الثلاثاء، 28 أبريل 2009

المتزوجة العاشقة - زياد صيدم

بدت مشرقة الوجه بنضارة تتفتق من وجنتيها وشفتيها، وبشعرها المنسدل إلى أسفل أكتافها دون كوابح تلجمه، وبقوام ممشوق تناسقت فيه أنوثتها بملابس صيفية خفيفة..

تعود سكان مدينته البعيدة عن شاطئ البحر، أن ينطلقوا كل صيف إلى المناطق الساحلية، وفي هذا الصيف قرر سعيد الذهاب إلى حيث اعتاد صديقه قضاء إجازة الصيف، بعد أن أقنعه بسحر وجمال المكان، وصل سعيد إلى البنسيون المحدد في المصيف بعد أن أفلت شمس الغروب, كان واحدا من المصطافين الذين يقصدون الشواطئ، حيث يتخلصون من إحباط وروتين العمل، ويتخففون من الهموم والجراح والأفكار التي وسوست بهم على مدار العام.. في الصباح، استيقظ على صوت يدق عليه باب غرفته، كان صوت الشغالة تدعوه برقة و حنان للنزول إلى القاعة للفطور.. عندما انتهى من قضاء خصوصياته لبس ملابسه التي تناسب حياة المصايف في شهر أغسطس الحار, ونزل عبر سلم داخلي يربط الطابقين الوحيدين إلى القاعة المتواضعة ولكنها كانت قد رُتبت بذوق ظهرت بألوانها المتناسقة والأنيقة، اختار طاولة صغيرة تتسع لاثنين، وما أن جلس حتى جاءته فتاة يافعة، تحمل صينية بها فنجان من الكابوتشينو، وقطعة جاتو، وعصير برتقال، وبيض مقلي أضيف إليه شرائح من المارتاديلا، وفى صحن آخر كان المربى والزبد .. شعر براحة غامرة، فقد تذكر كلام صديقه عن المكان وخدمته الراقية، ووفرة وكرم أصحابه مع زبائنهم الدائمين في كل عام ، نظر بعينيه متفحصا القاعة والحضور، مر على معظم الوجوه الجالسة، فلم يتأخر أحد، فقد كانت القاعة ممتلئة بالنزلاء، جال ببصره متفحصا كل أركان القاعة، فلفتت نظره فتاة كانت قد اختارت مثله طاولة صغيرة ..كانت هي بلحمها وشحمها، فقد لمحها أمس لحظة وصوله إلى صالة البنسيون، فابتسم لها ملقيا تحيته فردت عليه التحية بابتسامة خجولة ...

ما بين البحر ورمال الشاطئ ، وما بين عصائر مثلجة وساندويتشات خفيفة، مر الوقت سريعا، وقاربت الشمس على المغيب، فبدأ في لملمة حاجياته للعودة للاستراحة واخذ حماما من المياه العذبة، وما إن وصل حتى بادرته صاحبة البنسيون بإعلامه عن موعد العشاء، وعن مفاجأة للنزلاء الجدد ؟.. تجمعت أسرة البنسيون في الميعاد المحدد، كان في الهواء الطلق في مكان تم إعداده بعناية فائقة، فالكل يحاول تقديم أجمل ما عنده لراحة الزبائن الدائمين لكسبهم في كل عام، وهذا ما يحدث فعلا، فمعظم النزلاء قد تعودوا على القدوم كل ، ومعظمهم يعرفون بعضهم البعض جيدا..على أنغام الموسيقا المتنوعة، ما بين الرومانسية الهادئة والصاخبة، وانبعاث روائح الشواء الشهية التي تسيل اللعاب في المكان، استعدادا لحفلة العشاء الرئيسية المعتادة، والجوع يضرب أمعاء الجميع، لم تخفيه فرحة الوجوه حول مواقد الشواء الذي تنوع ما بين اللحم والأسماك والدجاج، فالجميع أنهكتهم السباحة والجلوس تحت أشعة الشمس اللافحة، والهواء والأكل الخفيف الذي لم يكن يستقيم مع جهد يوم حافل … جلس سعيد في ركن بعيد بعض الشيء فهو ما زال غريبا عن الجميع، واختلس نظرات متفحصة يستكشف الحاضرين، يبحث عن رفيقة تشاطره الجلوس، لكنه سرعان ما شعر بارتياح يملأ قلبه!، عندما لحظها جالسة وحيدة، تبدو عليها علامات إحراج وتململ، فأدرك أنها مثله حديثة عهد بالمكان… تبادلا النظرات و التحية .. لم يمر وقت طويل، حتى أعلنت صاحبة البنسيون جهارا على النزلاء، عن ضيفين جديدين ينضمان إلى المجموعة لهذا العام، وذكرت اسمه واسمها. فهز رأسه يحيى الجميع وكذلك فعلت.. رافقا صاحبة البنسيون التي قدمتهما لمجموعة المصطافين الذين جاءوا من أنحاء مختلفة، ليقضوا إجازاتهم كأسرة واحدة.. صفق الجميع لهما ودعوهما للمشاركة بالرقص على حلبة أعدت لهذا الغرض، وهي أشبه بخشبة مسرح تعلوها أضواء ملونة، تضيء وتتحرك حسب الأنغام الموسيقية، وعلى وقع هذه الأنغام الرائعة والسابحة في أرجاء المكان، الذي تلون بألوان الليزر المختلفة، المنبعثة من السقف كأنها سماء اقتربت بنجومها المتلألئة، تقدما بخطوات مترددة، ولكن سرعان ما تشابكت الأيدي في الرقص معا، بناء على الدعوة الموجهة وكان التصفيق صاخبا ترافقه أصوات الإعجاب والفرح.. بعد انتهاء الوصلة الراقصة، قامت صاحبة البنسيون بدعوتهم للعشاء على نفقتها الخاصة هذه الليلة كتعارف، وهى عادة تتبعها لكل مستجد وتنم عن كرم وحسن ضيافة… جلس سعيد بالقرب من كلاوديا، واستكملا التعارف أكثر، وتبادلا الضحكات وانسجما مع الجميع في ليلة رائعة، كانت سهرة جميلة استمرت حتى ساعات الفجر الأولى، بعدها عاد الجميع إلى مضاجعه منشرحون ومنتشون، ورافق سعيد صديقته حتى باب غرفتها، وافترقا على موعد باللقاء، وابتسامة عذبة على ثغرها الساحر..

في صباح الغد، عندما استيقظ سعيد، هاتف كلاوديا مستفسرا إذا كانت ترغب في شرب القهوة وتناول الفطور بصحبته، فأبدت سعادتها وموافقتها الفورية .. مرت ربع ساعة بالضبط عندما حضرت كلاوديا و على ثغرها ارتسمت ابتسامة عذبة، وبدت مشرقة الوجه بنضارة تتفتق من وجنتيها وشفتيها، وبشعرها المنسدل إلى أسفل أكتافها دون كوابح تلجمه، وبقوام ممشوق تناسقت فيه أنوثتها بملابس صيفية خفيفة.. تناولا القهوة ثم طلبا الفطور، وأشعلا سجائرهما معا، و حدثها بكل صراحة عن وحدته، فهو هارب من قصة أدمت قلبه !، فابتسمت مقتنعة راضية، ونطقت مختصرة حديث لم يكن ميعاده قد حان بعد ! قالت: - أنا أقضى إجازتي وحيدة هنا يا سعيد. ولم تسترسل بالحديث كثيرا ؟!، ثم غيرت الموضوع سريعا وبذكاء واضح تخفى شيئا تريد له الكتمان في هذه اللحظات، هكذا فهم سعيد بذكائه وخبرته، قائلة بأنها مندهشة من اسمه الغريب قهقه - وأين الغرابة تساءل.. نعم أنا غريب عن دياركم أصابتها بلبلة للحظات فسارعت بالقول: - أأنت أجنبي ؟ لم أتخيل هذا فلهجتك وشكلك لا يدلان على ما تقول، فقد اعتقدت أنك من احدي مدننا الجنوبية - لا عليك فانا من منطقة الجنوب في بلادنا ! .. ولا فرق قهقه عاليا وأردف قائلا: -الجنوبان متشابهان عندكم وعندنا في الكثير من النواحي وضحك وضحكت هي أيضا .. سألته عن إقامته حاليا فلما أجابها بدت عليها علامات الارتياح والفرح: - يا للصدفة فانا أقيم على ضواحي مدينتك وأعمل محاسبة في البلدية فشعر براحة غريبة في أعماقه، وهمس: - نحن الآن أصدقاء على الدوام، ولن نكون مثلهم مجرد صداقات موسمية أليس كذلك؟ ابتسمت ابتسامة فيها نوع من الذكاء والحذر !! و - هذا يعتمد عليك يا سعيد حاول أن يستوعب الموقف ولكنه أجل فهمه وتحليله لما بعد…

انقضى النهار سريعا كما الأيام والأوقات الجميلة بالعادة تمضى، وفى المساء قررا الانفصال عن المجموعة والذهاب إلى مكان مجاور للعشاء، استدلا عليه من دليل البنسيون. طلبا أطباق من السمك الطازج الذي يميز المكان، وشربا قليلا من الجعة و النبيذ الأبيض الذي يقدمه المطعم متناسبا مع الأسماك كعادة متبعة.. شعرا بالانتعاش وقد ذابت بينهما الحواجز ورفع التكليف..!! واقتربت الشفاه المرتعشة، تمثل مرآة لكل منهما وحاجة كل واحد للآخر.. وكانت قبلة تعلن بداية لعلاقة حميمة، لم يسمحا للقدر أن يقف حاجزا بين رغبتيهما الجامحة.. ومضت الأيام كلمح البصر، كانت سعادتهما مع بعضهما تتعمق في كل دقيقة وساعة تمر، فلا يفترقان، فنالا إعجاب جميع من يراقبونهم، وينسجون حولهما قصصا وحكايات في غيابهما وفى وجودهما، ما أضفى نوعا من التغيير والمرح على الجميع . شارفت الإجازة على الانتهاء، ولم يبق أمامه سوى ثلاثة أيام، فشعر سعيد كم هو الوقت قاهر مثل غول ينقض فجأة على سعادته، وتمنى لو كان الوقت غولا فعلا لقتله من اجل البقاء مع كلوديا.. صحا من تهويماته على صوتها ترجوه أن يمكث يوما آخر فوافق... فى يوم السفر، ودعته وأعطته عنوان عملها وتليفون مكتبها الخاص ؟، وهمست - سنلتقي بعد أسبوع، بعد انتهاء إجازتي اللعينة ! … - لن يؤخرني عن لقائك إلا…. أطبقت يدها على فمه قائلة : - لا تكمل سنلتقي إن شاء الله.. أحس بدفء يدها وحرارتها التي تعكس وهج قلبها المتدفق بالحب .. رافقته إلى محطة فرعية قريبة، فاحتضنته دون تقبيله على أمل اللقاء به من جديد.. طبع قبلة على جبهتها، وبنظرة اشتياق وألم من كلاهما على لحظات الفراق، تخلص من ذراعها بهدوء بعد أن سلمها رسالة قصيرة، كتب عليها عنوانه ورقم تليفونه، وسطور تمنى فيها رؤيتها ثانية وقريبا.. أوشك القطار على الحركة، وصفارة المراقب بدأت تصرخ بصفير يقترب فترتجف لها طبلة أذنيهما ، تحذرهم فيها لآخر مرة بالصعود وبإغلاق الأبواب… فكانت إشارته التالية بالوداع من خلف زجاج الشباك وهى ما تزال هناك واقفة حتى اختفى القطا ر عن الأنظار……

انتظم سعيد بعمله، بحيوية ونشاط غير معهودين، وعيناه فيهما بريق على غير عادته، انه إحساس فريد من نوعه يكتسح مشاعره، فتفيض على حركاته ونظراته وتصرفاته مع زملائه وغير هم بشيء من الارتقاء والتسامي، إنها سعادة في أعماق قلبه الذي عاد ليخفق، فتنعكس على مجمل حياته بعد أن اكتست بحلتها من جديد..! لم ينقض الأسبوع بعد، حتى دق تليفون منزله، من المتحدث ؟.. أجابت: أنا كلاوديا لقد وصلت الآن محطة القطارات المركزية ! كيف أستطيع الوصول إليك ؟ فاخبرها برقم الحافلة الثاني عشر التي ستستقلها، ومطعم البيتزا الذي ستنزل أمامه حيث سيكون في انتظارها.. في طريقه إلى المكان المحدد، تذكر بأنه باق لها خمسة أيام على انتهاء إجازتها هناك، حيث البحر والهواء والراحة والاستجمام فحك رأسه مبتسما.. ولكنه لا يريد أن يستبق الأحداث، وما هي إلا دقائق حتى نزلت كلاوديا من الحافلة، وكانت المفاجأة ؟، فهي ما تزال تحمل بيدها حقيبتها الكبيرة، وهذا يعنى أنها لم تذهب لبيتها وجاءت مباشرة إليه…! وما أن اقتربت منه حتى ارتمت بين ذراعيه هامسة: - لم أعد أحتمل البقاء دونك، حيث صغر البحر على كبره، وضاق بى الكون على اتساعه، و اختنقت أنفاسي بدونك، وبدا الناس هناك كالأشباح في نظري، ولم يعد للحياة طعم في غيابك.. لقد جئت لأمكث معك بقية إجازتي فهل تسمح لي ! فأجابها تسبقه لهفته واشتياقه - هذا أجمل كلام أسمعه في حياتي وسكت منطق الكلام واصطحبها منطلقا إلى شقته ..وهناك سُمعت أصوات الموسيقا الرومانسية التي استمرت تنثر أنغامها حتى ساعات الفجر !. في اليوم الخامس والأخير والذي حسبته بدقة متناهية ؟؟ سألته بصراحة إن كان قد فهم شيئا عن وضعها الخاص، فأجابها: - فكرت في كثير من كلماتك الغامضة أحيانا، ومن الممكن أن أكون قد فهمت بأنك… قطعت عليه الكلام نعم فأنا متزوجة، ولكنى لا أحب زوجي، فقد كان زواجي منه نتيجة لأوضاع مركبة يطول شرحها.. - توقعت ذلك من دلالات كلماتك وإجاباتك المتقطعة، وأنك تبحثين عن شيء مفقود بداخلك يا كلاوديا، لكنى لم أكن متيقنا ولكنك أخطأت العنوان !! فانا لا استطيع السير على هذا الطريق وبيننا رجل آخر، يَحُول دون تواصل مشاعري تجاهك، فهذه أنانية مفرطة حد القسوة، بل إنها سادية لن أمارسها على الآخرين، فهو أحق منى بجسدك وحبك الذي بمرور الوقت قد يحن قلبك له يوما ما…؟ فليس من أخلاقي أو مبادئي أو عاداتي في الحياة أن ابني حبا على أنقاض وعذابات الآخرين وتعاستهم، فهل نسيت بأني أنحدر من بلد يعانى أهلة الحرمان، و قهر العالم وسادية المحتلين.. فاني أعتذر لقلبي ومشاعري الصادقة.. ولقلبك أن يتراجع ويُحكم العقل، فمن يحب بصدق لا يتمنى إلا الحب والخير للجميع.. ولتكن أيام سعادتنا القصيرة التي أمضيناها معا ذكرى، نتذكرها دوما فهي لا تمحى من الذاكرة.. فهي هنا مغروسة في ركن عميق في قلوبنا الكبيرة والعامرة بالحب، والبعيدة عن معاني الأنانية والخيانة للآخرين فهم هناك ينتظرون عودتك بشوق ..

أخرجت من حقيبتها وردة حمراء بللتها بدموعها ومضت.. وبقى متسمر في مكانه كالتمثال، تدحرجت على خديه دمعتان، مسحهما قبل أن تسقطا إلى الأرض. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ م. زياد صيدم - فلسطين : zsaidam2005@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق