لعنة الصحراء العربية سوف تقضي على الجميع لا محالة مهما كانت قيمة النصر أو عمق الهزيمة أو ربما نبل الهدف لكل أطراف النزاع على السواء لاشتراكهم في العبث بقدسيتها.
( اللعنة ) تدور الحرب القذرة الان داخل ما يسمى بالصحراء المقدسة ولا أدعي اني باحثاً تاريخيا ولكن علاقتي بالتاريخ أشبه ما تكون بعلاقة أي كائن حي بالهواء والماء ان امتنع عنهما مات، وعليه فأنت حينما تبحر في بحار التاريخ كثيرا ما تنتابك الدهشة والحيرة من تكرار أحداثه ولكن بوجوه مختلفة وبشر مختلفون، وكذلك ينتابك الفضول والتساؤل امام كثير من ألغازة التي لم يستطع احدا للآن ان يفك طلاسمها ورموزها لنفهمها ونطمئن لإدراكها ولكن حتى الان بقيت الالغاز كما هي ألغازا وكذلك الفضول بقي على حاله من الفضول فضولاً، ومن ضمن هذه الالغاز المحيرة جدا في التاريخ الإنساني والذي لم يستطع احد فك رمز واحد من طلاسمها لغز الصحراء الملعونة كما كان يسميها المصريون القدماء واهل العالم القديم أو كما احاول ان اطلق عليها الان لعنة الصحراء المقدسة ان جاز لي هذا الاطلاق المبدئي ليقيني بعدم شرعية أو جواز تعبير العالم القديم لها بالصحراء الملعونة لقدسية ماتحويه من مقدسات. انها الصحراء التي تمتد من غرب ايران شرقاً مرورا بالعراق وسوريا وحتى اسفل هضبة السلوم في مصر ومن البحر المتوسط شمالا وحتى بلاد اليمن جنوبا ولا تدخل صحراء السودان أو الصحراء الكبرى في افريقيا ضمن هذه الحدود التي سقناها سابقاً أي انها الصحراء التي تقع في محيط دائرة يقع بداخلها المثلث ذا الرؤوس الثلاثة المقدسة وهي كعبة المسلمين في مكة مسقط رأس الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ومدينة القدس مسقط رأس السيد المسيح عليه السلام والوادي المقدس طوى الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام أو مايعرف حاليا باسم جبل الطور في سيناء . وهذه الصحراء هي الوحيدة دونا عن كل بقاع الأرض التي ارتوت رمالها بدماء كل أجناس البشر ممن خلقهم الله على وجه الأرض وبلا استثناء، بل والمدهش في الامر انه كلما ظهرت أمة جديدة تحت شمس هذا العالم جذبتهم هذه الصحراء إليها فيندفعوا إليها مغيبين ومساقين إلى حتوفهم القدرية ليقيموا صراعا دمويا فترتوي رمالها بالدماء الجديدة إلى أن تهدأ لعنتها قليلا لحين ظهور قوم جدد بضحايا آخرين لتعلن هذه الصحراء عن لعنتها من جديد. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فقط ولكننا سنسوق بعض ملامح من التاريخ قد تؤكد هذه المزاعم وقد لا تؤكدها لكنها سواء كانت مزاعم أو حقائق غير مؤكدة فسيظل يحوم حولها الغموض ولن نجد لها إجابة حيث لا إجابة وانما الحيرة واللغز مع بقاء اللعنة دون تفسير. كان طوفان نوح هو أول ملامح هذه اللعنات حيث تصارع الملحدون في هذه الصحراء مع نوح وكادوا ان يقتلوه فبني فيها سفينته وغرق الجميع حيث الكل قبض ريح ونجا نوح بمن معه الذين أدركوا النجاة بعد معايشتهم للطوفان وأدركوا حقيقة أمر لعنة هذه الصحراء فابتعدوا عنها تماما وزهدوا فيها وتفرقوا جهة الشمال والغرب بل ومنهم من التف حولها خائفاً من لعنتها ليذهب إلى الجنوب او الشرق منها ولم يخترقها احداً إطلاقا بعد الطوفان وكأنما قد اتفقوا فيما بينهم اتفاقا مستترا سرياً على النجاة بأنفسهم من لعنتها، واستمرت هذه الفكرة - فكرة اللعنة - حاضرة في أذهان الشعوب بعد الطوفان لمدد سحيقة من الزمن يخشاها الناس ويتناقلوا أخبار لعنتها الى ان جاء إبراهيم عليه السلام وحاول ان يقطع الشك باليقين فأصر على ان يجوبها شرقا وغربا بل ويسكن بعضاً من اهله على اطرافها في شعاب مكة وهما زوجته هاجر المصرية وابنها اسماعيل عليه السلام وان لم تنجو في عهده قوم لوط وتبع وثمود وارم وعاد وسدوم وكثيرا ممن تصارعوا فيها فحلت بهم اللعنة ولم يبق لهم وجود الا في الكتب المقدسة او في بعض كتب التاريخ! وقد كان المصريون القدماء يتحاشون القتال إطلاقا في هذه الصحراء لخوفهم من اللعنة التى لم يعلنوا لنا عنها ولكن دائما ما كان يؤكدها كهنة أمون دون اظهار لتعريف بل ويدرءون بأنفسهم من ان تحل بهم وبأبنائهم ببناء المعابد فيها وتعبيد طرقها في حدود مملكتهم مهما اتسعت حتى ان الزائر لمعابد المصريون القدماء داخل هذه الصحراء في سيناء مثلاً ليتعجب من شدة حرصهم على احترام هذه الارض وإلا حلت اللعنة على كل من تخول له نفسه بالعبث في قدسيتها وهيبتها دون ان يعلمونا السر ليبقى حكراً عليهم حتى الان يلازم لعنتهم التي لاحقت كل من عبث بمقابرهم فتقتله بشكل غامض ومحير مما حدا بالمؤرخين ان يطلقوا عليها لعنة الفراعنة وهي لعنة اخرى غير تلك التي نتحدث عنها واطلقنا عليها مجازاً لعنة الصحراء المقدسة. ولم يخطئ الفراعنة إطلاقا طيلة فترات التاريخ الأولى والتي تسبق موسى عليه السلام في إقامة صراع واحد داخل هذه الأرض حتى حينما دخل الهكسوس الى مصر من جهة الشمال وحاول المصريون كثيرا ان يدفعوهم الى خارج البلاد كان الهكسوس دائما ما يستدرجونهم إلى الصحراء فيخمد الصراع قبل ان يبدأ لأسباب لم يذكرها التاريخ وان كنا نعزوها الى الاعتقاد السائد في الاذهان ذلك الوقت فيما تحمله هذه الصحراء من لعنات تأتي على المنتصر والمهزوم لتقضي على الجميع حتى استمر زمن الهكسوس في مصر مايقارب 300 عام الى ان جاءت دولة التحامسة القوية فتخلصت منهم بقوة وطردتهم من جهة الشمال ملتفة حول الصحراء دون الدخول فيها وفي لعنتها لإيمانها بان لعنة هذه الصحراء سوف تقضي على الجميع لا محالة مهما كانت قيمة النصر أو عمق الهزيمة أو ربما نبل الهدف لكل أطراف النزاع على السواء لاشتراكهم في العبث بقدسيتها، والوحيد الذي اخطأ رغم انه تمالك نفسه كثيرا وصبر كثيرا هو فرعون موسى حيث لاحق موسى وبني إسرائيل عبر الصحراء التى أوحى الله لموسى بالمضي فيها وحياً لم نصل إلى إدراك معناه الا بعد أن انشق البحر فحلت اللعنة على الفرعون وكل الجند ورجال الدولة فغرقوا جميعهم بلا استثناء مهزومين وسقطت دولتهم حتى من ذاكرة التاريخ فلا نكاد نجزم حتى الآن من هو الفرعون الحقيقي الذي طارد موسى وان كانت بعض التكهنات تفيد بأنه رمسيس الثاني ولكني اشك في أن يكون هذا الفرعون هو فرعون موسى لاختلاف الأحداث في زمنه عن ما حدث بالفعل في زمن موسى، وكذلك حلت أيضا على المنتصر وهم بني إسرائيل فكان التيه أربعين عاما داخل الصحراء ليموت في التيه موسى وأخيه هارون وأخته مريم ولا يعرف احداً للآن على وجه اليقين اين تقع قبورهم وهو ما يشكل لغزا جديدا أو ربما معطى آخر من معطيات اللعنة التي حلت على الكل وكانوا طرفا في نزاع داخل الأرض المقدسة فحرموا حتى من معرفة أين تقع قبور أنبيائهم. أما الحادثة الاشد لغزا وحيرة فهي لغز غزوة الفرس الاولى للقضاء على دولة إسرائيل القديمة واسر أهلها إلى بابل فقد عبر هؤلاء الفرس هذه الصحراء بدروعهم وسيوفهم وعتادهم وعدتهم حتى وصلوا الى إسرائيل القديمة فحاصروها في الليل ولكن مايحير علماء التاريخ للآن أن كل هذا الجيش أشرقت عليه شمس اليوم التالي وقد أصبحوا ميتين جميعا وهم مستندين على رماحهم مما يدفع احد المؤرخين اليهود الى ان يستبعد ان يكون هذا الموت الجماعي لعشرة آلاف مقاتل أقوياء بفعل وباء كالكوليرا مثلا أو الطاعون لان الوباء يتطلب زمنا في الاحتضار وهي الحالة التي تسبق الموت مباشرة وتختلف مدتها من شخص لآخر ولكن الموت في حالة هؤلاء البؤساء حدث فجأة وفي لحظة واحدة وللجميع وبلا استثناء رغم ان المؤرخ لم يشر الى سبب مقنع لهذا الموت الجماعي بل ترك الحدث كما هو دون تعليق حيث لاتعليق، وهنا يدرك الفرس حقيقة الدرس الذي نسوه فيغيروا على إسرائيل القديمة مرة ثانية وثالثة بقيادة قائد هم بختنأصر ولكن بعد ان يكونوا قد التفوا حول الصحراء هذه المرة ليتمكنوا من إسرائيل بالفعل وشعبها في الأسر البابلي الأول والثاني وبعد ان يكونوا قد فهموا الدرس جيداً ووعوه تماماً. والمدهش ان دولة إسرائيل نفسها قد قامت بالرغم من ضآلة حجمها و أصبحت دولة ذات سيادة وسط اكبر واعتي الإمبراطوريات في ذلك الزمن وهي الفرعونية والفرس دون ان يجرؤ أحدا من قواد هذه الإمبراطوريات العظمى ثانية أن يعاديها أو يشن عليها حربا بل انهم تزلفوا لها وهادنوها أيضا في زمن الملك سليمان بل والأغرب من ذلك وهو مالم يحدث في التاريخ الفرعوني إطلاقا ان يتزوج الملك سليمان نفسه وهو الذي كان يعتبره المصريون من أهل العامو او الصعاليك من أميرة مصرية وهي ابنة الفرعون نخاو وهو أمر كان يعد في ذلك الزمن من الامورالمستحيلة اذ كانت الأميرات المصريات مقدسات وفي قدسية امون نفسه ولايحق لغريب ان يدنس أجسادهن الملكية ولكن كسر سليمان هذا الوهم وهذا الادعاء وكانت ابنة نخاو احدى زوجاته الكثيرات وربما يأتي هذا التزلف وهذه المداهنة بسبب ما علق في ذهن الجميع من لغز انشقاق البحر وربما لعنة الصحراء التي مات فيها جيشاً فارسياً جباراً دون اشهار لسيف أو رمح فأثر الجميع المهادنة على الصراع حيث ان أي صراع مع هذه الدولة الصغيرة حتما سيدور في الصحراء مما يعني حلول اللعنة واندثار كل الأمم التي كانت طرفا فيه ، وهو لغز آخر جعل كهنة آمون يطلقون كل آيات الرجاء للأسكندر الاكبر في ألا يقيم صراعا فيها وإلا حلت عليه كما حلت على من سبقوه لكنه ظن أن ايمانة واعتناقه لديانة آمون ستعصمه من هذه اللعنة رغم تشكك الكهنة من أمر هذه العصمة وأصر على فتح الأمم والممالك عبر الصحراء فمات في سن الثانية والثلاثين بعد ان عبر الصحراء غازيا بعدة أشهر قليلة وكان موته لغزا في حد ذاته لم يستطع تفسيره حتى اخلص المقربين إليه في ذلك الوقت وهو بطليموس كبير قواده والذي ناشده الاسكندر قبل وفاته ان يعود ادراجه الى مصر ولايخرج منها لقتال في الصحراء اطلاقا لتنتهي بموته الغامض إمبراطوريته الوليدة - وهو المنتصر - وليظهر على السطح عهد البطالمة الذي استتب لهم حكم مصر على حطام اللعنة التي أصابت عظمة الاسكندر ولقى حتفه فيها. ولما كانت الامم على اختلاف أجناسها تجذبها هذه الصحراء لتبتلع أجساد عينة من أبناءها بعد أن لتصب على المتنازعين فيها جزءاً من لعنتها فقد حان الوقت لروما العظمى ( تلك الإمبراطورية الجديدة التي ظهرت تحت الشمس ) والذي أصر قيصرها على غزو مصر فيدخلها غازيا محاربا عبر الصحراء من قبل البحر ولكنه لم ينجو من اللعنة رغم زواجه من كليوباترا فقتله اخلص رجاله بإيعاز من كل قواد روما آنذاك الذين إلتفوا حول جسده المحتضر يتأملونه حتى مات وهي لعنة لايلقاها الا قائد سئ الحظ رغم عظمته بشهادة التاريخ ورغم كل ماقدمه لروما من انجازات ظن اهلها ان انطونيو رجل القيصر الاول سيتمكن من استكمالها ولكنه كان ظن البلهاء لان اللعنة حينما تحل تغيب الناس وتسوقهم كما سبق و أشرنا الى حتوفهم فتزوج انطونيو من كليوباترا وحارب روما نفسها في سابقة لم تحدث في التاريخ اذ ينقلب قائد أمة من الأمم لمعسكر الأعداء فيصاهرهم ويحارب شعبه الأصلي ثم يموت انطونيو وكليوباترا في ظروف بغاية الغرابة مازالت محل جدل حتى الان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محيي الدين إبراهيم : noonptm@gmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محيي الدين إبراهيم : noonptm@gmail.com

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق