إذا ما تتبعنا استعارة " بناء الجسور " وحاولنا تقصي تضميناتها ، فسنجد أنها تشير إلى ظهور إمكانية الاتصال بين منطقتين لم يكن الاتصال بينهما ممكنا من قبل على نفس النحو من السهولة ، ولكن بقدر ما تخلق الجسور سهولة الاتصال بين نقاط بعينها فإنها أيضا تصعب الاتصال بين نقاط أخرى إن لم نقل أنها تمنعه.
- الخطاب والظاهرة : التأسيس النظري لظاهرة المسرح . إن المعرفة البشرية هي النتاج الأكثر سموا للعلاقة بين الخطاب والظاهرة ، وبالتالي يمكننا إعادة تحليل تاريخها بوصفه مجرد تقلب بطيء بين تلك المراحل الثلاثة ، بمعنى أن الطموح المعرفي للإنسان يكاد ينحصر طوال الوقت في محاولة مستمرة لإثقال الخطاب وإكسابه تلك الصلابة التي تجعله ينزلق نحو قلب الظاهرة . عبر المقالين السابقين حاولنا تلمس مدى الضخامة المدهشة التي تميز الانتشار الكمي لظاهرة المسرح المصري ، كما حاولنا تحليل فعالية هذه الظاهرة على نحو يكشف عنها بوصفها ماكينة عملاقة تعيد تقليب التربة الاجتماعية والجمالية على نحو مستمر لا يهدأ . إلا أن هذه النتائج عند مقارنتها بمدى الوعي المنخفض بالظاهرة المسرحية تثير سؤالا نظريا هاما ، فإذا كانت الظاهرة بهذا الحجم وهذه الفعالية فلماذا لم تستطع أن تشق لنفسها طريقا لتحقيق الوعي بذاتها ؟ والإجابة على هذا السؤال لابد أن تمر عبر تحليل العلاقة بين الظاهرة والخطاب ، باعتبار أن الخطاب يمثل الرافعة الرئيسية أو الميدان الأساسي لبروز الوعي بالظاهرة ، إذا أن حضور أي ظاهرة يتشكل عبر شبكة علاقات التداخل و التعاضد والاختلاف بين تبديات الظاهرة في الواقع وذلك الخطاب المصاحب الذي يتخذ من تلك التبديات موضوعا لفاعليته . وبالرغم من أن الخطاب قد يبدو في إطار هذه الثنائية وكأنه الطرف الأكثر خفة مقابل الحضور الباهظ الثقل لتبديات الظاهرة في الواقع ، وهو ما قد يدفع بعض التحليلات لتجاهل الدور الخاص للخطاب باعتباره شفافا تجاه الظاهرة ، أو باعتباره مجرد مكمل لحضورها وبالتالي فهو لا يتمتع بأي قيمة أساسية، إلا أن هذا التغافل يفضي بنا عادة إلى التواطؤ مع لعبة الكشف والإخفاء التي يمارسها الخطاب على تبديات الظاهرة . إذ أنه بالرغم من أن عمليات إنتاج وإعادة إنتاج الظاهرة تسير طبقا لسياقات واقعية ( مادية تماما ) مفرطة في تطلبها لذاتها على نحو لا يتيح لنا أي تقارب منها أو تعامل معها إلا طبقا لشرطها الخاص ، إلا أن " الخطاب" يمارس ما يشبه عمليات النحر والتعرية على الظاهرة ، فهو لا يستطيع أن يؤسس لبداية اشتغاله عليها إلا عبر التقاط يعض تبدياتها الأكثر بساطة وتكرارا وظهورا ، وهو ما يقوم به عبر حالة من الخفة النزقة التي تفتقر لإمكان التمييز بين ما هو طارئ وما هو أساسي في الظاهرة ، خفة تقوم أحيانا على الانصياع لما هو اعتباطي من علاقات وأحداث بقدر ما تحتفي أحيانا بمحض ترابطات لغوية تشوبها العرضية و تهيمن عليها استعارات و انحرافات و إنزلاقات التوزيع اللفظي ،إلا أنه عبر تكثف وقائع تداول الخطاب تبدأ تلك الخفة في التواري بعض الشيء خلف عمليات تأسيس الترابطات المعرفية بين مجموعات معينة من تبديات الظاهرة ، ولأن الخطاب يمتاز بقابليته للتداول المعرفي ( مقابل انحصار الظاهرة في واقعيتها وانكفائها على مسارها الذاتي ) فإن شبكة التمثيلات التي يقدمها تقوم ببناء ما يشبه الجسور التي تعبر فوقها تبديات الظاهرة لتصبح حاضرة على المستوى المعرفي . وإذا ما تتبعنا استعارة " بناء الجسور " وحاولنا تقصي تضميناتها ، فسنجد أنها تشير إلى ظهور إمكانية الاتصال بين منطقتين لم يكن الاتصال بينهما ممكنا من قبل على نفس النحو من السهولة ، ولكن بقدر ما تخلق الجسور سهولة الاتصال بين نقاط بعينها فإنها أيضا تصعب الاتصال بين نقاط أخرى إن لم نقل أنها تمنعه ، ولا تختلف طريقة عمل شبكة التمثيلات الخطابية كثيرا عن طريقة عمل الجسور ، بمعنى أنها تلقي الضوء على مجموعة مصطفاة من تبديات الظاهرة على نحو يسمح لها بالانفتاح على تمثيلات الظواهر الأخرى ، ولكنها في نفس الوقت تقوم بإقصاء وإخفاء وحجب المجموعات الأخرى المهملة من التبديات ، وهو ما يجعل كل فعل خطابي يقوم بتأثير مزدوج ، فهو من ناحية يعمل على استحضار وإظهار مناطق معينة في الظاهرة ويتيح لها الانكشاف في علاقتها بالظواهر الأخرى ، كما أنه من ناحية أخرى يقصى ويحجب مناطق بعينها في الظاهرة ويقف حاجزا أمام تفاعلها المعرفي مع الظواهر الأخرى . والنتيجة النهائية التي تقدمها لنا ثنائية الخطاب الظاهرة لا تعطينا طرفا يعكس حضور طرفا آخر ، بمعنى أن الخطاب لا يعكس الظاهرة على نحو مباشر أو شفاف بحيث يتم تمثيل كل نقطة في الظاهرة بنقطة لها مقابلة في الخطاب ، بل أن ما يحدث هو أن الخطاب يعمل دائما على تشويه الظاهرة في نفس الوقت الذي يقدمها فيه . وينبغي أن نلاحظ هنا أن ثمة قانون هام للغاية يحكم علاقة الخطاب / الظاهرة ، ويحدد المراحل التي تمر بها ، وهذا القانون يمكن اشتقاقه بالكامل من ثنائية الخفة والثقل ، أو طبقا لدرجات التباين أو التوافق بين ثقل الظاهرة ( بوصفه خاصيتها الأساسية ) وخفة الخطاب ( باعتبارها السمة التي يبدأ بها وجوده وتمنحه القدرة على الحركة التي تمثل بداية نشاطه ) . ولنحاول هنا وصف هذه المراحل حتى نستطيع استخدامها في تحليل علاقة الظاهرة المسرحية بخطابها . و المرحلة الأولى تنبثق عبر تلك اللحظة التي تستهل حضور الخطاب المصاحب لظاهرة ما ، وهنا سيمكننا أن نلمس مدى التباعد بينهما ، وهو تباعد ناشئ عن التباين الكبير بين تلك الخفة النزقة لخطاب أولي يكاد الآن فقط أن يلتقي بظاهرته ولا يطمح سوى في لفت النظر إلى حضورها ، وبين تلك الظاهرة الثقيلة الحضور والمكتفية بذاتها والعصية على الإمساك والقبض والتناول . أما المرحلة الثانية فتظهر مع تكثيف حركة الخطاب وتكرار حضوره ، وتوسيع ميدان نشاطه ، وهي الحالة التي تتوقف على غزارة إعادة إنتاج الخطاب ، وهو ما يتطلب ظهور آليات أو جاهزيات ( dispositif ) تكفل استقرار وتنمية عملية إنتاج وإعادة إنتاج الخطاب ، ومع نضج هذه المرحلة سيميل الخطاب أكثر فأكثر إلى الانتشار عبر حدود الحقل الذي تتحرك فيه الظاهرة ، بحيث سيسعى الخطاب دوما إلى محاولة التكافؤ مع المساحة التي يغطيها حضور الظاهرة ، ولكنه سيظل محافظا على خفته التي تجعله قادرا على الاندفاع وتسريع حركته باستمرار فيما ستحجب عنه القدرة على تمييز ما إذا كانت هذه الاندفاعات تؤدي به إلى الاقتراب من الظاهرة أم إلى الابتعاد عنها ، إلا أن تراكم هذه الحركة سيفضي في النهاية إلى بداية تأطير الظاهرة ، أي إلى رصد تلك المناطق التي تكف عندها الظاهرة عن الحضور والتأثير . أما المرحلة الثالثة والتي تظهر مع نضج آليات أو جاهزيات إنتاج الخطاب فهي تبدأ من حالة خفوت اندفاع الخطاب إلى الخارج ، ومحاولته إعادة توجيه حركته وطاقته تجاه ذاته ، أي إلى تلك المناطق والمساحات التي تم تأطير الظاهرة داخلها ، وعبر هذه المرحلة سيجرى إعادة بناء العلاقات والترابطات بين نقاط حضور الخطاب ونقاط حضور الظاهرة ، وهنا يبدأ الخطاب في التخلي بعض الشيء عن خفته ، ويكتسب بعض الثقل ، وهكذا فكلما تزايد هذا الثقل اندفع الخطاب أكثر تجاه الظاهرة وأصبح يقدم نفسه بوصفه جزءا منها ، إن لم نقل أنه سيقدم نفسه بوصفه بديلا ومكافئا لها . إن المعرفة البشرية هي النتاج الأكثر سموا للعلاقة بين الخطاب والظاهرة ، وبالتالي يمكننا إعادة تحليل تاريخها بوصفه مجرد تقلب بطيء بين تلك المراحل الثلاثة ، بمعنى أن الطموح المعرفي للإنسان يكاد ينحصر طوال الوقت في محاولة مستمرة لإثقال الخطاب وإكسابه تلك الصلابة التي تجعله ينزلق نحو قلب الظاهرة . وبعد هذا التحليل النظري المطول بعض الشيء ، ربما سنجد أنفسنا في وضع يسمح لنا بتناول طبيعة العلاقة التي تجمع بين الظاهرة المسرحية المصرية وخطابها المصاحب ، بحيث نستطيع تفهم كيف يمكن لظاهرة على هذا القدر من الضخامة والانتشار أن تخفق في تحقيق وعي مناسب بذاتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق