عندما تساءل أحمد عن مدى قدرته ليكون من اسعد البشر .. كان يبحث عن شيء مختلف، جراء طيف كان يبدو له جميلا ، عاشه بصدق اللحظات حيث تعاقب على مخيلته شهور طويلة .. ولازال يتساءل حينها إذا ما كان باستطاعته أن يجعل منه ذاك الحب الملهم، الذي يتنفس من خلال صباحا ته عطر الياسمين ، ومساءا ته بهمسات من جوري أحمر بشذاه الأخاذ.. لكن على ما يبدو أن الواقع وحيثياته كان اكبر من أحلامه السابحة بين فضاءات تجوب أعماق الأفق ألا منتهى.
الحلقة (1) مرت شهور عليه، وطيفها لا يزال يأتيه زائرا محببا على قلبه، يلازمه في حيرته، كان احمد قد رسمه لها في خياله من خلال كلماتها ،وأشعارها ،وهمسها ، وانفعالها وعنادها وضحكاتها.. كان يسارع إليها بمجرد إضاءتها لشرفتها، فينسكب عليه عطرها وشذاها في ليله ووحدته وينحسر ألمه وتغور كآبته وتنفر سعادته وراحته حتى تستحوذ على كيانه.. في ليلة مقمرة بسماء تزينت بكواكب تتلألأ ضياء ، رأى خيال يسعى إليه من بعيد ، يقترب منه بخطوات واثقة ، وما أن ظهرت صورتها جلية حتى اهتز كيانه .. ورقصت الروح على أنغام خاصة مميزة ، وتفجرت منه ينابيع من حنين وأمنيات.. فها هو الآن يحلق بعيدا في خياله اللام تناهى كمجرة سماوية ، ينشد فيها ما تنشده النجوم في عشقها السرمدي بهمساتها التي لا يعيها سوى قلب متيم عاشق .. لقد كانت هي نفسها طيفه الجميل.. فقد استدل عليها بإحساسه وعمق مشاعره الصادقة نحوها على مر شهور طوال.. في هذه اللحظات توهج ضياء البدر بطلتها البهية ، كان ضياؤه يمنحها رونقاً جذاباً ، وجمالية فائقة الوصف، ارتسم على فمها بابتسامته الساحرة، فبدا كأنه يداعب خصلات شعرها وجدائلها التي مزجتها بقطع من قماش مزركشة ألوانها، تتهدل مع أطراف شعرها ، ويتناغم مع طوق من حرير خمري على رأسها وقد التف يطوق جبهتها .. كان يعكس لونه مع توهج ضياء البدر على وردية شفتيها الجميلتين،ووجهها الأندلسي ذو ملامح البحر المتوسط، فيزيدهما حمرة طبيعية فاتنة ،فتوهجت في أذنه همساتها وأحس بأنفاسها الدافئة وقد اختلطت بهمس كلماتها كشدو البلابل، ليذوب اشتياقا ولهفة لنداء الكروان !.. ترك لنسائمها تعبث بكيانه وتزرع في دواخله أحاسيس تغزل ألحان من الجوى .. من أذنه يقترب صوت خلخالها بقدمها.. فيهيم كثائر عاشق يزداد ولها ، لا يليق إلا بغجرية فاتنة تأسر القلوب وتحطم الحدود كل الحدود .. وتستبيح الجنون كل الجنون..تخطو على الجراح واللامعقول غير مبالية ، وتقترب حد الامتزاج الكامل بروحه وتلابيب قلبه .. فلما أطلت تنحى منها البدر وذاب خجلا فغطى وجهه بغيمة كانت تمر على مقربة منه ، مفسحا لها مكانه وقد اسلم حظه للقدر.. من حولها كانت ثلة من عرائس النجوم تحتفي بقدومها ،وقد ألبستها ثوبها الغجري الذي انساب على قوامها الممشوق بالونه الغجرية الساحرة الزاهية .. وانعكس على ذالك الوجه النحيف مضفيا عليها ماكياج طبيعي، ساحر ألوانه وقد توسطته شفتان ياقوتتان كعنقود داليه قد اختمر على أغصانه فحان ميعاد قطافه..و لم تنسى عرائس النجوم وضع آخر لمسلتها بإلباسها خلخالها على رصغ قدمها .. فأثارت في نفسه أشجان وأمنيات.. فبدت رعشات وخفقات قلبه بضربات هزته كعازف محترف يعزف ألحانه على وقع الوتر.. استعاد وعيه من لحظاته السعيدة جراء طلتها لأول مرة، فكانت أن حملت معها نسائم عطرها فدفعت بها إلى خلجات قلبه المنقبض اشتياقا لها ،لتزيده تألقا وغراما بها على مدار زمن طويل لم يحسبه بعمر الشهور ولن يفعل !.. كانت غجرية في لباسها .. حضرية في تعاملها ووعيها وشاعريتها .. تزيد من جنون أفكاره وتبعث في دواخله رسم اقر جميع مشاهديه بأنه مجبول من جوا وإبهام وجنون .. غاص احمد ما بين حاضره وذكرياته ،وقد انتابته أحاسيس لا تخفى نار ملتهبة اضطرمت في صدره، شعور بالحنق سيطر عليه ! فهي القريبة البعيدة .. إنها الواقع والخيال .. الحاضر بسحره والماضي المعتق بخمر الليالي وإبداعات الخالق.. هذا الشرود الذياكتنفه وأحاط به، كمتأبط تماما بذكراه العذبة التي لا تموت ، فهي عصية على الانقراض أو التلاشي ..لكنه بالتأكيد لن يعترف بحكم الواقع ؟.. انه الإصرار الذي ينبع من عنف رغباته وبحثه عن شيء ما.. اهتدى إليه بعد إحساسه بنقص ما..؟ بالتأكيد كان يوقن بأنها ليست بشهوات رجل لأنثى فهي بعيده عن لغة الأجساد في حالتها هذه ؟؟!! وان توهجت عواطفه كالبرق الخاطف أحيانا، لكنه سرعان ما تتلاشى وتهدأ رغباته.. ليبقيه حيا في أعماقه كشعور دائم ، يحافظ عليه عبر الزمن بلا انقراض أو إهتراء أو ذوبان … لحظات صعبة مرت على قلبه.. يملؤه الشوق وتسرى به أحاسيس عبر أوردة وشرايين جسده، فتهمس كما دوما لحن من جوى يعطر الفؤاد برائحة البنفسج.. اقتربت منه فأمسك بكتفيها ، قبـَّل يدها، لمس خديها،ضمها ، فاضت عيناه بدموع ملتهبة.. وفجأة تراجع للخلف، وقد اعترت تفكيره في هذه اللحظات أفكار وهواجس غريبة، فلو أنه يستطيع تدمير كل صروح الحب التي مر بها، أو التي بناها في قلبه وأفكاره وقصصه .. ومن شفتيه نطق بصعوبة بضع كلمات تدحرجت متلعثمة من بين شفتيه كان يلعن قسوة الأيام وحدة القدر.. فتساءلت أفكارهما المضطربة والمرتجفة ، لماذا يحدث هذا كله طالما المستحيل يقف بالمرصاد لكلاهما وهما لا يريدان تخطى حدود الجنون ؟.. فالخوف قد تلبسهما برداء الحذر والرهبة من المجهول ،الذي رسم ملامحه بقوة ،عبر حدود وهمية وان كانت حقيقية قائمة ؟.. إنه صراع أزلي بين طلاسم الأرواح ورغبات الأجساد وطبيعتها.. إنها قصّة عشق من نوع خاص، من نوع قل وجوده بين ملايين القصص ، ولدت برعمًا ونمَت وترعرعت في ظلّ المستحيل الّذي يباعد بينهما، فهذه الأشواق وصخب الأمنيات تحترق بين الضلوع وأوجاعها .. تنتحر على أبواب موصدة مفاتيحها ملقاة في وادي سحيق.. وبين ألم البعد، ولهفة اللقاء ولو بشكل عابر..أو نتيجة صدفة يتم برمجتها مسبقا عن غير قصد ؟؟، للتحايل على المستحيل وقهره .. فلا بد وللقدر أن يقول رأيه ، فصمته ولامبالاته يمزق شرايين تتجه إلى تغذية شق قلبه النابض بالحب والخير، فهل يتآمر عليه قلبه ليغدو قاحلا فيتآخى مع شقه الآخر قاتم السواد ميت الأحاسيس..! فجأة يغيب القمر خلف غيمة ، وتنفض النجوم غاضبة ؟.. فعاد إليه وعيه، ليجد نفسه من جديد يعيش الواقع .. ولكن ما تزال قبضته ممسكة بوردتين مختلفتين بلونهما الأبيض والأحمر، يتوسل فيها أمنياته ما بين حب الروح وعشقها الأبدي، و بين حب الجسد ورغباته القاهرة.. فتمنى قبل أن يستيقظ من حلمه الجميل لو أنه استطاع منحها وردته البيضاء من الياسمين .. لتبقى في يده وردته الحمراء لتكون هدية أول نجمة متلألئة تقترب من رجولته .. لكنه تنبه في آخر لحظة عن تساؤل لا يزال يبحث عن إجابة شافية في أعماق كيانه الحالم ؟.. فلو يجد إجابة عليه .. لكان حينها من أسعد البشر !!
الحلقة الثانية: عندما تساءل أحمد عن مدى قدرته ليكون من اسعد البشر .. كان يبحث عن شيء مختلف، جراء طيف كان يبدو له جميلا ، عاشه بصدق اللحظات حيث تعاقب على مخيلته شهور طويلة .. ولازال يتساءل حينها إذا ما كان باستطاعته أن يجعل منه ذاك الحب الملهم، الذي يتنفس من خلال صباحا ته عطر الياسمين ، ومساءا ته بهمسات من جوري أحمر بشذاه الأخاذ.. لكن على ما يبدو أن الواقع وحيثياته كان اكبر من أحلامه السابحة بين فضاءات تجوب أعماق الأفق ألا منتهى ..فقد بدأت جوارحه في تشكيل ذاك الطيف بعد طلته الغجرية الساحرة كيفما يشاء قلبه وصدق مشاعره.. التي أفضت عن بوح صريح أرسله عبر الأثير عله يجد جوابا شافيا .. فيتلقى ردها وقد بهت وهجه وخفت بريقه .. لم يكن بمستوى عصف أفكاره وجنونها ولا بحرارة مشاعره وأشواقها .. ليجد نفسه أمام نهاية لقصته ألا منتهية ؟؟.. فاجأه الرد منها حيث أراد طيفه أن يبقى هناك بين النجوم دون أن تبادله أي من مشاعره الصادقة .. شفافية أرادها احمد .. وقد انتظرها بفارغ الصبر بعد أن احتدمت في دواخله صراعات وهواجس .. كان لنداء الكروان فيها النصر المؤزر.. في بستان قلبه الذي يعبق بشذى من جوري احمر اللون .. استحوذ على فكره وجوارحه التي تسللت عبر تراكمات سلبية لطيف تبدلت ملامحه بوتيرة تسارعت ألوانها بعبثية ما تزال موضع استهجانه كلما تذكر تلك اللحظات الأخيرة .. كان أحمد يحتفظ ببستانه يافع الأوراق والجذور.. فانطلق إلى عين الماء يحفر قنوات ري ليروى ارض عطشى .. تبتهل بترانيم مقدسة عن حب متكامل جوانبه !.. ارتبك الموقف ومر بمخيلته كشريط فيلم يسير ببطيء شديد وقد أعياه السير في دهاليز مشاهده المتناثرة في تعب الانتظار.. ليبدأ في ترنح كشارب نبيذ يريد الهروب من قسوة اللحظات ومرارتها .. لأنه لن ينكر على نفسه وجع ألمه لهذا الفراق ولهذه القسوة واللامبالاة منها.. حيث تلقى إجاباتها عن أسئلته المحددة ..التي تبادرت إليه كجبال من ثلج باردة شاحبة .. بصمت لن يدلل على أي شيء في زخم من البوح والشفافية المنسابة منه.. وعندما أطل في عين النبع الصافي المتدفقة مياهها فغاب بدره ولم يعد يرى ذاك الطيف كما السابق.. لقد تلاشى تماما وهنا تأكد من خسوف القمر !.. لكنه سمع رقرقة المياه تنساب في جداول قام بنبشها بأظافره ويديه العاريتين .. لتنساب من جديد تروى ارض من شهور لم تصلها قطرات مياه الحياة الأبدية .. لتتفتح من خلالها أجمل وارق وأعذب ورود عرفها منذ سنوات إدراكه الأولى .. إنها ورود الجورى الأحمر الذي عشقها وما يزال في عشقه لها.. هناك بني قصوره وارفة الظلال .. ومن هناك مجمع جداوله وأنهاره تُسقى فيه الشعور والأحاسيس والجوارح مجتمعة.. فتنعش فؤاده وتشعره بوجوده .. وتجسد فيه طبيعته وفطرته وأفكاره وثقافته .. التفت إلى صديقه الذي استهجن كلامه مكملا : نعم يا صديقي إنها الطبيعة الإنسانية المتأقلمة مع حضارة تأججت نيرانها منذ الأزل .. انه نداء الكروان الذي يقفز ويغرد خارج زمن الغزل العذري في عيون لا بريق لها ؟.. إنها الفطرة لرجل ثائر عاشق عبر سنوات عمره داخل فضاءات تعددت ألوانها وثقافاتها.. والتي جرفت معها كثير من تلك القيم الحالمة العذرية التي فشل في إدراكها لاحقا بتقدم السنين .. أو المزج بها كما تمنى لاحقا.. هنا انبرى صديقه قائلا : قد يكون بلا شك للواقع أحكامه في فرض كثير من الحواجز ونقاط التفتيش .. عبر الطرق المؤدية إلى الوصول بتوافق من المستحيل المضي فيه وإلا لكان درب من دروب المثالية الغير منطقية وألا واقعية .. وهذا ما بحث عنه عقلك وفكرك الثائر المتوهج لحب متكامل يجمع بين شاعرية الروح وغزل الجسد والهام الجوارح !.. هز برأسه قبل أن يمضى الصديق في طريقه خارجا كمن يوافقه الرؤى ... بقى أحمد وحيدا مع نفسه، لينفجر زلزاله في دواخل أعماقه ، تذهب به حد الدهشة التي حتما ستنتهي بقهقهات في لحظات جنون مع الذات وعدم توازن مع الحدث.. ومع رعش جسده الموجع يهمس إلى نفسه: انه طيف مجنون لم يستوعب جنونه هذا الحب من قلب عاشق ثائر طيب شفاف .. في زمن تتراقص فيه الكلمات فتظهر بريقها لامعا ..على حين يكون جوفها اخرق قاتم و الذي لو قدر له الإنعتاق لطغى بقتامته سطح الأرض كلها.. قام بالإسراع بإشعال سيجارته من جديد .. و غرق في تذكر كلماته الأخيرة لها.. حيث كان يعيش بين حضورها اسعد لحظات عمره .. كانت تجتاح أنفاسه فتتلاحق ، وتغمر جسده فينتفض ..تمسح كآبته فتنفرج أساريره..وتظهر ابتسامته وتفتح أفكاره ..حضور تسرب إلى دواخله بأحاسيس صادقة ومعاني اكبر من أن توصف.. أحب فيها الحنان المنتظر.. والقليل من الهمسات الدافئة و المنفلتة من بين طيات كلماتها.. ومع شحها إلا أنها كانت قطرات من ندى الصباح .. كان حبه لها قد منحه مزيد من الإبداع والعطاء..كان ذلك قبل أن يصل إلى الحقيقة التي تبلورت من تراكمات سلبياتها وعبثية تصرفاتها تجاهه باستخفافها بقلب لن تجد شبيها له .. وعدم تفهمها لطبيعته الثائرة العاشقة بحب الورد الجورى إلى جانب إعجابه الكبير بباقي الورود وعبقها.. فلم تفلح شهور طوال من فهم حقيقة ما ينشده منها.. كان احمد اضعف من قطعه بسكويت في فنجان من الشاي الساخن أمام رقة ومشاعر حواء.. لا شك بان أسبابها ستبقى سر من أسراره .. لأنه الوعد الذي قطعه على نفسه وعلى معشوقات قلبه من حبيبة اللحظات إلى حبيبة المستحيل ومن حبيبة الأحلام إلى حبيبة الواقع ومن صدر حنون دافئ إلى آخر تغلفه أوراق التوت المتساقطة في ربيعها! .. انه قلب رجل مختلف تماما عن أي قلب آخر ؟.. فها هو يلوذ بالهروب من خلال الصمت وان تمزق كبده من شدة الألم خوفا وحفاظا على مشاعر أي حبيبة ينهل منها لحظات من سعادة وصدق في مسيرة حياته الممتدة .. ما يزال فيها قلبه الفسيح يحتضن بساتينه الفيحاء بجداولها العذبة الرقراقة وطيورها الغناء.. في ليلة التحفت بردائها المعتاد .. كان فيها يلملم أفكاره المبعثرة ، كان يقضم فيها المسافات بلمح البصر.. بخطوات قرر الإقدام عليها بعد أن فاض به عبث طيف لا يستحق إلا تلك القلوب الزائفة التي تبيع العواطف ببخس الأثمان ..في مزادات جماعية وأسواق الدلالين الشاخصة أبصارها والجاحظة عيونها؟.. وهكذا أُسدل الستار عن قصة حب كانت من جانب واحد .. استمرت أكثر من وقتها .. وأخذت أكثر من حجمها .. ساعده لحسن حظه حصيلته من تراكمات تجاربه الغنية بألوان قزح.. وجغرافيا ممتدة المسافات .. جعلته يتقبل خسوف قمرها وكسوف شمسها..ليأخذها احمد برفق وحنان بين يديه.. ويودعها في غرفة محكمة الإغلاق ..لا يملك مفاتيحها سواه .. في ركن بعيد في شق قلبه النابض بالحياة والأمل حيث تقبع ذكرياته المتنوعة بألوانها ومذاقاتها .. هذا هو قسمه وهذا هو وعده لحبيباته.. لتستقر هناك ضمن أرشيف زاخر بالذكريات الجميلة من ماضي بعيد وقريب على السواء.. ففي تاريخه الغائر في الذكريات قرر بأن يكون إنسان مختلف ..أملا في أن يكفر عن ذنوبه التي أرًقت ماضيه !.. فتهدى منه حاضره ومستقبله ..ثم مضى إلى حيث بستانه.. يرويه بينبوع حنانه المتدفق بعطاء لا ينقطع من حب يعمر قلبه.. لأنه يعنى له الكثير.. فهو أكسير حياته وعطائها.. لا يعيش بدونه ولا يستطيع.. بالجوار بدأ يشعر بملاك يقترب من بستانه.. و قد استحوذ على جوارحه وإلهامه .. بدأ ينفذ إلى تلابيب قلبه.. بعد أفول طيف وبزوغ أمل جديد .. انه ملاك يسمع همسات صوته.. ويرى صورته ويكاد يُمسك بيديه ويداعب شفتيه ..ينشد من خلاله الشباب والمرح والحب ليتناثر في أرجاء المكان.. فيهيم القلب ويختلج الوجدان..فيتعانق الحبيبان.. وتتورد منهما الجوارح كجوري أحمر ألوانه.. لتبدأ قصة أخرى فصولها أعنف وقعا تبشر ببزوغ فجر امرأة مختلفة.. تعانقت أفكارهما ورغباتهما معا .. كانت مزيج من الياسمين والجورى .. خليط من تلاحم شفافية ونقاء الروح مع نداء الكروان الخالد !.. الذي طالما بحث عنه..وها قد أصبح الآن بين يديه وفى قلبه وأعماق جوارحه.. فهل تنجح سناء في شقلبة كيانه من جديد لتطلق العنان لإبداعات متميزة قادمة ؟؟.
الحلقة الثالثة: عندما تزاحمت عليه حبيبات من عرق في ليلة صاخبة أمضاها مع أصدقائه.. اخذ يمسحها عن جبينه وعينيه بسعادة غامرة !..حدث هذا عندما كان في طريقه عائدا إلى بيته.. في تلك الليلة التي ستبشره لاحقا بالمفاجأة السارة التي كانت تنتظره .. في وقت متأخر كعادته، وفى سكون من حوله يعشقه ويهيم في رحابه.. فيقرا ويكتب ما يجول بخاطره، ويناقش ويتفاعل مع كل أركان الأرض الأربعة ، التصق بسميره في ليله الجميل والموحش أحيانا !.. وأخذ يجوب العالم متصفحا ومنقبا، يبحث عن كل جميل ومفيد بنهم غريب، وسعادة تتوحد مع ذاته فيحس بها بكل جوارحه ، كان قد أطفأ شباك غرفته، وأخذ يرقب بزوغ نورها بفارغ الصبر..إنها حوريته القادمة من أعماق الزمن المستحيل .. من أعماق أطناب الألم والحزن !.. من أعماق الجنون وأفكار رحبة من الخيال.. هو يعلم يقينا بأنه أُعجب بها أو بالأدق بأفكارها بداية ، وما تكتبه من سحر الكلمات، التي طغت عليها معاني الحب المجبول بالحزن في معظمها.. كانت وفاء تخفى بداخلها أحد أسرارها الدفينة، التي لفحت حروفها بلهيب من ألم .. كان ينفطر لها قلب أحمد، يحاول بكل ما أوتى من قوة وذكاء أن يخترق حزنها، فكم تمنى أن يفتته كقطعة بسكويت هشة فيذيبها، فتتلاشى عنها ليشعر بسعادتها وفرحها .. لحظات مرت وتألق بصره بنافذتها، التي أضاءت عتمة ليله، فسرعان ما غمرتهما سحر الكلمات وعبق الأفكار وحلاوة النقاشات، فغادرهما الوقت سريعا كعادته.. وفى أعقاب تلك الليلة التي تكاد أن تستودع حلتها السوداء، هبطت عليهما فجأة زائرة محببة على قلوب العاشقين والسهارى ؟.. تلك الليلة التي تبادلا فيها بوحهما الصريح.. كان نزف من لهفة الاشتياق.. مخاض تولد عن جنون فريد من نوعه، اختلطت فيه زهور الياسمين مع الجورى، فامتزجا معا لتعبق من حولهما روائح عطر من الجوى، فتناثرت من حولهما فراشات، ترتشف من رحيق الخيال عذوبته.. كان شهدا يقطر من شفاههما المتعطشة ؟.. فتتنسمهما صباحات مشرقة ، بعد أن داعبت أهدابهما الليالي، فتتهدل رموشهما لتهيم في حلم اللامعقول.. بانتظار يوم آخر، يكون أكثر جمالا وسعادة .. تسارعت الخطى بينهما.. لم يكن أحمد متيقنا بان وفاء تحبه بهذا الشكل، الذي يكاد يلمس حواف المستحيل، ليتحول سريعا إلى ما أشبه بجنون تبادلاه معا.. تنفساه معا.. عاشاه مها.. يستحضران الخيال ليصبح واقعا.. يتمنيان الأمل فيصبح حقيقة.. كان أحمد يخاطب نفسه تلك الليلة: - أليس هذا ما تسعى إليه منذ زمن وعبرت عنه بصريح الكلمات ؟ نعم هو هذا يا صاحبي. - لكن يا احمد ألا تر بان هذا قد يخالف العرف والعادة في مجتمعات لا تزال مغلقة بحكم الثقافة الراسخة في الوجدان والمعتقدات ؟ كيف يا صاحبي ونحن في حلم جميل ليس إلا، وتفصلنا مسافات شاسعة، تحيل اللقاء المادي إلى مستحيل بعينه.! - يقهقه صاحبه .. تقول مستحيل ! كيف ؟ والمسافات قد تلاشت بينكما فانعدمت..؟ ألا تخشى لو حدث وان تقاربت أجسادكما، عندما تتحطم الحواجز بتذكرة سفر على سبيل المثال ؟ يصمت أحمد ويسهب في التفكير للحظات ولا يجيب ؟.. يتمتم بينما يتجه إلى سريره محدثا ذاته: أليس العقل هو من يولد الإبداع، وأن الخيال جزء منه، أليس العقل وقيم الحب والخير والجمال، حبذتها الأديان ودعت إليها عبر التاريخ؟.. أليست تلك القيم من حق كل عاشق ومفكر وإنسان، فالإلهام والإبداع أساسه الخيال، وهو الذي يتحول إلى عطاء ملموس، يسعد البشر على مر العصور، أليس هو الإنسان منذ الخليقة الأولى، يسعى لتجسيد تلك القيم فيبذل الغالي والنفيس في سبيلها ؟.. أليس هو المخلوق الغريب بتكوينه وفلسفة وجوده ؟.. يبتعد من أمام المرآة في غرفة نومه، ويرمى بجسده المثقل بأفكاره تلك التي تواردت عليه، ليصحو في منتصف النهار على صوت الباعة وضجيج المارة والعربات، فلم يفطن بان شباك غرفته بستارته الداكنة كان مفتوحا .. فقد نسى إغلاقها عند قدومه، ولم يفطن لها وهو في رحاب حبيبة جنونه.. وحبيبة المستحيل بعينه.!! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[caption id="attachment_1371" align="alignright" width="50"]م. زياد صيدم : zsaidam2005@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق