كأنَّ شاعرتنا قد جاءت في الزمان الخطأ، فهي تُدين عصرنا في كثير من قصائد هذا الديوان، في فنية لافتة، لكن صوتها قد يعلو أحياناً حينما ترتدي قناع الشاعر الحكيم، فنرى في بعض قصائد الديوان صوتاً عالياً، ليس كصوتها الهامس في أغلب قصائد الديوان.
[caption id="attachment_266" align="alignleft" width="121"]
الدكتورة حنان فاروق[/caption]
(1) الشاعرة الدكتورة حنان فاروق واحدة من الأصوات الشعرية الجديدة، بدأت رحلتها الشعرية منذ عدة سنوات، وقد فازت بعدة جوائز في عدة مسابقات، وها هي تقدم نفسها للحياة الأدبية بديوانها الأول «على موعد»، وهي تبدو فيه شاعرة متمكنة، وضعت يديها على جمرة الشعر. ومن القصيدة الأولى نرى مسحة رومانسية في قولها: سأرحل عند اكتمال القمر لكي أصحب البدر حتى السحر وأشدو بأغنيةٍ من فنوني فتشدو معي وشوشات الشجر أنا زهرةٌ بي رحيق الصبا يمـــوج مع النور بين الدّرر أرى هدأة الليـل قيثارتي تــردّد في القلب أحلى الفكر تناجى تسابيح طهر الدّني وترسـم بالشعر أحلى الصور وفي شعرها مسحة حزن رقيق لا تكاد تُخطئه عينك في كل ما تُطالعه من قصائدها. تقول في قصيدة «الثواني ترسم التاريخ في كف الزمن» مصورة زهرة الآمال التي تجف أوراقها في قيظ الواقع القاسي: كلما أسلمت نبضــا لانتشاءات الأمـل عاد طوفانا من الأحزان ممــدود الأجـل والمنى بالوهم من صنــع الخيال المرتجـل لم تزل تستعطف الخطوات في أرض الوجل وفي المقطع التالي يتضح لنا شيء من معاناة الشاعرة، فهي تتساءل كيف تعيش بقلبها وسط هذه الحروب التي لا يخبو لها أُوار في عالمنا؟!، وهو تساؤل مشروع للشعر الذي يُعانق العالم بوجدانه، وينفر من القبح الذي تمثله الحروب، وتجعل منه مأساةً للإنسان في كل عصر: ليت شعري.. كيف للإنسان أن يحيا بقلب في طـــريق غرسها نار وآلام وحرب وأحاسيس بلا أم و لم تُنْسَـــب لأب كيف للإنسان ـ بعد الموت جوعا ـ أن يحب؟ لكنها نرى في الكتابة حياةً، واستنقاذاً للنفس من براثن الموت والهلاك التي تُحيط بها من كل جانب. تقول في قصيدة «قلب الورق»: غدنا غريب تائه من كفِّ حاضرنا انزلق وتكسرت أجزاؤه وتبعثرت في المفترق تستصرخ الإحساس داخلنا لينقذ ما احترق أتراه يكفي كي يعيد لنا التَّبَدُّدُ ما سرق؟ اكتب..فإن الموت حطَّ على الملامح واخترق اكتب.. وعِشْ لم يبق إلا العيش في قلب الورق.. (2) وفي هذه المجموعة ترى صوت الأنثى في الشعر، بمفرداته الهامسة، وضعفها المحبب، تقول قي قصيدة «كن جانبي»: بالرغم من كل الذي يحتد في .. بالرغم من حزني الذي لا يكتفي.. آتي إليك.. آوي إلى ركني الصغير.. أطوى دموعي بين إحساس مرير.. أنا لا أريد الحب مثل العاشقين.. سهدا تغالبه الدموع وتستكين.. لكنني.. أحتاج في صمت إليك.. أحتاج أن أحيا وقلبي في يديك. أحتاج مرسى كي يعانق قاربي.. كن جانبي.. وقد رأينا في النصوص السابقة أن اللغة الشعرية عند الدكتورة حنان فاروق واضحة نقية؛ فهي لا تلجأ إلى الغموض المُلغز، الذي يلجأ إليه البعض في الكتابة، وكأن الغموض عندهم مرادف للتميز والعبقرية! وتشيع في شعرها مفردات الرومانسيين، ولا يمكن أن نستعرض بالطبع المفردات التي جاءت في المجموعة كلها، ولكن نتوقف أمام قصيدة «دمي الموشى بالدموع»، ونصها: دمىَ الموشّى بالدموع يأبى على قلبي الخضوع ويردني حيث الحياة ترى السلامة في الرجوع لكنني مازلت أعــترك الفطام كما الرضيع وألوك أوّل مضغة بصعوبة لكن بجوع والأمس يرسم للغد الـمجهول أحلاما تضيع ويطيح بي نحو التلاشي في انكسارات الهجوع أو كلما آويت شمــسا أطفأت فيّ الشموع ثمّ استدارت تشعل النـِْيران في القلب الصريع وتعيد نثر رماده فوق الخنادق والصدوع تلك التي اختزلت بقايا الروح سطرا من دموع الآن يعصف بي حنيــني ثم يكتنف الخنوع ويظل ينسج في فؤادي بأس قافلة الصقيع ماذا جنيت لأستحقَََّ الموت في الصمت المريع ماذا جنيت وقد أسرت بداخلي الطفل الوديع كبّلته بمشاعري ورميته بين الضلوع فبكى ولكن قسوتي جعلته يجتث الربيع ويعيش يندب حظه المخطوط في الكف الجزوع أفتسألون الآن حقا كيــف أدمن أن يبيع؟ فعنوان القصيدة «القلب الموشى بالدموع» يكشف عن نزوع رومانسي للتصوير الفني، تؤكده المفردات التي جاءت في النص، ومنها: الغد المجهول ـ أحلام تضيع ـ قافلة الصقيع ـ القلب الصريع ـ يجتث الربيع ـ بداخلي الطفل الرضيع ـ رميته بين الضلوع. وفي قصائد الديوان الأخرى نرى ألفاظ: وشوشات الشجر ـ رحيق الصبا ـ هدأة الليل ـ اهدم للدموع الموئلا ـ طوفان التمني ـ أنا الحب ـ صحراء دنيا ـ ابتسام شباب قلبي ... إلخ. (3) كأنَّ شاعرتنا قد جاءت في الزمان الخطأ، فهي تُدين عصرنا في كثير من قصائد هذا الديوان، في فنية لافتة، لكن صوتها قد يعلو أحياناً حينما ترتدي قناع الشاعر الحكيم، فنرى في بعض قصائد الديوان صوتاً عالياً، ليس كصوتها الهامس في أغلب قصائد الديوان. تقول في قصيدة «قوسان»: ومابين قوس الولادة.. وقوس الوداع.. أحاديث شتى.. صراع.. يعربد في ذكريات الضياع.. ومن ظلمة الليل والحادثات.. يطل اليراع.. فتمتد أيدي الصدى والنزاع.. لتهتك ستر الأمان الخفيّ.. وتحتل صدر الوجود العصيّ.. ويقتسم الصبر أجزاءنا.. وأحلامنا.. ويعلن أن الدموع البداية.. ويكتب بالحزن سطر النهاية.. لكل الحكاية.. وهذه القصيدة هجاء لعصرنا الذي نحياه. وهذا ملمح شائع في الشعر العربي الحديث عند بعض الشعراء، ومنهم نزار قباني، وأحمد مطر، وفاروق جويدة ... وغيرهم من الشعراء الذين عُنوا بهجاء عصرنا، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر الراحل عبد الله السيد شرف، الذي يقول في إحدى قصائده: هذا العصرْ رجم الصدقَ بداخلِ فجوهْ بالأحجارْ دفنَ الصدقَ بداخل هُوَّهْ تحتَ قرارْ ويقول في أخرى مديناً الظلمَ والعدوان، ومشيراً إلى قيم الصدق والعدالة والحق المفتقدة في عالمنا: كانَ الحقُّ قديماً يمشي أما الآنْ ورِمتْ قدمُهْ قالوا لهْ: عيبٌ أن ترككَ تسيرْ اركبْ أنت .. ركب الحقُّ كما أمروهُ ـ على الصاروخْ هبطَ الحقُّ على المريخْ ثم جلسنا كي ننتظرَهْ راح الحقُّ هناكَ بغفوهْ! وعلى كل حال فهذه القصائد قليلة عند الشاعرة، وستتخلص من علو النبرة كلما تقدّمت تجربتها في الشعر والحياة، مع أن قصائدها تلك أقل ـ في علو النبرة ـ من قصائد الشعراء الرجال!. (4) وتتراوح قصائد هذه المجموعة بين الشكل الكلاسيكي، والشكل التفعيلي، ومن نماذج الشكل الأول: «سأرحل»، و«خماسيات الغربة»، و«دمي الموشى بالدموع»، و«قلب وعقل» ... وغيرها، ومن نماذج الشعر التفعيلة: «شهرزاد» و«كن جانبي»، و«طوفان»، و«بنت صفية»، و«قوسان» ... وغيرها. وهي في قصائد التفعيلة أكثر انطلاقاً، وتلجأ إلى القافية بين سطر شعري وآخر، كما في قولها في قصيدة «كن جانبي»: جزء صغير يبقى لنا من نفسنا من عمقنا...جزء صغير نحيا ويخبو حلمنا.. ونعود ننسج روحنا.. بخيوط عالمنا الكبير.. ويظل يأكل عمرنا أيامنا.. ويظل ينهش قلبنا من حولنا.. وتظل تجذبنا صراعات الضمير.. وقد أشارت الشاعرة في قصائدها إلى شخصيات حقيقية مثل «صفية» عمة النبي ، وبعض شخصيات الموروث القصصي والشعبي ومنها «شهرزاد» و«شهريار» في قصيدة «شهرزاد»، ومن الملاحظ على هذه القصائد التي تستدعي الشخصيات أنها إشارات لبعض مواقف هذه الشخصيات التي استدعت الشاعرة أن تستحضرها وتسجل خواطرها وبوْحها عنها، ولم توظفها توظيفاً فاعلاً في نصها، حيث تبقى الشخصية في مركز النص قائمة بذاتها بين إشارتين: إشارة إلى الماضي التاريخي / الحقيقي، وإشارة إلى الواقع الذي نعيشه ونحياه. ولعلها في قصائدها المقبلة، توظف الشخصيات التي تستدعيها توظيفاً فنيا لافتا. (5) بديوان «على موعد» للشاعرة الدكتورة حنان فاروق تتّضح أمامنا صورةُ شاعرة تعد بالكثير في حركة الشعر ونرجو أن تأخذ حقها من الدّراسة والمتابعة، فهي شاعرة موهوبة، تبحث بإخلاص عن تكوين صوتها الخاص، وتكتب الشعر بنوعيه (القصائد الخليلية وشعر التفعيلة) برهافة وجمال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق