظر جروتوفسكي هو كل ما يدور بين الممثل والمتفرج وكل ما عدا ذلك يعد ثانويا ، وتعتمد فكرة جروتوفسكي علي تقنية ( الترانس ) أي تكامل جميع القوي النفسية والجسمية التي تنطلق من أعماق الممثل وغرائزه وتنفجر بصورة تكشف عن هذه الأعماق، وفكرة (الترانس) مبنية علي ثلاثة عناصر هي (الموقف الاستنباطي ــ الاسترخاء الجسمي ــ تركيز نشاط الجهاز العضوي كله في منطقة القلب ) .
* الجمهور شريك الممثل لقد أسقط جروتوفسكي كل تنظيرات المسرح ومكوناته من وجهة نظر آن أوبرسفيلد ويجب أن نعلم أن المتفرج هو الذي يخلق الفرجة مثله مثل المخرج المسرحي ولأنه يريد العودة بالمسرح الى منابعه الأولى وأصوله, فقد دعا جروتوفسكي إلى إقامة عروضه المسرحية داخل حجرة عادي لا يفصل بين المرسل والمتلقي فيها أي شيء تحقيقا للتواصل الحميم والمباشر بين الطرفين (الجمهور والممثلين) فيحذف المنصة ويدع أحداثه وإن كانت عنيفة تحدث على بعد ذراع من المشاهد عساه يحس حتى بأنفاس الممثل و يرى د. يونس لوليدي أن جروتوفسكي اعتمد على الممثل أكثر من النص في هذا النوع من المسرح حيث إن قيمة النص الدرامي لا تبرز إلا من خلال الممثل فقط كما أنه يرفض التنكر أو أي شيء آخر كان الممثل يستعين به حتي يتقمص الشخصية التي يؤديها . كما أن لياقة الممثل هي العنصر الأساس في أدائه ، ولا ينبغي إخفاء عيوب الممثل بل ينبغي الاستفادة منها وينبغي أن تأخد عوائقه نفس قيمة مواهبه . أما الملابس والأدوات المسرحية فشركاء للممثل في الأداء وهي امتداد فني له وعليه أن يمنحها الحياة ويعاملها ككائنات حية . كما أن المكياج ليس ضروريا فالإضاءة والعرق والتنفس تحول عضلات وجه الممثل إلي قناع،ولا بد أن يحصل داخل العرض المسرحي تعارض بين عنصرين- الموسيقي و الممثل/ النص والممثل/ الزي والممثل .
تجربة مصرية /أمريكية يعد الدكتور الطبيب عصام اللباد أول عربي يقدم هذا النوع من النصوص المسرحية الأمريكية النشأة والتي لم تتولّد بعد في بيئتنا العربية ولعل الدعوة إلى محاولة ( تبيئة ) هذا النوع من الفن يساهم في إنعاش حركة المسرح العربي النائمة وقدم لنا عصام اللباد هذا النوع الجديد من الدراما في كتاب جمع ما بين المسرحيات التي تم عرضها على خشبة المسرح الأمريكي إضافة إلى نصوص أبدعها هو جديرة بالقراءة والعرض على الجمهور العربي حيث اهتم اللباد بعمل معالجة درامية لها باللهجة العامية المصرية وبذل مجهودا في انتقائها ثم إعدادها بعناية في إطار ما يسمى بـ (التحكيك) في اختيار اللفظة والعبارة والأداة المسرحية المتمثلة في (لحظات الصمت) 0 وجميع النصوص لا تقوم على أحداث كبرى بل يعتمد الحدث على تسلسل الحوار بين الشخصيات وتطويعه بحيث يكشف بدقة عن التغيير أو التطور الذي يصيب الشخصيات ، ومن ثم يهب الدلالة للعمل كله في سلاسة ونعومة ومعرفة جيدة بإمكانات العامية المصرية وقدرتها على التعبير والتصوير.
* اللهجات المحلية ولكن لماذا تجرأ عصام اللباد على استخدام اللهجات المحلية بتلك الطريقة البحتة والمفرطة ؟ لأنه يرى العامية كانت ومازالت هي لغة مسرح الحياة العامة ، وهي لغة التفاعل والحوار الداخلي أيضا ، ذلك الحوار الذي يحتاج إلى أن يثرى أكثر ودون إبطاء . وهي اللغة التي تحمل الخبرات والذكريات المعنوية من لحظة الولادة إلى تلك اللحظة 0 هي اللغة التي دندنت لنا أمهاتنا بها قبل النوم والتي نهرنا بها أب والتي تشاجرنا بها وأحببنا وكرهنا بها ، هي اللغة التي صنعها الناس لا القواميس ، والتي يتقن نحوها وصرفها أغلب الناس بالسليقة . بالإضافة إلى أن معظم المسرحيات المعالجة كتبت أصلا بلغة الشارع الأمريكي غير الفصحى والتي تجد فيها خليطا من الإنجليزية الكلاسيكية والإنجليزية الحديثة وإنجليزية الشارع والإسبانية التي أصبحت اللغة الرسمية الثانية هناك ، ولغات ولهجات لغات الجماعات المهاجرة الأخرى من كل بقاع وحضارات العالم . وهناك سؤال يظل مثارا للجدل لماذا لجأ المؤلف إلى استخدام مصطلح (معالجة) مفضلا إياه على مصطلحات أخرى من قبيل : (تعريب) أو (تمصير) أو (ترجمة) ؟ يقول المؤلف : ( السبب في تفضيل مصطلح (معالجة) راجع إلى أن ما قمت به لم يكن ترجمة بالمعنى المعروف ، ولا حتى ترجمة المحتوى أو ترجمة المعنى ، وإنما كلاهما ، مع تحويرات و إضافات قد تبتعد عن الأصل وعن نوايا الكاتب الأصلي مما يظلمه تماما أحيانا ، وقد تضع بالنص أفكارا ليست له ، وقد يظلمني أحيانا فلا ينسب لي ما هو لي). ولم يفضل المؤلف استخدام كلمة (تمصير) لأنه لا يدعي معرفته التامة بكل ما هو مصري ويرى أن العامية التي استخدمها في المعالجة هي التي يعرفها ويعتقد أنه يمكنه المجازفة بإطلاق عليها مصطلح : ( عامية الطبقة المتوسطة القاهرية)
التجربة العراقية : وفي العراق يقام مهرجان سنوي الآن متخصص في ( المسرح الفقير) تقوم اللجنة المشرفة عليه باختيار نصوص جيدة ذات حبكة قوية، وفي الأصل يعتمد على أداء الممثل، ويهدف هذا المهرجان إلى تحفيز فكر الكادر الفني ومن ضمنه المخرج، على استغلال التمثيل لتجسيد الشخصيات في الحركات الإيمائية والاختصار من بعض التقنيات المسرحية الأخرى ومن ضمنها الحوار، حيث إن هذا المسرح يمثل تجربة طقسية بمشاركة وجدانية، ويبحث ابتداءً من النص عن الانتماء الأصلي للإنسان، وتحفيز فكر المتفرج إلى أن الإنسان لديه الوعي والطموح في شيء من الواقع الإنساني والبحث عن سمو الإنسان بأنه هو الأصل في التقدم ونشر الوعي . ويتميز المسرح العراقي الفقير من وجهة نظر الفنان العراقي القدير حافظ عارف مدير الفرقة القومية للتمثيل بأربع ميزات هي : * الأزياء وظيفية وليست شخصية أي تعبيرية لحركاته ولتجسيد الشخصية * الملحقات الأخرى هي امتداد لحركات الممثل وتحمل دلالات مختلفة وهي الإكسسوارات والمكياج، وكل شيء في المسرح يستغل لخدمة الممثل. * الديكور: ليس هناك مناظر معينة أو تقليدية بل يستخدم الديكور كمفردات وظيفية حيث تُستخدم الأعمدة والشبابيك والسلالم وأي شيء يمكن استخدامه كشيء وظيفي لخدمة المسرحية . * الموسيقى: ينتجهاالممثلون بآلات أو من دون آلات حيث يعتمد على الإيقاع غالباً.
* مسرح الدقائق صاحب هذا المصطلح الدكتور عصام اللباد وقد أطلقه على مجموعة من النصوص المسرحية ومنها مسرحيته (راس الخوف) وهذا المسرح كما يحب أن يراه المؤلف : (رؤية دقيقة للحياة في حالة دقيقة ومكثفة تشبه ما قد نراه أحيانا يدور بين الناس في حياتنا ، مصادفة ودون ترتيب من نافذة قطار أو من شرفة منزل نهم بإغلاقها . وفي تعريف آخر فـ ( مسرح الدقائق ) هو ما نراه ونتأثر به ضحكا وبكاء وحفزا وإحباطا دون أن نقوم بلضمه ونسجه وحياكته في ثوب روائي أو مسرحي كامل على (الموضة ) السائدة . وعبر مفهوم آخر يرى د0 عصام اللباد أن مسرح الدقائق عبارة عن (قصاصات) من لغة الحياة وأحداثها ، تشبه إلى حد كبير ما نحكيه لبعضنا عن بعضنا ، وما نتذكره من أحداث حياتنا قبل النوم والقيلولة ، أو في دقائق الانفصال عن نص الحياة الكبير الذي نحاول صياغته عقليا طوال الوقت في ملاحم ؛ ذلك النص الحقيقي في تفاصيله ودقائقه والمفبرك في إجمال ملحمته . ويسهب د . عصام اللباد في موضع آخر في شرح ماهية مسرح الدقائق ودوره في منظومة الفن الإنساني فيرى أن مسرحيات الدقائق عبارة عن نصوص خام أو قماشة نقوم بتفصيلها لا وعيا أحيانا لصناعة نص طويل ، أو أطول ، نبرر به أفكارنا وقضايانا وملاحمنا ولأن نص مسرح الدقائق كما الحياة في نظر المؤلف إذن فهو ليس نصا وعظيا أيديولوجيا حكيما متجها بوعي إلى هدف ، لكنه قطعة من ذلك 0وليس بالتالي نصا مسرحيا طويلا منظوما ذا اتجاه واحد ؛ وهو بهذا يقبل الدوران والالتفاف. وهو بهذه الصفات لا يفرض عليك مقولة أو رؤية أو خلاصة . إنه هو هو في لحظته ؛ ويمكنه بسهولة ، أن يصبح نصّك أنت في لحظتك الشبيهة أو الموازية . ونستطيع أن نقول إن عصام اللباد استطاع تهميش المخرج والمعالجة الإخراجية في هذه النصوص فقد حاول أن يقيم علاقة ما بين الجمهور والبطل ويتجنب التفاصيل الطبيعية فأكثر ما يهمه هنا ليس العالم النفسي للكتاب الذين عالج مسرحياتهم وإنما قبل كل شئ الطاقة التي تبثها أفكار الكاتب في تجلياتها الأولى ، وتلك القوة التأثيرية الكامنة للحوارات إنه يطوق لصنع شكل من أشكال التواصل الشفهي والعقلي بين البطل والجمهور وبالتالي فهو يعمل على تركيز انتباه المتفرج على الحوار عندئذ يتغير منهج وجود الممثل نفسه كما تتغير أمور كثيرة أخرى دون أن يتعرض فقط إلى ما كتبه المؤلفون الذين عالج لهم مسرحياتهم للتحريف الفجّ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق