الاثنين، 26 يناير 2009

ذكريات حريق القاهرة ووزارة المعارف - توفيق حنا

تحمست لهذه الثورة العسكرية واحترمتها واحببت رئيس جمهوريتها الاول محمد نجيب الذي كان جارا عزيزا إذ كنت اسكن قريبا منه ومن منزله في شارع " طومان باي " وكان دائم الزيارة لنا قبل أن يكون رئيسا وحتى بعد أن صار. أكتب اليوم هذه السطور في ذكرى يوم 26 يناير 1952 أي بعد مضي 57 عاماً على حريق القاهرة في 26 يناير 1952 في مثل هذه اللحظة – أي ظهر ذلك اليوم – كنت عائداً مع صديقي أديب من المدرسة الخديوية بعد أن انهيت حصص ذلك اليوم وكنا دائما نحب أن نسير من المدرسة الخديوية ( السيدة زينب ) إلى العتبة الخضراء وكنا اثناء هذه المسيرة نتحدث عن احوال البلد وعن احتمال قيام ثورة ضد الحكم الفاسد ( بمقياس ذلك العصر ) حتى وصلنا إلى ميدان العتبة وإذ بنا امام حريق كازينو بديعة ( كما كان يدعى آنذاك لتخليد اسم تلك الراقصة " المعلمة" بديعة مصابني )، واخذنا نسير من ميدان الأوبرا ( الذي كان اسماً على مسمى ، بينما صار في يومنا هذا أقرب الى مايجب ان يطلقه المسؤلين عليه بميدان الجراج ) ونحن نرى الحرائق تشتعل في كل مكان مشهور في البلد، وقتها كنت أنا وأديب متجهين إلى شبرا حيث كنا نسكن ولن أنسى مشاهد القاهرة المحترقة ابدا ولاأدري كيف سمح هؤلاء الخونة لأنفسهم أن يحرقوا مصر أم الدنيا ؟؟ وانا لا أكتب هذه السطور لأتحدث عن حريق القاهرة أو عن الحرائق التي تحدث الآن، ولكني اكتب عن وزارة التربية والتعليم التي كانت تسمى وقت قيام الضباط الاحرار بثورتهم ضد قائدهم الفاسد بوزارة المعارف العمومية.

كنت أمر على مبنى وزارة المعارف العمومية واتساءل لماذا تم اطلاق هذا الأسم عليها الذي يترجم بغير هذا المعنى في الإنجليزية والفرنسية، وكنت اعلم أن تغيير هذا الاسم الى مقابله في الانجليزية او الفرنسية يعني وزارة التربية والتعليم، وقامت ثورة الضباط الاحرار وانتصر انقلابهم على فاروق. تحمست لهذه الثورة العسكرية واحترمتها واحببت رئيس جمهوريتها الاول محمد نجيب الذي كان جارا عزيزا إذ كنت اسكن قريبا منه ومن منزله في شارع " طومان باي " وكان دائم الزيارة لنا قبل أن يكون رئيسا وحتى بعد أن صار. ترجمت هذا الحب وهذه الحماسة وقتها بشكل ايجابي وقمت بارسال خطاب الى السيد وزير المعارف العمومية باقتراح بتغيير اسم المعارف العمومية لوزارة التربية والتعليم، وسلمت الخطاب الى المسئولين عن طريق الصديق والزميل بمدرسة الخديوية الاستاذ ظريف لكونة كان على صله وطيدة بهم، وربما أذكر بهذه المناسبة أن مدرسة الخديوية كانت أول مدرسة في مصر تهتف بسقوط فاروق، وكانت دار المحافظة ( مديرية الأمن ) تقع في باب الخلق أي على مرمى حجر من المدرسة وعليه لما سمع المسئولون هتافات الطلبة جاءت الشرطة واحاطت بالمدرسة مطالبة بالقبض على زعماء الطلبة الذين قادوا هذه المظاهرة. يومها اجتمعنا كلنا .. المديرون والمدرسون والناظر الاستاذ والفنان والرحالة المصري محمد ثابت واجمعنا معه بحماس لايقل عن حماس الطلبة برقض هذا المطلب !! وارجع الى طلبي الذي سلمته للأستاذ ظرف صديقي ليرسله لدوره للمسئولين اصدقائه بخصوص تغيير اسم وزارة المعارف الى اسم وزارة التربية والتعليم حيث تم قبولة بل وتم تغير الاسم بناء على طلبي هذا وماأشد فرحتي وانا ارى الاسم الجديد " وزارة التربية والتعليم " هذه ذكريات مضت .. أما الآن وقد مضى من الزمن اكثر من نصف قرن على ثورة الضباط الاحرار فإني اشعر بالمرارة والاسف على وزارة المعارف العمومية التي ظلمتها اسما وهي التي كانت وراء ثورة 19 التي فجرت كل امكانات وطاقات العبقرية المصرية على كل الأصعدة والمجالات والأنشطة اجتماعيا وثقافيا واقتصادياً وفنيا ( نحت وتصوير وموسيقى وغناء ) أما وزارة التربية والتعليم فقد اضحت مناهجها ومقرراتها ارهاباً وعنفاً وكراهية بين المواطنين وعدم الإعتراف بحقوق الإنسان وهكذا تحقق الإسم الجديد ولم تتحقق الاحلام وراء تغيير الاسم القديم. وبرغم هذه المرارة إلا أني اذكر بمنتهى الفخر والإعزاز ماقمت به عندما كنت ناظرا لمدرسة شندويل الاعدادية بمحافظة سوهاج في بداية الستينيات من القرن الماضي ( 1961) إذ وجدت أن بنات شندويل بعد نهاية المرحلة الإبتدائية يتركن الدراسة لكون استمرارهن في المرحلة الإعدادية يعني سفرهن لمدينة سوهاج والإستقرار بها وهذا كان ضد الاعراف المعمول بها وقتذاك ولا يمارسه الا النادر القليل من الناس المميزون اقتصاديا واجتماعيا. ذات مساء تحدثت الى العامل بالمدرسة وقد كان فناناً ايضا ويدعي " يوسف علي أبو سلامة " عن ابنة اخته التي انهت دراستها الابتدائية وسوف تضطر إلى البقاء في البيت لكونها غير قادرة على السفر الى مدينة سوهاج بسبب ظروف عائلتها الاقتصادية البسيطة. فكرت كثيرا في ل هذه المشكلة خاصة ان هناك ثلاث بنات اخريات في نفس ظروف سعاد ابنة اخت يوسف ابو سلامة واهتديت الى حل. لماذا لاأحاول مع المنطقة التعليمية في سوهاج أن اجعل مدرستي مدرسة مشتركة، وبدأت بالفعل في تحقيق هذا الحلم وبعد عدة شهور كنت مسافراً وقتها لمدينة سوهاج لاحصل على موافقة المنطقة التعليمية طلبت ذات مساء سكرتير المدرسة الشيخ زكريا أن يكتب اسم المدرسة الجديد بخط يده الجميل " مدرسة شندويل الإعدادية المشتركة " الله .. ما أروعها من لافتة .. ودخلت الفتيات الاربع المدرسة الاعدادية. تم نقلي من شندويل، وقد حزنت حزنا شديداً لفراقها وفراق كل من عرفتهم فيها من الاصدقاء وفي عام 1975 وكنت اعمل وقتها في الثقافة الجماهيرية مع الصديق الراحل سعد الدين وهبة كان من مهام عملي زيارة قصور الثقافة في أنحاء الجمهورية، وسافرت سوهاج، واخذتني قدماي لزيارة " شندويل" . 225 تلميذة الان في مدرسة شندويل الاعدادية التي بداتها بأربعة تلميذات فقط عام 1962، كانت سعادتي لاتوصف، وتتبعت من اظن انهن اكملن دراستهن فوجدت ان سعاد ابنة اخت على ابو سلامة قد اصبحت اليوم حكيمة الوحدة الطبية في شندويل، حقا ماأروع ذلك، وسرعان ماتبادر في ذهني سؤال: ترى هل انشئت مدرسة اعدادية اخرى تستوعب تلاميذ وتلميذات شندويل كلها؟!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق