السبت، 10 يناير 2009

مسرحية العزل - تأليف رجب أبو سرية

إن قوة الارادة، لا تجيء هكذا، بأن تفتح صدرك للريح، لكن عليك أن تدرك حدود قدرتك، ومدى جبروتهم، منذ البداية عرفت بأنهم لا يحتملون موتي، وحيث تدور الأحداث في زنزانة انفرادية، حيث تتكون الغرفة من جدران مغلقة في الجهات الثلاثة، الجهة الخلفية للمسرح فيها كوّة صغيرة، والجانبية على اليمين عبارة عن باب فيه طاقة ذات غطاء ومشبكّة وتحتوي على سرير معدني عليه فرشة وأغطية (بطاطين)، كذلك مخدّة، ثم ملابس وغيارات السجين، كوب بلاستيكي..

المسرح في حالة اظلام، سوى من خطّ اشعاع الضوء الدافعين من الكوّة والطاقة، لتظهرا السجين وهو يقوم بالفعل المسرحي. وتبدأ المسرحية بانفتاح الزنزانة بعنف، والدفع بثائر إلى داخلها وهو في ثياب السجين، ثم اغلاق الباب بقوة، ليظهر لنا ثائر وهو لا يقوى على كتم ضحكته الحقيقية.. لقد ضللته، لقد ضحكت عليه، (يغالب ضحكته) وهو يجلس على السرير، إبن الـ... أراد أن يستغفلني.. صحيح أنني طيب ووديع، لكن ليس إلى هذه الدرجة، أصدقائي كانوا يعدونني ذكياً، وأحياناً ذكياً جداً، لكن لم يُعدني أحد يوماً في خانة البلهاء.. (ثم يبتسم) أراد هذا المتحذلق أن يستغفلني، اعتقد أنني أهبل او غبي.. يرفع القلم يناولني إياه بأدب وباستسلام، ثم ببساطة متناهية.. وبلهجة آمرة تماماً كما هم معتادون دائماً مع الآخرين: وقّع هنا (ثم يشير باصبعه) إلى ذيل الورقة.. لن يغادرني يوماً طوال حياتي ذلك المشهد، أوه يا إلهي كم كان ممتعاً، وكم أود أن أتذكره دائماً، آخر ما كان يتوقعه المحترم أن ألقي إليه بالقلم.. وأرفض التوقيع ولكن لماذا يا ابت الستمائة وستين.. (يا لكم من قليلي أدب) – تبدو جملة اعتراضية، ولكن يا بيك أنا لم أقر بما هو مكتوب في هذه الورقة.. يتأملك بحسرة من قمة رأسك إلى أسفل قدميك، ثم يضغط على الجرس الداخلي، فيجيئ المراسل، ليعود بك إلى حيث تقبع هنا منذ (يبدو كمن يتذكر بصعوبة).. منذ متى.. ثم يتطلع إلى الحائط يعد: عشرة، عشرون، ثلاثون، أربعون، واحد، اثنان، ثلاثة، ثلاثة وأربعون يوماً، آه لم يتبق لي كثير من الأيام هنا، المهم هو النتيجة، أن تقر بالتهمة التي يقذفونك بها، وأن تنهار أمامهم، وتؤكد كل ما يطلبونه منك، أم لا، ما أشد وقع التعذيب عليك، لكن ما هو أقسى وأصعب هو أن تنهار، وتقوم بادلاء المعلومات عمّن رافقتهم على طريق الحرية والتقدم، كيف لك بعد ذلك أن تكتب حرفاً أو أن تغني شعراً، كيف يمكن لك أن تدعو لخلقٍ لم تأت بمثله.. كيف، الأمر لم يكن بالنسبة إليك تصلباً تنظيمياً، بل كان موقفاً إنسانياً، وصدقاً ذاتياً، ما كنت تقوى على تجاوزه مطلقاً.. تأتيه إشارة من الطاقة، ينهض.. نعم.. نعم، لق نسيت في ظل فرحتي المفاجئة، (ثم يبدأ في خلع ملابس السجن)، هذه هندام رسمي، لزوم مقابلة السيد المحقق، أو البيك، كما يسمونه هنا، وكما فرضوا عليك أنت أيضاً أن تخاطبه.. لقد قلت لك يا أخي.. ثم يقاطعك بشراسة، لست أخاك أنا هنا البيك، بالطبع.. بالطبع.. ثم في سرّك – نعم.. نعم لو كنا أخوة ما كان هذا هو حالنا، لابد أن نكون بكوات وخدم، حتى نكون مثالاً للطاعة.. اسمك.. هكذا اعتاد هذا البيك على قذف الأسئلة في وجهك، اسمي ثائر.. لا اسمك مطيع، من الآن فصاعداً أنت مطيع هنا.. لكن يا بيك.. انتهى الأمر، إياك أن أسمع يوماً بأن أحداً خاطبك بهذا الاسم المـ..قرف. أحدٌ يخاطبني هنا.. من أين لي هذا الأحد.. نعم.. نعم (يبدو وقد تذكر شيئاً)، يبدأ بالدق على جدران الزنزانة وفق نظام الشيفرة (أبجد هوّز).. يبدو عليه الارتياح، ثم يتوقف.. ما الذي حدث لي، حقاً ماذا حدث لي، كنت في الخارج أسمع عن هذه الطريقة، ولم أقم بتعلمها سلفاً، كانت تلك غلطتي، لا في الحقيقة لم أكن قادراً، أو لم أجد الوقت اللازم لتعلمها، كنا في عجلة من أمرنا، كما نحن دائماً، كنت ماكينة المائية متحركة.. لا تهدأ ولا تتوقف عن الدوران، ثم حين وجدت نفسي هنا بين هذه الجدران كدت أن أقوم بتحطيمها، وكم شعرت بالعجز والغضب حين سمعت الدق عليها، ولم أتمكن من الرد، الآن وبعد أن تعلمت الطريقة، صارت تمر الساعات دون أن يأتيني الدافع إلى استخدامها (تبدو عليه علامات التعجب). يا لهذه الظلمة التي تغشي الأبصار، منذ متى لم أر ضوء الشمس، ما زال الأسبوع بأوله، بعد سنين كامل استمتعت بأشعة الشمس، كم كانت جميلة هذه الهدية في يوم عيد ميلادي، كانت أفضل هدية أتلقاها من السماء منذ سنين، يقيناً لو كانوا يعلمون بأن ذلك اليوم كان عيد ميلادي، لكانوا أخرّوه يوماً أو أكثر، كنت أجوب شوارع العاصمة، ولم أفطن يوماً لنعمة الضوء، الذي يبدو لنا بديهياً.. شوارع العاصمة، كم اشتقت إليك أيتها الشقية، حين أخرج من هنا، أعتقد بأنني سأدرو فيها أقبلها شارعاً شارعاً.. وربما حين يراني المارّة يعتقدون بأنني مجنون.. لا ضير عليّ بالطبع، فالبعض منهم طالما اعتقد أنني كذلك، وإلاّ ما الذي يدفع مبدعاً مثلي، ينتظره مستقبل باهر أن يركب موج المغامرة؟ لكنني في الحقيقة ما كنت متورطاً سوى بتأييد هذه الجماعة التي تطالب بالحريات.. (يسمع ضحكة في الخارج) ينصت.. ها ما أروع أن يكون الانسان خارجاً يسير على قدميه، ينام وقت ما يشاء ويصحو وقت ما يشاء، يأكل وقت ما يرغب، ويذهب إلى صديق أو مكان هادئ بحرية خاصة.. لابد أن تكون هذه الضحكة قد أطلقتها فتاة عاشقة.. آه ما أخبارك أيتها المليحة.. هل تفكرين بي، تنتظرين خروجي على أحر من جمر، كم أتوق أنا لذلك، أم أنك قد بتِ تراجعين حسابك تجاهي؟ أنا متماسك هنا من أجلك.. آه لو تعلمين يا توأم روحي ماذا فعلتِ من أجلي.. في اللحظة التي وصل بي الانهاك منتهاك، حتى اشتهيت الموت أو توقعته، انفتح الباب، وأنا في حالة الضعف الشديد، وألقوا لي بهديتك.. (ثم يتحسس "الترنج" الذي يرتديه) حينها كنت يداً انتشلتني من الغرق التام، وفي لحظة تعد أقل من ثانية صار بي استعداد لملاقاة الموت.. حين أخرج سأحدثك عن كل هذه اللحظات بالتفصيل، ستمتلئين فخراً بي، تعرفين أنني وبسرعة أدركت كل أساليبهم، وصرت بالتالي قادراً على التوقع، كل أسبوع كانوا يأتون لي بجديد. في أول استحمام لي كان جسدي مخضباً باللون الأزرق، ومنذ اليوم الثاني على وصولي إلى هنا، كنت أتلقى وجبة الضرب اليومية، فينهار جسدي، يلقون بي إلى حيث عزلتي، فأغط في نومٍ عميق، الصفعات الأولى موجعة، ثم ينعدم الاحساس، فيصير كل شيء على ما يرام! (ينفتح الباب، وتقدم له وجبة الطعام.. يتناولها ويضعها أمامه، ويبدأ في الأكل) كانت تلك النصيحة التي تلقيتها على غير ترتيب أو اعداد من صديقي المهنّد مفيدة، (من الضروري أن تتناول طعامك جيداً)، مرة واحدة لم أقو على تناول الطعام، كانت الوجبة التي سبقته دسمة، لدرجة أنني لم أقوَ على السير بمفردي، كنت كورقة هشة، بالكاد أتعرف على ما يدور حولي، سار بي الحارسان إلى هذا القبر، (مستهزئاً، كان يصّر دائماً على أن يقول غرفتك، ويستنكر عليّ أن أقول زنزانة) وألقوا بي.. ظننت أن بامكاني أن أرتاح وقتاً، ثم أتناول طعامي.. لكن الشبع منع عليّ ذلك.. في البداية ظننت أن الأمر سيستمر حتى الثانية بعد الظهر، حيث نهاية الدوام الرسمي، ثم طمأنت نفسي بأن الوقت سيستمر حتى الثامنة الموعد المفضل لمحققي.. ثم مضى الوقت وأنا أترقب أن تنفتح الطاقة على الوجه المأمور يقول لي كلمة واحدة، بحزم وكراهية لا أدري دافعه إليها (إلبس)، ثم بدأ الصحو والارهاق والوجع الخرافي ينتاب أوصالي.. كانت الصرخة في داخلي، تشبه صرخة الوليد الكتومة، التي لابد منها لتعلن عن موعده مع الحياة، من أين لي بفقدان الوعي؟ يمر الوقت والجحيم يحيط بي من كل جانب، ثم بدأ يتلبسّني، يا إلهي لم يكن ما فات سوى لعبة.. ألعنبر من حولي في حالة صمت مقيم.. أشعر بالمقيمين خلف الجدران القريبة مني، أشعر بأنفاسهم المتعاطفة.. ما الذي يحدث، لابد أن الجميع يظن بأني على درجة من الأهمية، حتى أواجه بكل هذه القسوة، (يضحك) لم أفعل سوى أن وقعت على تلك العريضة (كأنه يواجه خاطراً بداخله) (لست نادماً).. لذا لم أكن مضطرباً، الحقيقة أنني كنت أتوقع رد فعلهم، لكن لمِ كل هذا الاصرار على *** ر مبدعٍ مثلي؟ لقد أدركت أنك تسعى إلى الترقية، قالوا لك هم أيضاً كانوا يعتقدون بأهمية اسقاطي واعتراقي.. (يقلد صوت المحقق) لقد بدأت تقرأ القرآن.. جيد (كمن يرد في داخله، لكنني لم أحفظ شيئاً، ماذا أفعل وأنا مصاب بداء القراءة، وليس سوى هذا الكتاب هنا؟! وماذا تظن أنك تفعل عندنا، لقد مرّ أسبوعان على وجودك هنا، فماذا تنتظر؟ (أنتظر أن تفرجوا عني) (المحقق بانفعال) ماذا قبل أن تعترف وتقرّ بدوافعك الانقلابية وبدورك التآمري؟ ماذا تفعل هنا؟ هل تشم الهواء، أم أعجبتك الاقامة؟ سامحك الله يا سميح، لقد تناقل روّاد العنبر حكايتك، أعرفك يا صديقي جيداً، كنت في الخارج دؤوباً ومتفانياً، وصرت رائداً دائماً لهذا المكان، وإزاء تلك الواقعة ضجّ المكان بمن فيه، عندما رأوك ترقص، ظنّوك مجنوناً، أما أنت فكنت، وقد اعتدت الضرب وكل توابعه هنا، تجد فيه مناسبة مهمة للالتقاء بين وقت وآخر بهم، للوقوف عند آخر أساليبهم، حتى تستمر اللعبة بيننا، وكنت أنت تتقنها، حتى غدت لعبتك، مثلهم تماماً، هنا تجد الأكل والجلوس ولا بأٍ من الثمن الموجع، يا لك من رجل تحتمل كالجبال.. انه قدر يا صديقي، لا يتغيّر إن لم نواجهه بقوة، وعلى المكشوف ووجهاً لوجه! الاقامة.. هنا، يا لك من متحامل، وأنا الذي لا يقوى على أن يهدأ لحظة، كنت أغرد كعصفور في كل الأماكن، وأنا الآن هنا، أعدُّ البلاط (ثم يبدأ في عد بلاط الغرفة)، (ويجوبها ذاهباً وآيباً).. هكذا كنت أقضي الوقت، وأتسلى بمقابلتك اليومية، ثم يجلس ويبدأ في عد ّشراشيب الغطاء، آه مرّة قمت بعد هذه الخيطان اللعينة.. (يسمع صوت زقزقة عصفور)، ينتفض ويركض إلى الكوّة، يصغي سمعه جيداً، اقترب يا عزيزي، لكن إياك أن تدخل القفص مثلي، الصيادون متربصون لك، ولي، لذا فنحن في جانب واحد، اسمع (ويبدأ في تجريب الزقزقة، هذا يعني أني أسلم عليك، وأحذرك من الاقتراب من هذا المكان المليء بالصيادين، وهذا يعني أنني أطلب منك أن تبقى قريباً مني حتى تخفف عني وحدتي، ما رأيك، لغتكم جميلة يا صديقي إنها كالشعر تماماً، وربما لهذا السبب وجدتني أفهم عليك.. نعم.. نعم أوافقك الرأي بأن الغناء واللحن الجميل هو أفضل وسيلة لمعالجة العنف والكراهية والرغبة في الشر.. نعم.. نعم.. إسمع كانت أمي تقرأ القرآن على رأسي حين تنتابني الكوابيس وأنا صغير، وتقول كلام الله الجميل يبعد الأشباح والشياطين، نعم.. نعم لهذا فإن الغناء يبعد عنّا الشر وأبناء الحرام.. ما أكثرهم.. اسمع أنا اسمي ثائر! ما اسمك أنت؟ أنت عصفور! أعرف، لكنكم لا تميزون بين عصفور وآخر، أليس لديكم ملك أو رئيس، شرطة وأمن، حاكم ومحكوم؟ أنتم في الجنة إذاّ، اسمع أريد أن أسألك إن كان يمكنني أن أكون عصفوراً أنا أيضاً.. ماذا؟ (يصيغ السمع) مشكلتي أنا؟ نعم معك حق، بما لن يكون من الصعب أن أغدو عصفوراً، لكن كيف لي أن أتمتع بحريتي ما دام الصيادون من حولي كثر، وما دامت بنادقهم وشباكهم مشرعة وجاهزة؟ ماذا؟ (يستمع إليه) تريد أن تذهب، مازال الوقت مبكراً يا عزيزي، ولقد أسعدتني بصحبتك، زوجتك وأبناؤك، فضلاً عن أنك مللت مكوثك في مكان واحد كل هذا الوقت، لك الحق يا صديقي، لكن قبل أن تذهب بالسلامة، أتعدني بأن تجيء إلى قربي كل يوم؟ شكراً شكراً، ثم طلب آخر، هل يمكنني أن أتمنى عليك أن تذهب إلى محبوبتي بتحيتي المشوبة باللهفة والاشتياق؟ هذا كل ما أتمناه.. رافقتك السلامة.. رافقتك السلامة.. يشعر بالسعادة، فيبدأ بالغناء: صديقان نحن إلى أن ينام القمر حبيبان نحن فسيري بقربي كفاً بكف أحبك حب القوافل.. واحة عشب وماء وحب الفقير الرغيف.. الحارس في الخارج يقوم باغلاق غطاء الطاقة، تخرج منها حزمة أشعة صغيرة يضع يديه لتلقيها، ثم يقترب منها ويتلصص، كأنني أعرف هذا الرجل، لا تريدون لنا أن يعرف أحدنا من يوجد بجواره، تمنعون أي اتصال، ربما تخشون أن نتفق على اضراب.. اسمع يا حسن ليس أمامك يا زميل سوى أن تعلن الاضراب عن الطعام، وعليك، وهذا هو الأهم، أن تحدد مطلبك بدقّة، لأنك إذا فشلت فسيوسعون في ضربك، أنا معك، أستغرب وقتها (رغم الاختلاف بيننا)، يا عزيزين نحن هنا في مواجهة جلاد واحد، أنسيت؟ ثم على بركة الله، ثلاثة أيام كانت كافية، لأن يتعاملوا معه بجدية.. (تفتح الطاقة) حتى الحرية بالعزلة تقومون بمصادرتها، (يخفض صوته) أعلم أنك تتلصص عليّ، وأنك تراقبني لصالحه، حتى هنا بعد لحظات نومي وجلوسي وكم مرة فركت يديه، وكم مرة قمت فيها بعدّ البلاط، تراقبون حركة الأيدي والأرجل، الجلوس والقعود والوقوف، النوم والصحو.. ثم يتحسس يديه، كم أتوق إلى الكتابة، أحتاج ورقاً وقلماً لأنظم الشعر، لكن يدي كما أرجلي.. هذه ويتحسسها، لم تعد تطاوعني وإلاّ لكانت تسير في الشوارع والحواري الآن، هل يعقل هذا لم يعد جسدي لي، يبدو ذلك، لكن لا بأس فما زال هذا (ويشير إلى رأسه) ملكي، يفكر ويتخيل بحرية مطلقة.. بل ربما أكثر مما كان عليه الحال وأنا خارجاً.. يبدو سعيداً لهذا الاكتشاف، نعم المخيّلة.. ما كنت أتوقع أن تنفتح على كل هذه الرحابة هنا، تنفتح على الذاكرة وعلى الحلم معاً، فتصير مساحتها شاسعة، من كان يعلم بأنني قادر على تذكر تلك الأيام البعيدة، جدي يضع في يدي قرشاً، فأطير كالريح لأشتري الحلقوم، آكله قبل أن أعود إلى البيت مخافة أن يشاركني فيه أخوتي، حبة واحدة فقط احتفظت بها للبنت التي كنت أحب اللعب معها ومعاودة الدروس وإياها، وحين كبرت نسيتها ولم أتذكرها إلاّ هنا.. ماذا كان اسمها؟ فاتن؟ هل هي الآن حقاً كذلك؟ واصل من الدّق على الجدران، يصل إليه، فيرّد عليه، حتى يغدو الأمر ذا وقعٍ موسيقي.. نعم.. نعم.. أهلاً بك أيها الجار، أنا هنا وقد تجاوزت المحنة، كل ما فعلوه بي، تلقيته بصعوبة، لكن دون أن تكل عزيمتي. (صوت فرامل سيارة في الخارج.. ينتصب فزعاً) استر يا رب، إن شاء الله سليمة، أنتم هكذا دائماً في عجلة من أمركم، أما حياة الناس فهي أرخص من حبات الفستق.. الفستق، كم أشتهيك أيها اللعين، كنّا نسير الطريق بين دار السينما ومنازلنا على أقدامنا، نشتري بأجرة المواصلات فستقاً، نأكله ونتناقش بحرارة بالغة وبصخب، نؤوّل كل فاصلة وكل اشارة في الشريط الذي رأيناه: المخرج أراد القول بأن بطله شاعري، لا يا صديقي بل أراد أن يقول بأنه رومانسي، لا كان شاعرياً بالفعل، بل رومانسياً، ثم نطلق سيقاننا للريح.. لقد فرقتّنا الأيام أياها الصحاب، أين أنتم الآن، تراكم تتابعون أخباري بشغف؟ بتوجس؟ هل تصلكم أخباري حقاً، أم تراني صرت هنا نسياً منسياً؟ اسمعوا، لّي قصيدة جديدة (يجلس كمن يقرأ في ورقة، قام باخراجها من جيبه، ثم يبدأ في فتحها بتردد): حين يمتد السكون وتلّف عباءته الكون بأسره تنفرد عضلة القلب وحدها تختلج وتضطرب.. أنت متأثر بدرويش، بل فيك سوداوية السيّاب، يا صديقي لم كل هذا اليأس؟ لماذا أنت غير متفائل، أنت سكوني دائماً لماذا هو خافت ايقاعك الشعري، في حين أن ايقاع الواقع هو غير ذلك؟ ايقاع الواقع؟! لا يعجبك شعري، ليذهب إلى الجحيم، ثم تقوم بتمزيق الورقة. ثلاثة وأربعون يوماً مرّت دون أن أكتب شيئاً، لكن لا بأس، حين أخرج من هنا ستكون هذه التجربة بمثابة حافز كبير لي إلى الكتابة، ربما أقوم بكتابة مجموعة شعرية كاملة عنها، وربما أقوم بكتابة مذكراتي فيها، بطريقة نثرية ولكن شاعرية، لابد أن يتخاطفها الناس، لن تكون هذه الأيام المعدمة، بلا تمني، لكن آه ما هذا الذي أشعر به (كمن يشعر بدوار)، ينهض متثاقلاً، حتى مفاصلي اعتراها التعب، لابد لي من ممارسة بعض الطقوس الرياضية، (يبدأ في الذهاب والإياب داخل الغرفة). إن قوة الارادة، لا تجيء هكذا، بأن تفتح صدرك للريح، لكن عليك أن تدرك حدود قدرتك، ومدى جبروتهم، منذ البداية عرفت بأنهم لا يحتملون موتي، الموت وحده كان قادراً على أن يهزمني، ما عداه من ألم كان موجعاً (يتذكر) أنت اليوم محروم من النوم.. نعم؟ (لقد مرّ أسبوعان على وجودي هنا.. هذا يعني بأ، قراراً قد اتخذ بذلك، وأنها دورة جديدة في اللعبة بيننا).. لكن الله جعل لنا النوم راحة للبال والجسد (هس ويشير إليك أن تصمت) أنتم هكذا، كاللصوص، تريدون أن يتم الأمر، كل الأمر، في هدوء وفي صمت، ثم بأعلى صوتك، يا أخي إن الله جعل لنا النوم معاشاً.. ثم يضج كل العنبر بالضحك والسخرية. شمال.. يمين.. فوق.. تحت (يمارس الرياضة).. ثم يتطلع إلى الطاقة، راقب، أيها الأجير، راقب جيداً، إنها أطرافي أيها الرجل، قد أصابها الخمول، بعد أن كانت تجوب الشوارع والحارات والأزقة.. يتحسسها لا تبتئسي أيتها الأطراف الصديقة، سنخرج يوماً، وستعودين شابة كما عهدتك دائماً، وأعدك.. أعدك.. لن نشيخ أبداً.. في الحقيقة أنا أرفض حقيقة كوني سأصبح يوماً عجوزاً هرماً لا يقوى على ممارسة الحياة، بكل تجددها وبهائها، وأرفض فكرة الموت، لذا فإنني أعتقد بأنني سأعيش دهراً، وأمني النفس بأن يكتشف العلم يوماً، قبل أن تعجز خلاياي عن مواصلة الحياة إ *** ير جلجامش.. يا إلهي، إنني أتحدث مع نفسي كثيراً، هل هو الجنون إذاً، لكنني إن صمت قد أنسى الكلام، دارون يقول بأن العضو الذي يفقد عمله يضمر ويندثر، بعد وقتٍ إذاً، قد يضمر لساني، وقد تخمل ذاكرتي، وتخمد مخيلتي، ويكون الموت الذي لا أحتمل مجرد أن يخطر على البال.. الموت.. لا لن تحتملوا أن أموت هنا، لكنهم قد يحكمون عليّ سنيناً طويلة، وما العمر إلاّ سنوات معدودة، أن يحكموا علي عشرين سنة مثلاً، يعني أنهم كمن أخذ نصف عمري، أي كمن قام بقتلي نصف قتل.. (يبدو متفاجئاً بالاستنتاج)، ولا يعتبر مجرماً من يقوم بتنفيذ نصف قتل فيك! يجلس قليلاً، كم أشتاق إلى سيجارة، يبدأ بتخيلها، ويأخذ بالتنفيخ في الهواء، أين القلم، يمسك بعود كبريت، ويقترب من الجدار، كم اشتقت إلى الكتابة، يحاول أن يكتب شيئاً: في العزلة التامة عن الدنيا كشف الأحاسيس وترّق الرغبة يتوقف: الرغبة؟ حين انفتح الباب يوماً، ودخلت إليك مندوب الصليب الأحمر، قفزت من مكانك وكدت أن تتلقفها بأحضانك، لولا نظرات الحارس اللعين، هي الخبيرة بأمور وأحوال من هم مثلي وفي مكاني، تقدر ما شعرت به، هل تحسن التحدث بالانجليزية؟ نعم.. لم أشعر يوماً بجمال هذه اللغة كمثل ما شعرت بها يومها، ولم أر امرأة في حياتي أجمل منها، إنها امرأة حقيقية، تظهر حولها كل نتوءات الجسد والبياض المتشح بالحمرة المثيرة، آه أيتها السيدة لو تحملينني على جناحيك إلى آخر الدنيا.. (ينتبه إلى الكتابات على الجدران): الاسلام هو الحل، عاشت الطبقة العاملة، فتح مرّت من هنا.. ثم يضحك، هذا المكان هو ثالث الإثنين: الرحم حيث تبدأ الحياة، والقبر حيث ننتهي منها، ومن هنا إما إلى الرحم مجدداً أو إلى القبر نهائياً.. ولا فرق بين من يرتادون هذا المكان، الجميع سواسية. يسمع صوت مارة في الخارج.. أنتم هناك، تمارسون حياتكم كالمعتاد، لماذا لا تشعرون بي، آه، أنا هنا في الحقيقة من أجلكم، نعم من أجلكم، لم يكن هنالك ثأر خاص بيني وبين هؤلاء، وها أنتم تلهون كالمعتاد، هل فعلتم شيئاً من أجلي؟ هل تظاهرتم، هل قمتم بتوقيع عريضة؟ لا لم تفعلوا، ليس سوى أبي، والأخبار التي يتناقلها أصحابي سراً فيما بينهم، لمن سأكتب الشعر فيما بعد، ولمن كتبته من قبل أصلاً، أليس لكم؟ (يبتعد الصوت ويختفي)، حتى أنكم لا تكلفون أنفسكم عناء تسليتي، لو أنكم حتى تقتربون من هذا المكان لأشعر بأنفاسكم، لو أنكم تثيرون الهواء من حولي لأشعر بالحياة، إن لم يكن في داخلي فمن حولي.. لو أنكم.. لو أنكم.. (يبدأ الدق على الجدران).. ماذا تريد أنت أيضاً، تراك ضجر وتوّد أن أقوم بتسليتك، يا عزيزي لقد قلت لي كل ما لديك، وقلت لك كل ما لدي، فما نفع الدق على الجدار؟ (يتواصل الدق)، يرد عليه متثاقلاً، ماذا؟ تسأل عن أية أخبار في الخارج؟ ومن أين لي أن أعلم؟ (دق، هو يستمع)، لا لم أكتب شيئاً جديداً، وكيف لي أن أفعل، لا ورق لدّي ولا أقلام، ثم لمن أكتب ولماذا؟ لا لم أيأس بعد، لكنني سأخرج قريباً، وحين يحدث ذلك، سأكتب كل الشعر الذي بداخلي، نعم.. نعم سأهديك قصيدة، نعم.. نعم كما وعدتك. تغلق الطاقة وتخفت الاضاءة، لقد حلّ الليل وجاء موعد النوم، يتمدد على فراشه، وهو يحلم.. أشتهي كل شيء، ليس المرأة وحسب، الشمس والدفء، وحتى سدويتش الفلافل من عند "أبي طلال"، آهٍ على قطعة حلوى، أو حتى شيئاً من البهارات.. الفلافل، لو أني أنام وأصحو على قرنٍ من الفلفل؟! (اعتام تام، يدوم بضعة ثوانٍ) ينام، تركيز على شعاع ضوء هارب من الطاقة مع مؤثرات صوتية تدل على نومٍ عميق له (ثم الاضاءة المعتادة، يفتح الباب، وتقدم له صينية الطعام، كأنه كلباً)، يقوم متثاقلاً، يتثاءب، ثم يحمل منشفته على كتفه، يقوم بحركات غسل الوجه، وتنظيف الأسنان، لقد صارت رائحتي كريهة للغاية، إنها تتناسب مع كلبٍ مثلي.. يبدأ بتناول الطعام دونما شهية، يبدو متثاقلاً، ثم يضع الطعام في الزاوية، يجلس على السرير وينظر إلى الحائط (الاضاءة تضع في الضوء عدد الشهور الذي صار كبيراً على الحائط).. لا يبدو عليه الاهتمام.. زقزقة عصفور تأتيه من الخارج، لا يعيره اهتماماً، دق سريع وعنيق على الجدار، يقفز منزعجاً، ويدق قائلاً: (اخرس، لا تزعجني بعد اليوم بدقّك المجنون). الهدوء، ما أروع الهدوء، والنوم لقد أراحني من كل الصخب والتوتر، لا تحقيق ولا انفعال ولا أحلام غير قابلة للتحقق، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والغفران، يتناول القرآن من تحت مخدّته ويبدأ في التلاوة.. ثم يقوم حيث يبدو عليه عدم النشاط، ليفرد مصلاّة ويصلي، ثم يبدأ في الدعاء.. إنه ضعيف في نظره وجسده، في ذهنه وإرادته.. اللهم اغفر لي ما تقدم لي من ذنوبي وما تأخر، اللهم ولا تآخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهم إنك غفور حليم.. بينما هو كذلك، ينفتح باب الزنزانة، مع أشعة الضوء القوية، يبدو عليه ضعف البصر في مواجهة الضوء، يرّتد إلى الزاوية البعيدة.. يشير بيديه كمن يرفض الخروج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق