السبت، 14 فبراير 2009

صديقتي العنكبوتية - قصة د. اسماء غريب

هل يحاسب المرء على الأحلام و الأوهام ؟ هكذا قال هو، أما أنا فكنت أبكي من داخلي على هذا البؤس الذي نحن فيه....قررت أن أنهي مأساتي ...و ألا أدخل عالم النت أبدا و ألا اكتب لأديب أو لغيره و لكن في قلبي حسرة و ألف سؤال....متى سننضج نحن معشر الرجال و نتحرر من عقدنا و عقد آبائنا.

"الـــم"، هي صديقتي العنكبوتية، اسمها لا علاقة له إطلاقا بالحروف النورانية و ما هو إلا اختصار شديد للحروف المكونة لإسمها الحقيقي. هي أديبة، ذات شأن رفيع في مجال الإبداع و الكلمة، تعرفت عليها عبر النت... حينما توصلت ذات يوم عبر بريدي الإلكتروني بملف بي دي إف، يحمل خبرا صحفيا أعلن فيه بأنها فازت بإحدى أهم الجوائز الأدبية العالمية، ما زلت اذكر ذاك اليوم جيدا، حينما أخذت عنوانها الإلكتروني من الملف و أرسلت إليها خطاب تهنئة، لأنها بحق تستحق كل تقدير و احترام لما تقوم به من خدمات جليلة تخدم بها الثقافة و تشرف بها صورة المرأة العربية. صديقتي رغم حجابها فهي فاتنة بكل ما في الكلمة من معنى، بل ربما سر فتنتها هو حجابها هذا الذي يختزل جمالها العجيب في عينيها الساحرتين و شفتيها الشهيتين المحليتين بسائل أحمر الشفاه الذي يبرق و يثير غرائز كل من تطالعه صورتها على صفحات الإنترنيت... لا أستطيع أن أتخيلها بدون حجاب، ربما إذا نزعت حجابها هذا بدت قبيحة، ربما هذا المنديل يغطي عيبا ما، أو شوها ما... لا ...لا أرغب في أن أراها إلا بحجابها ذي الألوان الزاهية و البريق الخلاب بل و لا ارغب في أن أرى منها سوى صورة وجهها، ربما إذا نشرت لنفسها صورة كاملة، ربما لن تؤثر في إطلاقا، من يدري؟ ربما هي سمينة، أو عرجاء أو قصيرة أو ...أو ....و ربما لهذا السبب هي لا ترسل إلى الصحافة و إلى النت سوى صورة لوجهها .... هل علي أن استغفر الله و أنا أتحدث عن صديقتي العنكبوتية هكذا؟ هل علي أن التزم في الحديث لأنني شخص متزوج؟ أنا أرتاح و أنا أكتب إليها، و هي رقيقة جدا، ترد على رسائلي بود و احترام و هذا ما يشدني إليها، إنسانة على قدر عال من الأخلاق و من الالتزام، هي أيضا متزوجة، صحيح أنها لم تحدثني يوما عن زوجها و لكني علمت أنها متزوجة من خلال إحدى الحوارات الصحفية التي أجريت معها و قرأتها على جريدتي الصباحية.... جمعت بيننا في البداية رسائل كثيرة، تبادلنا فيها الآراء و الحديث عن الإبداعات ثم تطورت العلاقة إلى تعاون ثقافي جميل....أحيانا أحسني وحيدا حينما لا تصلني رسائلها... و أحيانا أشعر بالإحباط حينما أفهم بأنها سيدة مشغولة جدا بعملها و ملتزمة ببيتها و أن رسائلها إلي لا تعني لها شيئا سوى، كونها مراسلات تدخل في إطار عملها الثقافي و أنه كما تصلني منها رسائل عن الأدب، عن الشعر و عن النشاطات الثقافية، فإنها تبعث بمثلها أو بما يشابهها إلى العديد من كتاب و شعراء و نقاد آخرين....ما الذي أبحث عنه في صديقتي العنكبوتية و أنا زوج يخيل إلي أنني سعيد مع زوجتي و أبنائي؟ لا أعرف.... أحيانا أحس بوخز الضمير و أحيانا كثيرة أحس بأنني في دوامة لا أستطيع التحرر منها، فصديقتي تهتم بكتاباتي، تقرأ لي، و أحيانا تكتب عني و عن كتاباتي....في إحدى الأمسيات سألتني عنها زوجتي: "ما أخبار "الـــم"، أما زالت تكتب إليك و تقرأ إنتاجاتك؟" لم أفهم لم تدفق الدم حارا إلى وجنتي و أنا أسمع رنين سؤالها بأذني؟ أجبت باقتضاب: "أجل و لكن ليس كما في البداية، قلّت رسائلها كثيرا؟"....وخزني كثيرا هذا الإحساس بالمسكينية و القهر في ذاتي....أنا متأكد بأن المئات من الكتاب يشعرون بمثل شعوري...لا أحد منهم يصدق بأنه حقا يمكن أن تجمع بين رجل و امرأة صداقة نقية خالية من كل الأغراض .....لا أحد يريد أن يصدق بأنه في كثير من الأحيان تمنحنا الظروف فرصة اللقاء مع نساء، راقيات و ساميات و على خلق كبير ...نساء يكتبن بكل عفة و كبرياء و لا يدور في مخيلتهن أي شيء مما يدور في مخيلتي و مخيلة من هم على شاكلتي، صديقتي العنكبوتية لم تشتهيني يوما و لم تشته أبدا شفتاي أو عيناي أو أي شيء آخر من جسدي....أنا متأكد من هذا ....هي تنظر إلي كإنسان، إلى عقلي و لكنني متأكد أنني إذا ظللت و غيري هكذا فإنني سأخسرها إلى الأبد و سنخسر كل النساء العفيفات...أعترف بأننا معشر الرجال لن يستقيم لنا أمر طالما مركز تفكيرنا في ذلك الشيء الذي بين أفخادنا....كان يخيل إلي أنني أخاف من صديقتي الأديبة لدرجة دفعتني إلى أن أنشئ عنوانا بريديا باسم زوجتي و بدأت أراسلها منه على أنني زوجتي ...كلماتي لها باسم زوجتي كانت غريبة جدا: "أنا زوجة الكاتب "أحمد العشتاري" و قد قرأت العديد من كتاباتك و رواياتك حتى تلك التي كتبتيها باللغة الفرنسية و قد تعرفت عليك من خلال مراسلاتك الثقافية لزوجي و أعجبت كثيرا بك فليتنا نصبح صديقتين و ليتك تطلعين على بعض أعمالي...فأنا أيضا كاتبة و لكن قلمي هو الريشة و حروفي هي الألوان فأنا رسامة....." و كانت "الـــم" تجيبني، أقصد تجيب زوجتي، بمنتهى الأدب و الرقة .... و في كل مرة كنت أحس بالندم و بالخجل من نفسي....ماذا لو علمت "الــــم" بالأمر أو ماذا لو أحست بذلك؟ لا أدري ....هذا ليس مشكلي أنا فقط. صديقي "محمود"، الشاعر الشاب، قال لي ذات يوم بأنه يقوم بنفس الشيء...هو أيضا متزوج و قد أخبرني بأنه يدخل إلى المنتديات باسمه و باسم أنثوي يشيع بين أصدقائه العنكبوتيين على أنه لزوجته و على أنها هي الأخرى شاعرة وينشر قصائده في حسابه و حسابها...."محمود" يقول لي بأنها لعبة مسلية و بأنه على صندوق رسائل المنتديات يقرأ رسائل زوجته الافتراضية و يقول لي بأن عالم الدردشات النسائية غريب جدا و فيه الكثير من المودة ليس كشأننا نحن الرجال، مشغولون بالقتال الكلامي و بالحقد و النقد و التجريح و النفاق....هن كلامهن عذب، أحيانا تصله من صديقات "زوجته" رسائل عن الطبخ و عن الماكياج و عن الفواكه....كلها أشياء لذيذة و هو يجيبهن ....كان يضحك...قال أنه لا يؤذي أحدا هكذا و لا يحمل أي نوع من تأنيب الضمير و أنه لم يسبق له أبدا أن خان زوجته و أن هذه الأشياء هي مجرد تسلية تشبه الأفكار و الخيال الذي يساور المرء أو الحلم الذي يرى الرجل فيه نفسه و هو يضاجع امرأة أخرى غير زوجته، فهل يحاسب المرء على الأحلام و الأوهام ؟ هكذا قال هو، أما أنا فكنت أبكي من داخلي على هذا البؤس الذي نحن فيه....قررت أن أنهي مأساتي ...و ألا أدخل عالم النت أبدا و ألا اكتب لأديب أو لغيره و لكن في قلبي حسرة و ألف سؤال....متى سننضج نحن معشر الرجال و نتحرر من عقدنا و عقد آبائنا. نحن ، مسكونون بوجودين و بكائنين، نقرأ جريدتين، واحدة باللغة العربية و الأخرى بلغة أجنبية، نفكر بتفكيرين، واحد متخلف و الاخر "حديث، معاصر"، نحب نوعين من النساء نوع أسمر و آخر أشقر، نوع متحجب و آخر متبرج، واحدة نريدها زوجة و الثانية عشيقة أو حتى صديقة، واحدة في الواقع و أخرى في الخيال، واحدة مسلمة و أخرى مسيحية و في أقصى حالات هذيان العصرنة نريد واحدة علمانية و نعشق أخرى ملحدة و قد نعشق اليهودية و نحب الأمريكية...ألم أقل لكم أنه كبت...مجرد كبت ! لا نفقه شيئا عن قدسية الحب و عن كونه لا يعترف بدين أو بعرق .... آخر ما قمت به هو أنني محوت كل رسائل "الـــم" من بريدي الإلكتروني و رسائلي إليها بالرغم من أنها لم تكن تحمل شيئا سوى كتابات أدبية و بعضا من الملاحظات أو النصائح الحياتية من طرفها ....ألغيت حساب زوجتي الوهمي ....ألغيت اشتراكي في الإنترنيت و اكتفيت فقط بالعمل على الحاسوب بدون شبكة....هكذا أفضل....أنا متخلف؟ أعرف ذلك، و لكن لن أكون أكثر تخلفا منكم....فأنا أعلم أن عدد من يفكر مثلي و له نفس مشكلتي و عقدتي على هذه الأرض يجاوز الملايين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. اسماء غريب : charquiasmaa@hotmail.it

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق