يمكن أن نحصد نتائج أكثر خصوبة وتميّزا. فنجاح المهرجان غير منوط بعدد المسرحيديّات المشاركة ولا باختلاف مضامينها، ولكنّه منوط بتماسك رؤيتها ووضوح فكرتها.
المسرحيد ( مسرحيات الممثل الواحد باللغة العربية ) .. أربع سنوات من العمل المتواصل كي تصنع حالة خارج سيناريوهات الأبعاد المتّفق عليها. ولكن أغلق المسرحيد ( مسرحيات الممثل الواحد باللغة العربية ) الفلسطيني الخامس، خلال الأسابيع المنصرمة، أبوابه على عدّة أعمال والعديد من التّساؤلات. لكنّه حتما لم يكشف عن رؤية مفترضة لمشروعه الدّرامي المستقبلي. ولست بصدد الإستفاضة في تحليل المضامين، ولكنّني حتما بصدد الوقوف عند المحصّلة. ولعلّني لا أبالغ إذ أعلن أنّ مهرجان السّنة يعتذر غالبا عن إفلاسه مضمونيّا. إذ أنّه لم يأتنا بالجديد، ولم يشتغل تماما على إرهاق ذائقتنا باختلافه. لم يدهش تصوّراتنا بالشّكل المفترض لمسرحيديّة قطعت شوطا، أربع سنوات من العمل كي تصنع حالة خارج سيناريوهات الأبعاد المتّفق عليها. لقد تذرّعت الطّواقم الممثّلة لمضامينه بذريعة واحدة تقريبا أرادت الإستيلاء على حضور المُشاهِد، هي الإثارة الحسيّة معتمدة على الإسقاطات الجنسيّة، كأنّنا استنفذنا، هذه السّنة، كلّ المواضيع الممكنة ولم يبق أمامنا إلاّ هذا الهم ! ولا يفهم من كلامنا رفضنا تجنيد الإثارة الحسيّة كبديل مضموني للمبنى الدّرامي التّقليدي، أو لتعبئة الحدث الدّرامي وإغنائه بالتّداعيات الرّوحيّة، ولكنّني أعني أنّ التّداعيات الجنسيّة دخلت إلى المسرحيد مرغمة، كأنّ منتجي هذه الأعمال لم يعثروا على مبرّر أسهل لتأكيد حضورهم. وأستطيع أن أستثني من هذه المقولة، أبو حليمة والأبله. وفي حقيقة الأمر لم نتفاجأ من هذه المحصّلة، إذ كنّا قد حذّرنا، ومنذ السّنة الفائتة من المصير الّذي سينتهي إليه هذا الفن إذا لم يحرص القائمون عليه على رسم خطّة واضحة لتطوير مناحيه. فالأمر ليس رهن نص يقدّم ويفحص وحسب، بل رهن حالة يجب أن يصار إلى بناء خطّتها ورؤيتها، ووفق تصوّرات الطّاقم المشرف عليها يجب السّعي لتوفير نصوص ملائمة. ورأيي أنّ التذرّع بغياب نصوص تلبّي حاجة هذا التصوّر مسألة يجب ألا يبثّّ فيها لأيّ سبب. والحلّ الأفضل حينها يعتمد على أن يتمّ تأجيل المهرجان للسّنة القادمة بحيث يجري إخراجه إلى جمهوره كل سنتين. هكذا يمكن أن نحصد نتائج أكثر خصوبة وتميّزا. فنجاح المهرجان غير منوط بعدد المسرحيديّات المشاركة ولا باختلاف مضامينها، ولكنّه منوط بتماسك رؤيتها ووضوح فكرتها. وما فعله مهرجان السّنة أنّه أضاف ضبابيّة إلى برنامجه، فالنّصوص ضعيفة أو متشابهة، لكنّ ضعفها لم يغيّب جميع العناصر الّتي ستؤسّس لمشروع أكبر قد ينهض في سنة قادمة، أو محاولات لابتكار نمط مسرحي وفق رؤية ذاتيّة. هذا شيء، وقضيّة إقحام الجنس من منطلق إفلاس مضموني شيء آخر يجب الوقوف عنده، وإقرار موقف حاسم من أمر إشراكه أو عدم إشراكه بحيث يخضع هذا المضمون لاعتبارات فنيّة بحتة يقف خلفها الطّاقم الفنّي. ولعلّّنا إذ نقف على المسرحيديّات المشاركة نشارك أيضا في تأكيد أهميّة توثيق هذه الأعمال، وبغضّ النظر عن تفاوت مستوياتها المضمونيّة، دراميّا وفنيّا عموما. وعليه سأشير إلى مشاركة ست مسرحيديّات وقفت على رأسها مسرحيديّة "أبو حليمة"، وهي عن قصّة للشّاعر طه محمّد علي، (تمثيل:إسماعيل الدبّاغ، إخراج: جاكوب آمو، مسرح الرّواة المقدسي) المسرحيديّة الثّانية، "الولد" عن مسرحيديّة لريمون كاوش، (تمثيل: حسن طه، إخراج: محمّد منادرة، مسرح الفرينج النّاصرة) المسرحيديّة الثّالثة، "ولد للأبد". تأليف نهد بشير، (تمثيل: علاء سرّيس، إخراج: نهد بشير، مسرح كفرون) المسرحيديّة الرّابعة، " أصوات من هنا"، تأليف: دوريت فينطال، (تمثيل: رشا جهشان، إخراج: دوريت فينطال، مهرجان مسرحيد) الخامسة، " الأبله" من إعداد طاقم المسرحيّة عن الكاتب الرّوسي ديستويفسكي. (تمثيل: شادي سرور، إخراج: منير بكري، مسرح اللاّز، عكّا) المسرحيديّة السّادسة، "المغنّي"، تأليف: وليد أيّوب. (تمثيل: نظام أيّوب،إخراج: ماهر فرّاج) وقد تنافست هذه المسرحيديّات معا، ولكن بتفاوت كبير في مستوى الأداء وتذويت المضامين فكريّا وحسيّا لدى فنّانيها. هذه الصّورة السّريعة للمسرحيديّات المشاركة تضعنا حتما في مواجهة السّؤال ، هل استفدنا من التّجربة؟ هل أضفنا جديدا لرصيدنا المسرحيدي؟ وماذا سنفعل بعد الآن. أسئلة كثيرة ألحّت علينا ونحن نعدّ هذه الورقة للنّشر واجهت غياب المعلومة. لم يكن مشروع الفرجة لهذه السّنة سهلا بالنّسبة لنا، وفي شطره الكبير مشروع معاناة، وساءنا تهريب الهاجس المسرحي بطريقة غير موضوعيّة، كأنّنا كنّا نتحدّث عن بضاعة مشبوهة لا علاقة لها بأحد! ولا بالفتنة! وربّما لم نتأكّد أنّ ما نعرضه هو تماما ما أعددنا له جمهورنا وأنفسنا. هذه الشّكوك لم تقد بالضّرورة لهويّة فنيّة يمكن أن تبرّر ظهور أبطال هذه المسرحيديّات أمام ملابسهم القصيرة أو الطّويلة أوّلا، وعلى هذه التّساءلات سيكون لنا وقفة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق