الخميس، 18 يناير 2018

قناة السويس .. جغرافيا تحمل تاريخ كفاح أمة - بقلم: محيي الدين إبراهيم

في عام 1906 كانت مسألة سيادة مصر لقناة السويس (1) مسألة حياة أو موت، مسألة كاشفة لكل الوطنيين والثوار في مصر.

لم تكن حادثة دنشواي عام 1906 هي الحادث الأهم كما يروج البعض، وإنما تأمين السيطرة الكاملة على قناة السويس وضم كامل شبه جزيرة سيناء للسيادة المصرية للحفاظ على مصرية ضفتي القناة من الأطماع التركية آنذاك كان هو الحادث الأكثر خطورة.

حادثة دنشواي – في تقديري - تم استخدامها للتخلص من الخصوم السياسيين الذين اختلفوا فيما بينهم حول مسألة شرق جزيرة سيناء وهو الجزء الواقع شرق خط حدود رسمته تركيا يصل ما بين مديرية السويس ومدينة العريش، والذي تعتبره ( تركيا العثمانية ) خاضعاً لها وتحت سيادة الدولة العثمانية وكان على رأس هؤلاء المؤمنين بخضوع الجزء الشرقي لسيناء للسيادة التركية مصطفي كامل ومحمد فريد وإبراهيم الهلباوي بدعم من تركيا ونظام الخليفة العثماني معارضين وبشدة المنادين بمصريتها وعلى رأسهم الخديوي عباس حلمي. 

المدهش أن الخديوي عباس حلمي الثاني في هذه المسألة تحديداً كان أكثر وطنية من الزعيم مصطفى كامل الذي أحبه وتبناه وذهب به لفرنسا كي يكمل تعليمه العالي وأسس معه بل وترأس الحزب الوطني منذ أن كان جمعية سرية وطنية ضد الانجليز عكس ما يذكره بعض المؤرخون في أن مصطفى كامل كان هو رئيس الحزب الوطني، لكن وبسبب الخلاف الذي دار حول ( سيادة مصر على سيناء ) الذي وصل لدرجة تجهيز جيش مصري ضد الدولة العثمانية غضب عباس حلمي من موقف مصطفى كامل ومنع عنه مصاريف البعثة التعليمية وكذلك منع مقالاته بالكامل في جريدة المؤيد.

لقد كان عباس حلمي ضد تركيا واحتلال الإنجليز وهو ما دفع ثمنه غالياً بتخليه قهراً عن العرش بل وطرده من مصر على يد الإنجليز نهائياً بعد الحرب العالمية الأولى وموقفه من جلاء الإنجليز عن مصر وهو الأمر الذي جعل المصريين يضعونه في مكانة خاصة حتى أنهم ظلوا يرددون حتى وفاته في 19 /12 / 1944 ( الله حي عباس جاي ) ليغيظوا به الانجليز، فماهية مسألة قناة السويس وشرق جزيرة سيناء ؟

بعد تولي عباس حلمي مقاليد الحكم في مصر، أرادت تركيا إخراج جزيرة سيناء من فرمان التولية وهو الفرمان الذي حصل عليه محمد علي باشا بعد انتصاره على تركيا في 2 ربيع الآخر سنة 1257 هجرية بتصديق من انجلترا والنمسا وروسيا وبروسيا وكانت فحواه على لسان الخليفة العثماني لمحمد علي باشا: ( أبقي في عهدتكم – بطريق الامتياز – إدارة مصر المحدودة بحدودها القديمة المعينة بالخريطة المختومة بختم الصدارة )، ويقول أحمد شفيق باشا في مذكراته أن الخريطة تحدد حدود مصر الشرقية من العريش شمالاً في خط مستقيم حتى مدينة السويس ويبقى شرق هذا الخط أراضي ولاية الحجاز وسورية مع عدم قبول تعيين الحدود في أرض تم تركها لمصر مع إمكانية استرداد تركيا لها.

باختصار رفض عباس حلمي ذلك الأمر وأعتبره انتقاص من قدر مصر خاصة فيما تعلق بمسألة الجيش المصري وأنه مجرد قوة معدودة من القوة العمومية العثمانية بل وشعب مصر مجرد شعب تابع للرعوية العثمانية.

برفض عباس حلمي أرسلت له تركيا رسالة مفادها : ( يجب العلم أن من حق الدولة العلية إرسال عساكرها لغاية جبهة السويس )، وهنا قرر عباس حلمي بدعم من إنجلترا إرسال البارجة العسكرية ( ديانا ) إلى جزيرة فرعون بالقرب من مدينة طابا واحتلالها وإرسال عساكر لمدينة العقبة وقرية المرشوش ( المعروفة حالياً بأم الرشراش ) ليفرض أمر واقع في حدود مصر الشرقية بقوة السلاح وحماية الملاحة في قناة السويس من أي تدخل عسكري تركي من جهة الشرق وهنا جن جنون مصطفى كامل الذي أعتبر ذلك ( مروقاً ) على دولة الخلافة وظل يكتب في جريدة ( المؤيد ) مقالات يثير فيها الشعب ضد عباس حلمي ويؤكد على أهمية تبعية مصر لتركيا وأن مسألة ترسيم الحدود الشرقية لا تعني سوى فرض الحماية الإنجليزية على مصر التي هي في الأصل ولاية عثمانية ولابد أن تظل ولاية عثمانية حيث أعلن تأييده لحقوق تركيا على سيناء ، حتى بعد أنْ انتهتْ الأزمة - حسبما ورد في مقال قصير للباحث المصري طلعت رضوان - لقد كتب مصطفى كامل فى افتتاحية جريدة اللواء (22/4/1906) أنّ ((مصر لا ولاية لها على سيناء ، وأنّ الفرامانات التي تـُعطى لمصر سلطة إدارة سيناء إجراءات مؤقتة لا تؤثر فى الحق العثماني الأصيل)) وفى عدد 8 مايو1906 كتب مقالا آخر قال فيه إنّ ((حادث طابا يجب أنْ يُنظر إليه على أنه خلاف بين دولة مُحتلة بالاغتصاب هى بريطانيا ، ودولة هى صاحبة السيادة على مصر هى تركيا)). وأنا أرى من خلال بحثي أن ذلك قد أغضب كثيراً من الثوار والوطنيين المعاصرين وقتذاك لمصطفى كامل وعلى رأسهم كما سبق وأسلفنا الخديوي عباس حلمي فمنعه من الكتابة في جريدة المؤيد وأصر على موقفه من ترسيم الحدود حتى ولو أدى ذلك للحرب مع تركيا.

بإيجاز شديد انتهت المسألة بانسحاب الأتراك من طابا في مايو سنة 1906، وتأليف لجنة مصرية تركية لتسوية مسألة الحدود على قاعدة معاهدة لندن سنة 1840 وتلغراف 8 أبريل سنة 1892 المرسل إلى الخديوي عباس الثاني والذي خول مصر إدارة شبه جزيرة طور سيناء، وانتهت اللجنة من عملها في 1 أكتوبر سنة 1906، إذ تم الاتفاق على الحدود الشرقية على أن تكون خطا ممتداً من رفح على البحر الأبيض المتوسط إلى نقطة واقعة غربي العقبة بثلاثة أميال، وبقيت طابا ضمن أملاك مصر والعقبة من أملاك تركيا وتم تأمين قناة السويس من الأطماع التركية واستعادة كامل السيادة على جزيرة سيناء.

(1) ملحوظة:
بدأت فكرة إنشاء قناة السويس عام 1798 مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر، حيث فكر نابليون في شق القناة إلا أن تلك الخطوة لم تكلل بالنجاح، وفي عام 1854 استطاع فرديناند دي ليسبس إقناع محمد سعيد باشا بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة فرديناند دي ليسبس امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عام. وقد استغرق بناء القناة 10 سنوات (1859 – 1869) وساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، مات منهم أكثر من 120 ألف أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة. وتم افتتاح القناة عام 1869 في حفل مهيب وبميزانية ضخمة

حفل افتتاح قناة السويس - بورسعيد 16 نوفمبر 1869

 

صوره نادره لحفر قناه السويس 1880 محفوظه بمقر الشركه بباريس

مراسم إفتتاح قناه السويس - مصر سنه ١٨٦٩ م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق