العطاء الجمالي والعطاء الاجتماعي لظاهرة المسرح في التعبير عن خصوصية الظاهرة المسرحية، وحيث العرض المسرحي هو في جوهره ممارسة اجتماعية تتوجه إلى الفعل الجمالي عبر مسار يستغرق حياة العرض بالكامل.
خلصنا في المقال السابق إلى أن حجم الظاهرة المسرحية في مصر يشي عنها بوصفها جسد عملاق لا يعي ذاته ولا يقدمها على نحو واضح ، و أيا كانت مدى دقة الأرقام التي قدمناها فإن أي تمحيص لها مهما كان متحوطا سيفضي بنا إلى رقم ضخم لم نفكر فيه من قبل ، رقم أقل ما يقال عنه أنه مدهش بقدر ما هو مثير ، وهو ما لمسته خلال العامين الماضيين عندما كنت أناقش هذا الموضوع مع الأصدقاء من النقاد والمهتمين بالمسرح . وعلينا الآن أن نتوقف لنرى كيف كان هذا الرقم يفلت دائما من تفكيرنا ومن تأملاتنا حول ظاهرة المسرح المصري ، ولماذا لم يشعر أحدا من قبل أن ثمة أهمية ما لمعرفة رقم العروض المنتجة سنويا في مصر . وفي هذا الإطار أعتقد أن ثمة دور كبير تلعبه الآراء الجمالية التقليدية التي تقود تفكيرنا باعتبارها لا تبالي كثيرا بحجم الظاهرة الجمالية بقدر ما تهتم بكيفها ، وهو ما يمثل أقوى اعتراض جمالي على بلورة وعي كاف بمدى انتشار وخرائط توزع الظاهرة المسرحية في مصر ،فطبقا لهذا الاعتراض فإن النسبة الغالبة من هذا الرقم الضخم للعروض السنوية لا تقدم منجزا جماليا لافتا بقدر ما هي تكرار فقير إبداعيا لما يمكن تسميته بعروض الصف الأول التي عادة ما تتركز في المسرح القاهري ، وهذا الصف الأول نفسه لا يتضمن سوى عدد قليل للغاية من العروض التي تقدم تجربة جمالية وفنية جديرة بالإلتفات ، إن لم نقل أن هذا الصف يخلو في مواسم كثيرة من أي جديد . وبالتالي فمهما كان حجم الظاهرة المسرحية كبيرا فإن هذا لا يكسبها أي قيمة ما دامت لا تطرح منجزا جماليا يتوازى مع هذا الحجم ، ونحن مثلا لا نستطيع قياس تقدم ظاهرة الشعر المصري بهؤلاء الآلاف الذين يكتبون خواطرهم ، بل بالشعراء المبدعين فقط ، وهم قلة على الدوام ، أما تلك الكتابات البسيطة التي يدونها المبتدئون و المراهقون فهي تمر دون أن يلحظها أحد ودون أن تترك أي تأثير وبالتالي فلا مكان لها داخل الظاهرة الجمالية . ونحن لن نسعى هنا إلى مناقشة هذا الرأي عبر مجادلته حول مدى المنجز الجمالي الذي تقدمه ظاهرة المسرح المصري ،بل سنناقشه عبر الإتكاء على فهم خصوصية الظاهرة المسرحية والتي تجعلها كيانا مختلفا تماما عن باقي الممارسات الجمالية ،وهكذا فإذا ما سلمنا بقلة العطاء الجمالي لأغلب العروض المسرحية في مصر ، فإن هذا لا ينطبق بالضرورة على العطاء الاجتماعي ، ولكن هنا وعبر هذه النتيجة سنصطدم بالنظريات الجمالية التقليدية التي يستند إليها هذا الرأي ،و بالتالي سيتعين علينا أن نتوقف لنحلل هذه النقطة باستفاضة . إن الأطروحات الجمالية التقليدية ترهن ظهور العطاء الاجتماعي وتحدد فعاليته طبقا للعطاء الجمالي وانطلاقا منه ، بمعنى أن أي ممارسة ينبغي أن تجتاز شروطا جمالية معينة تحولها إلى فعل جمالي أو فني وذلك قبل أن تبدأ في إحداث أي تأثير اجتماعي ، وترى هذه النظريات أن العلاقة بين ما هو جمالي وما هو اجتماعي هي في جوهرها علاقة تمثيل ( representation ) ، أي أنها تتوقف على قدرة ما هو جمالي على إظهار ما هو اجتماعي وطرحه أمام وعي المتلقي ، وبالتالي فنحن أمام علاقة طردية بحيث أنه كلما زاد العطاء الجمالي زاد العطاء الاجتماعي بدوره ، وكلما انخفض الأول انخفض الثاني ، وهو ما يعني بالنسبة لمناقشتنا أن ذلك العدد الهائل من العروض التي افترضنا أنها لم تتجاوز العتبة التي تجعلها ذات عطاء جمالي هي أيضا بلا عطاء اجتماعي ، مما يفقدها كل قيمة يمكن الحديث عنها . وللأسف فإن كل هذه النظريات الجمالية قد تأسست وأرست مبادئها ومنطلقاتها المنهجية قبل أن تنضج ظاهرة العرض المسرحي ، ولذلك فهي لا تأخذ في حسبانها خصوصية هذه الظاهرة ، فالعرض المسرحي بالطبع يفضي في النهاية إلى ممارسة جمالية ، أو إلى إنتاج فعل جمالي ، ولكنه لا يبدأ ظهوره ويحافظ عليه إلا باعتباره ممارسة اجتماعية ، وبمعنى آخر فإن لحظة البداية في إنتاج العرض مرهونة بظهور تجمع إنساني يتحلق حول هدف جمالي محدد يتمثل في تحقيق هذا العرض ، إذا فلدينا هنا تجمع إنساني يتأسس بالضرورة طبقا لمنطلقات اجتماعية تنظم العلاقات بين أفراده ، ولكنه أيضا يتحرك متوجها نحو هدف جمالي ، وبالتالي فمنذ اللحظة الأولى لبداية ظهور العرض ينشأ حوار خلاق بين ما هو اجتماعي وما هو جمالي ، فالعرض المسرحي هو في جوهره ممارسة اجتماعية تتوجه إلى الفعل الجمالي عبر مسار يستغرق حياة العرض بالكامل ، وإذا ما افترضنا أن هذا المسار لم يستطع أن يفضي إلى تحقيق عطاء جمالي بالمعنى الذي تقدمه لنا النظريات التقليدية فإن هذا لا ينطبق بالضرورة على ذلك الحوار الذي يؤسسه العرض بين ما هو جمالي وما هو اجتماعي منذ لحظة ظهوره وحتى لحظة نهايته ، فذلك الحوار يقدم عطاء اجتماعي - غير منظور- لظاهرة العرض المسرحي ، وهو عطاء يكتسب أهميته الفائقة من كونه يدخل في جدل - قد يكون عنيفا أحيانا - مع القيم و التمثيلات الاجتماعية المختلفة التي تهيمن على المجتمع المحلي المحيط بمكان إنتاج العرض . وبالطبع فهذا العطاء الخاص لظاهرة العرض المسرحي قد يخفت كثيرا أو يتوارى عندما يتعلق الأمر بالفرق المسرحية المحترفة المنغلقة على نفسها والتي عادة ما تميل مع الوقت إلى اجترار نتائج الحوار الاجتماعي الجمالي الذي أسست لوجودها عبره ، إلا أن هذا الأمر يختلف تماما بالنسبة لفرق وتجمعات الهواة ، والتي يعد ذلك الحوار أداتها الأساسية للظهور وسبيلها الوحيد تقريبا للمحافظة على ذاتها ، ونظرا إلى أن طبيعة هذه الفرق والتجمعات أكثر انفتاحا على مجتمعها المحلي المحيط بها فإن صدى هذا الحوار يتجاوز أفرادها . ولن نتوقف هنا عند تحليل طبيعة الحوار الذي تقيمه ظاهرة العرض المسرحي بين ما هو اجتماعي وما هو جمالي ، فذلك يتطلب التعرض لمداخل وتأسيسات نظرية تتجاوز ما نحاول مناقشته هنا ، ولكن يكفي أن نؤكد على نقطتين هامتين : أولهما أن ذلك الحوار الذي تناولناه بالتحليل يؤدي إلى تأثير أو عطاء اجتماعي لا يمكن إنكاره أو التغاضي عن أهميته ، وهذا العطاء الاجتماعي ليس بعيدا عن دائرة الاهتمام الجمالي ، بمعنى أننا لا نتحدث هنا خارج حدود ما هو جمالي تماما ، فهذا العطاء ينطلق مما هو جمالي ويصطبغ بقيمه وتقنياته المعرفية ويقوم بنقلها إلى دائرة ما هو اجتماعي ، ولذلك فنحن هنا أمام مجال تمتزج فيه دوائر الفعل الجمالي بدوائر الفعل الاجتماعي على نحو لا أعتقد أننا يمكن أن نجده إلا في ظاهرة العرض المسرحي ، وهو ما يعني أن ثمة حاجة لتنظير جمالي مختلف يراعي خصوصية تلك الظاهرة. أما النقطة الثانية فهي أن النسبة العظمى من ذلك العدد الضخم لعروض المسرح في مصر يقوم بها هواة في أماكن ومواقع مختلفة و متباينة من حيث تكوينها الاجتماعي وقيمها المعرفية .. الخ ، أي أننا هنا أمام حوار صاخب وثري ولكنه غير مسموع ، وربما ستتغير أشياء كثيرة في طرائق فهمنا للمجتمع المصري لو أننا استطعنا الإنصات لهذا الحوار . وفي النهاية نخلص إلى أن ظاهرة العرض المسرحي في مصر بضخامتها المفرطة من ناحية الكم تعمل بوصفها ماكينة عملاقة تستكشف و تؤسس العلاقة بين ما هو اجتماعي وما هو جمالي وتعيد باستمرار بناء الجسور بينهما ، ومهما بدت تلك الماكينة عصية على وعينا بها فإنها يمكن أن تمثل ميدانا لرهانات نظرية مغايرة ومدهشة في تحليل حضور ظاهرة العرض المسرحي وكذلك في تحليل الخرائط المعرفية التي تنتظم حولها التجمعات الإنسانية في مصر ، ولا يلزمنا لتحقيق ذلك سوى ابتكار الزاد المنهجي الكافي لمثل هذه الرحلة التحليلية الشاقة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق