السبت، 27 ديسمبر 2008

نساء ونساء - قصص قصيرة جدا - بقلم د. أسماء غريب

صديقته: استيقظت اليوم باكرا، أشعلت سيجارتها، بدأت تدخن وهي تفكر فيه. أخذت سماعة الهاتف، اتصلت به وشرعت في الحديث معه بصوت يملأه الشوق والحنين. سألته عن أحواله وعن كيف يقضي يومه بعيدا عنها. طلبت منه أن يأتي للقائها ثم أنهت المكالمة قائلة: لا تنس أن تبلغ سلامي الحار إلى زوجتك !!!

هي والشباك الأوتوماتيكي: إنه آخر الشهر، كغيرها من الموظفات، اتجهت إلى البنك لسحب أجرتها، دخلت إلى المؤسسة ولكن الموظف المسؤول أخبر الجميع بأن جهاز الكمبيوتر المركزي به خلل ونصحهم بالاتجاه إلى بنك آخر. خرجت مسرعة واتجهت إلى الشباك الأتوماتيكي كي تسحب عبر البطاقة الإلكترونية بعضا من المال وما إن لامست أصابعها الأوراق النقدية، حتى اختطفها من بين يديها وبشكل مفاجئ شخص آخر كان ينتظرها ويراقبها بعيدا عن الشباك فوق دراجته النارية: إنه زوجها الذي رافقها من البيت حتى البنك كي يستولي كما العادة على مدخولها الشهري.

صديقتها: يقتلها الملل، تفكر في زيارتها، تتردد في ذلك فصديقتها سيدة متزوجة ومسؤولياتها تختلف عن انشغالاتها هي التي ما زالت لم تدخل قفص الزوجية بعد... تخرج من حيرتها تتصل بها على هاتفها المحمول وتطلب لقاءها عند العصر. تفتح لها صديقتها ذراعيها وتستقبلها بحرارة في بيتها. مرت ساعات طوال وهن يتحدثن في كل شيء وفي لا شيء، استغربت صاحبة البيت طول مكوث صديقتها، فلم يبق في الجعبة أحاديث أخرى !!! رن جرس البيت وقامت لفتح الباب لزوجها. عانقته وقبلته حامدة الله على عودته. دخلا معا إلى الصالون فهبت صديقتها لتحية الزوج وبعد بضع دقائق، قامت تودعهما معا وقد انفرجت أساريرها وبدا من عينيها شعاع قوي من الفرح والسعادة، لم يكن ذلك بالأمر الغريب، فقد رأت أخيرا الشخص الذي جاءت من أجله: زوج صديقتها !!!

جارتها: الكل في هذه البناية القديمة يتحدث عن الساكنة الجديدة. يقولون أنها غريبة عن البلاد... ربما كانت عربية أو تركية ... لا أحد يعرف ذلك. يستغربون عيشها وحيدة، يغارون من أناقتها، من جمالها وتؤلمهم عفّتها. قالت إحدى ساكنات البناية: لا تقلقوا، سآتيكم بأخبارها وقصتها آجلا أم عاجلا ! تقربت الجارة من الغريبة. أصبحت صديقتها وفي إحدى زياراتها المتكررة إليها لم تنس قبل توديعها أن تلصق جهاز تصنت وتجسس بصالون الغريبة. لا أحد يعرف حتى اليوم إذا ما كانت الجارة بهذا العمل قد لبت رغبة فضولها أم فضول الجيران أم فضول جهات أخرى !!!

أختها: عند عودتها من ديار الغربة، ذهبت لزيارة أختها. حملت لها الهدايا وقلبها المليء بالمحبة والشوق إليها. تعانقتا طويلا وتحدثتا قليلا. في اليوم الثاني استيقظت أختها باكرا. افتعلت معها مشاجرة عنيفة ثم طردتها شر طردة قائلة لها: آسفة أختي، لم أعد أحبك. فأنا أكرهك وأكره آثار النعمة عليك. قوتك تجرحني ونجاحك يقتلني، لذا أرجو أن تفهمي بأنني أكره أيضا حتى بحثك عني وسعيك لصلة الرحم معي فلا تنتظري مني بعد اليوم أن أحبك.

المذيعة: استضافت في برنامجها مجموعة من الأساتذة كي يناقشوا قضية تعنيف المرأة في المجتمع العربي، تحدثوا طويلا وطويلا وكان كلامهم يحلق في أرجاء القاعة ولا يتجاوزها. كان أحدهم ينظر إليها بشبق وعيناه تملأهما عبارات خيل إليها من قوتها ووقاحتها أنه سينقض عليها أمام الملأ كي يعنفها بشكل شهواني رهيب. لم تعر المذيعة لهذا الديك المتصابي أي اهتمام، فعقلها كان مليئا بصور رهيبة أخرى ما زالت عالقة بلاباطنها الطفولي: صور أبيها وهو يضرب أمها المسكينة ويهينها حتى الموت أو وهو يهددها بتشويه وجهها إن لم تمتثل لأوامره وصوره وهو يطارد أثداء الخادمات الصغيرات اللائي كانت ترمي بهن ظروفهن القاهرة للخدمة عندهم في بيت الأسرة.

د. اسماء غريب - ايطاليا charquiasmaa@hotmail.it asmagherib@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق