الجمعة، 27 مارس 2009

المسرح في دمشق بين الواقع والطموحات - نبيل الحفار

مع النقاش والقباني وصنوع من الرواد بدأ المسرح العربي تطوره بانطلاقة قوية ومتينة مستندة إلى رؤية ثقافية فنية واضحة لدور المسرح في المجتمع العربي ولتأثيره تنويرياً وأخلاقياً، فتعرفنا على نصوص لهؤلاء الرواد منها المقتبس عن أعمال أجنبية ومنها ما استقى مادته من التراث العربي الأدبي والتاريخي ومنها ما عالج مواضيع من الواقع المعيش مباشرة.‏

لنبدأ حديثنا بتأكيد حقيقة أن الفن المسرحي تأليفاً وعرضاً لا يمتلك في الوطن العربي تراثاً يمكن أن يستند إليه في تطوير حاضره ومستقبله.‏ لا شك في أن الحضارات القديمة في منطقتنا كالحضارة الفرعونية في وادي النيل والحضارة البابلية في وادي الرافدين قد عرفت أشكالاً متنوعة من المسرح الطقوسي الديني والدنيوي، وقد وصلتنا من تلك الأزمنة الغابرة مجموعة من النصوص التي تؤكد ذلك، كما كشفت الحفريات الآثارية عن مجموعة من الأبنية التي كانت تستخدم لتقديم العروض المسرحية أمام الجمهور ضمن حدود الدولة البابلية تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد. أما فيما بعد هذا التاريخ فإننا لا نمتلك أية دلائل على وجود فن مسرحي بالمفهوم المتعارف عليه عالمياً. إلا أن هذا لا ينفي وجود ظواهر شبه مسرحية مرتبطة بالدين واحتفالات الخصب الموسمية والمناسبات الاجتماعية كالأعراس وغيرها، وهي ظواهر موجودة لدى كل الشعوب دون استثناء. أما المسرح بوصفه حدثاً فنياً يربط بين ممثل ومتفرج عن وعي في زمان ومكان محددين فإننا لم نعرفه كمنتجين له في المنطقة العربية إلاّ مع مارون النقاش ومسرحيته "البخيل" في منتصف القرن التاسع عشر.‏ هناك من الباحثين العرب والأجانب من يعزو غياب المسرح عن الحضارة العربية إلى أسباب دينية أو إلى حياة البداوة وعدم الاستقرار، ولسنا هنا بصدد مناقشة هذه الآراء. لكن الثابت والمؤكد هو أن الحضارتين اليونانية ثم الرومانية خلال تواجدهما في منطقتنا لم تؤثرا في حضارتنا من جانب الفن المسرحي الذي كان متطوراً ومتنوع الأجناس والأشكال لديهما. أما الصروح المعمارية الرومانية التي تتخذ شكل المسرح شبه الدائري والمنتشرة خاصة على طول السواحل العربية المتوسطية، فإنها لم تكن تستخدم لتقديم العروض المسرحية، وإنما لإقامة الاحتفالات السياسية والعسكرية ولعقد الاجتماعات العامة ولتقديم حفلات المصارعة وألعاب السيرك والسحر والاستعراضات المتنوعة بمناسبة الانتصارات العسكرية، وأحياناً كانت تقدم في نهاية هذه الاحتفالات بعض الاسكتشات المسرحية الخفيفة. وبالتالي فإن شعوب منطقتنا لم تتعرف على فن المسرح في طابعه اليوناني أو الروماني. أما بعد بزوغ الحضارة العربية الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي، ورغم ترجمة العرب لكتاب أرسطو "فن الشعر" فإنهم لم يستطيعوا تلمس حقيقة وفحوى هذا الجنس الفني الأدبي الذي تحدث عنه أرسطو بمصطلحي التراجيديا والكوميديا، إذ لم يكن بوسعهم التعرف عليه عبر الممارسة الفعلية لأن فن المسرح كعرض كان آنذاك غائباً كلياً شرقاًَ وغرباً.‏ مع النقاش والقباني وصنوع من الرواد بدأ المسرح العربي تطوره بانطلاقة قوية ومتينة مستندة إلى رؤية ثقافية فنية واضحة لدور المسرح في المجتمع العربي ولتأثيره تنويرياً وأخلاقياً، فتعرفنا على نصوص لهؤلاء الرواد منها المقتبس عن أعمال أجنبية ومنها ما استقى مادته من التراث العربي الأدبي والتاريخي ومنها ما عالج مواضيع من الواقع المعيش مباشرة.‏ وعلى الرغم من قلة هذه النصوص ومحدودية تأثير عروضها ضمن حيز ضيق من الجمهور، إلاّ أنها قد مهدت الطريق خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وخلقت أرضية متماسكة نوعاً ما لنمو التطورات المتنوعة اللاحقة التي ستزدهر بعدئذ في مصر خاصة، بسبب هجرة المسرحيين من بيروت ودمشق بسبب الظروف السياسية والدينية الصعبة إلى القاهرة، حيث كان الجو السياسي الاجتماعي والفني أكثر انفتاحاً وتقبلاً للجديد الوافد، فتطور المسرح الغنائي والكوميدي الشعبي متمثلاً بالشيخ سلامة حجازي وسيد درويش وعلي الكسار إلى جانب المسرح التراجيدي والاجتماعي المقتبس والمعرب متمثلاً بجورج أبيض ويوسف وهبه وغيرهم. وتلاحقت هذه التطورات باطراد متزامنة مع تطور الفن السينمائي، فكثرت دور العرض المسرحي وتأسس المعهد المتوسط ثم العالي للتمثيل وازدهر التأليف المسرحي بمختلف أجناسه متساوقاً مع التطورات الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية بحيث يمكننا القول بأن الحركة المسرحية قد تجذرت في أرض الواقع المصري، على الأقل في القاهرة وأخذ تأثيرها ينتشر إلى بقية البلدان العربية. والجدير بالذكر هنا هو أن المسرح المصري قد حسم منذ نشأته إشكالية الفصحى والعامية في تأليف النص، معتبراً إياه جزءاً من مكونات العرض المسرحي، وأن لغة الشخصية يجب أن تعبر عن انتمائها الاجتماعي وتكوينها النفسي ومستواها الفكري قبل أن تُقيّم من المنظور الأدبي التقليدي للغة. ونتيجة لانتشار اللهجة المصرية وسهولة فهمها في جميع أنحاء الوطن العربي عن طريق السينما والإذاعة تم قبول اللهجة المصرية في المسرح أيضاً دون كبير نقاش حول موقعها في إطار فكرة القومية العربية. وهذا ما سنعود إليه بالنسبة للمسرح في سورية لاحقاً.‏ بعد أبي خليل القباني ظهر في سورية وحتى ما بعد الاستقلال بسنوات قليلة بعض الأسماء التي ساهمت في حركة التأليف للمسرح، ومن أهمها عبد الوهاب أبو السعود وخليل هنداوي ومراد السباعي، وبالعربية الفصحى طبعاً. لكن أعمال هؤلاء التي لم تقدم على المسرح سوى بضع مرات من قبل المدارس أو الأندية الاجتماعية والفنية لم تترك بصمة واضحة على مسيرة الحركة المسرحية في سورية. أما على صعيد الممارسة المسرحية الفعلية فقد تشكلت خلال هذه الفترة مجموعة من الفرق المسرحية التي تعتمد على الهواة من عشاق المسرح الذين سرعان ما تحولوا إلى الاحتراف مثل (فرقة حسن حمدان) في حلب و(فرقة محمد علي عبده) في دمشق، وذلك ما بين الحربين العالميتين. ثم جاءت (فرقة عبد اللطيف فتحي) و(فرقة اتحاد الفنانين) و(فرقة العهد الجديد) و(فرقة المسرح الحر) وكلها في دمشق. كانت معظم أعمال هذه الفرق مقتبسة عن أعمال فرنسية وإيطالية وتركية وباللهجة المحلية الحلبية والدمشقية. وعند الاقتباس عن المسرح المصري كان ممثلونا السوريون يتحدثون باللهجة المصرية، بل حتى باللهجة السودانية عند تشخيص دور (كشكش بيك). وقد كان عبد اللطيف فتحي وسعد الدين بقدونس أول من أدخل اللهجة الشامية حتى على الاقتباسات من المسرح المصري. والأماكن التي كانت تقدم عليها هذه الفرق عروضها كانت مزيجاً من صالة السينما والمسرح في الوقت نفسه، كما هو حال معظم الفرق الخاصة في دمشق اليوم، ولهذا كانت التجهيزات التقنية والديكورية فقيرة جداً. أما فن التمثيل فقد كان يحتذي النموذج المصري، إما في مبالغات يوسف وهبه التراجيدية المهيبة أو في واقعية نجيب الريحاني المحببة وغيرهما من أعمدة فن التمثيل المصري.‏ إن التوجهات الفنية الفكرية لهذه الفرق المحترفة كانت تتراوح ما بين تقديم الموعظة الأخلاقية المرتبطة غالباً بمفاهيم الشرف والشهامة والاستقامة وبين الكوميديا الاجتماعية الخفيفة التي تعتمد بشكل أساسي على عناصر الفارْس التهريجي بهدف تحقيق المتعة الآنية والترفيه المباشر. ونتيجة لإشكاليات الإنتاج الصعبة وضعف المردود المادي كانت حياة هذه الفرق قصيرة لا تتجاوز السنوات المعدودة، وسرعان ما كان أفرادها يتركون هذه الفرقة لينضموا إلى فرقة أخرى ما زالت أفضل حالاً من سابقتها. واللافت للنظر هو أن عدداً كبيراً من هؤلاء الفنانين كان يعمل في التمثيل الإذاعي، مثل ممتاز الركابي وحكمت محسن وأنور البابا ويعقوب أبو غزالة وغيرهم. وما يلفت النظر أيضاً هو أن النصوص المسرحية التي قدمتها كل هذه الفرق لم تطبع ولم يتم تداولها، وبالتالي لم تحفظ في أي أرشيف يسهّل على الباحث العودة إليها ودراستها، والسبب هو كتابتها بالعامية. أما تلك المؤلفة بالفصحى والتي لم يكن لها تأثير فعلي على الحركة المسرحية وتطورها، فما زالت موجودة، يحتفى بإعادة طباعتها ولكأنها هي فقط ما يمثل تاريخ المسرح السوري.‏ على ضوء ما سبق عرضه نقول بأن المسرح السوري بإمكاناته الفقيرة وتوجهاته المتواضعة إلى جانب انعدام الخبرات الفنية والإطلاع على ما يجري على الساحة المسرحية عالمياً لم يتمكن من تأسيس أرضية اجتماعية يكسب من خلالها جمهوراً يطالب به ويدافع عنه كحاجة ثقافية فنية ضرورية. كما لم يظهر من بين هؤلاء الفنانين العاشقين للمسرح رجل مسرح حقيقي يحمل هماً ثقافياً فنياً ومتسلحاً بالخبرة والوعي الضروريين للنهوض بهذه الحركة إلى مشارف الفن الفاعل والأصيل.‏ بعد كل هذه الإرهاصات المتنوعة والمشتتة وأسوة بفرقة المسرح القومي في مصر تنادى فنانو المسرح في سورية أواخر عام 1959 إلى تأسيس فرقة قومية في دمشق تكون تابعة لوزارة الثقافة والإرشاد القومي وبتمويل منها، وذلك بهدف وضع الأسس الفنية والعلمية والتنظيمية لحركة مسرحية جادة وذات سيرورة.‏ وقد لبى هذه الدعوة عدد كبير من أعضاء الفرق المحترفة آنذاك بالإضافة إلى مجموعة من الهواة من طلبة جامعة دمشق، وفي العام التالي قدمت فرقة المسرح القومي عرضها الأول، وهو "براكساغورا" لأريستوفانس، باقتباس توفيق الحكيم وبإخراج رفيق الصبان العائد حديثاً من فرنسا بعد دراسته للقانون وإطلاعه الموسع على أجواء العمل المسرحي هناك، وبعد فترة بسيطة انضم إلى هذه الفرقة المخرج هاني صنوبر وهو من خريجي الولايات المتحدة وشريف خزندار من خريجي فرنسا إلى جانب أسعد فضة وعلي عقلة عرسان وخضر الشعار ومحمد الطيب من خريحي مصر وحسين إدلبي ويوسف حرب من خريجي النمسا ثم تتالت دفعات دارسي الإخراج في الدول الاشتراكية. وقد كان لهؤلاء جميعاً إلى هذا الحد أو ذاك دور بالغ الأهمية في ترسيخ المفاهيم الفنية العلمية في العمل المسرحي من حيث التعامل مع تفسير النصوص الدرامية إخراجياً ومع فن التمثيل والديكور والإضاءة والموسيقى بالتعاون طبعاً مع مجموعة من المختصين في هذه الميادين، وكان الهدف المنشود دائماً هو الوصول إلى نوع من التكامل الفني في العمل المسرحي وتقديم رؤية بصرية سمعية تحمل خصوصية المسرح.‏ ولا يسعنا في هذه العجالة أن نقيّم أهمية أعمال كل ممن ساهموا في نشأة وتطور المسرح القومي على حده، ولكن لا شك بأن نتاجات المرحلة الأولى حتى حرب حزيران كانت في حينها ذات نكهة خاصة وأهمية استثنائية، نظراً لجدتها وجديتها ورصانتها الفنية على صعيد المسرح السوري، وكذلك لتنوع توجهاتها الفكرية وخبراتها التأليفية. فالواضح هو أن رواد المسرح القومي مثل الصبان وصنوبر وقلعي وعرسان وفضة كانوا يبغون تعريف الجمهور السوري في دمشق على تيارات وأشكال المسرح في العالم، ومن هنا كانت غالبية النصوص أجنبية مترجمة بعربية رصينة إلى جانب قلة من الأعمال العربية بالفصحى.‏ في البداية كانت فرقة المسرح القومي تعرض أعمالها في إحدى صالات السينما أو في المسرح العسكري، إلى أن دشن مسرح القباني ومن بعده تم تحويل سينما الحمراء إلى مسرح الحمراء، وهما حنئذ صالتا العرض الوحيدتان التابعتان لوزارة الثقافة واللتان كانتا تعانيان من نقص هائل في التجهيزات التقنية.‏ إثر حرب حزيران التي هزت المجتمع العربي على كافة الصعد وخلخلت الكثير من المفاهيم والقيم تعرض المسرح إلى ما يشبه الزلزال الذي ضعضع أركانه. وكانت النتيجة أن انكمش المسرح القومي على نفسه بقصد إعادة النظر في برنامجه وتوجهاته، في حين ظهرت على الساحة مجموعة من الأسماء والتيارات والمؤسسات المسرحية الجديدة ذات المفاهيم المغايرة لكل ما سبق والتي تريد للمسرح أن يلعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية والثقافية والتأسيس لوعي جديد بفاعلية الفن وضرورة تسييسه في إطار الحركة الاجتماعية العامة.‏ وفي عام 1969 دعا مجموعة من الكتاب والفنانين المسرحيين عبر نقابة الفنانين السوريين إلى إقامة مهرجان مسرحي عربي يكون بوتقة لتبادل الخبرات والتجارب المسرحية ولتبادل وجهات النظر حول حاضر ومستقبل المسرح العربي ودوره الفني الثقافي الاجتماعي. فكان أن انعقد المهرجان الأول في شهر نيسان من العام نفسه. وخلال الندوات الفكرية التي أقيمت على هامش الدورات الثلاث الأولى والتي نشرت أبحاثها ومداولاتها في مجلة المعرفة السورية احتدم النقاش بين المسرحيين والمثقفين العرب حول الدور السياسي للمسرح، وعما إذا وجب اعتبار المسرح منبراً سياسياً لما لأدواته الأدبية والفنية من تأثير مباشر ينبع من حميمية اللقاء الآني بين العرض وجمهوره. وهنا تحديداً كان لمسرحية سعد الله ونوس "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" دور المحرض على هذا السياق في التفكير. واللافت للنظر أن هذه المسرحية قد عرضت أولاً في بيروت ومن ثم 1970 في دمشق، من قبل فرقة خاصة، وليس من قبل المسرح القومي. وحتى عام 1975 ساد المسرحَ العربي مسرحُ التسييس الذي لبت طروحاته حاجات ملحة لدى المثقفين والفنانين والجمهور، بحيث انصبت مواضيع النصوص والعروض على القضية السياسية، ولكن على حساب الطموحات الفنية التي تشكل أحد جانبي جوهر العمل المسرحي. وفي تلك المرحلة ظهرت حركة المسرح العمالي وحركة المسرح الجامعي عبر أعمالهما ومهرجاناتهما السنوية كعاملين بالغي الأهمية في تشكيل صورة المسرح السوري وكادا أن يغطيا على عروض المسرح القومي الذي لم يتمكن من الخروج من أزمته في تعامله مع جمهور الظروف الاجتماعية والسياسية الجديدة لمرحلة ما بعد حرب حزيران، فتراجع تأثيره الفني والاجتماعي أمام الطروحات الجريئة ذات الأهمية الراهنة التي قادها شباب المسرح الجامعي والمسرح العمالي كتاباً ومخرجين وممثلين.‏ خلال هذا الزخم المسرحي تجلت الحاجة الماسة إلى ضرورة وجود صالات عرض جيدة التجهيز تقنياً وإلى ضرورة تجذير الثقافة والفن المسرحيين في صلب الممارسة، فبدأ العمل بمشروع مجمع المسرح القومي في ساحة الأمويين والذي يضم ثلاثة مسارح؛ ومن ثم في عام 1976 تم تأسيس مجلة "الحياة المسرحية" و"المعهد العالي للفنون المسرحية" كمرفقين أساسيين لتطوير العمل المسرحي علمياً وفنياً.‏ خلال المرحلة نفسها ظهرت كذلك على المستوى العربي الدعوة إلى تأصيل المسرح العربي والبحث عن هوية مميزة له؛ لكن معظم توجهات ممثلي هذه الدعوة انصبت على ضرورة الاتكاء على التراث العربي القديم أدبياً وتاريخياً ومعمارياً، مما أدى إلى تشتت الجهود المسرحية في معظم البلاد العربية التي تمتلك حركة مسرحية نشطة مثل سورية ولبنان والعراق ومصر وتونس والمغرب. لكن واقع الممارسة المسرحية أظهر مدى تخبط هذه الدعوة وأن الماضي لا يمكن ولا يجوز أن يكون بديلاً عن معاناة الحاضر الذي نعيشه. وكما أنهت نتائج حرب تشرين التحريرية المد السياسي في المسرح وحولت الاهتمام بالسياسة الخارجية نحو قضايا الواقع الداخلي، فإنها قلصت إلى حد كبير من تأثير الدعوة التراثية إلى تأصيل المسرح العربي، فقد أثبتت النصوص المؤلفة والمقتبسة والمعدة إخراجياً أن المضامين التي تعالج قضايا المواطن العربي في واقعه هي التي تمنح المسرح العربي هويته التي تميزه عن المسارح الأخرى وأن الأشكال الفنية ملك للجميع وليست خاصة بشعب من الشعوب دون غيره، كما هو الحال على صعيد الرواية والقصة والقصيدة والفيلم. ومن هنا جاءت أعمال المسرح التجريبي في دمشق بين 1976 و 1980 بإشراف سعد الله ونوس وإخراج فواز الساجر محاولة جادة للبحث عن السبل الأمثل لتحقيق التواصل والتأثير المتبادل بين المرسل والمتلقي في المسرح عن طريق طرح ومعالجة مجموعة من القضايا الحياتية التي تلامس المواطن السوري في واقعه الراهن. وفي الوقت نفسه تتالت أعمال تخرج طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية مؤكدة على الضرورة الحتمية للتأهيل الفني العلمي للممثل قبل أن ينخرط في ميدان الاحتراف ويواجه الجمهور العريض ناقلاً إليه رسالة العرض الفكرية والفنية بصورة مقنعة ومؤثرة.‏ منذ مطلع الثمانينات تضافرت مجموعة من العوامل والظروف التي أدت إلى تراجع تدريجي للحركة المسرحية في سورية ومصر بشكل خاص. وقد انعكس هذا التراجع على صعيد التأليف المسرحي كماً ونوعاً، وكذلك على صعيد المستوى الفني للعروض المسرحية. وأول هذه العوامل في رأيي هو الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المواطن ذو الدخل المحدود تجاه معدلات الغلاء المتسارعة الصعود، ومن بين هؤلاء طبعاً ممثلو وفنيو المسرح وكتابه ومخرجوه. وثاني هذه العوامل هو هَبّة الإنتاج التلفزيوني الخاص وتوسعها في سورية بشكل لافت للنظر في ظروف إنتاجية خاضعة لقوانين العرض والطلب وسوق التصدير إلى السعودية ودول الخليج. في ظل هذه الظروف وتحت إغراء الأجور المرتفعة نسبياً للعمل في الدراما التلفزيونية مع تحقيق الشهرة والانتشار السريع توجه جميع الممثلين والممثلات في سورية دون استثناء نحو التلفزيون مخلفين وراءهم خشبات المسارح القليلة فارغة، إلاّ من بعض المحاولات المتواضعة والهزيلة.‏ إن ممثلي وممثلات المسارح الرسمية لدينا هنم موظفون يتقاضون رواتب ثابتة كأي موظف آخر، سواء عملوا أم لا. وعددهم في المسرح القومي في دمشق فقط يتجاوز المئة وخمسين ممثلاً وممثلة. ولكن أين هم في عروضه المسرحية؟ وليس هناك من يحملهم ذنب غيابهم عن المسرح والتفاتهم إلى التلفزيون. فالممثل والمخرج والمؤلف والتقني لم يعد قادراً على أن يعيل نفسه من راتبه. كما أن الأنظمة المالية التي تخضع لها وزارة الثقافة لا تسمح لها بتحويل دخل شباك التذاكر لكادر العمل المسرحي كمحفز ولو بسيط لإقناع الممثل وغيره بتكريس فنه للمسرح. وإذا قارنا بين دخل المؤلف من مسرحيته أو روايته أو مجموعة قصصه مع دخله من مسلسل تلفزيوني لفهمنا سبب التفات عدد كبير من مؤلفينا للكتابة للتلفزيون. أضف إلى ذلك أن قسماً كبيراً من الجمهور المسرحي نفسه قد انفض عن المسرح، أولاً لأن ما يقدمه المسرح حالياً غير مقنع فكرياً ولا يلبي تطلعات المشاهد جمالياً، وثانية لأن متابعة التلفزيون أقل كلفة وأكثر راحة وتنويعاً، خاصة مع انتشار المحطات الفضائية.‏ منذ سنوات ليست بعيدة توقف نشاط المسرح الجامعي، وكذلك نشاط المسرح العمالي سواء في العاصمة أم في المحافظات، وما يقدمه المسرح القومي حالياً ليس أكثر من رفع العتب.‏ لا شك بأن هناك الكثير من الأسباب الأخرى التي أوصلت المسرح إلى ما هو عليه حالياً وهي تحتاج إلى مناقشات مستفيضة كي يتم التوصل إلى تلك الحلول التي قد تساعد على انتشال المسرح من كبوته، كما لا بد من اتخاذ الكثير من الإجراءات الجريئة والسريعة، وخاصة على الصعيد المالي.‏ ومع ذلك فإن العرض المسرحي إن لم يكن حدثاً ثقافياً وفنياً متميزاً وممتعاً، ومغايراً في الوقت نفسه لأسلوب الدراما التلفزيونية فإنه لن يحقق استقطاب الجمهور حوله.‏ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د.نبيل الحفار مواليد دمشق عام 1945. يعمل أميناً لتحرير مجلة(الحياة المسرحية) التي تصدر عن وزارة الثقافة. عضو جمعية الترجمة. مؤلفاته: 1-الأم-ب بريشن- ترجمة. 2-"توراندوت" ب بريشن- ترجمة. 3-"رجل برجل" ب بريشن- ترجمة. 4-"جان داراك" ب بريشن- ترجمة. 5-"موكينبوت" بيتر فايس- ترجمة. 6-دراسات ومقالات نقدية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د.نبيل الحفار : aru@net.sy

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق