الجمعة، 14 نوفمبر 2008

تسعة وخمسون ليست أقل من ستين - بقلم سامية أبو زيد

حين شاهدت المؤتمر الذى نقلت وقائعه القنوات الإخبارية، وطيرت أنباءه الصحف ووسائل الإعلام المتعددة، تذكرت فقرة من كتاب ’’رأيت رام الله‘‘ لمريد البرغوثى والتى يتحدث فيها عن أموال الصمود وأين تذهب؟ وفى الوقت ذاته حضر فى ذهنى بقوة حصار غزة الذى يكاد يهلك أهلها جوعا ومرضا، وتذكرت كيف ينظر الفلسطينى المنعم فى أوروبا وأمريكا باشمئزاز واستعلاء للطرقات غير المعبدة والمرافق المتهالكة حين يقوم بزيارة للوطن الذى يبكون على حق العودة له، ومن ثم يقوم بالتوبيخ والتساؤل عن مصير أموال الصمود التى يرسلها!!

ساعة واحدة من الألم الحقيقى، بل دقيقة منه تمر دهرا على المتألم، فلا يحس بالنار من يراها دون أن يقبض عليها. وفى الآونة الأخيرة امتلأت الصحف بكتابات عن النكبة فى شكل احتفالى أقرب إلى المهرجان، بل وأقيمت المهرجانات بالفعل تحت مسمى إحياء التراث الفلسطينى أو الحفاظ عليه أو التمسك بالهوية إلى آخره، وكأنما نحن بإزاء شركتى دعاية تتنافس كل منهما فى الترويج لبضاعتها. فقد رأينا بالتوازى مع احتفالات الذكرى الستين للنكبة، احتفالات الدولة الصهيونية بالذكرى الستين لقيام دولة ’’إسرائيل‘‘، كما رأينا المزيد من المطالبات الصهيونية بالمزيد من الخضوع العربى على شاكلة المطالبة بإلغاء استخدام لفظة النكبة عند الإشارة لهذه الذكرى. ويبرز سؤال، هل هى ذكرى؟ ليتها كانت، بل هو اغتصاب مستمر ومتنام فى رعاية سادة العالم قديمهم وحديثهم، فما الجديد إذن؟!! المشكلة ألا جديد، اللهم إلا المزيد من الخذلان العربى والاستثمار الدائم لآلام شعب، ولكنه استثمار خاسر لا يؤتى أكله. بل على العكس من ذلك نرى استثمارا ناجحا من قبل الطرف المعادى أى إسرائيل، واغتناما للظروف والفرص سواء كانت مواتية أم لا، بل قد يصل الأمر إلى حد اختلاق تلك الظروف، فنرى الولولة الإسرائيلية والاستغاثة من الإرهاب الفلسطينى والخطر الإيرانى وحزب الله اللبنانى وسوريا التى تدعمه، إلى آخر تلك الادعاءات الإسرائيلية، فيهرع نحوها رعاة البقر (السلام)، ويتناسى الجميع كيف قامت تلك الدولة أى إسرائيل على أسس من الإرهاب والترويع وتشهد عليهم مذكرات مناحم بيجين وتاريخ عصابات الشتيرن والهاجاناه. ومن بين تلك الأشكال الاحتفالية التى لا تقدم ولا تؤخر كثيرا، ذلك المؤتمر الذى عقد فى كوبنهاجن عاصمة الدنمارك، وحضره سبعة آلاف فلسطينى من فلسطينيى الشتات الأوروبى، وتحدث فيه اسماعيل هنية إلى الحاضرين عبر الأقمار الصناعية مؤكدا على حق العودة ومعلنا التمسك بالثوابت الفلسطينية المعتادة. حين شاهدت المؤتمر الذى نقلت وقائعه القنوات الإخبارية، وطيرت أنباءه الصحف ووسائل الإعلام المتعددة، تذكرت فقرة من كتاب ’’رأيت رام الله‘‘ لمريد البرغوثى والتى يتحدث فيها عن أموال الصمود وأين تذهب؟ وفى الوقت ذاته حضر فى ذهنى بقوة حصار غزة الذى يكاد يهلك أهلها جوعا ومرضا. تذكرت كيف ينظر الفلسطينى المنعم فى أوروبا وأمريكا باشمئزاز واستعلاء للطرقات غير المعبدة والمرافق المتهالكة حين يقوم بزيارة للوطن الذى يبكون على حق العودة له، ومن ثم يقوم بالتوبيخ والتساؤل عن مصير أموال الصمود التى يرسلها!! وتعجبت من قدرة اسماعيل هنية على اللقاء عبر الأقمار الصناعية بسبعة آلاف فلسطينى يسمعون له، وعلى أرض الوطن لا يمكنه الحوار مع الرئيس الفلسطينى محمود عباس!! حين تأملت ذلك وجدت أنه لم يعد لدينا شعب فلسطينى، بل عدة شعوب، يجمعها عرق واحد وتختلف مصالحها ومشاكلها وأولوياتها. صار الفلسطينى ينظر لأخيه الفلسطينى ولسان حاله يقول: أنت لا تدرى بى ولا بهمى. فسياسة فرق تسد التى تتبعها الدولة الصهيونية لا تقتصر على بث الفرقة والفتن بين حماس وفتح فحسب، بل هى أبعد غورا من ذلك، إذ تخلق مصالح وامتيازات لكل طرف مثلما تخلق مشاكل مختلفة. فما يقض مضاجع أهل الضفة يختلف عما يعانى منه أهل غزة وهذا وذاك يختلفان عن عرب الداخل وعن المقدسيين، وبالنسبة لفلسطينيى الشتات فحدث ولا حرج بعد أن استقر بهم المطاف فى بلدان وثقافات متعددة. وبالتالى إذا تباينت الهموم تتباين الأولويات ويصبح الاتفاق ضربا من المستحيل، وقد يخالفنى البعض فى تلك النظرة ويرى أن مؤتمر فلسطينيي أوروبا الذى قد عقد دورته الأولى فى العاصمة البريطانية لندن عام 2003. وتلا ذلك انعقاده فى برلين بألمانيا ثم فيينا بالنمسا ومالمو بالسويد وروتردام بهولندا، وأخيرا فى كوبنهاجن، أقول قد يراه ضروريا لتأليف قلوب فلسطينيى الشتات وتذكيرهم بأرضهم وللإعلان عن قضيتهم وإيصال صوتهم للعالم، ولكن أعود وأقول ثم ماذا بعد الاحتفال؟ ما هى الخطة الموحدة التى ينوى اتباعها الفلسطينيون؟ بل ما هو الهدف الموحد الذى يصوبون أنظارهم نحوه؟ كيف سيقنعون العالم بدعم قضيتهم وهم يرون الرصاص الفلسطينى يستقر فى الصدور الفلسطينية؟ كيف سيسمعون العالم صوتهم وهم يصمون آذانهم عن بعضهم البعض؟! والأهم من هذا، وذاك كيف سيكون لهم ممثل شرعى يمثلهم جميعا وهم يتنازعون ذلك التمثيل فيما بينهم؟ لا أعنى بتساؤلى هذا حتمية أن يكونوا مثل الجوقة التى تغنى بصوت واحد، بل مثل الأوركسترا التى تصدح بتناغم فيما بينها. عندئذ سوف يحق لهم أن يطالبوا العالم العربى والإسلامى ومن خلفهم الضمائر الحرة فى العالم بدعمهم. أن يصوبوا أنظارنا نحو ما يريدونه ثم فليطلبوا ما شاءوا من الدعم، أما أن تتشتت الجهود فى التهدئة بين الأطراف الفلسطينية، وبين الفلسطينين والحكومة المصرية التى باتت تتخوف من فتح الحدود فإن ذلك إنما يأتى على حساب الشعب الفلسطينى المحاصر فى أرضه. أما عن المهرجانات والاحتفالات والأقلام المرتزقة على مدى ستين عاما من النكبة، فالأحرى بها أن تتبع سياسة إعلامية صحيحة، فتقوم بكشف الدعاوى الصهيونية التى قامت عليها الدولة الصهيونية، فمن نسميهم بأبناء العم ليسوا أبناء عمومتنا ولا صلة لهم بالأرض المقدسة، فهؤلاء اليهود المعروفون بالأشكناز أى يهود أوروبا، قد تهودوا فى القرن السابع الميلادى، فلما سمع بتهودهم اليهود السفارديم الذين كانوا يعيشون فى الأندلس فى تلك الفترة، أطلقوا عليهم اسم اليهود الأشكنازيم وذلك لأن عقيدتهم تقول إن أشكناز بن جومر بن يافث بن نوح قد سكن فى أرض القوقاز فأسموها أرض أشكناز. واليهود الأشكناز الذين يشكلون جل يهود العالم بنسبة تربو على التسعين بالمائة من يهود العالم إنما ينحدرون من سلالة شعب الخزر الذى كان يعيش فى مملكة بائدة وكانت تدعى خزريا وتقع على بحر قزوين بمنطقة القوقاز وعاصمتها إتل التى تقع على ضفاف نهر الفولغا. وقد تهودوا لحماية ملكهم من الضياع بين جارتيهما الدولة العباسية الإسلامية وبيزنطة المسيحية، وذلك حين لاحظ الخاقان ’’بولان‘‘ إقبال شعبه على الدخول فى المسيحية أو الإسلام إثر احتكاك رعاياه بهؤلاء وهؤلاء عبر التجارة المتبادلة ما بين هذه الدولة وتلكما الدولتين، عندئذ اختار الخاقان ’’بولان‘‘ التخلى عن عبادته الوثنية التى كانوا يعتنقونها وهى عبادة فالوس أى عضو الذكورة، ولكنه فى ذات الوقت أراد ألا يتبع إحدى الديانتين للإمبراطوريتين الجارتين فيجد نفسه وقد انضوى تحت لواء إحداهما، وخشى فى الوقت ذاته أن يتوزع ولاء رعاياه حسب عقيدتهم الجديدة، لذا قرر أن يمنح شعبه ديانة سماوية تضمن له ولشعبه الاحترام وفى ذات الوقت تكون مستقلة عن الجارتين. وبعد ذلك أتى بعده خاقان آخر وتسمى باسم عبرانى وهو عبديه (عوبادياه ـ عوفاديا) وقرر ألا يتولى ملك الخزر إلا من يعتنق اليهودية، فكان أن تهود البلاط الملكى ومن ثم تهود باقى الرعية طبقا للقاعدة المعروفة الناس على دين ملوكهم. ومرت السنوات حتى نشأت الحركة الصهيونية والتى تدعو الى العودة لجبل صهيون، ووفقا لآلة الدعاية الصهيونية النشطة صاروا يلحون بقولهم معاداة السامية وحماية السامية نسبة إلى سام بن نوح، فى حين أنهم وكما رأينا ليسوا من سلالة نوح من الأصل بتهودهم بعد ظهور كل من المسيحية والإسلام، وحتى الإسم الذى اختاروه عرقا لهم وهو أشكناز يهدم مفهوم السامية من أصلها. آن الأوان أن نتبع سياسة إعلامية صحيحة بدلا من الرقص على السلم أو على خشبات المسارح فى المؤتمرات.

الكاتبة سامية ابو زيد جمهورية مـصر العـربية بكالوريوس علوم قسم كيمياء ـ جامعة عين شمس المهنة: كاتبة متفرغة. الجهات التى كتبت لها جريدة الأخبار يناير2001 حتى أكتوبر 2005 جريدة رأى الأمة 2000 حتى 2002 جريدة أخبار الأدب الأسبوعية الملحق العلمى لمجلة العربى الكويتية (ترجمة) ترجمة موضوعات علمية لمجلة ناشيونال جيوغرافيكس (الإصدار المصرى) بعض المنتديات على الشبكة العنكبوتية مثل منتدى القلادة العربية لقاءات تليفزيونية: *حلقة عن محمود شاكر لقناة التنوير *حلقة من برنامج قمر النيل فقرة أجمل ما قرأت لقناة النيل الثقافية عن الكاتب الأمريكى سيدنى شيلدون (على الهواء) * حلقة من برنامج قمر النيل فقرة أجمل ما قرأت عن رواية هارى بوتر ـ النيل الثقافية. *حلقة مسجلة لقناة النيل الثقافية عن رواية هارى بوتر. * حلقة فى برنامج شارع الكلام عن المنتديات وتأثيرها فى الحركة الثقافية ـ قناة النيل الثقافية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق