السبت، 16 أبريل 2016

سرُّ احتجاب القصبجي

بقلم محمود زيباوي

aupbcmohi@gmail.com

قال القصبجي إنه اليوم "عازف في فرقة أم كلثوم"، فأضاف محاوره "وملحن أيضاً لأم كلثوم"، فردّ وقال: "لا ده كان زمان. "حلم وانتهى، أنا هويت وانتهيت يا أستاذ، خلاص، لم يبقَ مني الا أنامل جرداء، ورأس جرداء، أفكر في عملي اليوم حتى آكل في الغد. قل عني اني بقايا ملحن، بل بقايا شخص، ماذا يهم الإذاعة مني؟".

  تذكرت الأوساط الموسيقية العربية ذكرى مرور 50 عاماً على رحيل الموسيقار محمد القصبجي الذي رحل في 26 آذار/ مارس عام 1966، بعد رحلة طويلة من الأنغام بلغت القمة في الأربعينات. ظلّ صاحب "رق الحبيب" حاضراً في الساحة في الخمسينات، وروى ذكرياته، وتحدّث مراراً عن تجربته، غير أنّ عطاءه تراجع بشكل ملحوظ، ما أثار كثيراً من الأسئلة التي لم تجد لها جواباً إلى يومنا هذا.

رثت الصحافة القصبجي عند رحيله باقتضاب، وكأنها تودّع فناناً فقد بريقه منذ سنوات. في خبر من بضعة اسطر، كتبت مجلّة الشبكة: "مات الفنان الكبير محمد القصبجي الذي بدأ حياته الفنية ملحناً، ثم أحب كوكب الشرق أم كلثوم حباً روحياً خالداً، فهجر التلحين واكتفى بوظيفة عازف عود في فرقتها زهاء ثلاثة وأربعين عاماً. مات واضع لحن أغنية "رق الحبيب" في فراشه بعدما اشتدّت عليه وطأة المرض الذي أصاب عموده الفقري عام 1962". تختصر هذه الكلمات صورة القصبجي عند رحيله في الستينات، وهي الصورة التي كرّسها مسلسل "أم كلثوم" عند عرضه في شهر رمضان سنة 1999. في حديث لمجلة "أهل الفن" يعود إلى نهاية عام 1954، استعاد القصبجي ذكرى لقائه الأول بالمطربة الناشئة، وقال: "في عام 1924 تعرفت بأم كلثوم، وقد عرفتني من دون أن تراني. كانت تغني لي لحنا كان شائعاً وقتذاك هو "قال ليه حلف ما بكلمنيش"، فعرفني بها مدير شركة أوديون. ولحنت لها إحدى عشرة أغنية على نظام التخت القديم. ثم لحنت أول قطعة لها بعد ظهور التخت الجديد، وبدأ اسمي يظهر في دنيا التلحين. لحنت لأم كلثوم وحدها 220 أغنية هي خلاصة دمي وحياتي وشبابي". تعرّف القصبجي إلى أم كلثوم يوم كان في الثانية والعشرين من عمره، وذلك يوم غنت أغنية لحنها للمطربة نعيمة المصرية. وبدأ التعاون بينهما إثر هذا اللقاء، فوضع لها لحن "إن كنت أسامح" الذي "بيع منه مليون أسطوانة، وكان فتحاً في عالم الموسيقى الشرقية"، كما يروي الملحن. وضع القصبجي لأم كلثوم سلسلة من الألحان، وشغل منصب عازف العود في التخت المرافق لها، كما يُستدلّ من خبر نشرته مجلّة "المسرح" في تموز 1926: "اتفقت أم كلثوم نهائيا مع سامي الشوا والعقّاد على أن تشتغل مع تختهما في الموسم الجديد، وأن يتقاضى كل منهما خمسة جنيهات في الليلة، وسيسندها بالعود ملحنها الجديد محمد أفندي القصبجي". رافق القصبجي أم كلثوم على عوده منذ ذلك الحين، ووهبها سلسلة طويلة من أجمل ألحانه، وبلغت هذه الشراكة القمة مع أغنية "رق الحبيب" سنة 1944. بعد أربع سنوات، غنت أم كلثوم من ألحان القصبجي ثلاث أغنيات في فيلمها الأخير "فاطمة"، وختمت بها مشوارها مع القصبجي. واصلت ثومة صعودها، وواصل القصبجي العزف على العود في فرقتها في فترة قلّ فيه نتاجه كملحّن بشكل ملحوظ. في تشرين الثاني من عام 1950، كتب أنور عبد الملك في مجلة "الإذاعة" الصادرة في لبنان: "يلاحظ أن الآنسة أم كلثوم أصبحت لا تغني ألحانا جديدة للأستاذ محمد القصبجي، بل ولم تعد حتى تغني ألحانه القديمة. وإذا علمنا أن القصبجي هو أول من أخذت أم كلثوم عليه الغناء وأول من تغنت بألحانه من الملحنين، بل وأول من هيّأ لها سبيل المجد. إذ علمنا هذا كله تبيّن لنا مدى تنكر أم كلثوم للقصبجي الذي أفنى زهرة شبابه في خدمتها وذاق معها مرّ الحياة قبل حلوها. وأننا لنعجب كيف تجحد أم كلثوم بفضل القصبجي وهو الذي لقيت كل نجاح في ألحانه. فهل يليق يا صاحبة العصمة أن تأخذي الرجل لحما وترمينه عظما؟". في أيار 1955، كتبت مجلة "أهل الفن": "يتساءل كثيرون عن الأسباب التي أدت إلى حرماننا من فن القصبجي. لماذا لا تطلبه الإذاعة ليلحن لها أغنيات جديدة؟ ولماذا لا تعهد إليه مطربة الشرق السيدة أم كلثوم بتلحين أغنية جديدة لها؟ وهناك رأي يقول إن القصبجي لا يريد أن يكرر نفسه في لحن جديد ولذلك آثر الاعتكاف، فهل هذا صحيح؟" بعد أربعة أشهر، عادت المجلة ووجهت سؤالها إلى الإذاعة وأم كلثوم: "أين القصبجي؟". وقالت: "اختفى القصبجي. اختفت ألحانه فجأة بلا مقدمات. أين ذهب القصبجي؟ إننا لم نقابله ولم نره أبداً إلا على المسرح خلف أم كلثوم، كل أول شهر. كنا نسمع أغنيات من ألحانه، وفجأة تاه القصبجي في زحام الألحان. ولم يعد سوى عازف عود، يجلس في صمت وراء أم كلثوم". وهمست في أذن أم كلثوم: "أنت تستطيعين بإنسانيتك الرقيقة أن تعطي القصبجي فرصة ليلحن لك. ولا نعتقد أن الأستاذ رياض السنباطي يمانع أبداً". في خريف 1958، حضر القصبجي إلى دمشق مرافقاً فرقة أم كلثوم. واستضاف الإذاعي خلدون المالح يومها أحمد الحفناوي ومحمد عبده صالح، بينما تجنّب القصبجي الحديث، غير أنه باح ما كتمه طويلاً إلى الصحافي عدنان مراد الذي نشر حواره الإستثنائي معه في مجلة "الشبكة" في 17 تشرين الثاني. قال القصبجي إنه اليوم "عازف في فرقة أم كلثوم"، فأضاف محاوره "وملحن لأم كلثوم"، فردّ وقال: "لا ده كان زمان. "حلم وانتهى، أنا هويت وانتهيت يا أستاذ، خلاص، لم يبقَ مني الا أنامل جرداء، ورأس جرداء، أفكر في عملي اليوم حتى آكل في الغد. قل عني اني بقايا ملحن، بل بقايا شخص، ماذا يهم الإذاعة مني؟". أضاف: "أنا عملت ما بوسعي وخرجت بأم كلثوم في أكثر من عشرة ألحان قدمتها لها، من الشرقية الضيقة ألى الشرقية المتطورة، ولكن أم كلثوم أهانتني، وعندما تهينني أم كلثوم فهذا يعني أحد أمرين، إما أني فاشل، وهذا رأيها، أو أنها رجعية في لونها وألحانها وغنائها، وهذا رأيي". واصل القصبجي الكلام، وقال لمحاوره: "إني لا أستطيع أن أتحدث عن أم كلثوم كعازف في فرقتها. أنا أحد بناة أم كلثوم. هل تريد أن أقول لك إن محمد القصبجي صاحب الأمجاد الطويلة هو مجرد عازف على العود الآن في فرقة أم كلثوم؟ هل تريد أن أقول له إن أم كلثوم لم تهضم مدرستي وقذفتني إلى الصف الخلفي، مع الآلاتية؟ أنا انتهيت. لم أعد ألحن. سني لم يعد يساعدني بل وأكاد أحس أن أصابعي فقدت مرونتها. إن أم كلثوم تزورني كلما عن على بالها. وتطلب مني أن أفرّد كلما عنّ على بالها أيضاً. وأنا عبد في طاعة مولاته. هكذا تحتم علي لقمة العيش". هكذا أمضى القصبجي السنوات الباقية من عمره "عبدا في طاعة مولاته"، وبقي السؤال الذي احتار أهل الاختصاص في الإجابة عنه. هلّ جفّ عطاء القصبجي في منتصف الأربعينات ممّا دفع أم كلثوم إلى رفض الألحان التي قدّمها لها؟ أم أنّها ساهمت في نضوبه حين توقّفت عن الغناء من ألحانه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق