حواره يزدحم بكل ألوان الثورة والتحدي ضد كل ألوان الظلم والقهر والفقر ... هل هذا كله نتيجة تعلمه القراءة .. هل دفعتة القراءة إلي التفكير والتفكير دفعة إلي مناقشة أوضاع هذا المجتمع الذي يعيش فيه والذي عاني منة كثيرا مرة حين قبض علية بدون أي ذنب مجرد اشتباه أن في عربتة أشياء مسروقة ومرة ثانية حين طرد من عشتة هو وكل أفراد أسرتة حتى يقام مكانها عمارة جديدة يملكها أحد أثرياء هذا المجتمع !
[caption id="attachment_1255" align="alignleft" width="150"]هذه الرواية الممتعة الفريدة التي صدرت عام 2005 و التي أبدعها الروائي القدير " نعيم صبري " هذه الرواية تستحق أن تقرأ أكثر من مرة ... نجد شيئا جديدا .و روبابكيا تعنى هدوم قديمة باللغة الإيطالية و هذا المعنى يمكن أن يمتد و يشمل الأفكار و الآراء القديمة .. و لعل نعيم صبري و هو يختار لروايته بطلا جديدا .. هو حافظ بتاع الروبابيكيا كان يعنى أيضا المعنى الثاني ...يعنى أفكاروبيكيا .. و اسم البطل يعنى الكثير من المعاني .. اسم حافظ . و أنا لا أذكر _ بقدر علمي _ أنى قرأت لروائي مصري عملا اتخذ له بطلا هذا البائع المتجول يقود عربته و حماره و يردد هذا النداء "بكيا " .. " بكيا "اختصارا لكلمة روبابيكيا و لكنى أعجبت باللهجة الرواية التي قرأتها في جلسة واحدة..و لعلى كنت أول من قراها .. إذا كنت في القاهرة و ذهبت مع الصديق مبدع الرواية " نعيم صبري " أول نسخة ... و أعجبت بهذه الاناقه في الإخراج .. و بهذا الغلاف الذي أبدع لوصفه الفنان القدير " رءوف عياد " هذه اللوحة الجميلة المعبرة اصدق تعبير عن حافظ بعربية و حمارة . و لقد حدثني نعيم صبري في جلسة حميمة عن عشقة للماضي .. و لكل ما هو قديم ..و ينطبق عليه هذا المثل الشعبي "من فات قديمة تاه " و لعله في هذه الرواية يلمح على هؤلاء الذين يتخلصون من الأشياء القديمة .. التي كانت ذات يوم _ جديدة و نافعة _ ( لورنس)
[caption id="attachment_1252" align="alignleft" width="204"]
غلاف رواية حافظ بتاع الروبابيكيا[/caption]
و اذكر هنا صديقي الفنان الفرنسي _ عاشق أم كلثوم _ الذي كان يحرص عند زيارة للقاهرة أن يتجول في الأحياء الشعبية و معه كاميرا يلتقط بها كل ما يشير إلي الماضي .... مثل سلالم قديمة لمدخل بيت قديم .... و كان أثناء إقامة في القاهرة يختار فندق " الحسين " بالقرب من قهوة الفيشاوي مما يؤكد هذا الولع باقتناء الأشياء القديمة و هذا التعلق بكل قديم ... و الصلة الحميمة بالماضي . و في بداية روايتة يسجل الراوي هذه الظاهرة متسائلا لا أدرى ماذا حدث للبلد ؟ بتوع الروبابكيا زادوا بشكل غريب هذه الأيام .. هل هي تجارة رابحة ؟ لماذا يا ترى يبيع الناس ؟ للحاجة أم ترفا و تجديدا ؟ ولكني أرى أن سبب التخلص من أشياء قديمة هو انه فت أوان الاستفادة بها ..كما أنها أصبحت تزحم المكان و لعل صاحبته هذه الأشياء القديمة تهدف من بيعها أن تشترى بثمنها أشياء جديدة نافعة ... ربما ! و يقول نعيم صبري يحدد مكان روايتة . " تسمع نداءات بتوع الروبابكيا تتردد في شوارع مصر الجديدة طوال النهار .. قليل منهم بعربية و حمارة كأيام زمان ... و الكثيرون أصبحوا مودرن يسرحون بالتريسكل " أين يسكن حافظ ؟ يصف لنا الراوي طريق العودة من مصر الجديدة و شوارعها و ميادينها .. إلي عشة حافظ مع أفراد اسرتة ، " تركت عربة الحمار " و تزعلت في الصحراء بينما يتباعد أزيز الطائرات الهابط في المطار دو شه كريهة .. لكن ما باليد حيلة " في هذه ألعشه يسكن حافظ و زوجته صفية و إبنهما الصغير يوسف .. كم يسكن معهم صابر _ الحمار _ و ضلمة _ القطه السوداء _ و سعدية _ ألمعزه _ و سينضم لهم فيما بعد زبادي _الكلب الأبيض _ كما سينضم إليهم طفلة جديدة هي خيرية . و يقدم لنا الراوي الصديق الوحيد لحافظ هو "نديم " . نديم صاحب كشك السجاير و حلويات و كازوزة بأحد شوارع مصر الجديدة الجانبية .. يمر حافظ عليه أثناء النهار في الرايحة و الجايه ، نشأت بينهم مودة طيبه . ثم يقدم لنا هذه اللوحة لزوجة حافظ .." صفية " و هي نموذج رائع للزوجة و الآم و العاملة . تركت حافظ و صابر ( الحمار ) نائمين فهما ينامان معا و يستيقظان معا ... حملت يوسف على أكتافها و دفعت عربة الخضار أمامها. لتبدأ نهارها ... توجهت إلي عم مرزوق الخضري فملت منة احتياجها و توجهت إلي حيث اعتادت أن تقف منادية على بضاعتها ... ياللى زى اللوز يا كوسة حمرا يا طماطم . ثم يقدم لنا الراوي هذا المشهد الاموى الجميل و يصف لنا مدى رعاية صفية لابنها ... " أخرجت فرشة يوسف من باطن العربة و فرشتها إلي جوارها على الرصيف ، أفرجت له لعبه : غطيان كازوزة و نوى مشمش ... بالإضافة إلى علبة الورنيش الفارغة ....تضع كل هذا في كار تونة جزم مستورده وجدتها بالشارع إلي جوار كوم زبالة لكنها كانت نظيفة ...." و نلمس في هذه المشاهد .. و في كل مشاهد الرواية حرص نعيم صبري على ذكر التفاصيل ... فهو واقعي في روايتة و كأنه يريد أن يقدم فيلما تسجيليا لحياة حافظ بتاع الروبابكيا ... و أحيانا يلجأ إلي ما يشبة الرسوم المتحركة .. و ذلك أن الحمار و الحيوان ينطقان و يتبادلان الحوار مع حافظ و يخاطبه حماره صابر . ترى كم من الحكايات كان يمكن أن تستمع إليها لو أن كل الأشياء التي تحتويها الروبابكيا تحدثت .. مثل ساعة الحائط التي استمع حافظ إلي حكايتها بعد أن اشتراها . و كان يحلم بالحصول عليها وضع الساعة برفق داخل العربة ، قال لصابر (و الحمار في هذه الرواية يستمع و يتحدث فهو حمار ناطق ): - ربنا جبر بخاطرنا يا صابر .. استفتحنا بهدية . و يدور هذا الحوار بين حافظ و صفية حول ساعة الحائط . تعرفي يا صفية ..سأحتفظ بساعة الحائط لن أبيعها . - لا تبعها يا حافظ ..الإنسان لازم يفرح يا حافظ ..العيشة لا تساوى بلا فرحة . - حقيقي يا صفية .. الفرحة أهم من الفلوس . - فائدة الفلوس إنها تجيب الفرحة ماذا قالت ساعة الحائط لحافظ و قد فوجئ و هي تقول له : - أنا لست جمادا أنا ساعة حائط عمري أكثر من مائة عام ..يعنى أكبر من أبيك .. ولدت ببلاد بعيدة على يد أسطى محترم .. تجولت في بيوت عديدة و بلدان مختلفة متى انتهيت إلي احد قصور الريف عشت طويلا بالقصر حتى كبر الأولاد وتزوجوا وتركوا القصر ...... بعدها مات الأب ولحقتة زوجته ..... فرغ القصر علينا وبقية العفش .. " ثم تقرر ساعة الحائط هذه الحقيقة الإجتماعيه ! " الأولاد لا يحبون الريف .. باعوا الأثاث لتأجر بحي العطارين في الإسكندرية .. ثم باعوا الأرض والقصر ... إشترانى صاحبي الأخير منه ...... ماتت زوجته فأنشغل للمعيشة مع ابنة وزوجته التي باعتني لك بعد وفاته .... " أليست هذه الاعترافات من ساعة الحائط نموذجا طيبا لحكايات كثيرة تحملها هذه الأشياء الروبابكيا ... ؟ ثم هناك ما جرى لحافظ مع الأستاذ شفيق زبون من الزبائن ....... بعد وفاه زوجته قرر الأستاذ شفيق أن يتزوج مرة أخرى . طلب من حافظ أن يحمل كل ما يتعلق بزوجته الراملة وكان من بين الأشياء التي حملها حافظ صور والدي الزوجة الراحلة وأقاربها ... وكذلك أجندة تحوي مذكراتها وحساباتها وهي من الأسكندريه وسجلتها بالغة الفرنسية .. ولكن بفضل هالة التي تمر علي نديم ( صديق حافظ ) لشراء بعض ما تحتاجه تمكن حافظ من معرفة ما تحوية هذه الأجندة .... وأن هذه المذكرات والحسابات يعود تريخها إلي عام 1930 ... وعندما يعود حافظ إلي عشتة يتساءل : " تري كيف كانت الشوارع سنة 1930 طبعا لم تكن مزدحمة مثل هذه الأيام " .. وحافظ إنسان طموح ذات مرة فكر وهو يري الكتب القديمة _ الروبابكيا _ بين يديه وهو يجهل طلاسمها فكر أن يتعلم القراءة ... ذات صباح ذهب إلي صديقة نديم وقال له : * قصدتك اليوم في خدمة * تفضل .. خير ؟ * أريدك أن تعلمني القراءة والكتابة * بسيطة ... فكرة ممتازة .. القراءة والكتابة ستنير لك الطريق .. سأحضر لك كراسة وقلم رصاص أستيكه وبرأيه .. مر عليا بكرة * ربنا يخليك ليا يا سي نديم وذات يوم بعد مدة من تعلم القراءة وجد بين الكتب بعض الكتب الملونة والمكتوبة بخط واضح .... قراء المكتوب علي الغلاف: قصص للأطفال وقال مبتسما : " أنا الآن طفل في التعليم سأقراء هذه الكتب ثم احكيها ليوسف وبعدة خيرية " وأحيانا يفكر حافظ في قضايا اجتماعية يصعب أن يجد لها حلا " ذات مرة سأل نديم بعد أن أنهيا معا قراءة صفحة الحوادث في الجريدة اليومية - هل السرقة دائما حرام يا سي نديم ؟ - طبعا يا حفظ سرح قليلا ثم سأله - وماذا يفعل الجوعان وخالي الشغل ؟ ! تحير نديم لبرهة ! - يبحث عن أي عمل مهما كان ..... أي عمل شريف - وإذا لم يجد ؟ - يتحمله أهله حتى يوفق في عمل - وإذا كان مقطوع من شجرة ؟ أغتاظ نديم فإجابة بضيق - يروح يموت ..... " حوار يزدحم بكل ألوان الثورة والتحدي ضد كل ألوان الظلم والقهر والفقر ... هل هذا كله نتيجة تعلمه القراءة .. هل دفعتة القراءة إلي التفكير والتفكير دفعة إلي مناقشة أوضاع هذا المجتمع الذي يعيش فيه والذي عاني منة كثيرا مرة حين قبض علية بدون أي ذنب مجرد اشتباه أن في عربتة أشياء مسروقة ومرة ثانية حين طرد من عشتة هو وكل أفراد أسرتة حتى يقام مكانها عمارة جديدة يملكها أحد أثرياء هذا المجتمع ! و مرة ثالثة عندما اصطدمت عربتة بالمترو و كانت النتيجة أن حمل حافظ إلي المستشفى .. حيث قضى عدة أيام و لكن انتهى هذا الحادث بموت صابر ( رفيق الطريق ) ... و حزن حافظ حزنا شديدا و لم يتمكن من السيطرة على دموعة ..و تذكر يوم أن قال له هذا الحمار الحكيم بعد أن اغضب حافظ زوجتة صفية بان تزوج من فتاه صغيرة ..مضطرا .. وكان أن ذهبت صفية لأهلها مدة طالت .. قال له بصوته الخافت . - قم واذهب لصفية يا عم حافظ .. هاتها هي و العيال .... قم يا عم حافظ لا تتأخر .. و عادت صفية و العيال إلي العشة أخيرا و تذكر أيضا صوت حمارة الصديق بعد خروجة من السجن : - هون عليك يا عم حافظ ..البلاوى كثيرة و الحمد لله جاءت سليمة .... فقد حافظ صديقة و رفيق طريقة صابر .. حماره الحكيم و لقد وفق نعيم صبري في هذا الاسم لاننى أرى أن الحمار هو المعبر اصدق تعبير عن قيمة الصبر ... ولكن أين يذهب حافظ بعد أن طرد من بيتة – عشته – و هنا نجد نموذجا لابن البلد الكريم الشهم الذي هو خير صديق وقت الضيق و هو عم مرزوق الخضري الذي قال لصفية : أنا عندي غرفتان فوق سطوح البيت الذي اسكنه في روض الفرج .. قريبا من سوق الخضار و اضطر حافظ أن يقبل هذا الجميل و انتقلت العائلة إلي روض الفرج . و يعلق حافظ على الجد .. جد العمل .. في روض الفرج : - الناس هنا في روض الفرج و شبرا أحوالهم عجيبة .. أحيانا يتصور أن ليس عندهم روبابكيا و ترد علية صفية .. - القديم عزيز على القلب الناس تحتفظ به ولا تفرط فيه إلا للضرورة ألم تحتفظ أنت بساعة الحائط ؟ ثم تقول له صفية و كان حافظ قد تمكن من شراء ترو سيكل : - خلاص معاك التروسيكل .. تقدر تسرح في مصر الجديدة أو مدينة نصر .." - و بعد هذه الرحلة الخاطفة في دنيا هذه الرواية الغنية كل الغنى باجداتها وجوانبها و مآسيها .. و الغنية أيضا بمختلف المشاعر و الأحاسيس و الانفعالات الإنسانية أقرر أنى لم أقدم إلا الشئ القليل من هذا الرواية المتعددة بموضوعها ومضمونها .. أراد بها نعيم صبري أن يقدم لنا هذا المواطن المصري الذي يعيش على هامش هذا المجتمع المصري .. بتاع الروبابكيا .. الذي لم ينتبه لوجوده الروائيون المصريون ..... حتى الآن .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق