الجمعة، 26 ديسمبر 2008

سلامة موسى حتى لا ننسى انتصارات انسان - بقلم توفيق حنا

الثقافة هى المعارف والعلوم والآداب والفنون يتعلمها الناس ويتثقفون بهاوقد تحتويها الكتب، ولكنها مع ذلك خاصة بالذهن. اما الحضارة فماده محسوسة فى آلةتخترع وبناء يقام ونظام حكومة محسوس يمارس ودين له شعائر ومناسك وعادات ومؤسسات. فالحضارة ماديةاما الثقافة فذهنية. وقد يكون الانسان مثقفا غير متحضر،وقد يكون متحضرا غير مثقف".

slamamusaهذا الانسان هو سلامة موسى والذى اختار هذا العنون هو الدكتور محمد مندور (توفى فى 19 مايو 1965) وفى افتتاحية هذا الكتاب يقول محمد مندور "الرائد سلامة موسى" وعن هذا الكتاب "هذه مجموعة من مقالات الرائد سلامة موسى تمتد ما قبل الحرب العالمية الاولى الى اواخر ايامه فى سنة 1958 (4 اغسطس)، ومنها يتأكد معنى حياة سلامة موسى الخصبه كرائد من اكبر رواد الفكر العربى المعاصر فى ميادينه المختلفة سياسية كانت أم اجتماعية ام ثقافية". ويقول محمد مندور – ايضا – تحديدا لدورالرائد سلامة موسى فى حياتنا وفى عصرنا، "لقد كان رائدنا الكبير سلامة موسى يعتبر موسوعة علمية كبيرة فى كافة مجالات الثقافة وقد انفق عمره كله فى تقريب الثقافة العالمية التحريرية التقدمية من مواطنيه وايضاح اوجه الافادة منها والانتفاع بها"ثم يقول، "ساهم بكل مايملك من قوة فى هدم القديم البالى الضار وتمهيد السبيل لبناء الجديد القوى النافع.. وبذلك يعتبر سلامةموسى من كبار المهندسين الذين عملوا على بناء عقليتنا العصرية المتحضرة الآخذه باسباب التخلص من القديم البالى واعتناق الجديد النافع". كتب محمد مندور هذه المقدمة فى 6 مايو 1960 بذل محمد مندور جهدا كبيرا فى استخراج "هذه المجموعة من بطون الصحف والمجلات التى انشأها سلامة موسى لتحمل رسالته مهما كلفته من جهد ذهنى وخسائر مادية.. اومجلات وصحف ساهم فى تحريرها خدمة لرسالته وريادته الفكرية" . ولكن كيف جاء ترتيب هذه المقالات التى اختارها محمد مندور كما اختار لها هذا العنوان عميق الدلالة "انتصارات انسان" يقول، "رتبت هذه المقالات ترتيبا تاريخيا لكى يمكن القارىء من متابعة التطور الفكرى لكاتبها الكبير، ولكن يتضح مدى ثباته على الاراء التى آمن بها طول حياته عن وعى وايمان". تبدأ هذه المقالات بمقالة طريفه وممتعة عن الكاتبة العبقرية فى زيارة نشرت فى مجلة "المستقبل" التى يقدمها لنا محمد مندور بهذه الكلمة، والمقالة جاءت بعنوان "حديث مع مى"، "هذا أول لقاء لسلامة موسى مع الآنسة مى ..نشر هذا الحديث فى مجلة "المستقبل" فى اغسطس 1914 ، وقد كانت "المستقبل" اول "مجلة علمية ادبية عمرانية اسبوعية" تعرفها القاهرة .. وكانت تصدر فى 16 صفحة من الحجم المتوسط واشتراكها السنوى 32 قرشا. وكان سلامة موسى يكتبها كلها من غلافها الاول إلى غلافها الاخير. فصدر من "المستقبل" 16 عددا ثم عطلتها الرقابةالانجليزية، التى فرضت على مصر اثر نشوب الحرب العالمية الاولى" (فى القرن الماضى) يقول سلامة موسى عن مى: "فتاة لاتزال مبتدئة فى العقد الثالث من عمرها،ومع ذلك تجيد ست لغات، تحسن اثنتين منها قراءة وكتابةوتأليفا. تعرف الفرنسية والعربية وقد ألفت فى الاولى ديوان شعر وترجمت الى الثانية كتابين، الاول رواية اسمها "الحب والعذاب" ترجمتها من الفرنسية والثانى نثر شعرى ترجمته من الالمانيةتحت عنوان "ابتسامات ودموع" ، وهى تعرف مع ذلك اللغة الايطالية والاغريقية الحديثة والانكليزية". تمت هذه المقابلة فى صالون بيت مى فى شارع المغربى فى القاهرة (وكان يتردد عليه كبار الادباء) وفى مقال نشر فى عدد نوفمبر 1927 من مجلة "الهلال" تحت عنوان "الثقافة والحضارة" يقول سلامة موسى، "كنت أول من افشى لقطة "الثقافة" فى الادب العربى الحديث ،ولم اكن انا الذى سكها فانى انتحلتها – اى سرقتها – من ابن خلدون اذ وجدته يستعملها فى معنى شبيه بلفظه "كلتور" الشائعة فى الادب الاوربى. وشيوع اللفظة الآن على اقلام الكتاب يدل على اننا كنا فى حاجة اليها وانها سدت معنى كان كامنا فى نفوسنا، ولكن ما الفرق بين الثقافة والحضارة؟. الثقافة هى المعارف والعلوم والآداب والفنون يتعلمها الناس ويتثقفون بهاوقد تحتويها الكتب، ولكنها مع ذلك خاصة بالذهن. اما الحضارة فماده محسوسة فى آلةتخترع وبناء يقام ونظام حكومة محسوس يمارس ودين له شعائر ومناسك وعادات ومؤسسات. فالحضارة ماديةاما الثقافة فذهنية. وقد يكون الانسان مثقفا غير متحضر،وقد يكون متحضرا غير مثقف". كل حضارة هى نتيجة او ثمرة ثقافة سابقة. وفى نهاية مقاله يقرر بوضوح (منذ 76 عاما). "الحضارة القادمة فتكون ثمرة العلم .. الحضارة القادمة ستقوم على الصناعة والآلات والكيمياء، لانها ستكون ثمرة الثقافة العلمية الحاضرة... وعلى ذلك يجب ان تكون ثقافتنا علمية حتى تثمر الحضارةالصناعية" وفى مجلة"النجمة الزهراء" فى مارس 1931 يقدم محمد مندوراحدى مقالات سلامة موسى بهذه الكلمات التى توضح ملامح وسمات شخصية سلامةموسى مناضلا شجاعا ومكافحا جريئا فى سبيل حرية الفكر وحرية التعبير. "صدقى.... (اسماعيل صدقى رئيس الوزراء) الذى عطل "المجلة الجديدة" عطل ايضا شقيقتها "المصرى"، والسبب ان سلامةموسى قد نشر على غلاف "المصرى" ستة براويز بيضاويةتحوى ست صور لملوك مخلوعة. اعتبرت الصور تعريضا بعرش "فؤاد" (فؤاد الاول ملك مصر) الذى كان يعبث بدستور البلاد ويستهين بارادة الشعب. عندما عطلت "المصرى" ظهرت بدائلها "النجمة الزهراء" و "الفضيلة" وعشر مجلات اسبوعية اخرى، لم تكن احداها تستمر اسابيع وتغلق حتى يظهر لها بديلة جديدة". عادت "المجلة الجديدة" للصدور عام 1934 وفى مقال تحت عنوان "القرية المصرية". فى عدد نوفمبر 1935 يقول سلامةموسى: "الطوب الاخضر فى ذاته لا يعيب القرية المصرية، فقد كان قصر فرعون نفسه بالطوب الأخضر .. ولكن قريتنا تكدر العين الآن باشياء اخرى اهمها قلةالنظافة بل انعدامها.." ثم يقول "انفقنا على الارض ملايين الجنيهات. فماذا انفقنا على القرية؟ وفى وزارة الزراعة برامج عن اصلاح التربة وانتقاء البذور وتجربة بعض النباتات..وفى وزارة الاشغال برامج عن الرى وتجفيف المناقع واستزراع الفاصل، ولكن ليس فيها برنامج عن منزل الفلاح ونظام القرية" ويتساءل سلامة موسى (منذ 68 عاما) "هل خلقت الأرض لخدمة الانسان او خلق الانسان لخدمة الأرض؟ " ويقول ساخرا: "وايهما اولى بالعنايةفى نظر وزارة الزراعة؟". ويقول حالما .. او موجها. "لم يوجد بعد الفتى – سرى النفس – الذى يرضى بان يؤسس تجربة نموذجية تكون وهى وسط الريف كالمدينة الصغيرة يتمتع سكانها بهواء الريف ومتع المدينة" ثم يختم مقاله ثائرا: "لا يستطيع احد منا ان يقول ان الحال التى تسود القرية المصرية تتفق مع كرامتنا او طور الحضارة الذى بلغناه، فان كرامة الامة لاتتفق ومنازل تبنى للعمال بلا مرافق او نوافذ ". لابد ان يكون حال القرية المصرية قد تغير كثيرا فى هذه العقود التى جرت على مصر منذ ان كتب سلامة موسى هذا المقال !!.. فى ديسيمبر 1945 كتب سلامةموسى فى جريدة "اخبار اليوم" عن "القنبلة الذرية ومتى تحطمنا" وذلك تعليقا على قنبلتى هيروشيما ونجازاكى فى 6 و 9 اغسطس 1945. "ان قواعد التعليم العامة تحتاج إلى مسح سطورها مسحا تاما، ثم يبدأ التعليم من جديد على قواعد علمية.. قواعد العلم فى المعيشة وقواعد العلم فى الطعام والمجتمع والانتاج والحكم والزراعة والطبخ وجميع ما تباشر من عمل فى هذه الدنيا" ثم يقول : "ونحن مضطرون إلى هذا لاننا جميعا عرضة لانموت بأرقى القواعد العلمية واحدثها.. القنبلة الذرية".. فيجب لهذا السبب ان نعيش بأرقى القواعد العلمية واحدثها.. اى يجب قبل كل شىء ان ينتظم المجتمع البشرى على قواعد صحيحة من العلوم، وليس على ماورثنا من تقاليد وعقائد، لان القنبلة الذرية قد احرقت سفننا وقطعت ما بيننا وبين التاريخ". واستمر سلامة موسى يكتب حتى سقط منه القلم.. وتنتهى "انتصارات انسان" بالمقال الأخير الذى لم يتمكن من نشره .. واختار له محمد مندور هذه العنوان" يوميات لم تتم" ويقول الناقد الكبير الدكتور محمد مندور "كان مقدرا لهذه اليوميات ان تتم وتنشر على صفحات "الاخبار" فى صبيحة يوم من أحاد عام 1958 .. ولكنها بقيت.. بقيت فى صدر الدوسيه الضخم الذى يحمل اسم "يوميات" كان عنوان هذه اليوميات التى لم تتم – ولم تر النور هو "الدواء ومصنع الدواء" .. كتب ، "قرر وزير الصحة تأليف لجنة من خمسين طبيبا وصيدليا لبحث العطاءات المقدمة بشأن توريد الادوية التى تحتاج اليها بلادنا" ويقول سلامة موسى تعليقا على هذا الخبر، "عندنا جيش كبير من الصيادلة الذين علمناهم وانفقنا عليهم وجدوا انفسهم بياعين بدلا من ان يكونوا كيماوين" ويتساءل سلامةموسى: "هل تقفل كليات الصيدلة لهذا السبب ونقول لافائدة منها؟ ". ويجيب سلامة موسى موضحا الطريق إلى حل هذه المشكلة: "لا .. وانما الطريق السديد ان ننشىء المصانع الكيماوية لصنع العقاقير الطبية فى بلادنا، ونستخدم هؤلاء الصيادلة الفنيين الذين لا ينتفعون هم ولا ننتفع نحن نفهم الذى تعلموه ، ولابد ان تكون الدولة قد حققت هذا الذى دعا اليه سلامة موسى‍ وما اصدق ما قاله الصديق الراحل عبد الرحمن الشرقاوى.. الشاعر والكاتب المسرحى وصاحب رواية "الارض" عن سلامة موسى: "احتفظ رغم الجحود والاضطهاد والفكران بكل ايمانه بالانسان والعمل والحياة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق