أدونيس ملحمة تراجيدية في ثلاثة فصول تأليف وليد فاضل رقم الإيداع في مكتبة الأسد الوطنية 1- 812.051 ف ا ض أ 2- 812.009561 ف ا ض أ الإهـــداء إلى الروح السوريّة المبدعة فجر الحضارة الإنسانية
الجــــــــزء الأول ولادة أدونيــــــــس شخصيّات المسرحيّة إيل : سيّد الآلهة، رئيس مجمع الآلهة السوريين في ذرا حرمون. هرمس : رسول سيد الآلهة، إله المعرفة، والإلهام، والسرّ، والخفاء، والإشراق. عناة : إلهة القوّة والحرب والحكمة. بعل : إله المطر والصواعق والعواصف. أرشيكيغال : إلهة العالم السفلي. عشتار : إلهة الحبّ والخصب. بيرم : فلاّح من جبيل قائد الجند : قائد الجند في جبيل ميتاس : ملك جبيل سميرنا : الأميرة سميرنا ابنة الملك ميتاس، وأمّ أدونيس. الكاهن : رئيس الكهنة في معبد بعل في جبيل آلهة، جوقة1، جوقة2، رئيس الجوقة أعضاء مجلس المدينة في جبيل مواطنون، جنود الزمان : فجر الحضارة، عام 3500 قبل الميلاد المكان ذرا جبل حرمون مدينة جبيل الغابات المحيطة بجبيل
المشهد الأول ((عرش إيل، حقول إيل في ذرا جبل حرمون، حيث مجمع الآلهة السوريين)). الجوقة 1 : العارف الأبدي مولانا وسيّدنا إيل القاطن عند فم الأنهار عند مروج إيل الماسك بلوح الأقدار المتمم لكلمة الأسرار مولانا وسيدنا إيل أعطى ثم أخذ فما أبقى للعقل من منفذ به غناء الأفكار ومن وقعه تضطرب الأمصار أبو الآلهة أبو البشر في جبله المغطّى بالثلوج أبد الزمان يحيا وعشيرته الإلهيّة "يأكلون طعام القرابين ويشربون خمر التقدمات أبونا يرعانا فننام باطمئنان أبونا يرشدنا فلا نضلّ في الظلام مولانا وسيدنا إيل عليه التحيّة والسلام تقدّس اسمه ذو البريق واللمعان والمطرّز بالعقيق والريحان والمرجان رداؤه الظلمة لحافه الفراغ ويده القدرة وابتسامته نبع الوداد محبّته أنقى من ثلج حرمون ودموعه أغزر من نبع لبنان الجوقة 2 : تقدّس اسم الباقي أبد الدهور أبو الآلهة مجير اليتامى والمساكين والسامع دعاء المظلومين مظلّة العدل وسيف القضاء باب الضعفاء وعضد المحرومين إنّه أساس الحكم لأنَّه أساس العدل الملوك الجبابرة ينحنون سجّداً لدى عتباته يده تبطش بكل جبّار يأكل طعام الأرملة ويسرق لبن المسكين يده تسحق كل ظالم يقتحم بيت الآمن ويسرق زوجة الرجل الصالح إنّه أساس العدل وأساس الحكم مولانا وسيدنا إيل أبو السنين أبناؤه السبعون آلهة سبعون أوتدة النجوم وسلطان الكواكب إيل : "أرى مركبة قادمة فوق الغيوم، ينبوع ماء يسير أمام المركبة، ونسراً من نار يحلّق فوقها". هرمس : نار وسط ماء؟ إيل : من تراها تكون يا صغيري هرمس؟ هرمس : سيّد الآلهة وتسأل؟ إيل : أسأل عمّا أعرف فلا عجب. هرمس : بل هو روح العجب. إيل : وما تراه صغيرتنا عناة؟ عناة : أرى ريحاً سوداء، ودماء حمراء، تنبعث من تنوّر السفينة. إيل : لا ريح ولا ماء، فأين السفينة؟ عناة : ريح قادمة من الشرق، ودماء تغطّي سفح لبنان، أمّا السفينة، فستبحر بعيداً نحو الغرب، محمّلة بنبوءة لم يرفع ستارها بعد هرمس : مولانا سيد الآلهة يغطّي النبوءة بردائه. إيل : ((يضحك)) إنّها مجرد عربة، تجرّها أحصنة من برق، وفوقها تجلس، آه، من تراه ذاك الندي، المضمّخ، برائحة المسك، والعنبر، وخدر الآس؟ هرمس : سيّد الآلهة ولا تعلم؟ إيل : أعلم، ولكن أتساءل. هرمس : هل سيّد الآلهة يخفي مكيدة ما، فيمكر بنا نحن أبناؤه؟. إيل : إنَّني سيّد الآلهة، فأنا أمكر بما هو صنع يديّ، أليس كذلك يا صغيري هرمس؟ هرمس : أجل يا سيدي، لكن نخاف أن تمسك صولجانك آلهة غريبة، فننسى نحن، وتبقى تلك الآلهة. إيل : لم أكبر في العمر بما فيه الكفاية، حين أشيخ، سأعطي الصولجان لمن أرى أنّه سيّد الآلهة. هرمس : أعطني الصولجان يا أبت، فأنا أكثر الآلهة معرفةً، ودهاء، ومكراً. عناة : بل أنا أشدّهم بطشاً، وبأساً، وشرفاً، وصدقاً. إيل : وماذا عن بعل، وعزيزنا موت، والغالي على قلبنا كوثر، ونهر وأخاسيس، وبقية أخوتكم السبعين، كلاّ، صولجان سيّد الآلهة لا يمكن أن يكون لأحد منكم، لئلا يقع الخلاف بينكم، فتتهاوى الممالك، ويعمّ الفساد قصور الملوك.، والانحراف بيوت الشرفاء، صولجان الملك سأعطيه لمن يكون بصمتي، ويحمل إشاراتي. عناة : من هو؟ إيل : اسمه لا يزال يرقد في رحم الغيب. هرمس : وإيل وحده يملك أسرار الغيب؟ إيل : لقد وصلت المركبة إلى حقولنا، فلنرحب بالآلهة الغرباء، القادمين من أرض بابل العزيزة، ((يبتعد)) عناة : أبونا يعلم كل شيء، لكنّه يحجب معرفته عنّا. هرمس : لأنَّه يكيد لنا كيداً متيناً. عناة : وأنت ربّ السرّ والخفاء، والمعرفة، ألا ترى ما في صدر أبينا؟ هرمس : لا أستطيع، فمعرفته مرصودة، وأبوابه مغلّقة، ولا يملك كلمة سرها إلاّ هو. عناة : إن أفسد أبونا علينا أمرنا فلنفسد عليه أمره. هرمس : ما تعنين؟ عناة : أولئك الغرباء القادمون بتلك العربة هم أعداؤنا، قبل أن يطؤوا أرضنا. هرمس : أجل هم أعداؤنا، فأبونا لم يحضرهم إلاّ ليسلّم أحدهم صولجان ملكه، أو لعلّه يدبّر أمراً يجعلنا خارج اللعبة. عناة : لنتّحد يا أخي، أنا وأنت. هرمس : سنقسّم صفوف الآلهة. عناة : إذن؟ هرمس : لنطو هذا الأمر في نفوسنا، حتّى نتبين فحواه. عناة : أمر رهيب خطّطه سيّد الرهبة، والخوف، والروع. هرمس : كل خفي يظهر، وكل مكيدة تطفو على السطح، وكل مكر تنحلّ عقده، إنّه الزمان، مجلّي الأمور، ومبدي الخفاء، على صفحة مرآته الجلية. عناة : وأبونا هو أبو الزمان، فلنرقب عينيه لنرى في صفحتهما خيوط نواياه. هرمس : آه، لم يحدث هذا من قبل، سيد الآلهة يهبط من عرشه، لاستقبال زائرتين غريبتين؟ عناة : آه أين أنت يا بعل؟ بعل : أنا هنا يا أختي. عناة : آه كيف حضرت؟ بعل : بسرعة الخاطر، من جبل صافون أتيت، تركت ذروة جبل صافون وأتيت حين دعوتني، أهناك بلاء حدث؟ عناة : إنّه أبونا. بعل : هل عاد إلى نزواته؟ عناة : عاد إلى ما لا ندري ما هو. بعل : إنّه بلاء شديد إذن. ((يدخل إيل ومعه عشتار، وأرشيكيغال، يجلس على عرشه)) إيل : تفضلا بالجلوس، أيتّها الحوريتان. أرشيكيغال : الحوريتان؟ إيل : حورية التراب وحورية الماء. أرشيكيغال : سيد الآلهة يعلم من نحن؟ إيل : إنني سيد الآلهة. أرشيكيغال : أنا وأختي عشتار، قدمنا من نيبور، المدينة المقدّسة، حيث مسكن الآلهة المقدس، لكي. إيل : ((مقاطعاً)) لا نسأل عن السبب، قبل إيفاء حق الضيافة، كما يسري على البشر يسري علينا، ولو خرقنا العادات النبيلة هنا في السماء، لعمّت الفوضى هناك على الأرض، لذلك نقدّم لكم طعام الآلهة، خبز حنطة، ونبيذاً، ولحم عجل سمين، فاقبلوا طعام مأدبتنا، المتواضع. عشتار : إنني يا سيدي، أعني يا مولاي، أشعر بالبرد وليس بالجوع. إيل : أنت في حضرة إيل، الثور المقدس، وتشعرين بالبرد؟ عشتار : هكذا أعبّر عن واقع الأمر. إيل : لا بدّ أنّه خلل قد حدث معك. عشتار : نظراتك يا سيدي. إيل : نظراتي؟ عشتار : جعلتني أشعر بالبرد. إيل : سندفئك يا صغيرتي، فلا تهتمّي، إنّه أمرٌ علينا هين. عشتار : إذن، أيسمح لي سيد الآلهة بالاقتراب منه؟ إيل : بكل سرور ((تقترب منه عشتار)) أرى بعض عبادنا الصالحين، يقدّمون لنا عجولاً سمينة هذا الصباح، ومعهم جِرارٌ من الخمر، بعل ((مخاطباً بعل)) أحضر العجول المحمّرة، وجرار الخمر. بعل : سآتي بها لسيد الآلهة، سأشويها على نار صاعقتي، وأحمّرها على لهب برقي، وستكون جاهزة في الحال، هذه هي المأدبة يا سيدي. إيل : تفضّلا إلى المأدبة. عشتار : بدون زوجتك عشيرة، أمّ الآلهة المحترمين. إيل : عشيرة الآن في عمق الأقيانوس العظيم، حيث عرشها في عمق المحيط، تحيط بها الدلافين وأسماك غريبة. عشتار : هل ستطول غيبتها؟ إيل : بما يكفي لأن نصنع الإعصار والعاصفة، وأن نلد الزوبعة. عشتار : لهذا أتينا يا مولاي، دعوتنا فلبينا النداء، اسمك آنو في نيبور، ومردوخ في بابل، وهنا اسمك إيل، وأنت يا مولاي أنت، سواء ارتديت رداء آنو، أم رداء مردوخ، أم رداء إيل.
المشهد الثاني ((قاعة الملك، في قصر الملك ميتاس في جبيل قائد الجند، بيرم فلاّح بسيط، بثياب متواضعة)) بيرم : لكن يا سيدي، ما أفعل في حضرة مولانا الملك؟ هل أنا في حلم؟ قائد الجند : بل أنت في يقظة. بيرم : لكن يا سيدي لم أتيت بي إلى هذا المكان؟ قائد الجند : إنّها أوامر الملك، احضروا عبدنا الصالح بيرم إلى قاعة الملك. بيرم : هو بذاته أصدر أمره السامي؟ قائد الجند : شفتاه نطقتا بالأمر. بيرم : إنني سعيد، بل أنا محظوظ، أن تلفظ شفتا الملك اسمي، هل قال عبدنا الصالح بيرم، أم العبد الصالح بيرم؟ قائد الجندي : بل قال عبدنا الصالح بيرم. بيرم : آه، اسمي يسري على لسان ابن الآلهة، إنني إنسان ذو حظّ عظيم. ((يدخل الملك ميتاس، ملك جبيل، ابنته الأميرة سميرنا، كبير الكهنة، الفلاّح يسجد على الأرض حين يرى الملك، قائد الجند ينحني بخشوع تامّ)) الملك : ارفع رأسك أيها الفلاّح الصالح، فنحن سعداء باستقبالك في قصرنا المتواضع. البيرم : مولاي، هل أنا في حلم أم في يقظة؟ الملك : بل في يقظة تامة. بيرم : لكن ماذا يفعل فلاّح بسيط في قصر ابن الآلهة العظيم؟ الكاهن : ما يفعله البشر الفانون في هيكل الآلة. بيرم : العبادة؟ الكاهن : أجل، هل قدّمت قرابينك؟ بيرم : أقدّم القرابين بانتظام، باكورة الحقل، وباكورة الخمر، وباكورة الفتيات من بناتي،. أقدّمها للإله بعل، نذراً له على هداياه السخيّة، وأمطاره المباركة. الكاهن : إنّه حقّ بعل، فأنت تزرع في أرضه، تسكن في بيته، وتسقى من أمطاره، وتطعم من خيرات صواعقه، وبرقه ورعده، إنّه حقّ بعل الطبيعيّ، فلا تمنن الآلهة بواجبٍ عليك. بيرم : لم أعلن خطأً يا سيدي. الكاهن : بل أشمّ رائحة الكفر من شفاه كلماتك، كأنّك تبطن كفراً خفياً. بيرم : كفراً خفياً؟ الكاهن : كأنّك تريد أن تمنّ على الآلهة بقرابينك، وهي قطرة من بحر ما تعطيك، أتنسى عطاءها وتذكر قربانك؟ بيرم : لقد أخطأت يا سيدي. الكاهن : ولكل خطأ كفّارة. بيرم : وأنا مستعدّ للتكفير عن خطئي. الكاهن : سيقطع لسانك، لأنّه جدّف بحقِّ إلهنا بعل، وستقدم أبقارك، ومواشيك زيتاً لسراجه. بيرم : سيقطع لساني، وأقدّم أبقاري ومواشيّ زيتاً لسراجه. الملك : إنّك عبد صالح، صدق قلبك مع الآلهة يدلّ على نقاء نيّتك. بيرم : المجد للملك ابن الآلهة. الملك : سنصفح عنك لصدق قلبك. بيرم : الشكر لك يا مولاي، يا بن الآلهة العظيم ((يسجد للملك)) الكاهن : قرار مولانا الملك، ابن الآلهة العظيم، شريعة لا ترد، وقانون لا يتغيّر، لقد صفح عنك الهيكل، وبعل قد رضي. الملك : لكن يا عزيزنا بيرم، لدينا طلب صغير. بيرم : جسدي يا مولاي قربان مقدّس لكم. الملك : لا حاجة لنا بجسدك، فلدينا لحم كثير، ومن أصناف شتّى. بيرم : إذن بناتي الست جوار في قصرك. الملك : الجواري في قصرنا كثر، ونعاني من مشكلة إطعامهن. بيرم : ماذا تريد يا مولاي؟ الملك : مطلب حقير. بيرم : ما هو؟ الملك : أرضك. بيرم : أرضي؟ الملك : ثم بيتك. بيرم : بيتي؟ الملك : ثم تأخذ بناتك ومواشيك وزوجتك، وترحل. بيرم : وماذا أفعل ببناتي، وزوجتي ومواشيّ بدون أرض تكون لي؟ منزل أسكن فيه؟ الملك : تسكن في أرض جديدة وتبني بيتاً جديداً. بيرم : أين؟ الملك : بعيداً عن جبيل مسيرة يومين، باتجاه مشرق الشمس. بيرم : أهو نفي؟ الملك : لا، فأنت عبد صالح، تؤدي كامل واجباتك للآلهة، ولمولاك الملك. بيرم : إذن لماذا أتخلى لكم عن أرضي ومسكني يا مولاي؟ الملك : لأنّ كوخكم الحقير عقبة. بيرم : عقبة؟ الملك : أمام قصرنا، الجديد، لقد اخترنا موقعه الجديد، ومن حسن حظك، إنّه شمل أرضك، وأرض عشرة فلاّحين بجوارك، الفلاّحون العشرة قدّموا أرضهم، وبيوتهم لمجد الملك، ولم يبق سوى بيتك أتضنّ به على مولاك الملك؟ بيرم : إنّه بيتي يا مولاي. الكاهن : وهي رغبة الملك، ورغبة الملك هي مشيئة الآلهة، وأنت تتحدّى رغبة الآلهة وإرادتها". بيرم : إنّه ظلم. الكاهن : بل إنّه كفر، أن تنعت قرار الآلهة بالظلم، وكافر مثلك، وجب عليه السحق، والمحق. ((يشير إلى الجنود ليقبضوا عليه)) آبق مثلك، يجب أن يقتل. بيرم : وأنا أرفع دعواي لسيّد الآلهة إيل، سيدي، ويا سيد الآلهة، إيل، هذه دعوى عبدك الصالح بيرم، لقد ظلمني الملوك والكهنة، فكن يا مولاي الحكم بيني وبين ظلالك على الأرض. الكاهن : خذوه فاسحقوه، وفي أتون النار زجّوه، ((يخرج الجنود ببيرم)) الملك : الشكر لك يا كبير كهنتنا المقدّس، سأقدم لك في الغد ذبيحة لمولانا بعل، شاكراً مولانا على هذا العطاء.. الكاهن : الملك أولى من غيره بتنفيذ قانون الآلهة، وإقرار مشيئتهم. الملك : أهناك أمر؟ الكاهن : ابنتك الأميرة سميرنا. الملك : ما بها. الكاهن : البارحة بلغت عامها العشرين.. الملك : بلى. الكاهن : من الواجب أن ترسلها إلى الهيكل، لتكون في خدمة إلهها بعل، ولمدة عامٍ كاملٍ، تهب جسدها لإلهها بعل السّامي، فتكون بغياً مقدّسة، في هيكله المقدّس، تقدّم جسدها للغريب، لتقدّم المال اللاّزم للمعبد، كي تفوح منه رائحة البخور وضوء القناديل، فيشمّ بعل رائحة البخور، فيجود على جبيل بالمطر والخير الوفير، هكذا الشريعة تقول. الملك : إنني حافظ لشرائع الآلهة العظام، ابنتي ستذهب إلى الهيكل، وستنذر جسدها للإله بعل، ستهب جسدها لكل طالب له.. لقاء مبلغ محدد، ستضع الذهب بين يديّ الإله، بعل، لتشتروا له البخور والقناديل. الكاهن : ذهبٌ قليلٌ تقدّمه سميرنا خلال عام، سيعطي خيراً كثيراً، لبيت الملك، ذهبٌ لبناء مجد إلهنا بعل، فوق ذروة جبل صافون، قصرٌ أبوابهُ مرصّعةٌ بالذهبِ، وكذلك حجارته. الملك : مجد الإله هو مجد الملك. الكاهن : بورك مولانا الملك، النقيّ التقيّ، ابنتكم ستعود إليكم في نهاية العام، وقد منحها الإله بعل السعادة، والمغفرة والطهارة، خدمة الآلهة طهارة، وخير أنواع الطهارة تقديم الجسد لمجد الآلهة. الملك : لتأخذ الآلهة جسد سميرنا، ولتعبث به كيف تشاء، وستعود إليّ طاهرة النفس والروح، هكذا قررت الآلهة، لا بدّ من بذل الجسد للحصول على نقاء الروح، بوركت يا بنتي، بوركت أيّتها المقدّسة، تعملين في هيكل الإله بعل، ليستنشق الإله رائحة البخور، صباح مساء، فيرتاح، ويشعر بالانسجام فيرسل مطره مدراراً على جبيل وقراها، وعلى فينيقيا وذراها، فيتوّج ذراها بالثلوج، ويملأ ينابيعها بالمياه، فترضى الآلهة وتنام باطمئنان. الجوقة1 : أتنام الآلهة باطمئنان وهناك جائع ضائع أو مظلوم متشرد وهل يكون الجوع طعام الآلهة والظلم شرابهم الجوقة 2 : إيل سيّد الآلهة ماسك الشريعة والقانون حامل الميزان والسيف والقلم عدله لا يرشى بذهب سيفه لا يحابي أحداً وحكمه لا يكتب زيفاً الجوقة1 : إيل سيد الآلهة إذا قضى، قضى بالحق وإذا وزن، وزن بالعدل وفي ميزان إيل كل عبيده سواء يقاضي الناس إذا أساؤوا للآلهة ويقاضي الآلهة إذا ظلموا الناس لكن، لا ينام على جرأة ظالم ولا يغفو عن أنين مظلوم بالعدل سمت ذرا حرمون حتى أظلّت شرائعها سقف العالم الجوقة 2 : ليس لذهبٍ يرنو سيد الآلهة ولا لقعقعة سلاح بل لأنَّة مظلوم ودعوى فقير بائس أرملة أو منبوذٍ أولئك ضيوف مأدبته ومقرّ نظرته رئيس الجوقة : لكن سيد الآلهة في أمر خطير لا ندري ما يدور خلف الأبواب أبواب أبي الآلهة مقفلة دون الكائنات يستوي في ذلك الآلهة والتراب
المشهد الثالث ((قصر الإله إيل في إحدى ذرا حرمون، القصر منفرد عمّا حوله، كأنّ الغرفة التي يجلسون فيها تحيط بها ستارة من فولاذ لين، الرؤية فيها ضبابية، صوت نافورة ماء، سرير فخم، شجرة تفاح قرب السرير، طيور غريبة الشكل)) عشتار : أين نحن يا سيد الآلهة؟ إيل : في قصري، وهذه غرفتي الخاصّة. عشتار : غرفتك الخاصّة؟ إيل : حيث أجلس منفرداً، مع نفسي، أفكّر في شؤون العالم، كيف يمكن ضبطه، وتوجيهه، وتطويره. عشتار : إنّك تشغل فكرك كثيراً يا مولاي، وأنت تحتاج لبعض الراحة. إيل : الرّاحة؟ عشتار : والمتعة، المتعة أقصر طريق إلى الراحة. إيل : لم أحضرك هنا للمتعة بل للعمل. عشتار : والمتعة هي غاية العمل، وطريقه القويم. إيل : آه ربما. عشتار : لكلٍ يا مولاي طرقه الخاصة في الوصول لما يبغي، أنت تفكر، تريد، تخلق، أما أنا، فأجمّل، أثير، أُأََجّج، إنني نار الموقد، وفي نار موقدي تُطْبَخُ الحياة، وتُطْبَخُ الأبطال. إيل : أعلم من أنتِ يا عشتار، ولهذا دعوتكِ. عشتار : وأنا سعيدة لهذه الدعوة أن أكون في حضرة سيد الآلهة، أُسَرِّي عن نفسي، وامتحن قوته الذي ذاع صيتها في مملكة الجحيم وفي عتبات السماء العليا. إيل : قوتنا لا شك في صدقها وثورك المقدس سيكون كريماً معك. ويهبك بعض قوته، لكن هناك قضية. عشتار : حين أكون جائعةً يا مولاي لا أعرف التفكير والتدبير، تنحل منّى عرى الموهبة، وأصبح تائهة ضائعة، كُنْ ثورى المقدس لليلةٍ واحدة، أَكُنْ أمتك أبد الدهر. إيل : وأختك التي تنظر إلينا بمكر وخبث ودهاء؟ عشتار : إننا دائماً معاً أنا وهي، أنا أهب الحياة للكائنات وهي تهب الموت لما تنتجه الحياة، فنحن توأمان وبنا تدور عجلة الوجود. إيل : لكن اللياقة تقتضي. عشتار : لا لياقة، ولا قواعد نحن تتمّ إحدانا الأخرى، جسدي وجسدها جسدٌ واحد. إيل : آه، مهمة عسيرة، الأختان معاً. عشتار : أجل يا مولاي الأختان معاً، وهكذا أرضى أنا وترضى هي، فيعم التوازن جسد الوجود. إيل : لكن. عشتار : كُنْ ثورنا المقدس لليلةٍ واحدة، أنا وأختي أرشكيغال، فترتوي جذورنا، فأهب الحياة الدافقة، وهي تحصد الحصاد الوفير، فتعم الثروة والرفاه إهراءات القمح، ومساكن القبور، هيا يا مولاي، كُنْ نورنا المقدس وليكن ليلك طويلاً فجسدنا مستثارٌ بنظراتك الإلهية، لَقِّحْ يا مولاي بقرتين ناعمتين، مشتاقتين لمائك المقدس. إيل : ليلةٌ من وقتي زمن طويل، سأمنحكما لحظة واحدة، نظرة تكفي. عشتار : العبرة بالنتيجة وليس بالمقدمات. إيل : نتائجي مضمونة واسالي الأشياء. عشتار : لا نشك في ذلك يا مولاي، ولهذا أتينا مُخَلِّفَتَيْنِ موطننا. إيل : قليل من الظلمة ضروري لبزوغ النور ((ظلام)) الجوقة1 : سيد الآلهة سيد الخصب يلقي بذار الحياة فتسري في الحجارة والشجر وفي الماء والمطر إنه روح الحياة إنه شهوة الحياة الجوقة2 : سيد الآلهة سيد الموت سيد الدمار والهلاك يهدم ما يبني ويبني ما يهدم وهكذا تدور العجلة وتدور الأشياء الجوقة1 : بوركتْ شهوة سيد الآلهة فهي مقدسة كهذا العالم بوركت شهوة الحياة فهي مقدسة كهذه الحجارة بوركت شهوة الموت فهي مقدسة كهذا التراب الجوقة2 : فتيل يشتعل وفتيل ينطفئ حجر ينقدح وحجر يتلاشى والكل في دورة الخلق ودورة الفناء فلا تَبْكِ للتراب ولا تفرح للوردة فالتراب يلد الورد والورد يلد التراب فلم الحزن ونهر الحياة لا يتوقف ولم البكاء وما كان في النهر يعود إلى الحقول وما كان في الحقول يعود إلى النهر في تعاقب مستمر كتعاقب الليل والنهار وتعاقب الشمس والقمر الجوقة : ثورنا المقدس إله الخصب أخصب البقرة المقدسة فهدأ أوارها واستكانت بين ذراعيه فراشة عذراء والموت لوى عنانه وانساب في الحقول مهرةً بيضاء هذا هو فعل الثور المقدس يحوّل البقرة إلى فراشة والمهر إلى وردة إنها لغة التحول وسرُّ التحول آيةٌ من آياته ومفتاحٌ من مفاتيحه فقدِّسُوا ظهوره واختفاءه في الأشياء إنه إيل سيد الآلهة مسكنه في ذرا حرمون يطلُّ زهرة برية على أرض سورية المباركة. ((يدخل إيل وخلفه عشتار وأرشيكيغال إنهما في منتهى السعادة)). عشتار : أين نحن يا مولاي؟ إيل : في غرفتي الخاصة. عشتار : على الأرض أم بين النجوم؟ إيل : بل نحن في ذروة جبل حرمون، مكاني المفضل، وحرمي المقدس. عشتار : كم مضى يا مولاي من الزمن، مذ ذهبنا برحلتنا؟ إيل : رحلتنا؟ عشتار : إلى الداخل. إيل : لعلها طرفة عين، أو أقل، نظرة عابرة. عشتار : أحس كأنه الأبد… إيل : نظرة سيد الآلهة هي الأبد. عشتار : اسمح لي يا سيدي بقطف هذه التفاحة. إيل : اقطفي. عشتار : وبقضمها. إيل : اقضمي. عشتار : الآن ابدأْ حديثك إيل : وعزيزتنا أرشكيغال؟ أرشكيغال : إنني أتأمل بهاءك يا مولاي وأتساءل كيف سأحّوله إلى نسيان. عشتار : ما ألذ طعم هذا التفاح!! إيل : عشتار كوني معي. عشتار : كلي لك يا سيدي تفضلْ بالحديث. إيل : أشعر أنَّ رياح الشيخوخة والنسيان بدأت تهب ولعلها ستطويني بعد مئةٍ أو ألفٍ من السنين، ستحيا الأرض وأندثر أنا، ستشرق الشمس وأنسى أنا. عشتار : وسنطوى معك. إيل : لا، أنت يا عشتار مزروعة في دماغ الإنسان وفي دمه، وفي عظامه، سيذكرك وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. أرشكيغال : وأنا؟ إيل : أنت مستقر كل جسد، وهيكل كل ميت، أمَّا أنا فهيكلي هو الخيال، وموطني هو الوهم ومن يُشِدْ هيكله على الوهم يسلوه الخيال. عشتار : ثم؟ إيل : هناك أبنائي السبعون وكلهم متهيئون للانقضاض عليَّ والاستيلاء على عرشي، ومَسْكِ صولجان أمري، ولأنني قويٌ إلى الآن، فأنا أملك القوة على زجرهم، لكن قوتي تخونني، والزمن يطاردني، ولا ملجأ لي سوى مغائر النسيان. عشتار : ألا يوجد عندك رمان؟ إيل : مَدِّي يدك إلى الشجرة تعطيك رماناً. عشتار : لكنه تفاح!! إيل : والتفاح يصير رماناً. عشتار : حقاً إنه رمان ((تقطف وتبدأ تأكل حبات الرمان)) أتمَّ يا مولاي. إيل : وعلى الأرض، الملوك يظلمون البشر، والآلهة يغضّون النظر، بيرم العبد الصالح سُحِقَ جسده، وهرس رأسه تحت نظر الملك، وسمع الإله بعل، أبنائي الآلهة صاروا طغاة كالملوك، يأكلون مال اليتيم، ويحتجزون إرث الأرملة، هياكل الآلهة صارت بيوت سرقةٍ واغتصاب، الكهنةُ رؤساءُ لصوصٍ، والملوك هم الخزنة، عِفْتُ الملوكَ وأبنائي، هل أجري لعنتي على الملوك والآلهة أم أنزوي بعيداً في فيافي الكون الموحشة، أم أمكر بالملوك وأبنائي؟ عشتار : ((تنتبه لمغزى حديثه)) تمكر بالملوك وأبنائك؟ كيف؟ إيل : أغرسُ سري الإلهي، وأمر صولجان قوتي إلى واحد من الفانين. عشتار : (تنتفض غاضبة) إلى واحد من البشر؟ : إيل لا تقعْ في هذا الخطأ يا مولاي، ذات مرة أحببت واحداً من الفانين، تموز، فأذاقني مُرَّ الهوان، من غروره وكبريائه، وحماقته، أنصحك يا مولاي، لا تضعْ سرك الإلهي في واحد من أبناء التراب، عندئذ يتمرد عليك، بل يغدو أشدَّ شراً من أبنائك عليك. إيل : سأعطي قوتي لواحدٍ من أبناء التراب، سأبرز بصيغته هو، صيغة الإنسان. أرشكيغال : وهذا يسهل الأمر، بقبضة واحدة أقبض روحك، فأضمُّ سيد الآلهة إلى عالم ظلماتي الأبدية. إيل : ما قرارك يا عشتار؟ عشتار : لقد أفسدتَ لذتي يا سيدي، لعلك ستزجني ثانية في طريق الدموع والألم، والجري خلف بني الإنسان، أستجديهم المتعة والنظرة والهمسة واللمسة، وهم كطواويس الغاب ما إن يشعروا أنَّ إحدى الإلهات تجري خلفهم، حتى يتمنّعوا، ويعرضوا، ويظهروا التقى والصلاح، لم أجدْ جنساً أشدَّ مكراً وخبثاً من جنس الذكور من الرجال، لأكنْ بَقرتك المقدسة، ولتلقحها يا مولاي ليل نهار. إيل : ومصير الإنسان؟ عشتار : قلبي عليك أيها الإله الطيب. إيل : التراب سيكون هيكل سري، وسألدُ آلهةً من تراب، تراباً يحجب النور، تهوي قشرة التراب فيبزغ رشيم النور. عشتار : وكيف ستلقي بذرتك إلى رحم التراب؟ إيل : ابحثي عن عذراء. عشتار : عذراء!! إيل : أغرسُ في جسدها بذرتي المباركة، هبيها الطاقةَ والقوة، كي تتلقى فيوضي ولا تنهار. عشتار : أتريدها ابنةَ ملكٍ؟ إيل : كأنك تقرئين ما في ذهني، سيد الآلهة يجب أن يلقي بذاره في حقلٍ ملكي شريف مثله. عشتار ": من مكاني أرى هناك احتفالاً لضمِّ ابنة ملك جبيل إلى مومسات المعبد. إيل : أرى كذلك أنا. عشتار : إنه الاختيار، جسدٌ لم يعرفْ لغة الشهوة وأسرارها، ستكون أولى كلماته التي يتعلم نطقها، وتهجئتها فيما بعد هي كلمة ثور، ستغدو الأميرة سميرنا عاشقةً للثور، الثور الإلهي المقدس إيل سيد الآلهة. إيل : وليبق الأمر طي الكتمان. عشتار : أيوجد أحد غيرنا في هذه الغرفة؟ إيل : هذه الغرفة محاطةٌ برصدٍ لا يمكن اختراقه، حتى أبنائي الآلهة لا يستطيعون تجاوز رصد هذا المكان. عشتار : إذن سيبقى الأمر طي الكتمان. إيل : سأحيط بذرتي بكل رعاية وحماية، وأمان، سأسري في جنس الإنسان، باسمٍ آخر جديد، ضوءاً خفياً، متقداً في مصباح جسد الإنسان. عشتار : آلهة من فخار، أيصلح الطينُ لأن يكونَ رداءً للآلهة، والجرارُ الترابية قاعاً لخمرتها، ألن يحدث هذا المسَّ والاضطراب في خابية الفخار، فتتصدع من لمس البرق لحوافيها، أيُّ مكرٍ نحته سيد الآلهة، أيكون الطينُ حجاباً له، وجسدُ الإنسان هيكلَه، وحرَمهُ المقدس، إنه رداءٌ عجاب..!
المشهد الرابع ((هيكل الإله بعل في جبيل، البخور يتصاعد، تمثال الإله بعل وسط الهيكل، أمام التمثال هناك المذبح، يرتدي رئيس الكهنة، والكهنة أرديةً صفراء اللون أمَّا سميرنا فهي ترتدي ثوباً أبيضَ اللون، شفافاً يظهر ملامح جسدها، الكهنة يدورون حاملين مجامرَ البخور حول سميرنا مرتلين تراتيلَ شجيةً على وقع الصنج والطبلة والمزمار، سميرنا جاثيةٌ أمام تمثال بعل على ركبتيها أمامها يجلس كبير الكهنة ملقناً إياها وسط ترتيل الكهنة.. يدخل هرمس إنه لا يُرَى من الحضور)) هرمس : صرح سيد الآلهة لا يمكن اختراقه ولا يمكن معرفة المؤامرة التي تحاك فيه، لكن صرح بعل يمكن الولوج فيه ومعرفة الفضائح التي ستتلى هنا، سيد الآلهة يحوك مؤامرته في ذرا جبل حرمون، لكن تنفيذها يتمُّ هنا على الأرض، وربما في قاع الأرض (يتنحى جانباً مراقباً المشهد). الكاهن : رددي ورائي يا بنتي. سميرنا : إنني أردد. الكاهن : وهبتُ جسدي لمولاي بعل سميرنا : وهبتُ جسدي لمولاي بعل الكاهن : سيد الصاعقة والبرق سميرنا : سيد الصاعقة والبرق الكاهن : وسيد العاصفة والريح سميرنا : وسيد العاصفة والريح الكاهن : وسيد المطر والثلج سميرنا : وسيد المطر والثلج الكاهن : سيد الينابيع سميرنا : سيد الينابيع الكاهن : ابن إيل العظيم سميرنا : ابن إيل العظيم الكاهن : جسدي ملكه، يتصرف به كيف يشاء سميرنا : جسدي ملكه، يتصرف به كيف يشاء الكاهن : وأنا أهب جسدي لمولاي الكاهن الأكبر سميرنا : وأنا أهب جسدي لمولاي الكاهن الأكبر الكاهن : الحامل لإشارات بعل وصفاته سميرنا : الحامل لإشارات بعل وصفاته الكاهن : المخوَّل بالحديث عنه وإظهار إرادته سميرنا : المخوَّل بالحديث عنه وإظهار إرادته الكاهن : طاعته طاعة بعل سميرنا : طاعته طاعة بعل الكاهن : ومعصيته معصية بعل سميرنا : ومعصيته معصية بعل الكاهن : له أسلم إرادتي وجسدي سميرنا : له أسلم إرادتي وجسدي الكاهن : أعاهد بعل العظيم سميرنا : أعاهد بعل العظيم الكاهن : إلهي وسيدي سميرنا : إلهي وسيدي الكاهن : أنْ أهبَ جسدي كل غريب وقريب سميرنا : أنْ أهبَ جسدي كل غريب وقريب الكاهن : يشتهي جسدي بإيماءة أو إشارة سميرنا : يشتهي جسدي بإيماءة أو إشارة الكاهن : لقاء مبلغ محدد سميرنا : لقاء مبلغ محدد الكاهن : يحدده لي الكاهن المقدس سميرنا : يحدده لي الكاهن المقدس الكاهن : وأنْ أضعَ المبلغ في صندوق الهيكل سميرنا : وأنْ أضعَ المبلغ في صندوق الهيكل الكاهن : ليبني بعل قصره فوق جبل صافون سميرنا : ليبني بعل قصره فوق جبل صافون الكاهن : قصر من ذهب وفضة سميرنا : قصر من ذهب وفضة الكاهن : وياقوت وزمرد سميرنا : وياقوت وزمرد الكاهن : يليق بمقامه السامي سميرنا : يليق بمقامه السامي الكاهن : لساني وعيني ويدي شاهد على ما أقول سميرنا : لساني وعيني ويدي شاهد على ما أقول الكاهن : وكل من سمع هذا الكلام هو شاهد سميرنا : وكل من سمع هذا الكلام هو شاهد الكاهن : أيتها الأميرة أتخدمين إلهك بعل كما ورد سميرنا : إنني أخدم الكاهن : أيتها الكاهنات خُذْنَ الأميرة إلى الغرفة المباركة، رُشُّوا جسدها العاري بالمسك، وعطِّرنه برحيق الورد، ليكون الكاهن المقدس أول من يبارك جسدها المقدس، سأتلو صلاتي، طالباً من إلهي بعل الإذن ببدء طقوس مباركة الجسد. "الكاهنات يخرجن بالأميرة سميرنا، يخرج هرمس من خلف أحد الأعمدة". هرمس : متى يكفُّ أبناء البشر عن سخافاتهم، بل متى تفتح أعينهم ويدركوا أبعاد اللعبة التي زجُّوا بها، مكر إيل يمنعهم عن الإبصار، آه ما الذي أراه "تدخل عشتار وخلفها إيل، الكهنة لا يلاحظون وجودهما، فهما يعبران دون أن يراهما أحد"، عشتار قد حضرت، آه، وسيد الآلهة خلفها، أبصار البشر لا تراهما، لكنني أراهما، ما الذي يجري، عشتار تتجه نحو الغرفة المباركة، حيث الأميرة سميرنا، وخلفها إيل سيد الآلهة، عشتار تدخل الغرفة المباركة وخلفها إيل، أية مؤامرة يدبرها سيد الآلهة وعشتار، في الظلمة تسري المؤامرة، لكن عيني هرمس تريان ما يسري في الظلام، لألتحف في ردائي ولأحتجبْ في حجابي، ولأدخلْ الغرفة المباركة ولن يراني أحد، حجابي يحجبني عن أنظار عشتار وسيد الآلهة، سأكون شاهد الحقيقة، الحقيقة المتخفية تحت رماد الكتمان "يدخل هرمس الغرفة دون أن يلاحظه أحد" الجوقة : هرمس شاهد ونحن شاهدون على ما يجري في الداخل ولو دعينا للشهادة لشهدنا أنَّ الإلهة عشتار أثارت جسد العذراء سميرنا إثارة طوفانية وأغوته إغواء جهنمياً فانطلق السيل وانقطع اللجام فغدت الأميرة سميرنا مهرة برية فعرفت نار الثور وماء الثور استقر في تربتها فأنبتت سنبلة قمح برقاً مقدساً وصاعقة زوبعة وعاصفة وكان بدء الطوفان الجوفة : لو دعينا للشهادة لشهدنا أن عشتار حلَّت العرى والزرد وفكَّتْ الإزار والربط فانحلَّت قوى الأميرة وأسلمت نفسها للثور المقدس بشبق لم تشهده قاعات الملك المقدس ولا هياكل الآلهة المبجلة ثوراً يجامع أميرة فغدت الأميرة أغنية برية وصارت الفتاة عاشقةً للثور ولمنحى الثيران ثور إلهي ثور حيواني إنها ضحية الثيران لن ترضى بعد اليوم بواحد من أبناء البشر بل بثور مقدس يقرع أبواب رغبتها ويضبط مراكز طاقتها فتنفجر باللهب إنها فتاة مباركة لأنّ الثور الإلهي المقدس قد باركها وألقى ماءه في تربتها فأنبت الماء سنبلة برقاً وصاعقة زوبعة وعاصفة وكان نهاية الطوفان
المشهد الخامس " قاعة الملك في قصر الملك ميتاس، أعضاء مجلس المدينة، مواطنون، رئيس الجند، رئيس الكهنة إلى جانب الملك، تجلس الأميرة سميرنا وقد انتفخ بطنها، من الواضح أنها حامل، الجلسة تبدو عاصفة ". عضو1 : إنها وصمة عار، لطَّخت أسوار مدينتنا، أميرتنا وابنة ملكنا تعشق ثوراً؟!! عضو2 : بل ثيراناً، ثيراناً جامحة، ما أنْ ترى نظراتها حتى تجثو تلك الثيران أمامها صاغرة ككلب ذليل. عضو3 : إنه السحر، وبه تحولت ثيراننا البرية إلى قطط منزلية. عضو4 : ثيران جبيل البرية، المشهورة بفحولتها، تتحول إلى حملان وديعة مخصية، عازفة عن اللقاح والإنجاب، إنها مصيبة حلَّت بحقولنا وبأبقارنا. عضو5 : ترى البقرة تركض خلف الثور، والثور حزين، نظرات الأسى تلوح من عينه، إنه عازفٌ عن الدنيا، معرضٌ عنها. عضو6 : حتى ثيران جبيل أصيبت بالزهد، إنها كارثة. عضو1 : يقيناً أنَّ السبب هو الأميرة، وما تحمله في بطنها من جنين سفاح، جنين سفاح مع ثور بري جامح. عضو2 : ما عقاب المرأة التي تقترن بحيوان؟ الكاهن : تقتل. عضو3 : وما عقاب المرأة التي تلتحف برجل الكاهن : يباركها الرب بعل، إن قدَّمتْ جسدها في المرة الأولى هبةً، لكنْ يعاقبها إن لمْ تأخذْ ثمن المتعة في المرة الثانية. عضو4 : هذا هو قانوننا السوي والطبيعي، الأنثى للذكر، والمرأة للرجل، لكن من قال أو شرَّع أن المرأة للحيوان، أية سلالة ملعونة ممسوخة ستنجبها المرأة لو حملت من ثور، أو خنزير عابر، لعنة الآلهة ستطاردنا لأننا ننتهك حرمة الجسد، وننتهك قانونها الطبيعي المقدس، حيث نظمت الآلهة الأشياء وفقاً لـه، الشذوذ والانحراف عن الطبيعة السوية أشدَّ اللعنات التي تنزلها الآلهة بالمدن العاقة والعاصية. عضو5 : لذلك لنرفعْ المعصية عن مدينتنا ولنرجمْ الأميرة المنحرفة، المغرمة بالثيران البرية. الكاهن : قبل رجم الأميرة لنسمع دفاعها، فقد لا تكون منحرفة، وقد يكون أمراً غريباً يسمو على عقولنا قد تمَّ معها. عضو6 : أيُّ دفاعٍ وجنينها دليل جريمتها؟! الكاهن : أعترفُ أنَّ في هذه القضية أمرٌ غريب، حين دخلتُ الغرفة المباركة لأبارك الأميرة، حسب ناموس شريعتنا، شريعة الإله بعل، والإله إيل سيد الآلهة، هتفت بي الأميرة وهي سعيدة، ولكنك أتيت يا سيدي منذ قليل، وباركت جسدي، وأقسم أنني لمْ ألمسها، فمن هو ذاك الشخص الذي بدا لها بصورتي. عضو3 : لعلَّه لص ما؟ الكاهن : لصٌّ في هيكل الإله بعل، وفي الغرفة السرية التي لا يعرف دروبها، سوى عدد محدود من الكهنة. عضو1 : أيها الكاهن المقدس، لا تحاول إرضاءً لملكنا الموقر، الهروب من الحقيقة، أميرتنا شاذة، ودليل شذوذها بطنها المنتفخ من ثور. الكاهن : لم لا يكون الحمل قد تمّ من رجل عرفها من قبل، وليس من ثور بري كما تدَّعون. عضو1 : إنْ كان من رجل فمن هو، وأين هو، لم لا يظهر ليعلن أبوَّتَهُ للطفل القابع في بطنها (صمت) أرأيت، إن كانت قد خرجت من الهيكل، وتبعت الثور البري، وهامت به حباً، والثيران البرية بادلتها الحب، فهي حتماً قد أسلمت نفسها للثيران، وابنها ابن ثور، لذلك تستحق القتل. (يبرز هرمس من خلال الجموع، ويقف في وسط القاعة، مجابهاً للجمهور). هرمس : وأنا ابن ثور، فلم لا أستحق القتل؟ الملك : من أنت أيها الغريب؟ هرمس : هرمس، ابن الثور الإلهي المقدس، ابن إيل سيد الآلهة أجمعين. الملك : الآلهة يمتازون بعلامة، فما هي علامتك؟ هرمس : علامتي هي أن أخبركم بالحقيقة. الملك : أية حقيقة؟ هرمس : ما تمَّ في الغرفة المباركة. الملك : وماذا تمَّ؟ هرمس : إيل سيد الآلهة حضر بذاته، (همهمة بين الجمهور) حضر ومعه عشتار (همهمة أخرى) عشتار نفخت في جسد الأميرة، وجعلته مهيأً لاستقبال أنسام سيد الآلهة، سيد الآلهة عبر من العتبة التاسعة إلى العتبة الثانية، فكانت مسة الآلهة المباركة، وكان رسوخ بذرة الحياة، في الرحم المبارك، الرحم الطاهر. عضو2 : آه، مجنون يرد إلى هذه القاعة، وشهادة المجانين لا تقبل بل ترد. الكاهن : لعل هذا الغريب صادق. عضو6 : آية الصدق البرهان، فما هو برهانك، أنَّ إيل سيد الآلهة، والقاطن بعيداً عن جبيل، وفي ذرا حرمون، قد أتى وحلَّ في جسد الأميرة، ثم لماذا يحلُّ سيد الآلهة في جسدها؟ أين مولاتنا عشيرة أمَّ الآلهة وسيدتهم؟ هل سأم سيدنا جنس الآلهة فاختار جنس الإنسان؟ هرمس : إنَّها مكيدة الإله إيل. عضو5 : العدالة لا تحكم وفق المكائد، بل وفق القرائن، ما هي قرائنك الملموسة؟ هرمس : لا قرينة عندي. عضو3 : إذن شهادتك تُردّ، لأنّك لست عضواً في مجلس المدينة، ولست من أبناء جبيل، شهادتك مرفوضة حتى لو كنت من جنس الآلهة. عضو2 : الآلهة يشهدون في مجلس الآلهة الموقر وفق قضاياهم، أما في مدينتنا فنحن نقبل شهادة مواطنينا وفق قضايانا. عضو4 : القضية واضحة، إما أن تروِّض تلك الفاجرة جميع ثيران جبيل، بل ربما ثيران أمور وفينيقيا، وإما أن نقتلها في الحال ونرفع لعنة الآلهة وغضبها عن مدينتنا، ولأنَّ أميرتنا مزقت رداء الطبيعة السوي، واختارت طريق الشذوذ والانحراف، فجزاؤها القتل رجماً بالحجارة، لأن النار لا تليق بها، بل بالشرفاء من الرجال والنساء، أيها السادة مَنْ كان يرى، طرد الأميرة خارج الأسوار، وقتلها رجماً بالحجارة، فليرفعْ يده "الجميع يرفعون أيديهم". عضو3 : اطردوا المنحرفة الملعونة خارج الأسوار، وابدؤوا حفلة تطهيرها من الرجس، قبل أن ينتشر الرجس في حقولكم وأبقاركم، بل ربما نسائكم أيضاً. هرمس : أيها الناس، اسمعوا، الجنين الذي في بطن هذه المرأة، يخص إيل سيد الآلهة وهل تعلمون ماذا سيحدث لو قتلتم ابن سيد الآلهة؟ عضو2 : إن كان الجنين حقاً هو ابن إله، فليحمِ ذاك الإله ابنه، وليمنعْ عنه القتل، هيا أيتها الجموع المباركة، طهِّري جبيل من الرجس، والإثم والانحراف "تتدافع الجموع نحو الأميرة، يحاول هرمس عبثاً أن يمنعهم من الوصول إليها لكن الجموع تتخطاه، يشدُّون الأميرة من شعرها، يخرجون بها، يتبعهم هرمس، الملك وحيداً مع الكاهن" الملك : هل ابنتي قرينةٌ لثور بري، أفي أحشائها رجس وخطيئة؟!! الكاهن : في أحشاء ابنتك خبرٌ عجيب، وكلامٌ أعجب، فلننتظرْ حضور اليقين. الجوقة1 : الأميرة الطاهرة تُطارَد كخاطئة مقذوفةً بالحجر وأغصان الشجر تطاردُها الجموع خارج المدينة المدينة التي ولدتها أنكرتها ابنة الدلال صارت ابنة اللعنة وابنة الحرير صارت ابنة الشوك والحجارة جوقة2 : أبعدوها خارج الأسوار بعيداً عن الأبواب شدُّوا عليها بالحجارة والغضب واللعنات سدوا عليها المنافذ حاصروها من الجهات خلاصها حفرة القبر وزبانية العذاب هذا جزاء من أسلمت نفسها لثيران البرية وفضَّلتها على رجال المدينة لم يبق رجل إلا احتقر ذاته حين فضَّلت الأميرة قطيع الثيران الهائج على قطيع الرجال المهذب رئيس الجوقة : اصبري يابنة الملك ميتاس فالإله إيل لن ينساك مَنْ أودع مسكه الشريف في روحك لن ينساك إنه إيل سيد الآلهة سيد الموت والحياة سيد القدرة والمعجزة إيل لن ينسى الفتاة المباركة التي اختار تربتها بذاراً لنسله الشريف ومائه الشريف تربةً خيرة تلدُ آلهةً طيبين الجوقة1 : يا للروع، يا للهول أيَّةُ سحابة قادمة أهي سحابة الغضب أمْ سحابة الخلاص السحابة تلفُّ الأميرة ترفعها من مرقدها الأميرة تعلو وتطير والجموع تتبعثر وتجثو الأميرة، تحلِّق وتستقر على صخرة يا للروع أيا سيد الآلهة كم عجيبةٌ أفعالك الفتاة النقية أميرتنا سميرنا تتحول إلى شجرة مسَّتْها أنوار إيل فحوَّلَتْها إلى شجرة شجرة مُرٍّ كريمة الشعب يسجدُ للشجرة الشعب يسجد لابنة إيل بل لزوجة إيل لكن ما مصير الجنين أصار لحاءً في الشجرة أمْ بقي حياً بأنفاس سيد الآلهة (يدخل كاهن مسرعاً، يسجد أمام الملك) الكاهن : مولاي الملك، سيدي رئيس الكهنة، مولاتنا سميرنا المطهرة صارت شجرة. الملك : شجرة؟! الكاهن : شجرة مر. الكاهن الأكبر : إنها لمسة الآلهة، لمسة الإله إيل، أيُّها الملك المحترم، الجنين الذي في بطن ابنتك، هو ابنُ سيد الآلهة إيل، رحم مبارك، لم يعرف إنساناً من قبل، سيلدُ ابناً لإيل. الملك : لكن يقول أنَّها صارت شجرة. الكاهن الأكبر : شجرة ستلد ابناً لسيد الآلهة، ابن الإله، أبوه إيل، وأمه شجرة. الملك : إنني لا أفهم. الكاهن الأكبر : حين تتكلم الآلهة، تخرس الألسن، وتتلاشى الأفهام، افرحْ يا مولاي، فابنتكم اختيرت زوجةً لسيد الآلهة أجمعين، هيّا يا مولاي ولنسجدْ مع الجموع أمام الشجرة، ولنرقبْ ولادة الجنين (يخرج الملك مع كبير الكهنة، وبقية الكهنة). رئيس الجوقة : شهراً كاملاً وأبناءُ جبيل ساجدون أمام الشجرة يرتقبون المولود الإلهي من رحم الشجرة ولدى الآلهة كلُّ الطبيعة رحمٌ لولادة ما تشاء من مخلوقاتٍ0 وأشياء ولدى الآلهة كلُّ الطبيعة قبرٌ لطيِّ ما تلده من مخلوقاتٍ وأشياء بيد تمسك الآلهة البذار وباليد الأخرى المنجل البتَّار
المشهد السادس (سكان جبيل أمام الشجرة، القائمة على صخرة منفردة، شجرة مر) الجوقة1 : جموع المواطنين احتشدت لدى الشجرة انفتخ رحم الشجرة وبان خيال الجنين قنديلاً من نور شمساً من بهاء وجمرة نارٍ متقدة جموع صالحة تنظر بتقى وورع إلى ابن الإله ينمو في رحم الشجرة جموع مشككة قالت إنَّها خدعة وسحر الهواء وجنيات الغاب الجوقة2 : الغاب يصنع قيثارته والبحر يشدُّ أوتاره والبلابل تجلو حنجرتها والريح هيَّأتْ رقَّتها والجدول نايَهُ ابن سيد الآلهة آتٍ فلترنم الأشجار فرحاً وليحتفل الجمال بعيد الجمال والزهور بربيع الزهور وليهنأ الإنسان فالإله يبزغ من حنايا جلده وكهف سره مواطن1 : انظروا، لحاء الشجرة يتفتح. مواطن2 : بل يتشقق. مواطن3 : رأس الوليد يطلُّ من رحم الشجرة. مواطن4 : يا للآلهة المقدسة، إنَّها معجزة، لقد وضَعَتْ الشجرة وليداً. مواطن5 : ما أبهى جمال هذا الطفل، إنه يتلألأ بالنور، رغم احتجاب الشمس خلف الغيوم. مواطن6 : جلده برونزي، نحاسي، كأنه سيف برونز. مواطن7 : ونظراته حادة كأنه صقر، بل ملك الصقور. مواطن8 : إنه يضحك. مواطن9 : كل الأطفال حين يأتون، يبكون، إلا طفلنا، فهو يبتسم. مواطن10 : إنه أغنية الحياة. مواطن1 : أيها الناس، لنأخذْ مولودنا إلى هيكل الإله بعل في جبيل، لتباركه هناك الآلهة، وكاهن الإله المقدس. مواطن2 : هيا أيها الناس، ولتفرحْ جبيل، فقد أكرمتها الآلهة، بإلهٍ من أميرتنا سميرنا، وهذا لم يحدث لمدينةٍ في فينيقيا، أو أمور، أو كنعان من قبل. مواطن3 : مباركةٌ أرض سوريا، أرض الآلهة، ففي معابدها تأوي الآلهة المباركة، مُخلِّفةً أرض العالمين موحشة قفراء. مواطن4 : لنذهبْ أيها الناس بابن سيد الآلهة إنَّه عيدنا، وإنه إلهنا الجديد (يحملون أدونيس يندفعون به بفرحٍ وأهازيج باتجاه هيكل بعل). الجوقة1 : ذهب الناس بسيدهم وتركوا الشجرة وحيدةً تبكي وحيدها الجوقة2 : ما أقسى الناس كأنه ليس للسيد أبٌ أو أمٌ فسرقوا الإله من حضن أمه وذهبوا به فرحين ودموع الشجرة تهطل مدراراً رئيس الجوقة : هرمس الحكيم صديقُ النائحات والضائعات والفاقدات الابن والصديق يُسرِّي عن حزن الأم وغمِّ الزوجة وشرود العاشقة (يدخل هرمس) الشجرة : رُدَّ لي ابني أيها الإله الكريم. هرمس : آه، الأميرة سميرنا. الشجرة : خادمتك، وأمتُك إلى أبد الدهور، لكن رُدَّ لي ابني، ثدياي يهفوان لإرضاعه لبني. هرمس : ابنك ابن الآلهة، فلبنهم ومعرفتهم سيرضع. الشجرة : لكن جسدي قد ولده. هرمس : ولده بالصورة، أما بالمعنى فلم يلده جسد. الشجرة : ألغازكم تسمو عن مداركنا نحن البشر، أعني نحن الأشجار، حررني سيدي من أسر الشجر، ورُدَّ لي إنسانيتي، ولأحضنْ ابني، عندئذ أؤمن أنَّ قضاء الآلهة عادل. هرمس : العدالة، سيد الآلهة هو سيد العدالة، فاسأليه. الشجرة : إنَّه بعيدٌ هناك في ذرا حرمون، ولعلَّ صوتي لا يصل إليه أو قد يضل طريقه وهو صاعد إلى ذراه، أو يتجمد من الجليد، لكن أنت قريبٌ مني، وأنت خزانة الآلهة، والمطَّلِع على أسرارهم ومكرهم وسرِّ قوتهم، ومنها تملك الشيء الكثير، فأرجوك يا سيدي، حررني من أسْرِ هذه الشجرة. هرمس : وتجرين خلْفَ ابنك، وتقولين هذا ابني، وليس ابن إيل. الشجرة : بل أَجري خلفه، أرضعه من صدري، أقبِّلُه وأقول هذا ابن إيل. هرمس : إذن سأحولك في صورة أخرى، غير صورة الأميرة سميرنا، لكي لا يتعرف عليك أهل جبيل، أو إيل فيغضب، مشيئة إيل أن تكوني شجرة، صامتة. الشجرة : في أيِّ صورةٍ حوِّلني يا مولاي. هرمس : سأحوِّلُك إلى صورة (وِلْ) راقصة المعبد، سآتي بها إلى هذه الشجرة، وأنت تذهبين إلى هناك، بعد أن ترتدي صورتها. الشجرة : سأكون راقصة المعبد، وِلْ سيكون اسمي، وصورتها سأرتدي. هرمس : وسأعلمك الرقص، والعزف على القيثارة، وفنون الغناء، والحب، والنجوى والمسامرة، والتسرية، والمداعبة، سأكشف لك آية السيطرة على القلب والجسد، والشعور، وأسرار الحيوان القابع داخلك، وداخل كل إنسان كيف تلتهمينه، ويلتهمك. على أن تكوني أمَةً لي، جسداً وروحاً. الشجرة : أمَةً سأكون لك، جسداً وروحاً. هرمس : بالقوة التي أملكها، غادري هذه الشجرة، وكوني بصيغة /ول/ راقصة المعبد، وأنت أيتها الراقصة التي يتلوى جسدها عارياً الآن أمام رئيس الكهنة، تعالي في الحال وكوني شجرة مرٍّ عوض الأميرة سميرنا، آه، تمَّ الأمر بسهولة فمن يملك سلطان كلمة سيد الآلهة، يمكن أن يحوِّل الأشياء كما يشاء. (يخرج هرمس) الجوقة1 : أيُّ مكرٍ يفكر به هرمس العتيد أية مكيدة يحيكها هرمس المجيد إنه أقوى الآلهة مكراً لأنه يمسك بطلسم السر وصولجان الأمر حجابه الخفاء ورداؤه العماء الجوقة2 : هرمس رسول الآلهة إلى الناس ورسول الآلهة إلى الآلهة يعلِّمُ الناس الحكمة والمعرفة والسرَّ والطلسم ويهيب صولجان القوة من يشاء رئيس الجوقة : هرمس خالد لا يموت متحوِّلٌ لا يزول يتوه النور في ظلمة خفائه ويضيع البصير في طرقات مكره لكنَّه حكيم رشيد يعلم ما يريد
الجـزء الـثانــي مـــوت أدونيــس شخصيات المسرحية حسب الظهور عشيرة : أمّ الآلهة: بعل : إله المطر والصواعق أخاسيس : إله الصناعة عناة : إلهة القوة والحرب والحكمة موت : إله الموت أرشيكيغال : إلهة العالم السفلي هرمس : إله المعرفة، والإلهام، والسر، والخفاء، والإشراق سميرنا : الأميرة سميرنا، ابنة الملك ميتاس، وأمّ أدونيس الكاهن : رئيس الكهنة في معبد بعل في جبيل أدونيس : إله الحب والروح، وباعث الرغبة، والتوازن في الأشياء، أمّه سميرنا وأبوه إيل سيّد الآلهة. عشتار : إلهة الحب والخصب سوريا : إله الشمس، وإله النّور، وإله العقل، وباعث الحياة الطبيعية ميتاس : ملك جبيل آلهة، جوقة1، جوقة2، رئيس الجوقة مواطنون عاديّون، أشراف وسادة، كهنة، جنود الزمان : عام 3500 قبل الميلاد المكان : ذرا جبل حرمون، نبع أفقا على تخوم جبيل مدينة جبيل
المشهد الأول (مجمع الآلهة في ذرا حرمون) الجوقة1 : آلهة برية تسكن في برٍّ سحيق لا درب يفضي إليها ولا طريق متوحشةٌ جافية للبشر سورها الغضب وأبوابها اللعنة من ذا الذي يجرأ على طرق الباب وجموع الآلهة الشرسة ترقد خلف الباب باب المدينة مدينة الآلهة المسوَّرة بالوحشة والانفراد من ذرا حرمون تطلُّ على البشر المتكفلين بطعام الآلهة وشرابهم وتسليتهم ومتعتهم خبز الشعير للناس وخبز القمح للآلهة لحم الغنم العجوز للناس ولحم العجل المسمَّن للآلهة والآلهة غير عابئة بما يجري في أسفل فالناس أسفل والآلهة أعلى لكنْ حَدَثٌ ما غيّر أصول اللعبة ضبابٌ كثيف حلّ في الحقول والعقول والآلهة كما البشر تساءلوا ما المقصود بهذا السؤال وما المعنى من تلك الأحجية أن تلد الشجرة ابناً لسيد الآلهة الإله مولود الشجرة صار حديث الناس وحديث الآلهة ورويداً رويداً قلّ طعام الآلهة وقلّ خمرهم وشرابهم فقد انساقت قلوب الناس مع مَنْ أمه جذع شجرة وأبوه سيد الآلهة فنسوا الآلهة القاطنين في ذرا حرمون فحدث الارتباك الجوقة2 : ونما أدونيس كلمح البصر صار يافعاً في أشهرٍ بل في أيام فالآلهة ينمون ليس كما ينمو البشر ويموتون ليس كما يموت البشر بقوة الخاطر تنمو الآلهة وبالنسيان يموتون برجاء الناس يشرئبون وباليأس يخمدون محبة الناس تنشئ جسدهم المقدس وكلما اضطرمت محبة الناس شبّوا بسرعة اشتعال النار ومتى انطفأت نار الحب غطيت الآلهة برماد النسيان شوق الناس عمارة جسدهم وإهمالهم خراب العمارة طوفان المحبة اجتاح ابن الشجرة فصنع جسداً... إلهياً في ثوان كيف يصبح الطفل رجلاً في ثوان في السؤال كان الجواب الجوقة2 : أشقر الشعر حبيبنا كسنابل القمح جدائله أبيض الجسد حبيبنا كثلج حرمون قلبه أغيد الخصر حبيبنا كأرز لبنان جذعه النسور تأوي إليه وتغزل أحلامها في أعشاشه مستقرٌّ كنهر العاصي وكنبع أفقا صافية عيناه يدُهُ سورٌ وأنامله قلم ونظراته رحيقُ عسل في شفاه الناس رئيس الجوقة : للآلهة رأيٌ آخر ما هو حَسَنٌ على الأرض قد يكون سيئاً في السماء عشيرة : هل هناك متخلف عن اجتماع الآلهة؟ بعل : هرمس. عشيرة : أين هو؟ بعل : فتشت كل الحقول، وهياكل الآلهة فلم نجده. عشيرة : ثم؟ بعل : هناك الإله سوريا، لكنه لا يستطيع أن ينزل من قبة السماء، ويأتي اجتماعنا، فلو وطأت قدماه مجمع الأرباب، لاحترقت الأرض من شدة نور بهائه، لذلك هو بعيد وإن كانت أنواره محيطة بنا، فهو يسمع ويرى من خلال أنواره، التي تمسّنا وتشملنا. عشيرة : لنبدأ اجتماعنا، تلك العاهرة يجب أن نخرجها من مسكن أبيكم، أي مسكن زوجي، أترضون لأمكم أن تمتهن كرامتها من مومس لا تجيد سوى فن الإثارة، أين نار الحكمة، والمعرفة الخلاقة؟ أخاسيس : المعذرة يا أمي، لعلَّ تمتعك بالحكمة، والمعرفة الخلاقة، هي التي جعلت والدنا يلهث خلف تلك المراهقة، المتدفقة بالشهوة والرغبات. عشيرة : إنَّه غرام الآلهة وأنا أدرى به، ليس للآلهة الذكور من أمان. بعل : سيدتي أنت أمنا، وإيل أبونا، فليعمَّ الوفاق بينكما، لكنّ طعامنا قلّ، ونبيذنا نضب، ورائحة البخور في هياكلنا تلاشت، والبشر احتقرتنا، والكهنة أعرضت عنا، لقد ذهب أدونيس بقلب الناس، وهذه هي القضية، إنْ لم نبددْ موجة أدونيس ابتلعتنا، ولنتركْ أبانا وعشتار، يعاشرها أنّى شاء. عناة : مالك يا بعل تتسلح بالجبن سيفاً، والحماقة ترساً، وعوض نزع الأفعى من حضن أبينا، ترعاها؟ أهناك جريمةٌ أقسى من إنكار الزوج زوجته، مَنْ أنبتتْ له سبعين إلهاً، أينساها من أجل مراهقةٍ حسناء، متوثبة النهدين، ملتهبة الموقد، دموية النظرات، ما دخل موقدها امرؤٌ إلا صار رماداً أو شبه رماد، كم من ذكورٍ عاشروا تلك الفاسقة، المتفاخرة بمفاتن جسدها، السكرى من اضطرام موقدها، والمتعالية على الناس بقدرتها على الإيقاد، فلنحرقْ مَنْ جعلت أبانا هُزْءاً بين الآلهة والبشر، فإنْ دافع أبونا عنها قطعنا يده، وبترنا لحيته البيضاء. موت : لنحزمْ أمرَنا جميعاً لقتل أبينا، نحن أبناؤه الأعزاء، سنولم وليمةً، وندسُّ السمّ فيها، وبسيوفنا وكلاباتنا، ومناخسنا وصواعقنا، سنفتِّتُ جسد والدنا، ونلتهم جسده مع طعام الوليمة، فتكون ليلةٌ خالدة، ليلة التهام سيد الآلهة من قبل أبنائه، القتل أقصر طرق الفضيلة، بل هو الفضيلة ذاتها، وقد ارتدتْ أنقى حُلَلها. عشيرة : قلبي جريحٌ، وكرامتي مسحوقة، ونفسي مثلومة، لكنْ إنْ كان أبوكم قد طعن كرامتي مع عشتار، فأنتم قد طعنتم قلبي بحديثكم المشين، والمخزي عن أبيكم، وأهبكم منحة الحياة، قدسوا أباكم وإنْ خان أمَّكم مع آلهةٍ غريبة، إنه سيد الآلهة، ويحق له أنْ يفعل ما يشاء، ولعل حكمته أقوى من نار غضبنا، وحذار أنْ يشهر أحدُكم سيفه بوجه أبيه، أو أخيه، عندئذ تهلكون جميعاً، القاتل والمقتول، سأعود إلى مملكتي في قاع المحيط، مكلومةً من الحزن والأسى. (تغادر عشيرة مجمع الآلهة، يتفرق الآلهة خائبين، يبقى موت، لحظة، تدخل أرشيكيغال) أرشيكيغال : أكان عندكم اجتماع؟ موت : انتهى بالفشل. أرشيكيغال : مؤتمر يسوده قلب الأم، سيفشل في إثارة الحرب والضغينة. موت : ما تدعين أيتها الجميلة؟ أرشيكيغال : أنت أوَّلُ إله يراني جميلة. موت : بل أنت أجمل الآلهة في نظري، وأقربها إلى قلبي. أرشيكيغال : إنني أرشيكيغال، إلهة الموتى، وإلهة العالم السفلي، الكائن تحت التراب، طريقٌ يسير إلى الأمام، ولا يعرف الرجوع إلى خلف، ما نزل مملكتي أحد، واستطاع الخروج من تحت. موت : تحت؟ أرشيكيغال : تحت التراب، عالم الهاوية. موت : الهاوية؟ أرشيكيغال : التي تهوي إليها النفوس هَوَّياً، وتَمُورُ الأجسادُ مَوْرَاً، فَتُطْحُنُ طحناً، وتعجن عجناً، فتندسُّ الأجساد في التراب دَسَّاً، وتندغم النفوس في نهر الجحيم دَغْماً، فأتمجَّدُ بحريقِ الهاوية، وتستعِرُ شهوتي للأجساد الحية، الأجسادُ طعامي، تقدحُ شهوتي، فيصفو مزاجي، فأشربُ الكأس صِرْفَاً. موت : نحن أصدقاء. أرشيكيغال : أصدقاء؟. موت : أجل. أرشيكيغال : ألا تخاف مني؟ موت : بل أحبك، وأتعلق بهواك. أرشيكيغال : لكن قد تثور شهوتي، فأسحبك إلى هاويتي، لتلقِّحَ جحيمي. موت : لا تستطيعين. أرشيكيغال : لِمَ؟ موت : لأنني إله. أرشيكيغال : حتَّى الآلهة أسحبها إلى هاويتي سحباً، كما البشر والحيوانات. بل كما النجومُ والكواكب، والزمان. موت : لكنني الإله موت، فأنا مَنْ أُشبعُ شهوتَك بقبض نفوس تلك الكائنات المغرورة، المختالة كالطواويس تحت ضوء الشمس، أنا الذي يدمر هيكل أجسادهم، ويفتِّتُ تماسكَ رباطهم، أنا مَنْ يسحق الابتسامة على شفاههم، ويورثُ الدمعَ لأزواجهم وأطفالهم أنا مَنْ يسحق الطفل الرضيع على صدر أمه، فأشعر بالنشوة وهو يحشرج، ينظر إليّ بخوف وجزع، بينما أمّه متشبثة بالفراغ تسأله النجدة، خُلِقْتُ لأزرعَ الأسى والجنون والدمع، وحيثما سرتُ، وحيثما سارتْ غيومي، هطلتْ بالخراب والدمار، والخوف والوحشة، أزهارُ حديقتي تزهرُ حين تحلّ الحروب، ولا شيء ينجو من قبضتي، لا شجرٌ ولا إنسان، لا نجمٌ أو زمان، ألستُ صديقاً يليقُ بحبّك يا مليكتي؟ أرشيكيغال : وأين أعثر على حبيبٍ مثلك، سنقترنُ أنا وأنت، اقتران المعصية باللعنة، والجريمة بالغضب، أبواب عالمي السفلي بانتظارك. موت : اسمحي لي، فثمة نفوسٌ سعيدةٌ، سأفسدُ سعادَتها، وأطحنُ وميضَ الأمل في عينيها. ((يخرج، يظهر هرمس)) أرشيكيغال : مَنْ؟ هرمس : هرمس. أرشيكيغال : هرمس الحكيم؟ هرمس : تتنزهين هنا في حقول إيل كأنك تنتظرين كائناً ما؟ أرشيكيغال : أنتظر عشتار أختي. هرمس : إن كنت تودين رؤية أختك، فيجب أن تنزلي إلى الأرض. أرشيكيغال : الأرض؟ وسيد الآلهة؟ هرمس : لقد تسلل خفية من عيون الآلهة، هو وعشتار، حيث قاما بفعلهما المريع. أرشيكيغال : فعلهما المريع؟ هرمس : لقد استنبتا طفلاً. أرشيكيغال : استنبتا طفلاً. هرمس : من جذع شجرة. أرشيكيغال : عمّ تتحدث يا هرمس؟ هرمس : عن ابن الشجرة. أرشيكيغال : أتراك أسرفت في الشراب؟ هرمس : أفعال الآلهة أشدّ سكراً من الشراب. أرشيكيغال : أتعني. هرمس : سيّد الآلهة إيل، استنبت الشجرة طفلاً، إنه ابنه. أرشيكيغال : ابنه ابن الشجرة؟ هرمس : بل ابن التراب، لكن بصيغة الشجرة. أرشيكيغال : ألغازك تشوشني، أين عشتار؟ هرمس : تسعى خلف طفل الشجرة. أرشيكيغال : ومتى كانت عشتار تسعى خلف الأطفال الرضّع؟ هرمس : الطفل الرضيع صار إلهاً خارق الجمال والقوة والفتنة، فسارت خلفه فراشات الحقول، وحملان القطعان، حتى الجداول سارت عكس اتجاهها، والزوجات تركن أحضان أزواجهنّ، أمّا العذراوات فالمشكلة عندهنّ. أرشيكيغال : عمّ تتحدث يا هرمس، يا سيدي هرمس، أيّها الإله المبجل. هرمس : أتحدث عن أدونيس. أرشيكيغال : اسمه أدونيس؟ هرمس : هكذا سمّاه أبوه إيل. أرشيكيغال : أهو قوي إلى هذا المدى؟ هرمس : قوة لم تشهد قبّة السماء، ولا بساط الأرض مثلها من قبل. أرشيكيغال : أدونيس عشيق عشتار؟ هرمس : هكذا تريد عشتار. أرشيكيغال : إذن سيكون لي نصيب به. هرمس : بل عشتار ستخفيه لنفسها. أرشيكيغال : إنها الحرب إذن. هرمس : تدبَّري أمرك، قبل أن تهرب عشتار بمن فَتَنَ الآلهة والكواكب على حدٍّ سواء. أرشيكيغال : سأتدبرُ أمري، عشتار لم ترَ مخالب أختها أرشيكيغال بعد، وفي حرب الرجل لا توجد أنصاف حلول، إمّا كله، أو لا شيء (تغادر) هرمس : وهكذا تبدأ اللعبة، ونحن أحجار شطرنج على رقعة اللعبة، لعبة فيها لاعبٌ وحيدٌ رابح هو سيد الآلهة، وفيها لاعبٌ وحيدٌ خاسرٌ هو سيد الآلهة أيضاً
المشهد الثاني (معبد بعل في مدينة جبيل) الجوقة1 : الكرمة تهدي خمرتها لابن الشجرة والكنار يرنم آياته لعاصر الكرمة الشمس تكوّرت حين رأت هذا الجمال والحديد لان حين لامسته يداه والبحر أحنى رأسه والبرق قدّم سيفه وهدأ الزلزال الجوقة2 : استكانت العناصر بكفه يرميها في كوره ويطرقها على سندانه ويكوِّنُها كيف يشاء روّض الريح ودجّن العاصفة وأهمد البحر الماكر حباه هرمس الحكمة والإله سوريا الضياء سيد الآلهة أعطاه صولجان الأمر وقوة القهر وكتاب الأسماء (سميرنا ترقص على إيقاع دفٍ، وناي رئيس الكهنة يؤدي صلاته أمام تمثال بعل، البخور يتصاعد من المكان). الكاهن : بعل، أيها الإله المقدس، إنه أوان دخولك الهيكل، وتفقد أحوال رعيتك، معبدك يا سيدي مهجور، ومذبحك ناصع البياض، انحاز شعبك يا مولاي إلى إله غريب، ولدته الخطيئة، أو مكيدة الآلهة، خزائننا ملأى بالحبوب، وأقبيتنا بالخمرة، لكنّ الناس في اضطراب، فتقبَّلْ يا مولاي هذه الخمرة، وهذا الجسد الجميل، فلينغرسْ سيف برقك في عمقه، ولتثخنه بالجراح، فإنه عبْدَكَ، جسدٌ فتيٌ لإلهٍ فتي، سأخرجُ من الهيكل، كي لا ترى عينيَّ حب الآلهة المقدس. (يخرج رئيس الكهنة، تتقدم سميرنا من المذبح، وترقد فوقه مستسلمة بنشوة رائحة البخور لا تزال تسري في المكان، والأنغام تصدح في المعبد، صوت خطوات، يدخل أدونيس) سميرنا : إلهي بعل، هبني طعم ثمرتك. أدونيس : أية ثمرة؟ سميرنا : ثمرة التفاح. أدونيس : لكن لا تفاح على الأشجار. سميرنا : أرغب بتفاح آخر. أدونيس : ما تدعين أيتها الأخت الفاضلة؟ (تنهض سميرنا، تستيقظ من نشوتها كمن لسعته أفعى) سميرنا : مَنْ أنت؟ أدونيس : مَنْ تظنين؟ سميرنا : أنت لست إلهي بعل، فلا سيف معك، ولا ترس، ولا سوط، تهذب به جسدي. أدونيس : أنا أعزل كما ترين، أنفر من كل تلك الأسلحة. سميرنا : لكنّك إله. أدونيس : إله؟ سميرنا : من أين دخلت؟ باب الهيكل مغلق، ولا منفذ آخر. أدونيس : إنْ لم يفتح الباب عبرنا من الجدران. سميرنا : أنت إله إذن. أدونيس : أجل. سميرنا : وما تدعى؟ أدونيس : أدونيس. سميرنا : حبيبي وصغيري الضائع. أدونيس : حبيبك، مَنْ أنت أيتها الفتاة؟ أعني أيتها المرأة. سميرنا : إنني ول راقصة المعبد. أدونيس : راقصة المعبد؟ سميرنا : أخدم إلهي وسيدي بعل، وأدخل السرور على قلب سيدي رئيس الكهنة، إنني منذورة للإله بعل، ولسيدي رئيس الكهنة. أدونيس : وأين هو ذاك اللص؟ سميرنا : لا تجدّف يا مولاي. أدونيس : الآلهة لا تجدّف، بل تلقي بالحقائق، شعب جبيل في جوع وضنك، ومخازن الهيكل ملأى بالغلال، أيها الباب تبعثرْ، (ينفتح باب الهيكل فجأةً، تتدفق جماهير غفيرة من الباب) هيَّا أيتها الجموع مخازن الهيكل أمامكم، لا تبقوا على حبة قمحٍ واحدة، أو برميل نبيذٍ واحد، إنَّه خبزكم يُرَدُّ إليكم، طعام الآلهة فرحكم، ومسرتكم، وليس اللحم والعرق، والخبز والنبيذ، (الجماهير في هياج وصياح يندفعون باتجاه المخازن، يخرجون حاملين أكياس القمح، وجرار الخمر، هاتفين، هازجين) ليعانِ رئيس الكهنة من الجوع الذي أهلكَ نصف أطفالكم. سميرنا : إنني فخورة بك يا بني، أعني يا إلهي، بل يا حبيبي. أدونيس : ما أمرك أيتها المرأة، نظراتك تقول لي أشياءَ وأشياءَ. سميرنا : ماذا تقول؟ ظلمةٌ تغشى عينيّ، كأنها تحول بيني وبين معرفة مَنْ… أنت، لعلّه حجاب إيل يلقى عليّ، لكي لا أعرف ما السر. سميرنا : أيُّ سِرٍّ؟ أدونيس : مَنْ أنت؟ سميرنا : ماذا يقول قلبك؟ أدونيس : قلبي هو الآخر في حالة تشويشٍ واضطراب. سميرنا : إنني يا سيدي راقصة المعبد، أهبُ جسدي للإله بعل، أو من يرسلهم من قبله من أناس مباركين، أو حيوانات مقدسة، أو طيوف هائمة، أبعث اللذة والدفء في جسد الجميع. أدونيس : أنت لست كذلك، قلبي يقول ذلك، تتخذين اللَّذة ستاراً يحجب حقيقتك، آه، لو يرفع أبي عن عينيّ حجابه، فأرى مَنْ أنتِ، لعلّ هرمس أخي ينجدني بطلسماته، فأفُكّ سترك. سميرنا : حين كل العيون تنساك، ستبقى عيناي يا حبيبي ذاكرتك وذكراك، وحين كل الدموع تُطْوَى عن ثراك، ستجدُ دمعي ترياقاً يسقي تربتك، وحين كلُّ الشفاه تنسى اسمك، ستبقى شفتاي ترتل اسمك، حبيبي، وصغيري، أدونيس. أدونيس : إذن سنلتقي. سميرنا : حتماً. أدونيس : وأنا سعيد لذلك، أيمكن أن أناديك أمي؟ سميرنا : أمي. أدونيس : أجل. سميرنا : لكنَّ أمَّكَ شجرةُ المرِّ. أدونيس : أشعر أنّه قد حدثت مكيدةٌ ما، أشعر أنّ الشجرة ليست أمي، إنّها كثيرة الاهتزاز، كأنَّها راقصة. سميرنا : لعلّها أنا؟ أدونيس : كنت أتمنى لو أنك أمي. سميرنا : وأنا أتمنى لو أنك ابني (تبكي) أدونيس : تبكين. سميرنا : لأنني في حضرة إله. أدونيس : لا عليك يا امرأة، سَأُبْقِي لكِ كيس قمح، فالشعب في جبيل أتى على قمح الكهنة (يشير بيده لأحد المواطنين، فيرجع كيس القمح إلى المستودع) سنلتقي إذن، عديني بذلك. سميرنا : أعدك. أدونيس : ولن تخلفي وعدك؟ سميرنا : وهل ينكر الدمع مجراه، أو تنسى العين دمعها (يغادر أدونيس، تنخرط سميرنا في بكاء حاد، الجماهير تغادر المكان حاملة الأرزاق، يدخل رئيس الكهنة شبه مجنون من الغضب والحقد). الكاهن : أولئك الأوغاد لن ينجوا من العقاب، الإله بعل وقد أهين في هيكله.
المشهد الثاني (الزمان: الأيام الأخيرة من شهر آب المكان قرب نبع أفقا، في تخوم جبيل البعيدة) الجوقة1 : خرجت عشتار تتصيد فراشةً، أو نحلةً، أو ثوراً صاعقة، أو ريحاً، أو ماء لكنّ شهوتها تبغي خابية العسل فتنتشي وتحطم الخابية إنّها محطّمة الجرار الجوقة2 : إنّها عشتار ملتهمة الحطب سعيد مَنْ أدخل حطبه في موقدها وشقي مَنْ صار ناراً في موقدها رماداً تصيرُ النار وهباءً يصير الحطب لكنْ هكذا قدّرت الآلهةُ الأشياء لكيْ تولد النار فلا بدّ من الاحتراق متعتنا النّار وجسدنا الحطب عشتار : الثيران تسعى خلف أناثها، والريح خلف السّحاب، وأنا وحيدة، أطلب حبيبي فلا أجده، سيّد الآلهة غطّاه بردائه، فحجبه عن العيون والأبصار، لكنّ هرمس الحكيم أعطاني هذه الكأس وقال: ضعي الكأس تحت شجرة البلوط، فيأوي إليك أدونيس، كما تأوي الطيور لوكُناتها، إنّه ابن الشجرة، والكأس ابن الكرمة، فهما ابنا عم، بل، أخوان، هذه شجرة البلوط، وهذه كأس الخمر، فلننتظر قدوم الطريدة (يدخل أدونيس، لا يلاحظ وجودها بعد) سيدي وإلهي، وحبيبي ونجواي، سأتبدّى له بثوبي اللازوردي، فهو يهوى الفيروز من الألوان، سأبعد فتحة الصدر إلى ما دون السرّة، فيبدو له خطفاً جمال ثدييّ، فيقع في بركة الحليب، عسلي طازج رغم أنّ كل الألسن ذاقته، وعسلي بكر رغم أنّ كلَّ الشفاه مستّه، هذا الإله الساحر، طعام جميل لوجبةٍ ملكية فاخرة، ألتهمه صباحاً مع تغريد الكنار، حين تسرّح الرّيح جدائِلَها (تبدو عشتار بثوبها الفيروزي لأدونيس) أدونيس : آه، مَنْ أنت أيتها الشّمس؟ عشتار : إنَّني القمر يا حبيبي. أدونيس : القمر؟! عشتار : ألا ترى أنني أرتدي ثوب القمر، رغبةً فيروزية، تُسْقَى من حَانِ الجنون والغياب. أدونيس : أنتِ إلهة؟ عشتار : أنا أنتَ يا حبيبي. أدونيس : أنا أنتِ؟ عشتار : إنَّني ظِلُّك. أدونيس : ما هذا اليوم المليء بالأحاجي؟ عشتار : لستُ أحجيةً بل لغزاً، ولحلّ اللغز لا بدّ من فكّ الخيال، فاشربْ يا حبيبي هذه الخمرة، إنّها النغم الساري من تويجات الزهور، المكللة لجبين الهضاب والبراري، مع كل ربيع تعزف لحنها السماوي. أدونيس : مَنْ أنت؟ عشتار : أنا القمر، وتراني الشّمس، فلكي تعرف مَنْ أنا، اشربْ. أدونيس : أشربُ ماذا؟ عشتار : خمرةَ باخص، عصرت من كروم الآلهة، في ذرا حرمون. أدونيس : أخي باخص؟ عشتار : أخوك باخص. أدونيس : (يأخذ الكأس، يشربها دفعة واحدة) لقد فرغت الكأس. عشتار : كأس باخص لا يفرغ. أدونيس : (ينظر إلى الكأس) آه، ملئت ثانية؟ عشتار : إنه كأس الآلهة، خمرته مترعة، أنهاره دفّاقة، وبحاره هدّارة، ورياحه مكّارة. أدونيس : ((يفرغ الكأس ثانية)) أعندك المزيد من هذا البلسم؟ عشتار : بحارٌ وبحار، روحك عطشى ولدينا مزيد. أدونيس : ((يشرب إنه الآن منتش)) آه، كم أنت جميلة يا إلهتي، ((يشرب منتشياً). عشتار : إلهتك؟ أدونيس : إلهتي الجميلة. عشتار : خُذْ كأساً أخرى، فقد تراني نارك وجحيمك. أدونيس : ((يشرب)) اخلعي رداءَك. عشتار : سأخلع ردائي الفيروزي، لأرتدي ثوبي الأرجواني، سترى جسدي كما هو رغم ارتدائي الأرجوان. أدونيس : آه، ما هذا؟ عشتار : هذا أنا. أدونيس : كل تلك الزوابع والأعاصير والبروق هي أنت؟ عشتار : وثمَّة مهاوٍّ من أودية الجحيم لم ترها بعد، جحيمٌ لن تراه، لأنك يجب أن تلج فيه. أدونيس : كيف؟ عشتار : أعطني يدك، لتتذوقَ طعمه، فتنسى برودة حقول إيل، وسكونها. أدونيس : "آه، أين أنا؟ عشتار : في غابة جحيمي، بين أغصان الشجر النارية. أدونيس : إنني أموت وأتحوّل. عشتار : مُتْ بي، لتحيا فيّ. أدونيس : إنني أموت بك، لأحيا فيك. عشتار : أنت الآن أنّة جسدي الخفية، أطلقها في بهيم الليل حيث الكلُّ نيام، أنت الآن تنبض في موقدي كنقار الخشب. أدونيس : أشعرُ أنني لست أنا، جسدي يتركب في جسدك. عشتار : أنت تتركب فيَّ وأنا أتركب بك، سمائي تطابق سماءك، وأرضي تلج أرضك، وجحيمي يجتاج جحيمك، وأنهار عسلي تندلق في جرارك. أدونيس : ما ألذّ هذا العسل. عشتار : مجنيّ من أزهار الجحيم، ومخبأ في كهوف الرغبة، منذ آلاف السنين. أدونيس : ماذا أفعل؟ عشتار : لا تفعلْ شيئاً، اسكنْ بيّ، واطمئن، واهدأْ، وتلاشىَ موجةً على شاطئ حبي. أدونيس : يجب أن أغادرك. عشتار : لا تستطيع، فقد تعشّقت بي، وتركّبت، وتداخلت، محال فصل لبني عن لبنك، ومائي عن مائك، امتزج الماءان، فهمدت الشمس، وأضاء القمر. أدونيس : أية مصيدة ألقيتُ بها؟. لطالما حذرني أبي إيل منك، أيُّ مكر حاق بي؟ عشتار : إنّه مكر هرمس يا حبيبي. أدونيس : وماذا يبغي هرمس؟ عشتار : لا أدري ما هي غايات هرمس، لكن أدرك أنني أموت وأحيا من لذّتكَ آلاف المرات، يا حبيبي، قوّة الإله ثور انتقلت إليك، قوّة سيّد الآلهة إيل صارت فيك، لذّة تحطم أعتى الجبال، فكيف بجسد أنثى ضعيف مثلي، آه، أشعر أنني عاجزة عن احتواء فيض قوتك الطاغية، فلا بدّ أن أفلتك، وإلاّ أنت محطّمي، ومفتتي ذراتٍ، وذرات. (يظهر أدونيس) أدونيس : آه، هذا يذكرني بغرام الكلاب، أيتها المرأة، لقد صفحت لك شهوتك، لكن حذارِ أن تقتربي ثانية وإلاّ حوّلتك رماداً. عشتار : أعلم أنك قادر على ذلك يا حبيبي، لكن هذا يروق لي، وهو غايتي العليا. أدونيس : أمَّا أنا فلي غايات أخرى. عشتار : غايات أخرى. أدونيس : ميزان العدل. عشتار : ما به؟ أدونيس : أتيتُ لأرفعَ كفتيّ العدل في سماء جبيل، وعلى أسوار بيروت وصور وأوغاريت، فوق ربا دمشق وماري، وفي حصون نينوى وتلال عمون، وسهول أريحا. عشتار : مشوارك طويل والطريق إلى جسدي أقصر. أدونيس : الطريق إلى جسدك هو الطريق إلى الموت، وأنا طريق الحياة أمرت أن أسلك، هكذا أبي سيّد الآلهة قال، طريق الحياة تسلك، طريق الناس تقتفي، فحيث تزرع بذور الناس تنتش الحياة. عشتار : أنتم الآلهة الطيبون، مغرمون بآلام الناس، معرضون عن آلام الآلهة مثلي. أدونيس : عشتار أيتها الأمّ الولود، مقدّس فعلك في إنتاش الأرض، وانتاش الناس. عشتار : أدونيس أيّها الإله الجميل، أبغض الأسماء ليّ الأمّ الولود، وأحبها إليّ سيّدة الرغبة والإثارة، نادني ربّة الأنوثة، موقظة الموتى من مرقدهم، تسير قطراتي في عظامهم النخرة، فيهبّون أيقاظاً، نادني عشتار واهبة الذكورة فحولتها، والأنوثة رقّتها، أمزج النار بالماء في إناء واحد، فأساوي بينهما. أدونيس : أيّتها الآلهة المحترمة، حسبك ما وهبتك من متعة. عشتار : حسبي يا حبيبي ما وهبتني من متعة، متعتك ستبقيك في ذاكرتي عاماً كاملاً سأغيب بعيداً في كوكبي على سطح الزهرة، وقد ألجأ إلى المريخ، ستبقى ذكراك زيت مصباحي أرى به الأشياء، لكن حذار لو أتيت في العام القادم إلى هذا المكان في مثل هذا الزمان ولم أجدك. أدونيس : إن لم أكن هنا فستجدين زهرة الشقائق، رسالة تدلّ عليّ، وإشارة تنمّ عنّي. عشتار : بم تتحدث يا مولاي فلا شقائق في آب.؟ أدونيس : قد يأتي موعدنا باكراً، وقد تكون حقول الشقائق موعدنا. عشتار : أنت مولاي، أدونيس اسمك، وأزهار الشقائق رمزك، فتقدس اسمك يا مولاي، وموعدنا، يوم تدخل الشمس ثانية برج السنبلة.
المشهد الرابع (قاعة الملك في قصر الملك ميتاس في جبيل، عامة الناس، كهنة، تجّار جبيل، إنّه مجلس المدينة وهو في حالة انعقاد، لكن يمتاز بحضور جمهور غفير، أدونيس بجانبه هرمس يقفان في زاوية من القاعة، يراقبان ما يجري)) الجوقة1 : لامتشاق سيف العدالة أتى ابن الآلهة بصيغة البشر ليكون سيف العدالة برّاقاً نظيفاً من دم الأبرياء أو رشوة الأغنياء الجوقة2 : ليرفع راية العدالة أتى ابن الآلهة بصيغة الإنسان لتبقى راية العدالة مضيئة كسراج يضيء عالم الآلهة فلو أطفئ سراج العدالة لعمّ الظلام عالم الآلهة والإنسان بالعدل تحيا الآلهة وبالظلم يتوارون هكذا قرر سيدنا ايل أشدّ الخطايا ظلم الإنسان أكل مال الأرملة والمسكين والبغي على الفقير واليتيم رئيس الجوقة : سيّد الآلهة بعث ابنه أدونيس ليصحح الميزان في الأرض فيستوي الميزان في السماء سيد1 : هذا لم يحدث من قبل في جبيل، "الفقراء يثبون على أملاك الأغنياء، والمشردون يطؤون عتبات الهيكل المقدس، ويجامعون البغايا المقدسات، دون دفع الأتاوات، والناس، الناس يقتحمون حرم الهيكل، ويقتاتون بطعام الآلهة من قمح ونبيذ، ولحم مقدّد، ويتركون الآلهة جوعى، عطشى، ذابلة من انقطاع الأرزاق، فهل من عجب أن تنأى الآلهة عن ديارنا، إن لم نعتذر من الآلهة بتقديم القرابين البشرية، وفاخر الطعام، فمصير جبيل إلى دمار. سيد2 : ومن المحرض؟ إنه أدونيس، مَنْ يدّعي أنّه من نسل الآلهة، وما هو إلاّ أفّاك مغامر، قذفته الريح أو أمواج البحر. مواطن 1 : اخرس أيّها السمين، ذو اللحم المتين، أدونيس هو ابن سيد الآلهة، ولم نعرف الشبع إلاّ حين رأيناه، وحتى لو لم يكن ابن سيّد الآلهة، فهو سيّدنا، وقائدنا وأميرنا. ((صيحات الاستحسان من المواطنين) ميتاس : يمنع الشغب في حضرة الملك، أتمّ أيّها السيّد الشريف. سيد1 : بل زميلي سيتم. سيد2 : أرى أيّها الملك العزيز، أن نطرد أدونيس خارج الأسوار. ميتاس : إنّه يدّعي أنّه إله. سيد2 : وما أية ذلك؟ ميتاس : هكذا يقول. سيد2 : ولو ادعيت أنني ابن الإله سوريا فهل تصدقونني؟ (الجميع يضحكون) مواطن2 : إنك سيناس المرابي، والكل يعرفك. سيد2 : إذن ليثبت لنا أدونيس، أنّه ابن سيد الآلهة إيل، ولنفترضْ أنه ابن سيد الآلهة، فهل أبوه سيد الآلهة، وسيدنا، أمره بهذه الأفعال المريبة؟ والباعثة على الفوضى، والفساد في المجتمع، أليست الآلهة هي دعامة النظام في المجتمع فكيف ترسل من يفسد هيبة النظام وتماسكه؟ والنظام هو العدالة، فلا عدالة بدون نظام، فكيف يدّعي أدونيس أنّه قد أتى لنصرة العدالة؟ وبمعولـه يهدم أسس النظام في المجتمع، وهذا ما يمسّ هيبة الملك، فأية عدالة ستشاد، لو أُسلمت شؤون العدالة ليد الغوغاء؟ (الجميع في صخب شديد، بين مؤيد ومعارض)) ميتاس : ما رأي رئيس الكهنة؟ رئيس الكهنة : أدونيس قد سطا على معبد بعل، وسرق طعام بعل، لو كان أدونيس ابن سيد الآلهة، فهذا يعني أنّ بعل هو شقيق أدونيس، ما حكم الأخ الذي يسرق خبز أخيه، ويسلمه للجوع، أليس الطرد خارج أسوار المدينة؟ ميتاس : ما رأي قائد الجند؟ قائد الجند : بيروت تجهز جيوشها لغزو جبيل، وصور تجهز جيوشها لغزو صيدا وأوغاريت تجهز جيوشها لغزو بيروت، ونحن لاهون، يجب أن نجهز جيوشنا لحرب الجميع، لسنا أقلّ بأساً منهم، إنّ أدونيس يعيقنا عن الحرب، لأننا لا نجد رجالاً يحلمون بالحرب، والبطولة، والمجد، وسفك الدمّ، بل رجالاً يحلمون بالسلام والرفاهية، والحب، وشرب الخمر، لقد أفسد أدونيس شبابنا، فيجب أن نحكم عليه بالقتل. ميتاس : ما دفاع المتهم عن نفسه؟ ((يتقدم أدونيس وسط القاعة)) أبن حججك، وأوضح سندك، وأوجز ردك، لم أتيت إلى جبيل؟ أدونيس : لقد أرسلني أبي، سيّد الآلهة، وأبو البشر، لأحقق العدالة، وأبني المنارة، ((ضجّة في القاعة)). ميتاس : فقرة، فقرة، قلت أرسلني أبي سيّد الآلهة والبشر، أليس كذلك؟ أدونيس : أجل. ميتاس : أثبت أنّه أبوك. أدونيس : الابن لا يدافع عن بنوته، بل الأبّ يدافع عن أبوته. ((الجميع مذهولون من وقع الحجة)) ميتاس : هذا صحيح، حجّة دامغة، إذن، والمعذرة من ذلك ليدافعْ سيّدنا وسيّد الآلهة إيل، عن أبوته لك. أدونيس : إن كان ايل أبي حقاً، فهو سيدافع عن أبوته لي، سيرسل من يثبت تلك الأبوّة. ((يظهر هرمس وسط الحلبة)) ميتاس : مَنْ أنت؟ هرمس : ماذا تقول لك أنواري؟ ميتاس : تقول أنّك إله شريف. هرمس : وأنا إله شريف، أنا هرمس، رسول أبي إيل إليكم، أرسلني سيّد الآلهة، لأنّبئكم، أنّ أدونيس هو ابنه ((ضجّة في القاعة، المؤيدون لأدونيس يهتفون فرحين)). ميتاس : الزموا الهدوء يشرفّنا أن نستقبل رسول سيّد الآلهة، مولانا هرمس، لكن نحن الآن في قاعة محكمة، ولسنا في قاعة ملك، وأنا الآن القاضي ميتاس، فأنا أتصرف وفق البنود المكتوبة في دستور المدينة، ولكي تصحّ شهادة مولانا هرمس نحتاج لشاهد آخر، أهناك بشرٌ أو إله يؤيد شهادتك، ويشهد بأنّ أدونيس هو ابن الإله إيل، وإنْ شهد فما هو مستنده؟ أنتم الآلهة لا تحتاجون لسند لسانكم الصدق، لكن السند مطلوب منّا نحن البشر، ((لحظة صمت لا يتكلم أحد)) إذن لا أحد يدعم شهادتك، فأنا أقرر أنّ ((يشرق فجأة نور باهر، تغشى منه عيون الجميع باستثناء هرمس وأدونيس فيتراجعون مذعورين يختبئ ميتاس خلف العرش وخلفه رئيس الكهنة)). ميتاس : مَنْ أنت؟ صوت : أنا الإله الشمس، أبي إيل سماني سوريا ليشرق اسمي في كل مكان. ميتاس : ضياؤك يا مولاي كاد يهلكنا، فلتحجب من ضيائك يا مولاي، فقد كدنا نفنى من ظهور النور ((يتضاءل النور)). صوت الإله سوريا: إنّه صوتي، وليس نوري، وصوتي من نور أيضاً، إنني أعلن وأنا الرائي لكل شيءٍ يدبُّ فوق سطح الأرض وتحتها، أرى في النهار لأنني أنا النهار، وأرى في الليل لأنني مرآة الليل، وجهي مرآة الأشياء ولقد انعكس على مرآتي صورة إيل، وهو يضع إرادته الشريفة في جسد سميرنا ابنة الملك ميتاس، فحملت الأميرة الطاهرة بفكرةٍ إلهيةٍ مشرقة، أينعتْ جسداً إنسانياً خلاباً هو أدونيس الماثل أمامكم، ولو شئتم، لأعدتُ لكم الصورة كما رُسمت في مرآتي، لحظة أتى خيال سيد الآلهة وبثّ في جسد سميرنا أحرفه النورانية. ميتاس : نريد الدليل الملموس. صوت الإله سوريا : الدليل الملموس سأبثّه في مرآة عقولكم، ليبقى راسخاً فيها، فلا تعود للتمرّد والتشكيك في فعل الآلهة ((لحظة)). ميتاس : آه، إنني أرى. الجميع : إننا نرى، أدونيس إلهنا، أدونيس سيدنا ((يتوارى ضياء الإله سوريا)). ميتاس : أعلنُ أنّ أدونيس ابن سيدنا إيل، طاعته فرض، السجود لـه حقٌّ، وأنا أول الساجدين ((يسجد الملك ميتاس أمام أدونيس فيسجد الجميع له)) العرش لك يا مولاي. أدونيس : وهل يعلو الغصن على الجذع، جسدي من جسدك، فانهض يا سيدي فالملك لك ((ينهض ميتاس، يجلس على عرشه وينهض الجميع)) الآن عرفت مَنْ هي أمي، سميرنا أمي، وسيد الآلهة إيل أبي، أبي إيل أرسلني لغاية محددة. أن أرفع ميزان العدل فوق جبيل، وأرض فينيقيا وكنعان، عين أخي سوريا هي الرقيبة، ويد هرمس هي المرشدة وقوة إيل تسري في عقلي، أبي إيل أرسلني لأبلّغ رسالته لسكان فينقيا وأمور، وكنعان، أن تصهروا السيوف وتحولوها لسكك حراثة وأن تمتشقوا المحبة سيفاً، والإخاء ترساً، والعطاء رمحاً، أبي إيل يقول ذلك ((الحرب تخالف مشيئتي ـ ازرع لقاحاً في الحقول ـ اسكب السلام في كبد الأرض ـ أرمِ السلاح))() ميتاس : نرمي السلاح أو نشهر السلاح؟ أدونيس : بل ترمون السلاح، وسلام يكون بين فينقيا وأمور وكنعان، أبي إيل يقول ذلك. ميتاس : وإن رمينا السلاح، كيف نقي أنفسنا غائلة القتل، وجيوش بيروت متجهة لقتالنا وجيوش أوغاريت تقصد بيروت لدمارها، وصور وثبت على صيدا، وصيدا انقضت على صور، الكل أشهر سلاحه فلم نرمي نحن سلاحنا؟ أدونيس : جبيل وبيروت وأوغاريت وصيدا وصور أرض فينيقيا، وماري، ونينوى، ودمشق أرض أمور، وعمون وأريحا أرض كنعان، والكل جسد واحد هو جسدي، والكل مشيئة واحدة هي مشيئتي، أبي إيل يقول ذلك. ميتاس : إنها المجاعة، وأنه القحط، وقيود التجارة، ونحن ندور في دائرة ضيقة. أدونيس : أبي إيل يقول، وسّعوا دائرة الزمان والمكان. ميتاس : لا نفهم يا مولاي ما تقول. أدونيس : فينيقيا محاصرة بالجبال، وأمور وكنعان بالصحراء، لنوسع المكان، ليكنْ البحر حقلاً نرمي به بذورنا. مواطن : أنزرع البحر، ماذا سنحصد إذن؟ أدونيس : سنزرع البحر سفناً، فنحصد الرفاه والرخاء لفينيقيا وأمور وكنعان. مواطن : وماهي السفن أيها الإله المبجل؟ أدونيس : أجسادٌ من خشبٍ وكتان تمشي على سطح الماء. مواطن2 : أجساد من خشب تمشي على سطح الماء، إلى أين تسير وكيف؟ أدونيس : بالشراع تسير، ومن شاطئ بحر إلى آخر تعبر، حاملة بضائع وجالبةً بضائع أخرى. سيد : هذا عظيم، بل فتح أمام التجارة أتمّ أيها الإله الذي أنقذ شعبه. أدونيس : أخي هرمس سيعلمكم صناعة السفن ومسالك الريح ومواقع النجوم. مواطن3 : مواقع النجوم، لِمَ؟ أدونيس : بها ستهتدون بالليل وسيرسم لكم خارطة السماء الفلكية. مواطن4 : وفي النهار. أدونيس : سيهبكم البوصلة، فبالمغناطيس إلى جهة الشمال ستعرجون. سيد2 : هذا فوق ما نحلم، يحيا أدونيس. الجميع : يحيا أدونيس. أدونيس : أبي إيل يقول، جسداً واحداً تغدون، وإرادةً واحدةً تنصهرون، أنتم سكان فينيقيا وأمور وكنعان، أرض الإله سوريا، وجسد إيل الخفي، الإله هرمس منارة إلهامكم، وسوريا بهاء إرادتكم، هذه مشيئتي إلى نهاية الزمان، فلتدعُ أيها الملك ميتاس، ملوك سوريا العشرة، ملوك المدن العشر، ولتنبئهم بمشيئة أبي إيل، ولتعلنْ لهم ظهور الإله لكم، وتجليه عليكم، وليكن هذا اليوم يوم ظهوري لكم، عيداً لكم، تحتفلون به بمتعة ومسرة، إلى نهاية الزمان، وليكنْ هذا اليوم عهد محبة ووفاء وإخاء، بين المدن السورية العشر، أرض الإله سوريا، ها أنا أراكم، وها أنتم ترونني، فلا تقولوا إنها أضغاث أحلام بل قولوا الربُّ تجلّى لنا، والربّ تحدث إلينا، فلنحتفلْ بيوم ظهور الرب، لتسلْ الخمور في الدروب، ولتنسلْ النشوى الخوف من الصدور، ولتندمجوا جسداً واحداً تسري فيه روح الإله، تبارك اتحاد إرادتكم واتحاد أجسادكم قطرة ماءٍ واحدة، فخير ما تقدمونه لسيّدكم، هو جسدكم، فالجسد مسكن العقل، وتربة النفس، ونافذة الروح، ولكي يحلّ أبي إيل في دياركم، ليخرج الظلم أولاً من منازلكم. ومتاجركم، وأسواقكم ومعابدكم. ميتاس : وأنا الملك ميتاس، أعيد ما اغتصبت من منازل وأراضٍ إلى أهلها، ومنذ هذه اللحظة، أفارق بين الملك والقاضي، فلينتخبْ الشعب قضاته، وليكن حكمهم سارياً على الملوك، كما على الفقراء، فلا يميز القاضي بين تاج الملك، وأسمال الفقير البائس ((هتاف من الحضور بتحية الملك)) وأنت أيها الإله الجميل، قصري سريرٌ لك، هَبْ سريري شرف النوم فيه. أدونيس : بل صدر أمي سريري، سأبحث عن سريري، كيف تعرف عيناي الوسن، وأمي وحيدة في الغابة، تؤنس وحشتها القوارض والأفاعي، وغناء ابن آوى، المعذرة يا سيدي، سأعود صباح الغد. ميتاس : قد لا يكون غد. أدونيس : يكون أمر سيد الآلهة قد سرى. ميتاس : أيها السيد الإله، إنه فرح في قلوبنا أن نراك، ونخشى أن لا نراك بعد هذا اليوم، فيكون عمرك يوماً واحداً، وتكون يا سيدي شهاباً عبر سماء قلوبنا، وما زمنُ الشهاب لزمن الكواكب، وما هو اليوم للزمن السرمد، أيكفي يومٌ واحدٌ لكي نعرفك؟ أدونيس : يومٌ واحد يكفي لظهور الإله، ولنقش صورته في نفوسكم ولسريان اسمه لنهاية الزمان، أنتم مباركون لأنكم رأيتموني، وهذه الحجارة سعيدة لأنها أبصرتني، وجبيل مدينة مقدسة لأنني حللت بها ذات يوم، فلا تعجبْ أيها الملك، من قصة تبدأ مع شروق الشمس، وتنتهي مع غيابها، عمر الآلهة ليس باليوم والسنة، بل بالإشراق والاحتجاب، زمن الآلهة الأبد وليس التغير، وفي نهر الأبد، لا بدء ولا انتهاء، مباركٌ مجدك يا أرض سوريا، فهو أبديٌّ، كإشراقي عليك هذا اليوم، وهذه الليلة حتى طلوع الفجر ((يخرج أدونيس)). ميتاس : لقد سمعتم أيها السادة، الربُّ أدونيس أعلن جبيل مدينة مقدسة، إنها مدينته، إنه يوم العيد، إنه يوم تجلي الإله، وظهور الرب، وحديثه إلينا فابدئي يا جبيل أفراحك أياماً أربعة، أريقوا الخمر على الأجساد، وأطلقوا البغايا من المعابد، والعابدات من المنازل فكل جبيل معبد ((حالة طرب ونشوة وفرح عامة، أهازيج، صوت مزمار ودف دبكة على إيقاع المزمار والدف)). رئيس الكهنة : إن لم يسارع الآلهة لإنقاذ معابدهم، طغى سيل أدونيس على الربا، وعمّ الهياكل الخراب، ولن ينجو سوى هرمس المتدثر بالريح، وسوريا الزاهي بقرص الشمس، سأدقُّ أبواب الآلهة بقوة، فقد يستيقظوا ويتداركوا مدّ الموج الهائل، آه، أتكنّس جموع الآلهة وتغرق في طين أدونيس، ولا يتبقّى سوى أدونيس وهرمس وسوريا، وإيل المتدثر بهم، مكر الآلهة يعجز الألباب، آلهةٌ صاعدة، وآلهةٌ هابطة، والشعب في طربٍ ورقصٍ على الدف والمزمار.
المشهد الخامس ((مجمع الآلهة، ذرا حرمون، الوقت ليلاً، الآلهة يرتدون جميعاً أقنعة الموت)). عشيرة : نجتمع في الظلمة، ونرتدي أقنعة الموت، دعماً لحرية التعبير، فلا يخاف أحدٌ أن يكشف أوراقه، بمعرفة ملامح وجهه، أو نبرات صوته، فعبّروا بحرية تامة عما يجيش في ضمائركم، حيال الوضع الراهن، العار الذي لطخنا به ذاك الدعيُّ أنه إله، آزره هرمس وسوريا فاستغلظ ذارعه وقوى عضده، فاستوى على عرش الفقراء والأغنياء، وحتى الملوك وما أظنها إلاَّ أيامٌ قليلةٌ ونرمى خارج هياكلنا ومعابدنا، كلاباً مسعورةً، يهرب من أذاها الناس، ويهدون لها الهلاك، جنس الإنسان قَلَبَ ظهر المجن، وأدار ظهره لنا، فإنْ لم نسرعْ ونهدي الهلاك لأدونيس، ما أرانا إلاّ جثثاً متناثرةً فوق ذرا حرمون، تنهش أجسادنا عقبان السماء، ويزيد من شهيتها، أنها تلتهم أجساد آلهة، ولنشكر عبدنا كاهن بعل في جبيل، فصرخته أيقظتنا، ولم يبق سوى اتخاذ القرار، والقرار بأيدكم. اله1 : الموت لسارق خبز الآلهة. اله2 : الموت لسارق خمر الآلهة. اله3 : الموت لسارق لحوم الآلهة. اله4 : الموت لمن ألحق الذل والعار بمعابد الآلهة. اله5 : لنقض عليه قبل أن يجتمع ملوك سورية العشرة، وينصّبـونه إلهاً وحيداً عليهم، يدعمه أخواه هرمس وسوريا، وخلفه يكمن إيل أبونا، الذي تخلّى عنا، لقاء الزواج من شجرة. اله6 : بل من أجل ترابٍ نتن، لزج آسن. اله7 : إن لم نسرعْ ونهلك أدونيس في الحال، نصبَ إلهاً على عرش سوريا. اله8 : يمناه هرمس، ويسراه سوريا. اله9 : ونطرد خارج المعابد والمذابح. اله10 : فلا ترتيلةً تمجد اسمنا. اله11 : ولا مزمار يعزف لنا. اله12 : ولا بخور يحرق لدرء غضبنا. اله13 : سننبذ وغضبنا خارج الأسوار، وهذا هو الدمار. اله 14 : إنها مكيدة سيد الآلهة إيل. اله 15 : إذن فلنبدأ بقتل إيل. اله 16 : إيل أبونا. اله 17 : إيل قاتلنا، ومهلكنا، ومبدّد اسمنا. اله 18 : إيل ماحي اسمنا، ومثبت اسم أدونيس وهرمس وسوريا. اله 19 : جزاء الأب القاتل لأبنائه، القتل. اله 20 : هكذا شرعة الآلهة تقول. اله 21 : إيل قتل أباه من قبل ليبقى اسمه، ونحن سنقتل أبانا إيل من بعد ليبقى اسمنا. اله22 : المنجل الذي قطع به إيل أعضاء أبيه، لا تزال محفوظة في خزانة الأسرار. اله 23 : فلنخرج المنجل من الخزانة، وفي ساعة غفلة، سنقطع أعضاء إيل عضواً إثر آخر. اله24 : ونعجن لحمه والقمح ونطبخه. اله 25 : بل نشويه على نار هادئة، هكذا طعمه ألذّ وأجمل. اله 26 : إلهةٌ شفوقة تليق بإله شفوق، قاتل لأبيه. هرمس : لكن أين إيل ((صوت هرمس الذي تميزه عشيرة في الحال)) عشيرة : مَنْ أنت؟ هرمس : (يظهر هرمس كخيال) أنا هرمس. عشيرة : الموت لك. هرمس : أنا ابنك. عشيرة : أنت من عصبة أدونيس. هرمس : بل أنا ابنك. عشيرة : حسن، أين إيل؟ هرمس : هذا ما أساله عشيرة : أليس في غرفته. هرمس : اقتحموا الغرفة تجدوها خاوية. عشيرة : آه. هرمس : وافتحوا خزانة الأسرار تجدوها فارغة. عشيرة : الويل لنا. هرمس : لقد تأخرتم يا مولاتي. عشيرة : أين ذهب إيل؟ هرمس : لا أدري. عشيرة : لا تدري!؟ هرمس : لقد أختبأ في أدونيس. عشيرة : إذن نقتل الاثنين معاً، وفي حفلة واحدة. هرمس : الآلهة لا تقتل، ولا تموت، إلاَّ إذا. عشيرة : إلاَّ إذا ماذا؟ هرمس : إلاَّ إذا رضعت لبن الفانين، حليب البشر، عندئذ تسري جرثومة الموت فيها. عشيرة : وما تفكر به؟ هرمس : إن قررت يا مولاي قتل أدونيس، فأنا أدلك على الطريق الصحيح، مازجي بين فم أدونيس وثدي أمه، ليشربْ من حليب الفانين، عندئذ يمكن لخنزير بري، أن يقتله. عشيرة : خنزير بري!! هرمس : أرشكيغال تعد العدة لاقتناص أدونيس، والهيئة المفضّلة لها ساعة القنص، هي هيئة الخنزير البري. عشيرة : سأغذيِّ عاطفة الأمومة في سميرنا، حتى تصيرُ سُعَاراً، لقد أنقذتنا يا هرمس. هرمس : إنه واجبي حيال أخوتي في الضُرِّ والغُمَّة. عشيرة : الموت لأدونيس، مَنْ كان مع الموت فليرفعْ يده (الجميع يرفعون أيديهم) قرارٌ بالأغلبية المطلقة، بلِّغْ أرشكيغال بقرارنا، وكذلك العزيز على قلبنا الإله موت، انفضُّوا أيها الآلهة، لقد حُلَّت القضية، وأنت يا هرمس، زُرْني في مملكتي في قاع البحر، فلديَّ حديث طويل معك. هرمس : حديث المؤامرة يطول يا مولاتي. عشيرة : وخصوصاً منْ يجيدُ حَبْكَ خيوطها (تغادر). هرمس : أتراها تشُّك بأمري، لقد نفَّذتُ ما طلبه مني سيد الآلهة، فأنا رسوله، لكنّ قرار سيد الآلهة غريب، بل لغزٌ مريب، كيف يسلم صغيره أدونيس لفم الخنزير البري، تلوكه أرشكيغال كيف تشاء، وتسحبه لجحيمها المستعر، بم يفكر سيد الآلهة، مساربُ سيد الآلهة "باجتباء الإنسان غريبة.
المشهد السادس ((غابة في جبل لبنان، قرب نبع أفقا، الأيام الأخيرة من شهر آب)) أدونيس : (جاثٍ أمام شجرة مر) أيتها الشجرة المباركة، بل أيها الرحم الذي حملني، أنت أمي لكن أيّ الأشجار هي أمي، وكلها متشابهة بالوداعة والسكون، والصمت، لكن إذا تشابهت الأشجار بالشكل، فلابُدّ أنها تختلف بالمعنى، مَنْ كانت أمي، سترسل لي رسالة من داخل قلبها النباتي، وتقول لي، أنت ابني، فتعالْ، فلأنصتْ عسى أن أسمعَ رسالة الأم من لحاء الشجرة ((يسير بين الأشجار)) آه، لم أسمع، بل أشمُّ رائحةَ البخور، تنبعثُ من هذه الشجرة، شجرة المرِّ هذه لابد أن تكون أمي ((يجثو أمام شجرة أخرى)) الدلالةُ صحيحة، لكنَّ قلبي ساكنٌ صامت، وأحرف القلب هي كلمات الأم، لابدَّ أنَّ في الأمر خديعة، فالبخور دلالة الهيكل، فأية امرأة من الهيكل، تقطن داخل هذه الشجرة، أهي كاهنة مقدسة، أم مومس مقدس، أم راقصة المعبد، إنه مكرُ إلهٍ شديد. الجوقة : أغصان الشجر انطقي بالعجب. أغصان الشجر اكتمي الخبر فلو عرف ابن التراب حقيقة الأمر لشكَّ بالآلهة العظام فتدبيرهم عصي على الإفهام لا الريح أمك ولا التراب لا الماء أبوك ولا الشجر فلنساعدْ الغريق في بحر السؤال الجوقة2 : هيا يا سميرنا هيا يا راقصة المعبد استيقظي من نومك بلا زينة أو عطور فابنك الذي ولدت يناجي أغصان الشجر ابنك يفتح ذراعيه لك فعانقيه واسكبي في قلبه "جواب السؤال سميرنا : لو سكبتُ لعدتُ كما كنت شجرةَ وعندئذ سأفقدُ النظر لحبيبي فأصاب بالعمى والبله والجنون وسجن الخشب رئيس الجوقة : أَعطهِ الجواب دون إعطاء الجواب تكلَّمي بالرمز والإشارة واستخدمي الدلالة والإيماءة وذاك يكفي لمن كان إلهاً عنصره من سيد الآلهة وجوهره من أبي السنين سميرنا : حبيبي سأرى ولصدري سأضمه وباقةً ريَّانةً سأعطيه فطالما حنَّ ثديي لإرضاعه كي ينطلقَ لسانه وينادي أمي أدونيس : ما البخور أمي ولا الآس، مَنْ أسألُ، الريحَ أم الهواء، الشمسَ أو القمر، سكونُ الغاب أم صمتَ المغاور، أين القمرُ البازغ الذي ولدني (تدخل سميرنا تضع لثاماً على وجهها). مَن أنتِ؟ سميرنا : أنا راقصة المعبد. أدونيس : لكنَّ راقصة المعبد محجوزةٌ في ثنايا الخشب. سميرنا : أبكَ هلوسة أيها الفتى الجميل ما تدعى، ومَنْ تكون؟ أدونيس : إنني أدونيس. سميرنا : أدونيس، وماذا يعني هذا؟ أدونيس : عابر سبيل. سميرنا : أفصحْ. أدونيس : غريبٌ عن عالم البشر، وعن مجال هذا الكوكب. سميرنا : لغة غريبة. أدونيس : أبي سيد الآلهة، وأمي الأميرة سميرنا، وكلاهما لا أعرف ولا أرى، ولهذا أنا غريب الأفكار، مضطرب الخطا، ولكأنني ذات يوم سأنسى مَنْ أنا. سميرنا : "ما رأيك أيها الشاب بخير من ذلك؟ أدونيس : ماهو؟ سميرنا : أن ترضع من ثديي. أدونيس : أرضعُ من ثديك؟ سميرنا : لبنَ الحياة. أدونيس : لبن الحياة أم لبنَ الموت. سميرنا : وهل تخاف الموت؟ أدونيس : إن كان من صدر الأم فلا. سميرنا : وإن كان من صدر غانية مثلي، تهبُ جسدها للإله بعل، ولكل من يطأُ عتبات هيكله. أدونيس : إن كنت أشم رائحة أمي، نعم. سميرنا : تعالَ وارضعْ حليب صدري. أدونيس : وهل ترضعين حليب صدرك كل سائل؟ سميرنا : فقط لأحبتي. أدونيس : وهل أنا من أحبَّتِكِ؟ سميرنا : بل أنت سيدهم وأجملهم وأقربهم إلى قلبي. أدونيس : كيف وعمر لقائنا لحظات؟! سميرنا : لحظات الحب هي الأبد. أدونيس : كأني سمعت هذا الصوت من قبل، كأني رأيت هذا الوجه من قبل، انزعي خمارك. سميرنا : سأنزع خماري لأجلك يا صغيري (تنزع خمارها). أدونيس : أنت راقصة المعبد، لقد رأيتك من قبل. سميرنا : أجل. أدونيس : كيف عرفت مكاني؟ سميرنا : قلبي دلَّني عليك. أدونيس : أعطني صدرك سيدتي، فلأجلك يمكن أن أعاشر الموت. سميرنا : لا، أخاف عليك الموت، أنتم الآلهة، لو شربتم حليبنا نحن البشر لصرتم مثلنا، تعرفون الموت والحياة، ثديي لن أعطيك، وحليب صدري لن تمسَّهُ، لن أهبَ حبيبي الموت لقاء نزوةٍ عابرة. أدونيس : أتخافين عليَّ من الموت؟ سميرنا : أجل. أدونيس : لِمَ؟ سميرنا : أنت حبي الوحيد. أدونيس : والحبيبة قد تهب حبيبها الموت بسبب الغيرة، لكن الأم لا تهديه سوى الحياة مهما عقَّ بها وتجبَّر. سميرنا : إنني. أدونيس : أنت أمي. سميرنا : لا، بل أنا راقصة المعبد، يتناولُ جسدَها من يشاء من الرجال، لقاء مبلغ محدد، يدفع لبناء مجد الرب، وإشادة قصره. أدونيس : سواءً أكنت راقصةَ المعبد، أم أمي، دعيني أتناول سرَّ الحياة من صدرك النبيل، فمثل هذا الصدر أرجو أن يكون صدر أمي. سميرنا : لا أستطيع أن أهبكَ الموت يا صغيري، إنني أشفق عليك. أدونيس : أبي سيد الآلهة بعيدٌ متوارٍ، في مكانٍ ما من السماء أو الفراغ، صدُركِ أقرب، فلأعرّفْ بكِ وَلأَنْتَمِ إليك، وليكن شرف سلوك طريق الموت بيدكِ، أنتِ معرِّفتي في عالم الموتى، ومن صدرك، سأتناول سرَّ الحياةَ وهو ذاته سرُّ الموت. سميرنا : خذ يا حبيبي، تذوّق حليب صدري، فقد خُبّئ لك من سنوات وسنوات ((يقرب أدونيس رأسه من صدرها)) أنت سعيد؟ أدونيس : أجل. سميرنا : وأنا حزينة. أدونيس : لِمَ؟ سميرنا : لأنّك ستعرف الموت. أدونيس : معرفتك يا سيّدتي هي الحياة، وجهلك هو الموت، فغير الموت لن أخسر، وسوى الحياة لن أكسب، ضمّيني لصدرك يا أماه، ونادني يا بني، ولو على سبيل الخداع. سميرنا : يا بنيّ. أدونيس : أمّي. ((تضمه إلى صدرها بشوق)). الجوقة1 : غصنان متآلفان ظلان ملتفّان جسدان مندغمان روحان متّحدان هذا مسرى الأمّ في الجسد هذا مسرى الابن في الجسد هذا جسد أفرز جسداً هذا جسد اتّحد بجسد فباتت الآلهة حيرى مأخوذة من هذا الجمال أمّ تعانق ابنها ابن يسري في فلك أمه هذا اشتعال نور الآلهة ونبض قلبها يخفق في جسد الأرض الجوقة 2 : ألقت الآلهة سرّها في الأمّ وأغلقت الصندوق ورمت الصندوق في متاهة فسرى الصندوق في مجرى النهر والنهر ألقاه إلى الشاطئ وبيع بتجارة لكن حيثما سرى الصندوق احتوى سرّ الآلهة فحيثما هطلت عينا أمٍّ من الفرح فهناك مجمع الآلهة وحيثما هطلت عينا أمٍّ من الحزن فهناك هيكل الربّ وحيثما ابتسمت أمٌّ من محبّة فأنت ترى ابتسامة الإله قلب الأمّ جوهرة كمنت فيها روح الآله رئيس الجوقة : لكن للآلهة صورة أخرى آلهة الرحمة هي آلهة الانتقام مجمع الآلهة أقرّ القرار وأعلم أرشكيغال بمضمون القرار فارتدت الخنزير البريّ ثوباً وهاجت شهوتها هيجاناً تعال يا أدونيس وهلمّ إلى جحيمي فغابات جحيمي مشتاقة أن ترى نورك "أُحْبُكُ خلايا جسدي رداءً لكَ فتدثّرْ بالرداء جسدي يرتدي جسدك فأشرقُ بالنشوة والضياء وعندئذ آلهة الجحيم تكتسي حلّة البهاء وآلهة العذاب تنبضُ بالجمالِ ((غابة جبيل، حيث لا يزال أدونيس مع أمّه سميرنا، سميرنا تبكي بهدوء أدونيس : أنت تبكين؟ سميرنا : أجل يا بنيّ، أعني يا حبيبي. أدونيس : مذ تذوقت حليبك، والوهن يدبّ فيّ، كأنّ سيفاً من هواء، شطرني نصفين لقد فقدت سرّ الألوهة يا أماه. سميرنا : صرت إنساناً مثلنا، فدعني أناديك ابني. أدونيس : وسأناديك أمّي، أنت حزينة باكية، كأنّه اجتماع الموت، وليس اجتماع الحياة. سميرنا : لا تذكر الموت ثانية، فأموت. أدونيس : أتشمين رائحةً ما؟ سميرنا : أية رائحة؟ أدونيس : رائحة خنزير، ومعه رائحة الموت. سميرنا : جسدي درعٌ لك. أدونيس : أتسمعين ما أسمع؟ سميرنا : وماذا تسمع؟ أدونيس : صوت أقدام خنزير، وأقدام إله الموت. سميرنا : سأخبّئك في جسدي فأطعن أنا وتبقى أنت. أدونيس : احتمي بهذه الشجرة، أقتلُ الخنزير وأعود، قد يكون مقتلي بيد البرق أو العاصفة لكن ليس " بخطم" خنزيرٍ بريٍّ، سأمزقه بضربةٍ واحدة وأعود، قوة إيل لا تزال في ذراعي، وإيل لن يتركني ساعة الشدة، إنه الإله الوفي، الذي لا ينسى مخلوقاته فكيف بابنه الصغير؟. سميرنا : خُذْ قلبي معك ليرى ما سيحدث. أدونيس : هاتي قلبك يا أماه، فهو الشاهد على ما سيحدث (يخرج) سميرنا : (صارخة) أدونيس ((يدخل الإله موت)) موت : إهدئي يا امرأة، إنه مجرد التهام للجسد، سيلتهم الخنزير جسد ابنك، ونغادر المكان، فاهدئي، ولا تعكري مزاج خنزيرنا العظيم، بالتهام جسد أدونيس. سميرنا : ابني. ((صارخة)). موت : قلتُ اخرسي، والا نظرتُ إليك فصرت حطاماً. سميرنا : وهل أنا إلا بقايا حطام، مستأنسةً بالجنون، متوحدة مع العذاب، ابني يمضغ أمام عيني ((صوت خنزير بري يلتهم فريسة، وبشكل وحشي)) آه، تعالَ إليَّ أيها الجنون، وخلصني من عقلي، كُنْ رحيماً بقلب أمٍ معذبة، وَهبْها نعمة النسيان. موت : لقد فقدتْ عقلها، لقد ماتت إذن، لن ألوث يدي بهذه الجريمة، سأبقى نظيف اليدين. ((تدخل أرشكيغال، إنها في كامل ثورتها وقوتها الجنسية الهائلة، آثار دماء تلطّخُ فمها وصدرها العاري)). أرشكيغال : تعالْ ((بوحشية مطلقة مخاطبة الإله موت)) موت : لا ((يهرب منها)). أرشكيغال : أين ستهرب ((تخرج إثر الإله موت)) سميرنا : أدونيس حبيبي، أين أنت، إنني هنا، صدري بانتظارك، آه، أين ذهب صغيري، لعله اختبأ في تويجات زهرة فلأفتشْ عنه في تويجات الورد، فشبيه الورود هو ((تخرج سميرنا)) الجوقة 1 و- 2 : نعلن الصمت بياناً نعلن الصمت خطاباً نعلن الصمت كلاماً فإن كان الكلام يقود إلى الباطل فالصمت يقود إلى الحقيقة الحقيقة جوهرة متلألئة في فراغ كرة الصمت نهاية الجزء الثاني
الجــزء الثالـــث حــياة أدونيــــس شخصيات المسرحية حسب الظهور 1)عشتار : إلهة الحب والخصب. 2)رئيس الزبانية : رئيس زبانية الجحيم في مملكة العالم السفلي 3)أرشكيغال : إلهة العالم السفلي 4)هرمس : إله المعرفة والإلهام والسر والخفاء والإشراق 5)قضاة العالم السفلي 6)الملك ميتاس : ملك جبيل. 7)رئيس الجند : في جبيل. 8)الملكة : زوجة ميتاس. 9)الكاهن : الكاهن الأكبر في معبد بعل في جبيل. 10)رئيس مجلس المدينة : رئيس مجلس مدينة جبيل. 11)موت : إله الموت. 12)جوقة النساء . 13)جوقة الرجال. 14)سميرنا : ابنة ميتاس. 15)بعل : إله المطر والصواعق والعواصف. 16)عناة : إلهة القوة والحرب والحكمة. 17)عشيرة : أمُّ الآلهة. 18)سوريا : إله الشمس والنور والعقل وباعث الحياة الطبيعية. 19)ملوك سوريا العشرة ملوك صور، صيدا، بيروت، أوغاريت دمشق، عمون، أريحا، جبيل، نينوى، ماري. آلهة، جوقة، جوقة، رئيس الجوقة، زبانية العالم السفلي، مواطنون، أشراف، جنود. زمان المسرحية : فجر الحضارة عام /3500/ قبل الميلاد. المكان : مملكة الجحيم ـ جبيل ـ قصر عشتار في كوكب الزهرة. هيكل أرشكيغال في كوكب المريخ ـ مدينة الآلهة في منطقةٍ ما من الفراغ بعيداً عن نجم القطب وباتجاهه.
المشهد الأول ـ مملكـــــة الجحـــيم ـ عشتار : أرشكيغال أيتها الساقطة، أيتها الأخت الخائنة، أبرزي نهديك أو ساقيك، فرائحة خيانتك قد غطّت زحل والزهرة والمريخ، أرشكيغال، افتحي بوابات جسدك لألجَ إلى جحيمك، طائري لابدَّ أن أنقذه من براثنك، إنّه لي، ووجبتك الشهية لن يكون، أطفئي لهب موقدك بشبق ثور هائج، أو عاصفة مدمرة، لكن حذار أن تلتهمي زهرتي البرية. ((تفتح إحدى البوابات، رائحة شواء الأجساد تأتي منها، يتقدم عدد من الزبانية وهي مسوخ بشرية، رئيس الزبانية). رئيس الزبانية : نرحب بالكريمة، أخت الآلهة العادلة إلهة العالم السفلي، والمهيمنة على أحوال الجحيم القابع بعيداً في أعماق الأرض، بعيداً عن عيون الشمس، أو فضول القمر، في نهره تستقر الأجساد، وفي غرفه الفخمة والمجهّزة بأحدث وسائل التعذيب تعالج النفوس الشريرة من خطئها، ننزع الخطيئة بكلاباتنا، لتغدو النفوس طاهرة، مهيَّأة لدخول حقول إيل، نرحب بك، إذن في مصحتنا. عشتار : قُدني إلى أختي، ولا تفضْ في الكلام. رئيس الزبانية : من هنا يا مولاتي، ولطالما كنت معجباً بجسدك الجميل، وبقدرتك الخلاقة، على صرع الرجال، وكنت أتمنى لو جربتِ أسلحة الزبانية الفتاكة، عندئذ ربما كان لك بتقدير الموقف رأي آخر. عشتار : قُدْني أيها الثرثار إلى أختي في الحال، وفي طريق العودة، هيئ سلاحك للتجربة، وآمل ألاّ يكون ثرثاراً كلسانك. رئيس الزبانية : إنني أشحذ سيفي منذ سنوات، لمثل هذه اللحظة. عشتار : سيفٌ من حديد ستحارب به عشتار؛ ستهزم من النظرة الأولى. رئيس الزبانية : ثقتي بسيفي شديدة، فلطالما هزمت به الخاطئات من النساء. عشتار : متى سنصل إلى غرفة العرش؟ رئيس الزبانية : إننا عند الباب، سأقف هنا، وتدخلين بمفردك، لا يسمح لي بتجاوز هذا الحد، وإلاّ أحرقت (تدخل عشتار). عشتار : كم يسر جنس الذكور بعرض عضلاته، عضلات من هواء. أرشكيغال : آه، أختي الحبيبة، ما الذي أيقظك في هذا الوقت المبكر من العام، وعهدي أنك لا تستيقظين قبل قدوم الربيع، وقصرك بعيد، معزول عن أي همس أو دعاء، في ذروة من جبال الزهرة، محاطاً بالجليد، وضياء الشمس المتفتت ألواناً ساحرةً. عشتار : أين أدونيس؟ أرشكيغال : أي أدونيس يا حبيبتي؟ عشتار : تبدين جميلة على غير عادتك. أرشكيغال : لأنني مستقرة آه (تضحك بغنج) إهدأْ، المعذرة، شيءٌ ما يدغدغني. عشتار : أين أودن، أين الرب الجميل، أين ابن سيد الآلهة؟ أرشكيغال : فتشي مملكتي، فإن وجدته فهو لك. عشتار : إنّه لي. أرشكيغال : لكن تعلمين ماهو لك فهو لي أيضاً، إننا أختان، ضفتا نهر واحد. عشتار : ماهو لي، فهو لي وحدي فقط. أرشكيغال : دائماً أنت أنانية، تستغلين جمالك النوراني لتسلبي عقول الرجال، أما أنا، المغذّاة من نهر الجحيم، والمقتاتة من لهيبه، وثمار أشجاره، فملامحي النارية ترعب أشد الرجال مضاءً فلا يقترب من موقدي أحد، إلاّ الموتى، لذلك مرةً واحدةً، دعيني أستمتع بجسد إنسانٍ حي، أريد أن أتذوق طعم جسد الإنسان، وهو ينبض بالحياة، للحياة طعمٌ لا أعرفه، فقط أنا التهم الموتى، ولا أجيد من فن الغزل، سوى تعذيب الخطاة، وجحيمي لا تلجُ إليه إلاّ كل نسمةٍ سوداء نتنة. عشتار : سأهبك أيّ جسدٍ حي تشائين، لكن ليس أودن. أرشكيغال : لم؟ عشتار : إنه لي. أرشكيغال : ألأنه عرف لغة جسدك، وأسراره الخفية، يعزف على أوتار جسدك اللحن الذي يشاء. عشتار : ساقطة. أرشكيغال : مثل هذا العاشق الخبير والمجرب والعالم، هو ما يحتاجه جسدي وليس قطيعاً من الحيوانات البهائمية أو البشرية، الجسد سرٌّ، وما أقلّ منْ يكتشف سر الجسد، لكنّ أدونيس قد اكتشف وحلَّ شيفرة الجسد، لذلك أشعر بالارتواء والراحة والبرودة والسلام، صرتُ أشفق على الخطاة، فأعفيهم من العذاب، حتى ناري صارت باردةً لينةً، فيها رائحة السلام. عشتار : أين أودن؟ أرشكيغال : لا أدري، آه، إهدأْ، ليس هكذا، ليس الآن. عشتار : ما هذا، رائحة احتراق!! أرشكيغال : إنه جسدي مَنْ يحترق، ولهذا أشعر بالانتعاش. عشتار : أين أدونيس؟ أرشكيغال : لا أدري، قلت إهدأْ، وكفاكَ مداعبةً لي، إننا في جلسة عمل، المعذرة أين كنا؟ عشتار : هرمس الحكيم، أتاني في المنام طيفاً، وقال عشتار انهضي، فأدونيس قد مات، فصحوت من نومي فوجدت هرمس أمامي، سحابةً من غمام أبيضَ، وحين أحضرت عربتي البرقية لآتي بها إلى جبيل، قال عندي ما هو أسرع، إنه التجسّد بقوّة الخاطر، كنا في الزهرة، فصرنا في جبيل في الحال، هرمس أيها الإله العليم، الذي يرى مالا نراه نحن الآلهة، لأنك أعطيتَ طلسم السر، وطلسم الحرف والخفاء، وطلسم المكونات والعلائق، أنت يا من جسدك الخفاء، وظهورك العماء، وعرشك تحت كل تحت، وخلف كل خلف، فلا يوجد شيءٌ لا تطّلع عليه، أرشدني يا مولاي، أنت الذي قدمت بي إلى بوابات الجحيم، أين هو أدونيس، هيا يا إلهي تجسد أمامي وكنْ شاهدي وشهودي. ((يتمثل هرمس)) هرمس : أدونيس داخل جسد أرشكيغال، لقد خبأته داخل جسدها، فصار يسري في الدم والعصب، في الوجود والعدم، في البرودة والنار. أرشكيغال : (صارخة بقوة خارقة) أنت تكذب. عشتار : أرشكيغال، أنت تهينين أقدر الآلهة. أرشكيغال : أقدر الآلهة أنا، ولن يغادر مملكتي، مَنْ لم آذن له بعبور أسوار جحيمي، لتغلقْ أبواب الجحيم، وليحضرْ القضاة، قضاة الجحيم، الذين وكّلهم سيد الآلهة إيل بمحاكمة النفوس الخاطئة، لسانهم العدل وضميرهم النقاء (يدخل قضاة متشابهون كأنهم نسخة واحدة). عشتار : إنّهم متشابهون، كأنهم إنسان واحد. أرشكيغال : لأنّ ضميرهم واحد، ضميرهم انعكس على ملامحهم، فصيّرهم صورة واحدة، أيها القضاة، بل يا قضاتي الأحباء، هرمس يدّعي أن أدونيس داخل جسدي، إن كان صادقاً فليخرجْ أدونيس من جسدي، أو ليأت بشاهد ثانٍ يثبت ادعاءه المتهافت. عشتار : هذا يكفي. أرشكيغال : يكفي.!! عشتار : أنت عاشقة لأدونيس، في صوتك تسري رائحة العشق. أدونيس داخلك، لقد شهد صوتك ضدك، ومن قبل شهد جسدك ضدّك. أرشكيغال : ما رأي القضاة قضاة الجحيم الأعزاء؟ القضاة : ((بصوت واحد)) ملكتنا، ومولاتنا، وآلهتنا أرشكيغال بريئة. أرشكيغال : أرأيتِ إلى رأي القضاة، إنّهم عادلون، كميزانهم الذي لا يزنُ إلاّ بالقسط. عشتار : أرشكيغال. أرشكيغال : ((مقاطعة)) عشتار، لا تنطقي بلعنة. عشتار : لن أنطق بلعنة، أرشكيغال، لقد اختطفت أدونيس منيّ، فالموت سأخطفه منك، سيذوي جحيمك، وتهدأ نارك، ويصير جحيمك رماداً مهجوراً، ستغدين سيّدة الرماد، وليس سيدة النّار، وصديقك الإله موت، سيعاني المجاعة، زحفاً ستأتون إلى عتبات قصري في كوكب الزهرة، أنت والإله موت، وكل الآلهة أجمعين، ولن أعفو عنكم وعن الأرض، حتى تخرجي لي أدونيس من جسدك، زهرةً بريةً، حمراء الخد، لتندبي جحيمك فإنّه آيل إلى خراب. ((تخرج)). أرشكيغال : ((صارخة)) لا تدعوا عشتار تغادر أسوار الجحيم، لتغلقوا البوّابات. هرمس : لا عليك يا أختاه، أعلم مخابئ سريّة، وطرقاتٍ خفيّة، لا تعلم بها أرشكيغال أو أيّ من زبانية الجحيم، هيّا اتبعيني، والتفّي بعباءتي السوداء، لأنقلك إلى عالم الخفاء ((يختفيان)) أرشكيغال : أين ذهبا يا رئيس الزبانية ((يدخل رئيس الزبانية، ويسجد أمامها بقوة)) أعلن حالة التأهب والحرب في أصقاع الجحيم، واجمعْ كل جنودك، واستعن بجموع الكائنات الخفيّة، والقوى النارية، والكائنات المسخيّة، كي لا تهرب عشتار من مملكة الجحيم، لو هربت لحاق بنا شرّ كبير، وهل هناك شر أكبر من انطفاء نار الجحيم (يخرج رئيس الزبانية ساجداً) عشتار، يا عشتار لن أدع لك أدونيس، حتى لو صرت امرأة عادية فأيّ معنىً للملك بدون هذه اللذة، وأي معنى للألوهية دون هذا الحلول البديع، آه، الآن أتمجد بجسد هذا الإله الذي حلّ في جسدي، فصرتُ هو، وصار إياي، والآن تابعْ مداعباتك، فإنها معنى حياتي، فأنا أستمتع برائحة أنفاسك. هرمس : بم تفكرين؟ عشتار : لا أفكر بشيء. هرمس : لا تخفي عنّي أفكارك، فأنا أراها وهي مرتسمة على شاشة نفسك، تبيّتين أمراً جللاً. عشتار : سأوقظ الموتى من رقادهم. هرمس : لابدّ أن يغضّ سيّد الآلهة النظر، لتنفّذي قرارك. عشتار : سيد الآلهة معي، يسمع ويرى، وهو أشدّ حرصاً على ابنه منّي. هرمس : ومتى ستبدئين الكارثة؟ عشتار : مع طلوع الفجر، الليل زمان مليء بالحفر والشباك، وأنا يجب أن أرى هدفي بوضوح، لأحسن التسّديد. هرمس : سأمدّك بكلماتي الفعّالة. عشتار : فأصبح أسيرةً لك، لا، أدونيس مقصدي. هرمس : إلى الآن لم أصادف امرأة تحبني، إلهة أو امرأة تشعر بالحبّ نحوي، ربّما لأنّ الجميع ينفرون مما هو خفي، والمرأة بطبعها تحبّ الوضوح، لأنّ في الوضوح صلابة. عشتار : أنتَ الليل، وأنا النّهار. هرمس : سأرقبك غير بعيد، لأرى أبعاد كارثتك الكونية، كم هو عزيز الرجل على قلب المرأة؟! عشتار : لأنّ المرأة خير من تقدّر قيمة متعتها. هرمس : سأتخلف عنك، فحيث تسيرين، يختلط الخير بالشر، والنور بالظلمة، وأنا لا أحبّ السير حيث تختلط الألوان. عشتار : انتظرني في قصري، على كوكب الزهرة، ريثما أنهي فعلي. هرمس : سأنتظرك، سأكون رسول الآلهة للناس، ورسول الناس إليك. ((يتوارى)) عشتار : هذا ما كان، وهذا ماهو كائن، الظلمة تعانق النهار، والموت يأتلف مع الحياة والنار تلتصق بالبرودة، الذكر يهتاج على الأنثى، والأنثى تهفو للذكر، والريح تحنّ للعاصفة، والمطر للماء، والوجود للفراغ، وأنا سأفارق الأشياء، سأفرق النور عن الظلمة، والموت عن الحياة، والنار عن البرودة، والذكر عن الأنثى والريح عن العاصفة، والمطر عن الماء، والوجود عن الفراغ، فيسكن كلّ شيء وينطوي على ذاته، فلا تعود الظلمة تلد النور، ولا النور يلد الظلام، فتعلّق الرغبة في سماء الشهوة، وهكذا، تسكن الحياة، وتتوارى الخطيئة، ويضمر الخطأ، فحيث لا فعل لا خطأ، وهكذا يضمر الموت، ويذبل الفناء، وتخمد نار الجحيم، لنضوب الحطب، الخطيئة هي الحطب وحيث لا فعل، لا حطب، هيّا يا عشتار، خوضي بحر التجربة، وانثري جسدك في جوهر الأشياء، وافرزي الضدّ عن ضده، لتتوقف حركة الأشياء، فيضمر جسد الموت، ويذوي عرش مملكة الجحيم، فتئنّ النار جوعى لجسد واحد فلا يبقى لها سوى الصمت، والفراغ، والسلبية والبرودة، هيّا يا عشتار، جامعي كل حيوانات الأرض، لتبعدي الثور عن البقرة، والذئب عن الذئبة، والحصان عن الفرس، والسمك عن بعضه، جامعي كل أشجار الأرض، كي لا تلد شجرة ثمرة، ولا تحمل كرمة بحملها، وجامعي كل ذكور الأرض، كي تمحي كلمة امرأة من ذهن أي رجل، مدّي يدك إلى أظهر الرجال، واستخرجي نطفة الشهوة، ومدّي "يدك إلى مغائر النساء، واقبضي على الخلد ذي الأسنان الشرسة، الكامن هناك، اقلعي الأسنان، لتغدو الأفعى مسالمة، مرنة، فلا يتمّ خبط، ولا تخبيط، ولا قرع ولا تقريع، هيّا يا عشتار، ففعلك سيبعث العجب العجاب، والدهشة لدى الملوك والأرباب، سأجرّ قوى الحياة والخصب ورائي، إلى شرفات قصري في كوكب الزهرة، ومن هناك، سأطلّ على شرفة الكون الفسيح، تداعبه أنوار سوريا، وحين جموع الآلهة تخرّ جزعى أمام عتبات قصري، سيكون حبيبي أدونيس لي، زهرةً عذراء، من نورٍ معتق، لم يفضّ ختمه. رئيس الجوقة : أبواب الغضب العشرة قد فتحت. الريح والعاصفة والإعصار الفوضى والخوف والانحلال والقحط والعقم والبوار وفساد جبلّة الإنسان. سيد الآلهة أسلم ابنه للموت. وهو يسلم الأرض الآن للفناء أي عقاب يدبره سيد الآلهة. إنّه حزين على ابنه الذي سلّط عليه خنزير الغاب وأسكنه دار الموتى طرقات سيد الآلهة خفيّة وعصيّة الإدراك وغاياته أشدّ خفاء عن الاحتواء
المشهد الثاني ((قاعة الملك في قصر الملك ميتاس، الذي يبدو أشبه بماخور، إنّه مزدحم بالبشر والفوضى والاضطراب، والكل في حالة هياج أقرب للجنون، وتحطيم كل شيء)) مواطن1 : هذا هو تاج الملك ميتاس، وهذا سيفه، وهذا صولجان ((يرمي بهم للناس)) لا ملوك بعد اليوم، بل مواطنون أحرار، هيّا، خمراً خمراً، مزيداً من الخمر، ولتصدح الأرجل بأحلى الأغنيات، ولتعبّر الصدور عن فرحتها بلقاء صدور أخرى، هيا أيها الناس، لا آلهة و لا شرائع بعد اليوم، بل إلهنا المقدّس إله الخمر، باخص العزيز، هيا لنشرب، لننسى غدر الآلهة بحبيبنا أدونيس، لنشرب نخب أدونيس، ولنحطّم بعدها الأقداح، ((يشربون، يحطمون الأقداح، تدخل عشتار، غمامةً من نورٍ متجسّد جسداً أرجواني اللون، قرمزي القوام)). مواطن2 : أيّ شمس أشرقت.!! عشتار : هيا أيها الرجال، أروني متانة أسلحتكم، فترسي سيصدّ كل رمية رمحٍ، أو ضربة سيفٍ، والشديد سأكافئه أشدّ مكافئة، سأصيّره ملكاً على جبيل ((الجميع في فرح، وهياج، يتدافعون إليها بسرعة مذهلة، يقتربون منها بحماسة زائدة يخترقون غلالة الضوء التي تمثل جسدها، وهي أضواء متبدلة بألوان قوس قزح، يخرجون من غلالة الضوء بالسرعة التي يدخلون فيها، لكن يخرجون لاهثين شبه محطّمين)). مواطن1 : آه، كأنّ مصيبة قد حلّت بنا. مواطن2 : يد امتدّت وسلبت منّا شهوتنا. مواطن3 : أطفأت موقد رغبتنا. مواطن4 : فصارت المرأة كجذع النخلة. مواطن5 : بل صارت المرأة كالبطيخ الفاسد من شدة النضج. مواطن6 : أيّة امرأة قد حلّت بنا. عشتار : إن لم يكن هناك رجال فيا أيتها النسوة هلمنّ إليّ، أمتعكنّ متعة سكرى، ((تقترب النساء من غلالة النور، يدخلن فيها يخرجن ذاهلات)). امرأة1 : أحمق كائن خلقته الآلهة هو الرجل. امرأة2 : بل أكثر الكائنات بشاعة هو الرجل. امرأة3 : إنّه مثير للقرف، والاشمئزاز. امرأة4 : هيا أخواتي، ضعن أيديكنّ على أنوثتكنّ، فرائحة الرجال تفوح من هذا المكان. رجل1 : بل أكثر الكائنات بشاعة هي المرأة. رجل2 : إنها ماء رخوّ. رجل3 : نشكر الآلهة أنّها اخترعت لنا الثياب، لتغطية جسد المرأة. رجل4 : على الأقل الثياب تستر ذاك الشيء القبيح، المقزز، الذي وهبته الآلهة إياها. رجل5 : نحمد الآلهة أنّه ليس لنا ما للنساء. رجل6 : وإلاّ كانت ورطة، وأية ورطة. رجل7 : بل فضيحة وأيّة فضيحة. رجل8 : وكيف عندئذ سنواري فضيحتنا يا أخي؟ رجل 9 : بتنكّيس الرأس. رجل10 : ما أجمل رفقة الرجال، وما أبشع الحديث عن النساء، نحمد الآلهة الكرام، أننا كنّا من صنف الذكور من الرجال. عشتار : سأتحوّل من غمامة نور، إلى ورد جوري، وريحان، وعنبر، خلطتي المفضّلة، وستشلّ رائحة مسكي المكان. ((تفوح رائحة المسك في المكان يدخل الملك ميتاس وخلفه زوجته، قائد الجند رئيس الكهنة، جنود. كأنهم سيقضون على التمرد الحاصل في المدينة، حين ترى الجموع الجند شاهرين سلاحهم يفرون مذعورين إلى طرف القاعة)). الملك : لقد اندحرت الغوغاء، وانتصرت الملكية. أحد الأشراف : الملك يا مولاي هو كلمة الحقّ، وظلال الآلهة على الأرض. رئيس الجند : سننظف جبيل من الغوغاء، مرني يا سيدي، فأرمي جثثهم لطيور السماء. ((تسري رائحة عطر عشتار في المكان)). الملك : إيه، ما أجمل رائحة هذا العطر كأنّه عطر الآلهة. رئيس الجند : مرني يا سيدي بتنظيف المدينة. الملك : وأنا آمرك بتنظيف جسد زوجتي. رئيس الجند : إنني رهن إشارتك يا مولاي. الملك : هيَّا أيها الأحبّة، تنشقّوا عطر الربيع، الذي بدأ يفوح في هذا المكان القذر، ألا يوجد مومسات في هذا المكان؟ كلّ مكان لا توجد فيه مومسات فهو مكان قذر، لا يتمتع بالنظافة المطلوبة، هيا، نظّفوا المكان، اجلبوا كل مومسات جبيل، لكن مهلاً، زوجتي هنا، فلا حاجة لأية مومس. الملكة : ما أجمل هذا العطر، كأنّه يفوح من عزيزتنا عشتار. الكاهن الأكبر : مولاي الملك، ما الذي جرى بعقلك؟ إننا خدم الإله بعل، ونحن صوته العالي إننا نمثّل أحكامه، وشريعته، وبم تهذي؟ إن كان لابدّ أن تقدم زوجتك لأحد، فأنا أولى بها، فأنا مجرّب وخبير، وقد خبرت جسدها مذ كانت في الثانية عشرة من عمرها، بل منذ أيام قليلة، فقط، قد خبرت جسدها آخر مرّة، وهي تقدّم قربانها للإله بعل، العالي، والعالي جداً في أعالي السقف. الملكة : كاهن أقرع الرأس مثلك لا أسربه. الملك : لا تختلفوا يا أحبّائي، سنسويّ المشكلة، إنّه عهد الأخوّة والإخاء أصدر يا رئيس مجلس مديتنا، قراراً بإعلان المساواة، والمؤاخاة، بين النساء والرجال وسمّه، إعلان النيّات الطيّبة. الملكة : ما أجمل أيام النيّات السيّئة. الملك : ولتسد المحبّة الصافية، من كل غش وخداع ورغبة خفيّة، لقد أتى العهد العظيم فلننصرف إلى التأمل، والوحدة، والعزلة، وطلب الفراغ، من الفراغ أتينا، وإلى الفراغ نعود. رئيس مجلس المدينة : حقاً أشعر أنّ رؤوسنا أصبحت فارغة، تقرقع فيها الحصى، وأوتار الريح، صار لنا رؤوس موسيقية، تصدر ألحاناً شجية. الملك : ولنعلنْ هذا اليوم عيداً للضحك، هيا اضحكوا يا أهل جبيل ((الجميع في ضحك صاخب)) أهلاً بالشعب الحبيب، في صحّة مولانا أدونيس. مواطن1 : عاش الملك ميتاس، إله الخمر الحبيب. مواطن2 : الآن يتعانق الشعب والملك، في الأحضان يا حبيبتي الملكة ((يحتضن الملكة)) الملك : ببراءة. مواطن2 : وأين أيام القذارة، لقد نظّفتنا يد عشتار من كل خير، ولم تبق فينا أي خير ((الجميع في ضحك وشرب وصخب)). الملك : رعيتي السعيدة، ليكنْ هذا اليوم من شهر شباط، عيداً لنا، ولأحفادنا من بعدنا نشكر فيه الآلهة العظام، بأنّ عهد الأخوة بين الرجل والمرأة قد حلّ، وبه انتهى النزاع بين الأمم، واندثرت الشرور بين الجماعات، وانتهى النقار بين الكنّة والحماة، إنّها مناسبة تاريخية خالدة، المرأة أخيراً بلا نوايا عدوانية، ولا نوازع شريرة، إنها ترى الشجرة، ولا تقول اقطف لي التفاحة، لنشكر الآلهة على هذا التطور الهائل، الذي حدث على دماغ المرأة. الملكة : ونحن نشكر آلهة السماء، أنها حوّلت الرجل من حيوان بهائمي، غريزي، لا يعرف سوى لغة القفز علينا، وجعلته كائناً مهذباً، أنيقاً دائم الابتسامة، أصبح مسالماً، ليناً، رطباً، مثلنا تماماً، واضحاً كالحقيقة. الكاهن الأكبر : ولأنه يا أحبتي عهد الإخاء، فأنا أُآخي بين الآلهة والبشر، بعل أخي وأنا أخو بعل، لذلك ما تقدمونه لبعل، أعطوه لي، فهو خير لكم ولي. (( الجميع يحيّونه بشجاعة)) رئيس مجلس المدينة : ولأنه عهد الأخوّة، فأنا أُآخي، بين الأغنياء والفقراء، فمالي مالكم، ومالكم مالي، لا عمل بعد اليوم، لا ثروة بعد اليوم، بل خمرة، وخمرة فقط، ولنبارك الخمرة، إنه عهد الأخوة، وزوال الأحقاد، وزوال العظمة والتعالي على الناس، الناس متساوون وأحرار، إذن لا داعٍ لرئيس ومرؤوس، وما نفع الرؤوس إن كانت تميّز الناس، بين سيد وعبد، وقوي وضعيف؟ لا رئيس بعد اليوم، ولا مرؤوس، بل الكل سواسية بلا رؤوس ((الجميع يهزجون فرحين عابثين، بصخب))
المشهد الثالث الجوقة : عرجت عشتار إلى كوكبها الزهرة وخلفها جرت جيوش الرغبة والشهوة والميل والفعل فصار العالم بارداً كوجه ميت الثور عفا عن بقرته وعوض النطح الشديد صار يقدم لها زهرة والعاصفة نسيت لغة القبل والنار انسحبت الحرارة منها فصارت ناراً من جليد الأزهار عزفت عن الأزهار والماء فتر والظل اندحر وما تلقح شجر بشجر أو ثمر بثمر. وحده رحم الفراغ لقح بنطفة الفناء نار الجحيم انطفأت وتصاعد دخانها إلى جبين السماء فاكتسبت الشمس تاجاً من دخان البلابل هجرت التغريد وصارت تثغو وكان العجب برز كائن من غضب لا هو بالأنثى ولا بالذكر مسخٌ سمّوه الإنسان المتوازن بين الأنثى والذكر إنه الجنس الثالث والإنسان الثالث مسخ الطبيعة الجديد كائن من لحم ودم لكنه إلى التراب أقرب "مملكة الجحيم" ارشيكيغال : خلل حدث يا موت؟ موت : لا أدري يا مولاتي. ارشيكيغال : لم يعد الجحيم يغذّى بالحطب، هل انتهت الخطيئة من الأرض، والأرض مملكة الخطيئة.؟ موت : مملكتي تضمر، كأن الأرض ستتحول، إلى أرض الخالدين لم يعد سيف يرفع في وجه سيف، ولم يعد رمح يطعن رمحاً، ولا الكنة تشاجرت مع حماتها أو الزوج من زوجته، بل حتى الصراع بين الأخوة تلاشى، الملك يأكل طعام الفقراء، ويجلس على الطريق، يعزف على القيثارة، ويوزع كؤوس الشراب بالمجان. ارشيكيغال : هل جن العالم وكيف سنحيا نحن، كيف ستتقد نيران جحيمنا إن كفَّ الإنسان عن القتل، وفعل الشر، وارتكاب المعصية، وإلهة من سأكون، إلهة الرماد، وأنت، هل ستتسكع عاطلاً عن العمل في الطرقات، طرقات فينيقيا. موت : حتى بلاد الصين الشيء ذاته يحدث، كأنه كارثة كونية قد حاقت، فلم يعد رجل ينكح امرأة، ولا امرأة تهيج رجلاً، ومنذ عام كامل، لم تلد النساء طفلاً واحداً، ولم تشهد الأرض نزاعاً واحداً. ارشيكيغال : إنه عهد الأخوة والسلام بين الرجل والمرأة، حرب الرجل والمرأة توقفت. فتوقفت معها كل الحروب، لقد ألقت المرأة أخيراً سلاحها، فلم يعد سلاح يشهر في العالم قط، حتى النحل لم يعد يمتص رحيق الأزهار، ويصنع العسل، وأشعة الشمس ضعفت، فلم تعد قطرة ماء واحدة تتبخر من سطح البحر، إنها مؤامرة كونية. موت : أجل إنّها مؤامرة كونية، تستهدفني أنا وأنت. ارشيكيغال : عالم بلا عصاة وقتلة، يعني موتنا. موت : ومن أين نأتي بالعصاة، والبشر صارت وروداً بيضاء. ارشيكيغال : الرجل، والمرأة والشهوة. موت : المرأة صارت كائناً غريباً، المرأة لم تعد هي المرأة، والرجل لم يعد هو الرجل، صار شيئاً جديداً، جسداً جديداً، مزيجاً من الرجل والمرأة، يقال إن الأخوة والمساواة، هي التي أنتجت الجسد الجديد، الجنس الثالث، وهكذا زال التناقض والتباين بين جسد المرأة والرجل، وما حلّ محله، التماثل والتشابه، والتطابق. ارشيكيغال : لا بدّ أن نعيد الأمر لنصابه، وإلاّ خمدت نار الجحيم، وهلكنا نحن. موت : أنا يمكن أن أبقى حتى آخر رجل في العالم، بعد ذلك آوي إلى قبر يعصمني من معاشرة الحياة. ارشيكيغال : لا بدّ أن ندعو الآلهة لاجتماعٍ طارئ. موت : والآلهة أيضاً في فوضى وضياع، بل في جوع وتشرد وعراء، فلم يعد هناك إله يعبد، أو يخاطب باحترام، لقد تمّت المؤاخاة بين الآلهة والبشر، وتمّ إعلان البشر آلهة جديدة. ارشيكيغال : ومتى تمّ ذلك؟ موت : العام الفائت. ارشيكيغال : أشعر بالبرد "يدخل رئيس الزبانية" رئيس الزبانية : نار الجحيم تخمد يا مولاتي، لا بدّ من تأجيج النار بعدة آلاف من الأجساد البشرية وإلا، حاقت بنا الكارثة، وهلكنا، من البرودة. ارشيكيغال : ما رأيك يا موت؟ موت : يمكن أن أؤمن لكم دفعة مستعجلة، عدة مئات، أما عدة آلاف فهذا مستحيل، فالحروب، بل حتى الأمراض توقفت. ارشيكيغال : إذن أنجدنا بعدة مئات من جنس الإنسان، كي نطرد قشعريرة البرد من أجسادنا. موت : في الحال يا مولاتي "يغادر" ارشيكيغال : حتى شهوة الفناء قد طالها الذبول، والانمحاء، كأننا صرنا في خريف الزمن، وخريف الوجود، ما الذي حدث؟ فأوقف عجلات كل شيء. الجوقة 1 : شهوة الحياة تمدّ شهوة الفناء بالحطب لكن شهوة الحياة انسحبت مع عشتار فبم تتغذى شهوة الفناء إن لم يجد الفناء لبن الحياة يتغذى به مات هزالاً من الجوع الجوقة 2 : إنها دورة وإنّه تدوير وبه تدور عجلة الوجود والتكوين الفناء يلد الحياة والحياة تلد الفناء فهما ضدّان يلد أحدهما الآخر وضدّان يحركان بعضهما إن انسحب أحدهما من المعركة توقفت الحركة الكونية وساد الخراب كل شيء هلك الشيء وهلك الهلاك وكنّس الوجود من معزوفة الدمار فساد صمت الحقيقة وضياء القرار الفراغ هو القرار
المشهد الرابع ((قاعة الملك في جبيل)) الجوقة1 : الرضيع يبكي من الجوع أمّه لا تلتفت إليه سكنت فيها غريزة الأمومة والأمومة شهوة الطفل يموت جوعاً أمّه تبتسم له بحنان اذهب يا حبيبي إلى حقول إيل وتنعّم هناك بالياقوت والعنبر هنيئاً لك يا حبيبي تحررت من خطيئة الوجود والوجود خطيئة أيّها الملك ميتاس يا رأس العدالة في جبيل نحن نطلب القصاص لأمّ أسلمت رضيعها للهلاك الملك : ما دفاع أختنا؟ العزيزة؟ المرأة : إنني يا حبيبي، أعني يا مولاي. الملك : أيتها المرأة، لقد ذهب عهد الخجل، والدجل، والكذب والرياء، إننا في عهد الصدق، فلا خجل، بل ليس هناك ما نخفيه بعد الآن، أهناك ما نخفيه أيها الأصدقاء؟ رئيس مجلس المدينة : نحن ملك للمدينة، والمدينة ملك لنا، فكل ما لها لنا، وكل ما لنا لها، نحيا في صراحة تامّة ووضوح، تامّ، ليس هناك ما نخفيه من مشاعر وأفكار، بل ليس هناك ما نخفيه من أجسادنا، وأجساد غيرنا، إننا عراة كالحقيقة ذاتها. المرأة : إذن، حبيبي الملك، كان الطفل يبكي ثم سكت. الملك : سكت؟ المرأة : أجل سكت. الملك : أين هي القضية؟ الجوقة 1 : الطفل قد مات. الملك : وهل طفلك قد مات؟ المرأة : توقّف عن البكاء. الملك : آه. الجوقة 2 : مات من الإهمال. الملك : هل أهملت إرضاعه؟ المرأة : الحليب في صدري رفض الخروج، ضغطت ثديي بقوة، لكنّ الحليب رفض الخروج، ثم كفّ الصغير عن طلب الحليب، أبونا إيل يطعمه الآن الخوخ والرمّان، أليس كذلك يا مولاي؟ الملك : أبونا إيل رحيم برعيته، إنّه عطلٌ بالجسد، أدّى لتوقف الحليب في الجسد. الجوقة 1 : بل إنّه جفاف في العاطفة. وضمور في الرغبة وانحباس في المحبة الملك : نحن بلد المحبّة. الجوقة 2 : وانحباس في الحبّ الملك : المحبّة نعم، أمّا الحبّ فلا، لقد انتهينا من ذاك الجنون المدعو الحبّ، والقرع والقراع، الآن نشعر بالراحة والمساواة، سادت المحبّة فساد النظام والاستقرار، والأخوة والمساواة، لقد انتهينا من الجنس ومشاكله، ومن الحرب وفتنها، ومن الذهب ومآسيه، أيتها المرأة أحكم ببراءتك، مارسي ثانية حقوقك في الأخوة، والمساواة، والمحبّة. "يدخل رئيس الجند" رئيس الجند : ماتت زوجتك يا مولاي. الملك : "يضحك كمن تلقّى نكتة" متى؟ رئيس الجند : هذا الصباح. الملك : أدفنتموها؟ رئيس الجند : ننتظر أوامرك. الملك : ادفنوها، كانت ثرثارة اللسان، الآن يمكن أن أستريح من لسانها، أيها الأحبة هيّا لاحتساء الخمر، فهو مصدر حرارتنا الذاوية، لنقدّس الخمر، ولنقدّس إلهنا باخص، صانع الخمرة، معلمنا، ومرشدنا إلى طرقات الخمر الخفيّة. "يشربون بصخب" المرأة : هل أشارك مجلسكم الشراب؟ الملك : تفضلّي يا أختي، مجلسنا يرحّب بك "يشربون" مواطن1 : هيّا يا أخت لا حرج، لقد ولّى عهد الحرج. مواطن2 : فيما مضى كانت المرأة تخجل من الرجل، والرجل من المرأة. مواطن : أما الآن فقد ولّى عهد الخجل. موطن4 : لم يعد هناك رجل ولا امرأة. مواطن5 : هناك نحن. مواطن6 : ولا ندري من نحن. المرأة : ايه يا أخي، قرّب يدك من صدري، واعصره، فقد يخرج الحليب. مواطن6 : أقرب يدي من صدرك؟ وأعصره؟ لا بدّ أنك امرأة منحرفة. المرأة : "تشرب مزيداً من الخمر" إن لم يكن إلى صدري فإلى شفتي. مواطن6 : شفتك؟ ايه، ما الذي جرى بالدنيا، تريد أختنا أن تعيدنا إلى عصر الكلاب حيث كان الرجل يضع فمه على فم المرأة، ويعصر المعلومات، لقد ولّى ذلك العهد أيّها المواطنون، إننا في عهد التسوية والمساواة، ليسقط الرجل، ولتسقط المرأة ولنحيى نحن. المرأة : المعذرة، لقد أخطأت، هذا الخمر ذكّرني للحظات، أن المرأة، كانت تشعر باللذة حين كان رجلها ينام ملاصقاًلها. مواطن : ينام لصيقاً بها؟ وهل عندنا أزمة سكن أيتها المواطنة؟ أنا في جبيل وزوجتي في صور، ونحيا أهنأ حياة زوجية، لقد ولّى عهد اللصق والالتصاق، إنّه عهد الخمرة، مزيداً من الخمر أيها الناس، فإنّه شراب الآلهة، إنّه الفضلة المتبقية لنا من عالم الآلهة، وبه نحافظ على جمرة جسدنا متّقدة، فهذا الوجود صار قبضة من رماد "يهوي ميتاً". مواطن2 : أيّها المواطن انهض. مواطن3 : ما به؟ مواطن2 : كان يتكلم وسكت. مواطن3 : هل مات؟ مواطن2 : ربما. مواطن3 : أيّها الملك ميتاس، أعلمك بموت مواطن شريف آخر. الملك : هنيئاً لـه، لقد تخلّص من خطيئة الوجود، حدائق أبينا إيل في انتظاره، سيتناول وجبات فخمة من الخراف المشوية، اشربوا أيّها الأصدقاء، فجثث موتانا لم تعد تتفسّخ، إنّه زمن الطهارة، سنلقيه غداً خارج الأسوار، والذئاب ستزوره، لتضع على جسده زهوراً حمراء، حتى الذئاب صارت طيوراً بيضاء، مسالمة، لا خوف بعد اليوم، على الأموات أو الأحياء، لقد انقضى زمن الخوف، فلم نعد نملك شيئاً نخاف عليه. مواطن4 : حقيقة إنّه عهد المساواة، والمساواة أقصر طريق لصنع الإنسان المتماثل، إيه، لقد استرحنا وأرحنا، ولم يبق سوى أن نموت ونرتاح، من هذا الذي لا ندري ماذا يسمونه، تعال أيها الموت الحبيب، فحياة دون قرع وقراع، لا طعم لها، ولا معنى لها، ولا هدف "يموت". الملك : أصدقاؤنا الأبطال، يموتون تلقائياً، وبرغبة، ذاتية، يطلب أحدهم الموت فيموت في الحال، هذا حال المواطنين الصالحين، صديقهم الوحيد هو الموت ومحبّة الملك والديار، لنشرب نخب ميتنا المواطن "يشربون" إلى حقول إيل أيها المواطن. مواطن5 : يا مولاي، لم يعد لدينا خبز نأكله. الملك : "يستغرق في الضحك" ما همّ، هناك صديقنا الموت، وهو تكفّل، بحل كل قضايانا، لنشرب نخب صديقنا الموت، مخلّصنا من أزماتنا الحادّة، والمنفرجة، هيّا، لنغنّ، ولنطرب، إنّه عيد الطرب. جوقة النساء : نصفه لي، ونصفه لك صار لي، مثل ما لك جوقة الرجال : نصفه لي، ونصفه لك أعطني ما لي، أعطك ما لك "الجوّ يزداد صخباً" الملك : نصفه لي، ونصفه لك هذا لي، وهذا لك "الرقص يشتد" رئيس الكهنة : نصفه لي، ونصفه لك ليت ما لي، كان لك رئيس الجند : نصفه لي، ونصفه لك أعطني ما لي، أعطك ما لك الملك : لنشرب نخب باخص إلهنا، ومرشدنا، ونخب حبيبنا أدونيس، فلولاه ما تمتعنا بهذا الأنس الأنيس، اصدح أيها المزمار، وأنت أيّها الطبل حرّك جذوع الأشجار وصدور الأنهار. جوقة النساء : "تصدر أصواتاً كأنّها قطيع خنازير برية" خنزير، بريٌّ، وخنزير مائي وإلهنا صورة من قمر هات ما لي وخذ ما لك جوقة الرجال : "تصدر أصواتاً كأنها ثيران بريّة" ثور بريٌّ، وثور مائيّ وإلهنا صورة من شمس أعطني آلتي أعطك آلتك جوقة النساء : خنزير بريٌّ، وخنزير مائيّ وإلهنا صورة من خمر إن لم تعد آلتي لا أعد آلتك جوقة الرجال : ثور بريٌّ، وثور مائيّ وإلهنا صورة من زمرّد أعطني آلتي أعطك آلتك جوقة النساء : خنزير بريٌّ، وخنزير مائيّ وإلهنا صورة من ورد ما صار لي قد صار لك جوقة الرجال : ثور بريٌّ، وثور مائيّ وإلهنا صورة من برق خذ آلتي وهات آلتك فما هو لي قد صار لك "يتهاوى الجميع من التعب والنشوى، جسداً واحداً، متكوّماً فوق بعض"
المشهد الخامس الجوقة1 : ما عاد غيم يلقح مطراً ولا ريح تسأل شجراً ولا شمس تداعب رملاً ولا ظل يطارد حروراً ولا دنّ يغازل خمراً ولا ظبي يعانق وعلاً الكون أغنية خراب والأرض تزيّنت بالاكتئاب رموشها ذبلى وشفاهها جوعى وأثداؤها ظمأى فاتّقد موقد الخراب إنّه الاضطراب رماد، رماد وجه الشمس رماد تفككت قوانين الأشياء وانتثرت ذرات من رماد الجوقة2 : أيا عشتار مدّي يدك يا إلهتنا المقدسة ولملمي جراح الحياة الجرح قاتل وإن لم يعالج انزوت ظلال الحياة وساد صمت البرودة وسرى مركب الظلام عشتار : من الذي أيقظني من مداعبتي لذاتي، وتأملي لجمال بهائي. الجوقة1 : نحن أيّتها الأم المقدسة يا من ولدت كل الأشياء وبقيت كما أنت عذراء سرّك أعصى من أن يحلّ وضوؤك حجاب وستار عشتار : ماذا تريدين أيتها الأشياء؟ التي صنعتها رغبتي ذات يوم، وكنت أعتقد أنّها ستكون أنا، لكنّها عصتني، حنّ التراب للتراب، ونبذت أنا في العراء. الجوقة2 : أيتها الفائقة المحاسن أيتها الفاتنة المظاهر أيها المعبد الحارق أيها المسّ الساحق الأرض خربة مهجورة والأجساد عظام منخورة ولا شيء يسقي العظام سوى نبعك لنرمم القلوب فتشفى من داء الحقد وسُمِّ الضغينة الفتّاك ما عاد في الأرض شفة تنطق كلمة حبّ أنجدينا يا نبع الحب والحنان عشتار : ردّوا أدونيس إليّ، فأفيض بدمعي على التراب العاصي، فأطفئ جنون الحصان الجامح، ويعود كما كان، فراشة زرقاء. الجوقة1 : وأين أدونيس نردّه إليك أيتها الأم المباركة عشتار : اسألوا ارشيكيغال المساعدة، فلعلّ في تربة موتها، تكمن بذرة أدونيس الحية، حبيبي لا يموت، وإن تدثّر بالموت رداء، وبالفناء وسادة، الموت يغذيه بالحياة كما تغذي الحامل جنينها، القاطن في حجب الظلمات، ماء الحياة يرقد في كهف الفناء، كما ترقد البجعة في بحيرة ساكنة. الجوقة2 : لنيمم وجهنا شطر ارشيكيغال الأم الحانية ولشدة حنانها تعذب في نار الجحيم أبناءها الخطاة ليرتدعوا عن خطئهم ويعرفوا الطريق الصحيح تتألم لألم الخطاة لكن لا بد من الألم لولادة المعرفة ولا بد من العذاب لولادة الحقيقة الجحيم لوح وعليه نقشت أحرف الحقيقة الجوقة2 : مباركٌ عذابك يا أمنا مباركةٌ نارك التي تشوينا وتغير جلدنا وتبدل وعينا فنارك تحمينا من نسيانك عذابك رحمة أما نسيانك فجريمة قبّلوا شفاه الجحيم فبها تسقون كأس المعرفة تعرفون التبدل والتحول فتولدون من جديد أبناءً للآلهة، نورانيين رئيس الجوقة : الجحيم يخلّص النور من الظلمة يطلق الرشيم من البذرة مباركة زبانية الجحيم فهم المهذبون وهم المربون الأبرار مباركة مطارقهم ومهارسهم فهي تهرس الجهل والحقد والغضب وتطرق الأنانية والشره والحسد ارشيكيغال : من هذا وماذا يريد؟ الجوقة1 : نحن يا أمنا أبناؤك في كوكب التراب أتينا قاصدين عتباتك في كوكب المريخ كوكب من نار وغضب وريح السموم تدور فيه صباح مساء مفعم بالقوى النارية والمسوخ المرعبة ارشيكيغال : ماذا تريدون يا أعزائي؟ حفنة من نار، أم دواء قطران؟ الجوقة2 : نريد تقبيل قدميك ويديك والتمعن في جمال وجهك الآسر ارشيكيغال : آه، هذه أول طينة تتغزل بي "صارخة بوحشية" ماذا تريدون؟ الجوقة1-2 : "برعب" أدونيس. ارشيكيغال : أدونيس فيّ، ولن أخرجه مني، أدونيس لي، ولن أسلخه عنّي، إنّه وجهي إنّه أنفاسي. الجوقة1 : أيتها الأمّ الحنونة يا أمّ الجحيم الأزلية وسيدة الموت الأبدية الأرض ثمرة مريضة نخرت عظامها الرطوبة قليل من نارك تطهر الأرض من العفونة ارشيكيغال : ناري خمدت، مذ الشهوة في الأشياء انطفأت، ناري بردت، مستنقعاً آسناً صارت. الجوقة2 : ولكي يورق المستنقع زهراً يحتاج لدفء الصيف وانسلاخ الخريف وهمود الشتاء وانبثاق الربيع الحياة رغبة وأنت قد احتجزت نهر الرغبة والنهر ان حجز نما وتكاثر وإن لم يجد منفذاً انفجر ارشيكيغال : إنني آلهة. الجوقة : حتى الآلهة تخضع لقانون الطبيعة والأشياء ارشيكيغال : أحسّ بها لحظة الانفجار قد اقتربت، لكل شيء ميقات، ولكل توقيت انفجار الكواكب كما الأنهار، الجسد كما الأشجار، النجوم كما الآلهة، الزمان كما الفراغ، كل شيء ينتهي بانفجار كما بدأ. الجوقة1 : إذن أفيضي على الأرض الخير والبركة المحبة والسلام ارشيكيغال : لماذا؟ الجوقة2 : لتزدهر الحياة ويغرد البلبل ويرتل العصفور ويختال الشحرور فنوجد نحن وأنت فعالم بلا أناس عالم بلا آلهة وعالم بلا رغبة عالم بلا حياة والحياة أخذ وعطاء ارشيكيغال : لقد أخذت أدونيس ولن أعطيه، وما نفع تغريد البلابل إن فقدت أدونيس؟ بلابل بمناقير حديدية، سترسل أغنياتها النارية، عندئذ. الجوقة1 : حين يزهر أدونيس ستزهر الحياة أدونيس هو كل نسمة حية سيتبدى في خفقة الطير ورقة النهر في تصفيق الموج وابتسامة الفجر في هدأة الريح والعاصفة بهاء الكون أدونيس لأن أدونيس في كل ذرة في فراغ الكون سيشرق ارشيكيغال : دهاة خطاة، ابعدوا عن هيكلي خاسرين، أيتها المردة والمسوخ، ويا قوى النار الخفية، اتبعوا رهط الطين، وزجّوا بهم في جحيم التراب زجاً، يأكلونه أكلاً، ويلعقونه لعقاً. "تتراجع الجوقة الأولى والثانية مع رئيس الجوقة مذعورين". والآن أيّها الأموات، كلوا ما تبقّى من الأحياء، ويا أيتها النار، التهمي ما تبقى من حطب، ويا شهوة الدمار زغردي، وارقصي فوق جثة الكون المنهارة، أدونيس في داخلي، وأنا وإياه سننهار معاً.
المشهد السادس (( معبد بعل في جبيل، سميرنا، هرمس )) سميرنا : حبيبي بين الأنقاض، بين الترب والأبعاد، أسأل الريح عن رسمه، فتعرض الريح مزورة، وأسأل النرجس عن صوته، فيكون الجواب دمعاً صامتاً، أية مؤامرة اغتالت حبيبي، بل أيّ مهراس هرس عظمه؟ وذره رماداً في الآفاق، وأنا عليلة واهية، كرجفة المحتضر، عاجزة عن نطق كلمة حبيبي، فلو نطقت، لاستحلت لترابٍ وخشب، لكن حبيبي سأنطق، ولأقبل عقوبة الخشب، جسدي بدون لفظة حبيبي خشب، فما الجدوى من الصمت؟ ينابيع حبي مردومة بالتراب، وأنا أقسمت أن أزيح التراب، فينساب نبعي، وأرى ابني بين يدي، سفينة غرقى في بحر حبي، أهناك جحيم أقسى من كبت حب أم لابنها خوف الضياع، لكن إن كتمت أليس حبيبي ضائعاً كنغمة مزمار في الصحراء؟ أيا سيدي هرمس، أيها الإله الذي أوقع بي مكراً تنوء عنه الجبال، أيها الإله المبجل، هلم وأنقذني مما أنا فيه، خُذْ حياتي، لكن امنحْ شفتي أن تنطق كلمة ابني، فأغدو أماً تتمجّد في بهاء الأمومة، أي عقاب أوقعته بي أيها الإله العادل؟ أتحكم الآلهة بما هو أشد من الموت؟ فأية آلهة ماكرة هي؟ أيا هرمس، هلم إلي. "يظهر هرمس" هرمس : ما وراءك يا سميرنا؟ سميرنا : أريد صغيري أدونيس. هرمس : تريدينه؟ سميرنا : ليعلم أنني سميرنا أمه، أضمّه بين ذراعي، وأهطل عليه بدمعي، ماءً يغسل ما في قلبه من جراحات، وبرموشي أنشف جرحه الغائر بعيداً في الأسى، يهتف أمي، ولا يجد لدعائه سوى الصدى؟ هرمس : لو أظهرتِ أمومتك لتعاقبين بالموت، بسجن الخشب. سميرنا : بل لأعاقبْ بسجن الحجر، حجراً لأغدُ، لكنْ لألفظْ مرة واحدة كلمة ابني، أعِدْ صورة سميرنا إليّ، وخُذْ صورة راقصة المعبد، ليرى ابني وجهي الحقيقي، لترسخ صورة أمه في لوح ذاته، ولتنقش في مرآة قلبه، فيثبت جذع الكون، وينتصب ميزان العدل في السماء والأرض. هرمس : تلك قضية معقدة. سميرنا : كيف؟ هرمس : ملكية أدونيس تتجاذب عليها الآن عشتار، وأختها ارشيكيغال. سميرنا : الأم أحق بمضغة جسدها، أدونيس لي إنه ابني. هرمس : لكن كما ترين يا سيدتي الكون في حداد، وكذلك الزهور والكروم، وماء البحر والغيوم، والآلهة في حيرة واضطراب، وشرود واكتئاب، ومن شبه المستحيل إعادة أدونيس ثانية للحياة. سميرنا : سيعود. هرمس : سيعود؟ سميرنا : حين يسمع صوتي سيعود. هرمس : صوتك. سميرنا : حين أهتف، ابني أدونيس تعال، سيأتي، إن كان ابني سيأتي، ولو كان مدفوناً تحت الأحجار، ولو كان متناثراً في أحشاء الطيور، أو الثعالب، أو خنزيرٍ بريّ. هرمس : الخنزير البري هي ارشيكيغال، وقد تبدت له بصورة خنزير، لكن، أتعتقدين أنّه سيلبي دعوتك؟ سميرنا : إن كان ابني حقيقةً فسيأتي، سيلبي دعوتي، ويغادر سجن الأشياء، وينبذ جذب الأشياء، فلا جذب يطغى على خفقات قلب أم، تهفو لنظرات صغيرها، وشمّ رائحته، وآثار خطاه. هرمس : لقد حلت القضية، ما عجزت عنه الآلهة مجتمعين، سيقوم به قلب الأم. سميرنا : عمّ تتحدث أيها الإله الحكيم؟ هرمس : لا شيء، إنها أفكار تجول في الخاطر، والبال، سميرنا، هيئي نفسك لكي تتحولي لشجرة، ولأن تغدي بصيغة شجرة مر، لكن، سأمنحك نعمة ذرف رائحة عبقة، تجول في أنحاء الغابة، كلما أطل ابنك بقامته الإلهية، بشراً، أو شقائق، أو ظلاً سارياً في ليل العتمة. سميرنا : شجرة مرّ سأكون، لكن بعد أن تلفظ شفتاي كلمة ابني مرة واحدة، وبعد أن يرى صورتي مرة واحدة، للأبد، لأطفئ نار شوقي، وجمرة أساه، إنّه التعريف والنسب، أقصى جريمة أن ينكر الرحم الابن الذي ولد، وينكر الابن الغصن الذي منه نبت، إنّه ابني، وأمام الريح، وعيون السماء، سأعلن انتسابه لي. هرمس : علّة قلبي أنّه لا يتأثر بالمواقف العاطفية، لكن كما يبدو، فإن ما تذكرينه أمر نبيل، سميرنا، اذهبي إلى ساحة جبيل، واصعدي المصطبة التي في منتصف الساحة اجلسي عليها، وحدقي في السماء، باتجاه الشمال، ولا تَسْهُ عيناك عن الشمال من هناك ستأتي جموع الآلهة، من حقول إيل، سنضع حداً لهذه الفوضى الكونية العارمة، وحين لحظة الفصل، تكلمي، بكلماتك ستنهي فصول المسرحية، الحياة حكاية ونحن الرواة، ونقاط الاستفهام في الحكاية، سميرنا، عودي إلى صورتك الحقيقية، اخلعي جسد راقصة المعبد، وارتدي جسدك، آن لأدونيس أن يرى أمه، وأن يسمع صوتها. "تعود سميرنا إلى صورتها الحقيقية الأولى" الجوقة1 : أيُّ مكر تفكر به يا هرمس أوقعت الأم في شرك مكرك أيّ إله صالح أنت سنقفو آثارك خفية حتى لو صعدت إلى نجمة الشمال سنصعد سنخلّف نجمة القطب خلفنا باتجاه حقول الخالدين حيث مدينة الآلهة وهناك سلنقي دعوانا أمام الآلهة العظام الأرض في خراب وعلى الآلهة إن أرادت أن تبقى آلهة أن تسمع صوت التراب إنّه أوان الولادة سيهتز الكون ويزول الاغتراب بين الآلهة وابن التراب أيّ فجر يتهيأ للولادة ينقش على جبين الزمان اسم ابن التراب صورة إلهية تثير الحيرة والاضطراب
المشهد السابع (( أسوار مدينة الآلهة، في منطقة ما من الفراغ، بعيداً عن نجم القطب )) الجوقة1 : جدر رصاصية وأبواب رصدية وصمت أقوى من الرصاص الريح باردة والصمت بارد فمن سيسمع الدعاء دوننا ومدينة الآلهة أبواب من رصاص رعب، وخشية، واحتقار كيف الدود يرفع رأسه بوجه الشمس نشعر بالخوف، فلنكّر إلى جحورنا على كوكب الأرض فهو ملاذ البائسين العارين من كل رداء "يتبدّى هرمس" هرمس : أيتها الدمى الحجرية العزيزة على قلوب الآلهة، محظورٌ عليكم ولوج أبواب الآلهة، وإلاّ نلتم الخلود والقوّة، والسر، لذلك ستخاطبكم الآلهة من خلف الأسوار. ((داخل مدينة الآلهة)).. بعل : لعنة أدونيس تطاردنا حتى هذا المكان. عناة : أيّتها الأمّ المقدّسة، إنّها مؤامرة لقتل الآلهة أجمعين، وبقاء أدونيس وحده، حتى البروج الاثنا عشر، تسائلنا ماذا حلّ بأدونيس؟... عشيرة : ما العمل؟ عناة : نعيد أدونيس للحياة، فلو بقي ميتاً، متنا معه جميعاً. عشيرة : أقتلنا أدونيس لنحييه ثانيةً؟ تدبير القتل كان خطأ إذن؟ وإن كان كذلك، فيجب أن ندفع الثمن. عناة : ونحن الآن ندفع الثمن، إعراض الناس عنّا، وازدراءهم لنا، وتعلقهم بباخص إله الخمر، مرتقبين ظهور أدونيس ثانية... عشيرة : إنّه أقسى أنواع العقاب، أن يدير الطين ظهره للآلهة التي صنعته، وكوّنته ورعته، إنّه أشدّ من عقوق الابن لأبويه. عناة : لذلك، الفم الذي نطق موتاً، يجب أن ينطق حياةً، بصوتٍ واحدٍ سنطلب من أرشيكيغال، إخراج أدونيس من جسدها، آن أن يغادر معتقل الموت والنسيان. عشيرة : وإن رفضت؟ عناة : أشهرنا سيف القوّة، وقسمناها قسمين، وأخرجنا أدونيس من مسكن النسيان. ((تبرز ارشيكيغال، وبجانبها الإله موت)) ارشيكيغال : آلهة ضعاف، مملوؤون حقداً وكرهاً للحياة، متشبثون بأوهام وأضغاث أحلام، أدونيس نشوة جسدي وروحي، وإن شَهَرْتِ سيف القوّة، سلّطت عليك شبكة الهلاك، فاصطادت شبكة موت، سيف قوّتك... عناة : ((تشهر سيفها)) تتحدّين الآلهة في دارهم؟ ((ترمي عناة سيفها باتجاه أرشيكيغال، لكن شبكة الإله موت تحيط بالسيف))... ارشيكيغال : وأنت يا بعل جرّد برقك ((يرسل بعل برقه، لكم شبكة موت تقبض عليه))... سيف عناة تفتّت، وبرق بعل تبدد، وأنتم الآلهة بلا أسلحة، تخافون من ظلّ النساء، عودوا إلى جحوركم في أقاصي النجوم، وإلاّ كنتم حطب نارِي المتّقدة. ((يفرّ الآلهة مذعورين، تختفي ارشيكيغال وموت)) بعل : لقدنجونا من الكارثة. عشيرة : وسقطنا في العار، آلهة تعجز عن حماية شعبها، هي دمىً يلهو بها الأطفال إنّها مكيدة إيل، إيل ماذا تبغي؟ ((يظهر هرمس)) عشيرة : رسول إيل قد حضر. هرمس : بل ابن عشيرة المطيع قد حضر. عشيرة : أرأيت ما رأيت؟ هرمس : أجل يا مولاتي. عشيرة : وسمعت ما سمعت؟ هرمس : بلى يا مولاتي. عشيرة : أرأيت أيّ عار لحق بنا؟ هرمس : لنشكر الأقدار أنّ أحداً من البشر لم يشاهد هزيمتنا، وإلاّ، لنبذنا إلى الأبد، خارج ذاكرة الإنسان، الآلهة المهزومة تسحق بمطرقة النسيان...لأن البشر لا تهفو إلاّ للآلهة المسلّحة بالقوّة والبطش، والسيطرة، تلك الآلهة تحترم. عشيرة : أنقذنا يا بني مما نحن فيه.. هرمس : سأنقذكم.. عشيرة : بقرارٍ منك أم من إيل؟ هرمس : بقرارٍ مني، لكن لا أدري، إن كانت مشيئة إيل الخفيّة، هي التي توحي إليَّ. عشيرة : ما تقترح؟ هرمس : لنجرد أدونيس من أسلحته. عشيرة : كيف؟ هرمس : لنكن آلهة بشرية. عشيرة : آلهة بشرية؟؟ هرمس : محببة لقلوب الناس، لندعُ الناس إلى هياكلنا، وإن لم يأتوا، ذهبنا نحن إلى هيكل الإنسان، إلى قلبه، لنشارك الإنسان حزنه وفرحه، عمله وحلمه، خياله وإبداعه، ولنهدم السور الذي يحجزنا عنه، فنغدو حلمه ويغدو فعلنا. عشيرة : كيف؟ هرمس : لنعلن ميثاقاً جديداً، بيننا نحن الآلهة وبين الناس، ميثاقاً تسري فيه روحنا الإلهية في الطين، وروح الطّين تسرِي فينا، فنغدو كائناً موحداً اسمه الإله الانسان. عشيرة : أحجية تحتاج الحلّ. هرمس : إن راقت لكم الأحجية فالحلّ عليّ... عناة : لم يبقَ معنا سيفٌ أو صاعقة، فنحن موافقون. هرمس : برغبة. عناة : سنحاول أن نرغب... هرمس : سندعو ملوك المدن العشرة، وشعب سوريا، أو ما تبقّى منه، لاجتماع في جبيل في ساحتها سيجتمعون، وحول المصطبة التي تقف عليها سميرنا سيلتفّون، سنأتي جميعاً، كل الآلهة بلا استثناء... عشيرة : وإن لم تحضر أرشيكيغال؟ هرمس : أرشيكيغال ستحضر لأنّ عشتار ستحضر. عشيرة : تصرّف يا هرمس ، فكلنا معك. هرمس : إذن، لنخرج جميعاً إلى الأسوار، صفّاً واحداً، يعلن وحدة قرارنا، ولنبتسمْ، لنضعْ قناع الرّحمة والمحبّة والعطف، فلو رآنا ابن التراب بهذه الهيئة، لفني مذعوراً من الرعب، فهذه الوجوه تثير الرعب في أعتى الكائنات. عشيرة : ابتسموا يا أبنائي ((الجميع يبتسمون، يظهرون فوق الأسوار، يتبدّون للجوقة))... الجوقة 1 ـ 2 ((تكتم رعبها)) آلهة حزينة ، آلهة كئيبة ليتنا بقينا في كوكب الأرض البائس فهو أكثر فرحاً من هذه الوجوه المرعبة رغم أنّها تبتسم فإنّها أشدّ هولاً من تقطيبها ابتسامة فيها لمسة الموت وصعق الفناء حذار أن تنظر إلى الآلهة ساعة غضبها تنتقل إلى دمية حجرية "حذار أن تسألها العطاء ساعة الغضب فلن تعطيك سوى البلاء لكل سؤال وقت ولكل وقت سبب هرمس : أيّها الأحبّة، الآلهة الحبيبة تحييكم، وتحمّلكم رسالة، انزلوا إلى جبيل، وطوفوا شواطئ فينيقيا، وربا أمور، وسهول كنعان، ادعوا شعب سوريا من كل مكان، ملوك المدن العشرة ادعوا، مَنْ تبقّى من شعب سوريا، ليجتمع الشعب في ساحة جبيل، حول المصطبة، حيث سميرنا أمّ الإله أدونيس. تجلس، وليتهيأْ الشعب المجيد لقدوم الآلهة، ميثاقاً جديداً مع البشر سيعقدون ولادة للزمان ستكون، نهاية آلام شعب سوريا قد دقّت.. الجوقة 2 : شواطئ جبيل وصور وصيدا وبيروت وأغاريت سنجوب سهول ماري ودمشق وعمّون وأريحا ونينوى سندعو الشعب من كل مكان إلى المصطبة حيث سميرنا ابنة الملك ميتاس وأمّ الإله أدونيس
المشهد الثامن (( ساحة جبيل )) ((المصطبة، حيث سميرنا، جموع الناس من المدن العشر، ملوك المدن العشر، الجمع حاشد، ويضيق به المكان، الكل يرتقب حدثاً جللاً، أمراً خطيراً، سميرنا واقفة بشموخ، الحدث الخطير لا يتأخر، إذ تبدأ حشود الآلهة بالظهور وبصفوف في غاية الانتظام، والهدوء، والوقار، ظهور الآلهة يحدث خشوعاً في المكان جموع الآلهة انتظمت الآن في ساحة جبيل)).. عشيرة : أبنائي وأحبتي، لأجل خلاصكم أتينا، فنحن إنْ لمْ نرمم العطب، ونردم الشقوق في الجدران، تلاشينا قبل أن يشرق ضوء النهار، وما جدوى ضوء النهار يختال فوق الخراب، جئنا لنعلن سلاماً بين الآلهة والبشر، بعد الآن لن نطالب بقربان الدّم، بل بنبضة القلب، سنزوركم وأنتم مرضى، سنكفكّف دموعكم، سنكون ترسكم وسوركم، وعين الحكمة الخبيرة، ترشدكم لمعابر الطرق، جئنا لنعلن سلاماً، لذلك ليرمِ كلٌّ بحجره، فهذه الجلسة حرّة، الآلهة كما البشر يملكون حقوقاً متساوية في النطق والاقتراع. الجوقة 1 : سنبدأ جلسة الحوار. من نينوى إلى أريحا ومن ماري إلى عمّون ومن أوغاريت إلى صور نسوق شعب الأرض سوقاً ونذروه ذراً ولم نجمع سوى هذه الحفنة الرثّة التي استهلك اليأس عظامها ومضغ بريق عينيها وأحالها إلى ظلال رمادية والآلهة تدور على الأسوار تدقّ طبولها وتحمل حرابها مشرئبّةً تعتصر الأنفاس وتقبض الأرواح أنفاسٌ واهية وأرواح ذابلة وأنهار الخراب تسوح في الشوارع وتحت جذوع الأشجار الجوقة 2 : أيتها الآلهة السماوية هذا ما تبقّى من شعبك جميعهم لا يصلحون ذبيحة في محرابك وشحمهم لا يكفي لصنع شمعة تضيء هيكلك ردّوا لنا أدونيس فترجع للخمرة نشوتها وللمزمار شبقه ارشيكيغال : أدونيس لن أرد، بل سأعصره في جسدي عصراً، والأصح، هو يعصرني عصراً فكيف أتخلى عن العصر، وهو غاية الزمان، وفحوى الرد.. عشيرة : أهناك أحدٌ من الآلهة يريد الكلام؟ ((صمت)) ننتقل الآن إلى أحبتنا أبناء التراب، ليتفضل ملوكنا الأعزاء بالكلام. ملك صور : أيّتها الآلهة المحترمة، الفناء اتخذناه طريقاً، والزوال سبيلاً، لكن مضغة الحياة لا تزال عالقة في أجسادنا، رضيعاً يهفو لثدي أمّه، كيف نفصل الرضيع عن ثدي أمّه؟ أجيبينا أيّتها الآلهة الموّقرة. ملك صيدا : شعبي عاف الطعام والنساء، النساء أهملت الرجال والأطفال، الثور حنّ لثور مثله، وترك بقرته شاردة في الحقول، الذئب صار صديقاً للغنم، والغنم أخاً للأفاعي، فاختلطت الأوراق، وما عدنا ندري، أملوكاً نحن أم رعية؟ أبشراً نحن أم حيواناتِ أليفة، نرجو أيّتها الآلهة الموّقرة، إزالة الالتباس. ملك بيروت : لم ينغرس محراث في أرضٍ، ولم تجنِ ثمار عن شجر، تركت الأرض بكراً، والأشجار عذراء، والعذراوات صرن أحجاراً، تنفر من ضرب الإزميل والمثقاب، الغيوم هاجعة، والريح ساكنة، والنار باردة، والمطر يتفتت ذرّاتٍ ذرّات، ما الذي حدث أيّتها الآلهة المقدّسة؟ ملك أوغاريت : النّساج ترك نوله، والصبّاغ أصباغه، وصائد اللؤلؤ رمى لآلئه إلى البحر وقال: الماء يعود للماء، وأنا أعود للتراب، النار في مواقدنا همدت، ومنذ سنين لم يسمع في أوغاريت صرخة وليد، ما الذي جرى أيّتها الآلهة المعظّمة، أهي لعنّة أم رحمة حاقت بنا؟ ملك دمشق : منذ أعوام لم تقرع أبواب دمشق قبضة تاجر، ولم يسمع حرّاس الأبواب حداء قافلة، منذ أعوام لم يدخل مدينة دمشق ثوب واحد، ولم تخرج منه سلعة واحدة التجارة راكدة، والسوق كاسدة، ما الذي حدث أيّتها الآلهة المبجّلة؟ ملك عمّون : المحارق همدت، لم تقدّم للآلهة بعل أضحية واحدة منذ أعوام، نار المعابد انطفأت، ومخازن الكهنة خوت، مملكة الآلهة خراب، لم يرفع فأس لجني الحطب، لم يقدح صوّان ليوّلد شرراً، الكل عزف عن القدح والانقداح، وآثر الهدوء والسكون، والموت باطمئنان... ملك أريحا : كفانا ندباً وتوسلاً، الآلهة تخلّت عن شعبها، لنتّخذِ التّراب أباً، والماء أمّاً، والهواء روحاً، والكواكب هادياً، ومرشداً، لتذو الآلهة كما الحلم ينهار. ملك ماري : أخي نطق حقّاً، إلى متى نستجدي الآلهة فتات الخبز، وعندنا الموائد العامرة، لنغلّق هياكل الآلهة، ولنفتحْ بوّابات هيكلنا، جسد الإنسان هيكل، وإرادته الإله الذي يعبد، ورغبته أجمل الآلهة... ملك نينوى : الأسود تطارد الفراش، والجند تنسج الحرير، وتعزف على، القيثارة، لم يعد في نينوى شرعة، لم يعد في نينوى قانون، والملك جوهر الشرعة، والقانون، الملك روح الإله المتجسّد على الأرض، ولأنّ الآلهة فرّت مذعورة من شبح الموت، وبقي الملك صامداً، فالملك هو الإله الحقيقي، وما عداه سراب، خلقه العجز والوهن... ملك جبيل : عبثاً نستجدي الآلهة السؤال، أينطق الطّين، أو يتكلم الهواء، أو يتلو الماء آيات الشعر البيّنات، خارج حدود عقلنا لايوجد سوى الوهم، فلننظرّ للكوّنْ الذي في داخلنا، فهو أجدى. ارشيكيغال : ما أنت أيّتها الريّاح التي عطّرت أنفاسي؟ فالكل سلاني، ونأى بجانبه معرضاً عنّي؟ شعب يلعن آلهته، جدير أن يسقط في لعنة ذاته، وجحيم ذاته، أحيوا أدونيس، فبوّابات جسدي مفتوحة لتعبر منها روح أدونيس، نوراً وناراً لذّةً وعنفاً، ولادةً ودماراً. ملك بيروت : لذّةً وعنفاً، ولادة ودماراً، خيراً من سكون بارد. ملك جبيل : حرباً وقتلاً خيراً من خراب صامت ترفرف فوقه رايات السلام. ملك صور : بريق السيف أجمل من بريق كاسات الخمر اللازوردية. ملك صيدا : وأن تقرع القّنا بالقنا، خير من أن تقرع النظرة بالنظرات. ملك نينوى : أسود مفترسة خير من كلاب مهذّبة. ملك ماري : ألم مع اللذّة، خير من راحة بلا ألم. ملك دمشق : وخسارة مع الربح، خير من تجارة كاسدة. ملك عمّون : ومعابد عامرة بالذبائح والبشر، خير من شعب صالح هجر معابده. ملك أريحا : وحياة فانية بإرادة، خير من حياة أبدية بلا إرادة. ملك أوغاريت : وأن يقدح العود بالعود وينكسر،خير من وتر صامت. أرشيكيغال : ما تريدون؟ الملوك العشرة :جسدك. أرشيكيغال : جسدي؟! الملوك العشرة : لابدّ أن نفتت جسدك، ليولد أدونيس من جسدك، لابدّ أن نلتهم جسدك ليستقرّ أدونيس فينا. ويعبر قنطرتنا. أرشيكيغال : ويلٌ للأرض وما حوت، ويلٌ للأرض وما ادّخرت، الموت تدخّرون، وبالجحيم تذخرون، أرض تلتهم آلهتها ستلد مسوخاً بشرية على هيئة الآلهة، أرض تزني بآلهتها ستسلم نفسها للاغتصاب إلهاً، وللعنف قانوناً وسيّداً. ملك بيروت : آلهة عجوز ثرثارة، طعمك مالح، ومذاقك مرّ، لكن لابدّ أن نلتهمك كما أنت، كي يطلّ حبيبنا أدونيس منك، ، أيّها الملوك العظام، ويا أيّها الشعب العظيم، إنّها ليلة اغتصاب الآلهة، وإنّها ليلة تعتّيق الآلهة، لنرم بالآلهة القديمة إلى القاع، لنرم بالآلهة القديمة إلى القاع، كي يتخمر أدونيس في دنّ ذاتنا، ويعربد نشوى في زجاجة جسدنا. ((يهجم الملوك والشعب على الآلهة، صراخ، عويل، قهقهات ماجنة، يفلح الجمع بالإمساك بالآلهة، يختلط الحابل بالنابل، الساحة في ظلام الرؤية مبهمة، لكن ما يحدث يبدو مفهوماً)). الجوقة 1 : رغم أنني لا أرى بوضوح ما يحدث بسبب الظلام رغم أنني لا أوافق فأنا معجبة بما يقوم به الإنسان لم يحدث هذا من قبل أن قيّدت الآلهة من يديها وأن تعرّضت لمثل هذا العار أجساد الآلهة العذراء صارت أجساداً مدنّسة برائحة الإنسان الإنسان زنى بآلهته وهو سعيد بليلة حلول الإله أهو الجنون حتّى الجنون يقصر عن ما جرى إنّه أمر خارق لاندري ماهو وعمّا سينبئ يا ترى الجوقة 2 : الآلهة القوّية فرّت مذعورة إلى أعالي الجبال أو آفاق الفراغ أمّا الآلهة الأخرى فقد اغتصبت من الإنسان فانحلّت قواها وذابت كما كانت عناصر عجيب أمر الآلهة ترتدي الجسد لباساً والخريف حجاباً والمطر دمعاً والرّيح أنفاساً لكن حين ترتدّ الحقائق تعود إلى بحر العناصر حيث كل الوجوه وجه واحد وكل اللغات حرف واحد رئيس الجوقة : إنّها ليست ليلة اغتصاب الآلهة بل ليلة اغتصاب الإنسان ذاته مَنْ يفتح باب السرّ عنوّة يدخل في متاهة المتاهات ويصبح هزءاً بين الكائنات لملموا جراح الآلهة قبل أن يصير الدّم طوفاناً والقتل بركاناً جسد أرشيكيغال تشظّى اليد في مكان، والصدر في مكان أجزاؤها تناثرت على السّفود والتفّت حولها الجموع تطلب قطعة من جسد الآلهة عسى إن أكلت جسد الآلهة تصير آلهة عجيب أمر الإنسان حين يملّ يحطّم ما صنع لا الوهم يروي عطش الإنسان ولا الحقيقة تزيل العطش عجيب أمر آنية الفخّار. مواطن 1 : ما أطيب جسد الآلهة. مواطن 2 : مذاقه مذاق التراب. مواطن 3 : بلا لون أو طعم أو رائحة. مواطن 4 : لم نتذّوق مثل هذا اللحم من قبل. مواطن 5 : لعلّه ليس لحماً، إنّه شيءٌ ما. مواطن 6 : يبعث على الراحة السعادة، والشفاء من الأمراض والأورام. مواطن 7 : بل يبعث المتعة، ومحبّة الموت والفناء، والزوال والهمود والعدم. مواطن 1 : كأننا ندخل جسد الآلهة، ونعبر بواباتهم. مواطن 2 : أو كأنّ جسد الآلهة دخل فينا، فأصبح كأنّه إيّانا، أو كأننا إيّاه. مواطن 8 : مزيداً من هذا اللحم لنغدو آلهة حقيقيين. مواطن 9 : لا نموت ولا نفنى.. مواطن 10 : "ونحيا في قوّة وسعادة دائمة".. مواطن 1 : مَنْ الإله التالي؟ مواطن 6 : إليكم جسد عشتار، أظافر النّار تنهش جسدها الجميل نهشاً، إنّه ألذّ الأجساد ((يقدّمون جسد عشتار)) مواطن 1 : إنّها ليلة التهام الآلهة. مواطن 2 : وليلة حلول الآلهة في أجسادنا. مواطن 3 : أجسادنا إلهية. مواطن 4 : فلنحلّ الإزار. مواطن 5 : ففي هذه الليلة كل شيء قابل للانحلال. مواطن 6 : ضوء القمر كما شعاع النجوم. مواطن 7 : مزيداً من الوقود والطّاقة. مواطن 8 : مزيداً من أجساد الآلهة. مواطن 9 : لتنبثق شرارة الآلهة في أجسادنا البشرية. مواطن 10 :النشوى تعربد. مواطن 11 : والغياب يصدح. مواطن 12 : مجدّوا الموت. مواطن 13 : فالموت هو الحياة. مواطن 14 : أكلنا جسد الآلهة. مواطن 15 : فأكلنا من شجرة الحياة. و مواطن 16 : نحن أقوياء كالآلهة. مواطن 1 : خالدون كالآلهة. مواطن 2 : الآلهة سكنت هيكل فخّارنا. مواطن 3 : فصار الفخّار إعصاراً. مواطن 4 : لنشرب نخب الآلهة التي هي نحن. مواطن 5 : شراب الآلهة المفضّل هو الدّم. مواطن 6 : هكذا النشوى تقول. مواطن 7 : وهكذا الغياب يقرر. مواطن 8 : إن لم نجد دماً نشربه. مواطن 9 : فلنشرب دماءنا. مواطن 10 : أجسادنا هي المحارق والقربان. مواطن 11 : نقدّم أجسادنا قرباناً لذاتنا الإلهية. مواطن 12 : المتبخترة كالطاووس المنير. مواطن 13 : هيّا أيّها الناس، حطّموا آنية الفخّار، فجوهركم الإلهي خالد. مواطن 14 : إنّها ليلة إشراق الآلهة. مواطن 15 : وليلة انحباس المطر. مواطن 16 : الإله يهبكم مطره، فارتشفوا ماء المطر. مواطن 17 : أجسادكم قيد فتحرروا من أسر القيد. مواطن 2 : اكسروا أواني أجسادكم. مواطن : ليبرز جوهركم الإلهي الخالد. ((يبدأ الناس في عملية قتل جماعية، وهم في حالة نشوة وفرح تام، كل واحد يطعن الآخر أو يطعن نفسه))... الجوقة 1 : حين شرب الإنسان من خمرة الآلهة سكر فتراءت طبيعته البشرية طبيعة إلهية فصار التراب خمراً والريح روحاً والشمس عقلاً والوهم حقيقة والموت خلوداً والفناء أبداً الجوقة 2 : بأية أردية تسربل الإنسان فقاده مكر الآلهة إلى طريق الهلاك ألبستهُ رداءً مسموماً بالكبرياء فاحتسى جسده السمّ بانتشاء فدّمرّ جسده وانطفأت شمسه لا تحطّمْ جرّة جسدك فلو حطّمتها أريق خمرك وصار شراباً لأفواه التراب خلف هذا الباب لا توجد أبواب بل متاهاتٌ وظلمةٌ وفراغ رئيس الجوقة : كما سكر باخص أسكر الناس فعربد الخمر في الأوداج فأريق الدم بنشوى التأله كذلك سكر شعبك أيها الإله سوريا بخمرة الآلهة وانتشى مما سكر فحطّم دنان ذاته فصار جسده قطع فخّار متناثرة مُدّ يدك أيها الإله واجمعْ قطع الفخّار. الجوقة 1 : خمرة الآلهة أثارت النشوة فامتشقْ السيف وخطّ الكلمات أجسادٌ مبتورة وعيون مشطورة النشوة تنفخ موقدها وتعتق في الدنّ خمرتها فتبعث آلهة الجنون تدعو الصبايا للشرب والبغايا للقرب والكل في نهر النشوة المجنون قرابين مذبوحة فاندب القاتل والمقتول والذابح والمذبوح فهذا الطريق لا يلد سوى الآلام الجوقة 2 : عربت النشوة الإلهية في الأجساد البشرية فصار الليل نهاراً والصبايا سنابل قمح والأجساد ثماراً والرؤوس تفاحاً والصدر كرمة عنب والكلّ هارس للقمح قاطف للثمر عصّار للعنب لكن الكل هدأ فلم يعد عنب ولا عاصر ولا قمح ولا هارس ولا ثمر ولا قاطف وحدها ريح الهلاك تلّف الرؤوس كالشجر تنشئ من الرماد ظلالاً كجفن القمر رئيس الجوقة : الإله سوريا حجب نوره فأدمس الليل وخنس البصر يا ذرا الغصون اسكبي دمعك ويا شفاه الموج نوحي فعسى أن يسمع أدونيس نداءك فيهبّ من التراب ضوءاً سارياً ماء حياةٍ فيسقي شفاه التراب العطشى فيورق الطّين لحماً وعظماً أيها القرص المنير تعالْ فيكون بدءٌ جديد لدورة الزمان الجوقة 1 : هدأ الكون، وسكنت العاصفة وسرت ظلال الموت مذهولة أهذا كوكب الأرض أمْ لعنةُ الغضب أيّها الإله هرمس يا سرّ الآلهة ويا حامل الأسرار أيّها العليم، أيها الحكيم تعال فلا فاكّ لهذه الأحجية سواك الجوقة 2 : ظلمةٌ إثرَ ظلمةٍ تترى والكون في هدأة الرماد رقد رماد إثر رماد يهطل والأرض حقل رماد همد دخان إثر دخان يأتي والهواء وشاح أسود يغطّي وجه الأرض غاضت الشمس وانكدر القمر وغامت النجوم لا شمس سوى السواد ولا ضوء سوى الإبهام ولا نور سوى الإدلاس متى تشرق شمسك أيّها الإله المنير أيّها الإله سوريا. فنستحمَّ بعطر شعاعك ما أجمل رائحة أشعة الشمس ما أنقى نظرات إلهنا سوريا وما أعذب ضفائره النّارية من عذوبة النّار تسمو أنشودة الحياة رئيس الجوقة : كونٌ أتى وكونٌ غرب نهارٌ أبّ آب، ونهارٌ غاب النهار ليلٌ، والنور حداد ما الذي جرى أيّها العليم صرنا أسرى للظلمة صرنا عبيداً للبرودة صرنا خدماً للجليد أنفاسنا تتجمّد في الهواء وأقدامنا تطأ حقول ماء جامد والهواء صار ستائر شفّافة من جليد مذ توارى إلهنا سوريا إله الشمس المنير توارى خلف حجاب الظلمة وحجاب الدّخان الكثيف ونحن نهوي في جحيم الجليد الأرض صارت كرة زجاجية في داخلها علقت كائنات خزفيّة ومحيط ماء كرة من جليد ما الذي حدث أيّها الإله الحكيم فنأت الشمس عنّا وساد حجاب الدخان وحاجز الجليد أيّها العليم، أيّها الحكيم إلينا بترياق الجواب ((يبرز هرمس)) هرمس : أرشيكيغال المطعونة، أرشيكيغال المهانة، ثأرت لعارها، صفعت الأرض صفعة حادّة، فأبعدت الأرض عن مدارها، وتاهت الأرض في فيافي الفراغ، وصحراء الظلمة والبرودة اللا نهائية، القمر كمد، وصار ـ كما ترون ـ قطعة حجر سوداء، رعباً مسلّطاً فوق جبين الأرض... رئيس الجوقة : ما العمل أيّها الإله الحكيم؟ هرمس : لنحدد المسار، وبعد ذلك، وبقوّتي الخاصّة، سأعيد الأرض إلى مدارها الصحيح، في مكانها الصحيح، أرى الآن قيمة الانحراف، نحتاج لثلاث درجات وست دقائق باتجاه الحمل، وبعد ذلك ننعطف خمسين درجة وست دقائق وخمس ثوان باتجاه الميزان، ولو سرنا بسرعة مضاعفة عشرين مرّة، سنعيد الأرض في ست وتسعين ساعة وخمس دقائق وثلاث ثوان، إلى مكانها الطبيعي، اخفضوا رؤوسكم، وأغلقوا آذانكم، فشدّة الدوّي، قد تخرق أعتى الجبال، فإلى جحر عميق آمن. الجوقة 1 : أعطيت القوّة أيّها الإله الحكيم أعطيت الحكمة أيها الإله القويّ آه، نحن الآن في المدار الصحيح الجوقة 2 : يا للفرح نحن الآن في المكان الصحيح رئيس الجوقة : شكراً للآلهة، فنحن الآن نتنشق رائحة الأرض لكن، أين الشمس هرمس : قليل من الوقت، وينجلي الدخان، ويشرق القمر، ويتلألأ ضياء الشمس فوق الأرض، أخي الإله سوريا، سيسرّ بعودة ابنه إليه، سيشرق فرحاً، فيرسل مشاعره الحارّة، موجةً إثرَ موجة، فيذيب الجبال "الجليد" ويكنّس وحش الظلام، وأفعوان الدخان، فينتصر الإله سوريا، أسلحته الدفء، والنّار، والنور، سهامه الأشعة الحارقة المرئية والخفية عن الأنظار، فمن يقوى على مقاومة بطش أسلحته؟ الجوقة 1 : إله النور سوريا ربّ الأسرة الكريمة أفراد أسرته أحد عشر كوكباً تزّين جيده، عقداً من عقيق يتلألأ بالبهاء والنقاء أحدَ عشرَ كوكباً أحجاراً كريمة في تاجه السماويّ اللا زورديّ الجوقة 2 : إله النور سوريا ربّ الأسرة الكريمة ذات يوم نثر من يده إحدى عشرة حبّة لؤلؤ من نور وقال للآلئ النورانية كوني كواكب نورانية هيكلاً لآلهة نورانيين الهياكل السمّاوية المقدّسة استوت في سمتها رئيس الجوقة : إله النور سوريا ربّ الأسرة الكريمة يرعى أبناءه الأحد عشر كما ترعى الأمّ الحنون ابنها الرضيع يهبهم الدفء والهواء يهبهم الماء والحياة ويغدق عليهم محبّته ورعايته إنّهم مراياه في الكون الفسيح مرايا تعكس بهاءه وسناءه إلهنا هرمس الحكيم أشدّ الآلهة علماً وحكمةً وقوّةً اخْتار عطارد سكناً له وهيكلاً قدّسوا عطارد فهو مسكن إلهنا هرمس الجوقة 1 : أمّا إلهنا أدونيس فقد اختار كوكب الأرض سكناً له ولهذا أحبّ سيد الآلهة إيل مسكن الأرض لأنّه مسكن أدونيس مسكن ابن سيد الآلهة متزّين بتاج إيل ملتحف بردائه السماويّ أشعّة إلهنا سوريا تتزحلق فوق ذرا لبنان وحرمون تبارك خطا أدونيس وتحفّه بمحبتها هرمس : إيه، ماذا فعلت يا سيد الأرباب، أيّة مكيدة كدتها بالأرض، مثل هذا لم أشاهد من قبل، سوى في كوكب المرّيخ، حين أرسلت إليه كوكباً عملاقاً، امتصّ هواءه، وتركه خربة حمراء، قطعة من أرض الجحيم، مقراً للنفوس المعذّبة، والمسوخ الملعونة، إيه، إنّه كوكب الرماد وليس كوكب الأرض، إنّه كوكب الجليد وليس كوكب الماء، النار صارت جليداً، والبشر أعمدةً، وأغصان جليد، آه، لو لم أحتجب، برداء الخفاء، لمزقتني تلك الجموع الهائجة، ولو لم أستوعب ما حدث، لكان كوكب الأرض ضائعاً في فيافي الفراغ، بعيداً عن قبضة أبيه الشمس، والآن سنعيد للحياة دورتها الأولى، سأقصد أخي الإله سوريا، سأعبر بوّابات لهبه، وسأمثل في عمق سدّته، حيث لا كائن ولا كينونة تجرأ على المثول، وهو على عرش في عمق اللهب، سأطلب منه، أن يفيض على الأرض، بدفقة هائلة من محبّته الحارقة، دفقة كافية لتحرير الأرض من الجليد، وتنقية الهواء من الغازات المهلكة والتربة من التفتيت المدمر، كوكب الحياة صار كوكب الموت، أيّها الإله سوريا، أنا قادم، فافتح بوّابات قصرك يا سيدي في عمق الشمس، آه، ها قد فتحت، فلأعبر البوّابة، ((يتوارى))... رئيس الجوقة : الإله الرحيم ،هرمس الحكيم قصد شقيقه الإله سوريا إله قرص الشمس المضيء ليطلب منه النجدة والمدد لمحاربة جيوش الظلام وأفعوان الدخان وجحافل الجليد الإله سوريا سيهزم الظلمة ويقتل الأفعوان: ويدمر الجليد سيبعث الحبّ والربيع والنور النقي إنّه رب النقاء والخير ((يظهر هرمس)) هرمس : من الإله سوريا عندي خبر، أيّتها الظلال، أيّها الرّماد، أيّتها الأشباح الذاوية، أيّتها الأعمدة المتجِمدّة، الإله سوريا سيرسل أشعته جيوشاً من نور، تحارب جحافل الظلام، ولحظة العبور، هي لحظة ظهور أدونيس فيا سميرنا، أيّتها الأمّ المقدسة، يا من حرارة قلبك كانت أقسى من سيوف الجليد، فبقيت جسداً حيّاً، واندحر الجليد ماءً سائلاً حيثما مسّ جسدك، انطقي بشفاه قلبك اسم ابنك أدونيس، فيشقَّ بسيفه الفجر، فارقاً النور عن الظلمة، عابراً بوّابة الموتى، وبوّابة النسيان، جاراً معه عناصر الحياة، وشعب سوريا، وشعوب الأرض، سميرنا، إنّها الكلمة الفصل، في الزمان الفصل، دعي لسان قلبك يصدح، لسان الصدق لا يحتاج لتحريك اللسان، وهو أجدى من صدى الكلمات. سميرنا : ابني، حبيبي أدونيس، يا من أنت أرقّ من النسيم عذوبةً، وأسنى من النور ألقاً، وأنعم من الخاطر ملمس جلدك، صيّروني يا حبيبي أسيرة الخشب، طوردت باللعنة والغضب، لأنّ شفاهي أزهرت باسمك ، سلّطوا عليّ خنازير الأرض، وهواء المستنقعات ليطفئوا نور عينيك في مصباح قلبي، وقلبي يقول لك تعال، وانظرْ في مرآتك، وأنا مرآتك، وبي فقط ترى صورة وجهك، أنت مرآتي، وبك فقط أرى صورة وجهي، أنت وجهي وتوجّهي واتجاهي، أنت نبض قلبي وعظامي الرثّة، البالية، أنا مرآتك لأنني أنا نسبك، وأنا تعريفك، فتعال يا حبيبي وانتقش في هيولى ذاتي أحرفاً نورانية، لا من زيت تستمد ضياءها، بل من نبضات قلبي، نبض قلبي زيتك، فتعال أيّها القنديل واشتعل في عمق روحي، فأنت غيمة من تلال روحي عبرت، ومهما سرت الغيمة، فمآلها أن تعود قطرات للبحر الذي لفظها، شفتاي ترتل اسمك، شفتاي تعيّن رسمك، ترسم ملامح وجهك، أحرفي أنت، وأنا كلماتك، أوتاري أنت، وأنا ألحانك. فتعال أيّها النورس المهاجر، وعد إلى جزيرتك في عمق الذاكرة أنا ذاكرتك، وذكرياتك، وتذكّرك، لأنني بصمتك وتعيينك بي يا حبيبي تتعيّن، وأنا بك أتحدّد، أنا شهّوة الظل، وأنت شموخ الجسد، أنا ظلّك، وظلالك، أنا أمانك، فادخل أيّها الترياق في خميلتي، واطمئنّ في خوابي عسلي، فأنا أذقّك سرّ الحياة، وسر الموت، أنبتُ لكَ جناحي طائر، وأكسو جناحيك بالرّيش فَطِرْ يا حبيبي في فلوات روحي، وحطَّ حيثما شئت، ففلوات روحي محطّات آمنة لطيرانك، بني، حبيبي، أدونيس، تعالْ. ((صوت برق ورعد، من رماد تتفجّر شواظ من نار، من لهب النار تظهر صورة أدونيس غلالة نورانيّة، تنفصل عن شواظ النار، إنّها هيولى نورانية محدّدة الملامح، إنّه جسد أدونيس النوراني، أدونيس يشهر سيفاً من نور، يشقّ به صفحة السماء فينجلي الظلام رويداً رويداً، ألافٌ من الظلال تنشأ من الرماد، إنّهم شعب سوريا، الظلال تتجسّد بشراً يهزجون بفرحٍ طاغٍ، أدونيس لا يزال بسيفه يجوب أرجاء السماء، مبدداً الظلمة والدخان الذي يتلاشى شيئاً فشيئاً،))... الجوقة 1 : حبيبنا أدونيس إله النور أدونيس سيف النور أدونيس بسيفه شقّ رحم العتمة وبدّد جيوش الظلام ودحر أفعوان الدّخان وفتَّت أسوار الجليد إنّه النور إنّه النار وإنّه الماء الجوقة 2 : حبيبنا أدونيس إلهنا أدونيس سيف النور أدونيس بسيفه شقّ الفجر فكان في عتبة الزمان إلهاً نورانياً وُلِدَ ساعة الفجر جارّاً خلفه أشعة الشمس وقرص الشمس واهباً الحياة خضرتها والماء سيولته والهواءَ نقاوته والتربة خصبها قال للبذرة أنتشي فأنتشت قال للأجساد قومي فقامت وقال للظلال تجسّدي فتجسّدت رئيس الجوقة : عابراً مملكة الموت محطّماً أسوار الجحيم باعثاً الأموات من مرقدهم والأشباح من معتقلهم إلهنا إله النور أتى بزورقه النوراني زورق الإله سوريا حاملاً شعبه في زورقه عابراً قبّة السماء من مطلع الشمس لمغربها ناثراً شعبه في محيطات الأرض ومحطّات الفضاء في اليابسة وفوق الماء وتحته رافعاً المعرفة منارةً والحبّ شراعاً والحكمة مجذافاً والخبرة سفينة حيثما سار أرسى الموانئ والمدن وحيثما حلّ نقل اللوح والقلم نازعاً أدران الهمجيّة غاسلاً أوساخ البدائيّة مشعلاً مصباح المدنيّة الجوقة 1 ـ 2 : قُدِّسْتِ يا أرضَ سوريا أنت موطن إله النور وموطن الإله أنت منبت اللوح ومصنع القلم أنت منشأ البيكار ومبدأ الشاقول تَزنِينَ بالقسط وتبنين بالمعرفة أهلك بنّاؤون مهرة أهلك بنّاؤون للأمم تبنين المدن والأسوار والعقول والأرواح محبتك تسع كوكب الأرض لأن أرضك بساط الآلهة وجبالك هيكلهم ومدنك مساكنهم فبالمعرفة العليا تقلّين الإنسانية إلى العتبة العليا حيث الشفق يفصل عالم الروح والآلهة عن عالم الإنسان ((يتجسّد أدونيس بشراً، يعانق أمّه، الجموع تحييهما بحرارة))
ـ انتهى ـ حمص شتاء عام 1995

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق