الجمعة، 27 فبراير 2009

الحكمة المصلوبة تأليف سعود السرحان (3) – تقديم الدكتور حسن حنفي

وهذا الموقف من ابن تيمية يذكرنا بموقف الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" حيث ذكر الغزالي أنه قصر رده على الفلاسفة في خطأهم في الإلهيات دون الطبيعيات والرياضيات، لأن مذهبهم فيها لا يصدم أصلاً من أصول الدين، ولأن هذه الأمور تقوم على براهين هندسية وحسابية . إلا أنَّ ابن تيمية يستدرك على موقفه هذا، ويبين أنه يقدح في ما يزعم الفلاسفة أنه برهان يفيد اليقين في الطبيعيات.

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

موسم تأريخ اعتناء ابن تيمية بكتب الفلسفة: نشأ ابن تيمية نشأة علمية حنبلية سلفية، فقد اعتنى بسماع الحديث، وبدروس التفسير، والفقه، ولم نجد له أي دراسة أو اعتناء بكتب الفلسفة والمنطق، إلا أن دخوله في صراعات كثيرة مع المتكلمين، والشيعة لا سيما الباطنية منهم، وغلاة الصوفية؛ قاده إلى البحث عن جذور مقالاتهم عند الفلاسفة، والتفتيش عن عضد "عقلي" يستعين به على إثبات العقائد "السلفية"، وقد وجد ابن تيمية بعض ضالته في كتب "فلاسفة الإسلام" مما سأفصله في آخر هذا البحث. ولو حاولنا تحديد هذا التاريخ بدقة؛ فإننا قد نجد أنه كان بعد سنة 710، واستمر هذا الاعتناء إلى وفاة ابن تيمية في السجن. ومما يدل على صحة هذا الرأي أن أهم كتب ابن تيمية التي حوت مناقشاته للفلاسفة، أو إيراده لأقوالهم، كتبت بعد سنة 710 تقريباً، مثل: "درء تعارض العقل والنقل"، و"منهاج السنة النبوية"، و"الصفدية"، و"الرد على المنطقيين"، و"السبعينية" . وفي النصيحة الذهبية، المنسوبة للذهبي، نص يفيدنا كثيراً في هذا الأمر، إذ يقول الذهبي مخاطباً ابن تيمية: "فإلى كم ننبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها بعقولنا ، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات ، وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم وتكمن والله في البدن" . ويقول فيها: "أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل" . فهذا يدل على تأخر قراءة ابن تيمية لهذه الكتب، فالعقد السابع من عمر ابن تيمية كان بعد سنة 720 إلى وفاته سنة 728 عن 68 سنة.وقد عوض ابن تيمية تأخر قراءته للفلسفة، وعدم أخذه لها عن طريق دراستها على علمائها؛ بالاطلاع على بعض تراث "الإسلاميين" في الفلسفة سواء كانوا مشائين، أو إشراقيين، أو صوفية، أو من أتباع المدارس الفلسفية المختلفة، بل نجده قد اطلع على تراث غير المسلمين مثل ابن كمونة وموسى بن ميمون، وكذلك ما كتبه المتكلمون في الفلسفة ونقدها أو في شرح كتبها، وهذا الاطلاع الواسع عوض تأخر ابن تيمية في دراستها؛ إلا أنه سبب لمعلوماته بعض الارتباك. دخل ابن تيمية في خصومة وصراع مع ثلاث طوائف: المتكلمين، والمتصوفين، والشيعة؛ وكان بحاجة إلى سلاح "عقلي" يرد به عليهم، فلجأ إلى قراءة الفلسفة ليستخدم آلياتها في دحض حجج خصومه المتفلسفين، ولا نكاد نجد قبل ابن تيمية في الكتب السلفية أي دليل عقلي يستخدمه السلفيون لتأييد مذاهب السلف أو الرد على مخالفيهم؛ فقد كان لهم موقف معروف ومشتهر من الفلسفة والكلام، بل حتى من المنطق ذاته، بينما أراد ابن تيمية أن يبين لهذه الفرق أن أصولها التي استندت إليها في حججها هي "الفلسفة"، وأن هذه الفلسفة مخالفة لما ذهب إليه "أساطين الفلاسفة"؛ فتكون هذه الفرق مخالفة للعقل وللنقل معاً. وفي الوقت ذاته أراد توضيح أن مذهب السلف، وهو مذهب نقلي، موافق للعقل الصحيح، وذلك ترسيخاً لقاعدته المشهورة أن "العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح". لذا فعناية ابن تيمية بالفلسفة لم تكن مقصودة لذاتها؛ بل كان الغرض منها الرد على خصومه من المتكلمين، والصوفية، والشيع سواء كانوا باطنية أو اثني عشرية. فابن تيمية لم يدخل عالم الفلسفة دارساً محايداً أو متعلماً، بل دخله مخاصماً مجادلاً، حيث درس الفلسفة دراسة "نفعية"، فنجده قد بنى دراسته للفلسفة على "التلفيق" ففي أي مسألة يريد أن يرد على خصومه فيها يبحث عن أي قول لأي فيلسوف يرد على هذا القول؛ سواء كان الفيلسوف مشائياً أو إشراقياً أو غير ذلك، وفي المسألة التي يقول بها يبحث ابن تيمية عن أي قول لأي فيلسوف يؤيدها مهما كان مذهبه. وهناك سبب آخر يفسر اعتناء ابن تيمية بالفلسفة والرد على الباطنية ومتفلسفة الصوفية، وهو سبب سياسي؛ حيث يتهم ابن تيمية هذه الطوائف بالتعاون مع "الكفار" من الصليبيين والتتار ضد المسلمين، ويرجع ابن تيمية هذا إلى أصول مذهبهم حيث لا يفرقون بين دين وآخر .

حكم الفلسفة عند ابن تيمية: ابن تيمية خصم لدود للفلاسفة جميعاً، وقد أكثر من التصنيف في الرد عليهم، فمن ذلك: درء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السنة النبوية، والصفدية، والسبعينية، والرد على المنطقيين، ونقض المنطق، وغيرها كثير. أما حكم ابن تيمية في الفلاسفة فإنهم كفار عنده، وهو يرى أنَّ "كفار اليهود والنصارى أشرف علماً وعملاً منهم من وجوه كثيرة، والفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل؛ فضلاً عن درجتهم قبل ذلك" . والفلاسفة عند ابن تيمية أعظم ضلالاً وجهلاً من "المجوس ومشركي العرب والهند والترك وكثير من الصابئين" . ويرى ابن تيمية أن الفلاسفة يفسدون عقائد الناس؛ لذا فإنهم يظهرون في الدول التي تناسب حالهم، حيث يقول: "فإنَّ هؤلاء أفسدوا على الناس عقولهم وأديانهم، وهم يكثرون ويظهرون في ما يناسبهم من الدول الجاهلية، كدولة القرامطة الباطنية العبيدية، ودولة التتر، ونحوهم من أهل الجهل والضلال، وفي دول أهل الردة والنفاق" . ويجدر أن نشير إلى أن ابن تيمية لم يشمل بقدحه جميع مباحث الفلسفة، بل اقتصر على مبحث "الإلهيات" أما الطبيعيات والرياضيات فهو يعترف بأن غالب كلامهم فيها جيد، فنجده يقول عن أرسطو وأتباعه بأن "لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها ذلك، وهم يقصدون الحق، ولا يظهر عليهم العناد، لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا القليل" . وعاب ابن تيمية على المتكلمين ردهم بعض الحق الذي جاء به الفلاسفة في باب الطبيعيات والرياضيات، حيث يقول: "والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين، وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية؛ فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب مَنْ ردَّ عليهم من أهل الكلام؛ فإن أكثر كلام أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع" . وضرب ابن تيمية على ذلك بمثال وهو "إنكار كثير منهم لكثير من الأمور الرياضية كاستدارة الفلك، وغير ذلك مما دلَّ عليه الكتاب والسنة وآثار السلف مع دلالة العقل" . وهذا الموقف من ابن تيمية يذكرنا بموقف الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" حيث ذكر الغزالي أنه قصر رده على الفلاسفة في خطأهم في الإلهيات دون الطبيعيات والرياضيات، لأن مذهبهم فيها لا يصدم أصلاً من أصول الدين، ولأن هذه الأمور تقوم على براهين هندسية وحسابية . إلا أنَّ ابن تيمية يستدرك على موقفه هذا، ويبين أنه يقدح في ما يزعم الفلاسفة أنه برهان يفيد اليقين في الطبيعيات، وهو ليس برهاناً بل لا يعدو كونه من أمور العادات؛ فيقول: "ونحن لم نقدح فيما عُلمَ من الأمور الطبيعية والرياضية، لكن ذكرنا أن ما يدَّعونه من البرهان الذي يفيد علوماً يقينية كلية بالأمور الطبيعية: ليس كما يدعونه، بل غالب الطبيعيات إنما هي عاداتٌ تقبل التغير، ولها شروط وموانع" . هذا موقف ابن تيمية إجمالاً من الفلسفة، فهو يراها معارضة لدين الأنبياء؛ أما موقفه بالتفصيل، فذلك وفق الآتي: 1- الفلاسفة قبل أرسطو. 2- أرسطو وأتباعه. 3- متفلسفة الصوفية. 4- الباطنية. 5-المنطق. لكني سأعرض، قبل ذلك، لرأيه في مسألة مهمة، شغلت الفكر الإسلامي، وهي مسألة: التوفيق بين الدين والفلسفة التي سيأتي ذكرها في الأسبوع القادم بإذن الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. حسن حنفي : assarhan@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق