الخميس، 16 أكتوبر 2008

الثائر الوطني اسطفان بك باسيلي

فارسٌ مصريٌّ لا يعرفه المصريون! .. من مذكرات الثائر الوطني إبراهيم طلعت

ليست المأساة الكبرى في تاريخ الأمم أن تُهزم في معركة، ولا أن تتعثر في طريقها، وإنما أن تفقد ذاكرتها. فالهزيمة قد تصنع أمةً أكثر صلابة، أما النسيان فيصنع أمةً بلا جذور، تسير إلى مستقبلها وهي تجهل الوجوه التي دفعت أثمان حريتها، والأكتاف التي حملت عنها أعباء الطريق. ولهذا لم يكن نجيب محفوظ مبالغًا حين أطلق حكمته الخالدة: «آفة حارتنا النسيان لم يكن يقصد حارةً بعينها، بل كان يتحدث عن ذاكرة الإنسان حين تتحول إلى أرضٍ تُدفن فيها البطولات كما تُدفن فيها الهزائم، فلا يبقى فوق التراب إلا ما شاءت المصادفات أن يُروى.


وفي تاريخ مصر رجالٌ لم يخسروا معاركهم، بل خسروا حقهم في أن تُروى حكاياتهم كما كانت. رجالٌ دفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن الوطن، ثم مضوا في صمت، تاركين للأجيال أوراقًا مبعثرة، وحقائق شوهها الاختصار، أو أخفاها الهوى، أو غيّبها الكسل التاريخي. ومن بين هؤلاء يقف اسم اسطفان بك باسيلي شامخًا، لا باعتباره سياسيًا أو نائبًا برلمانيًا أو محاميًا بارزًا فحسب، بل باعتباره نموذجًا نادرًا لذلك الوطني الذي كان مستعدًا أن يضحي حتى بسمعته الشخصية إذا كان في ذلك خلاصٌ لمصر.

هذه ليست محاولة لكتابة سيرة رجل، فالسير الذاتية تحفظ التواريخ والألقاب، لكنها كثيرًا ما تعجز عن حفظ الأرواح. وإنما هي محاولة لاسترداد لحظةٍ فارقة من تاريخ الوطن، لحظة اختلطت فيها الحقيقة بالمظهر، حتى بدا البطل في أعين الناس مذنبًا، بينما كان يؤدي واحدة من أنبل المهام الوطنية في صمت كامل، مؤمنًا بأن التاريخ الحقيقي قد يتأخر، لكنه لا يموت.

لقد تداول كثير من المؤرخين واقعة عام 1951 باعتبارها إحدى أكبر أخطاء اسطفان بك باسيلي، وأدرجوها في سجل سلبياته السياسية، دون أن يكلف معظمهم نفسه عناء البحث في الجذور التي صنعت تلك الواقعة، أو الدوافع التي قلبت ظاهرها إلى نقيض باطنها. فالتاريخ، حين يُقرأ من سطحه، قد يُدين الشرفاء، أما حين يُقرأ من أعماقه، فإنه يكشف أن بعض الرجال يختارون بإرادتهم أن يحملوا وزر الاتهام، كي يظل الوطن بريئًا.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من هو اسطفان بك باسيلي؟ بل: كيف استطاعت أمة أن تنسى رجلًا من هذا الطراز؟ كيف غاب اسمه عن ذاكرة المصريين، بينما بقيت آثار مواقفه حاضرة في تاريخ الحرية والدستور؟ وكيف تحولت واحدة من أكثر المناورات الوطنية ذكاءً إلى تهمةٍ لاحقت صاحبها أكثر من ربع قرن، قبل أن يُكشف سرها مصادفةً، في جلسة لم يكن أحد يتوقع أن تزيح الستار عن واحدة من أغرب الوقائع السياسية في تاريخ مصر الحديث؟


إن الحكاية التي بين أيدينا ليست مجرد خلاف برلماني، ولا معركة صحفية، ولا نزاع بين حكومة ومعارضة؛ إنها قصة وطن كان يقف على حافة هاوية، ورجالٍ اختاروا أن يتحملوا اللعنة كي لا يسقط الوطن فيها. ولذلك فإن إعادة روايتها اليوم ليست إنصافًا لرجلٍ واحد، بقدر ما هي إنصافٌ لفكرة الوطنية نفسها، حين كانت تُمارس فعلًا لا شعارًا، وتضحيةً لا خطابة، وضميرًا لا مصلحة.

تعالوا إذن نزيح الغبار عن هذه الصفحة المنسية، لا لنستحضر الماضي من أجل البكاء عليه، وإنما لنتعلم كيف كان بعض أبناء مصر يكتبون التاريخ في صمت، بينما ينسبه الآخرون، بعد سنوات، إلى المصادفة أو إلى سوء الفهم.

لم يكن اسطفان بك باسيلي واحدًا من أولئك السياسيين الذين عاشوا من أجل أن تُخلَّد أسماؤهم على لافتات الشوارع أو في هوامش الكتب المدرسية، بل كان من ذلك الطراز النادر من الرجال الذين يوقنون أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يُقال عنه، وإنما بما يتركه من أثر في حياة وطنه. ولذلك لم يكن غريبًا أن يغيب اسمه عن ذاكرة كثير من المصريين، بينما بقيت آثار مواقفه ممتدة في تاريخ مصر الحديث، وإن لم يعرف أصحابها دائمًا صاحب الفضل فيها.

وُلد اسطفان بك باسيلي عام 1900، في زمن كانت مصر فيه تبحث عن ذاتها بين الاحتلال والإرادة الوطنية، ونشأ في بيتٍ عرف قيمة القانون كما عرف معنى الوطن. وبعد تخرجه في كلية الحقوق، تتلمذ على يد خاله، المحامي والسياسي الكبير مرقص باشا فهمي، فتعلم منه أن المحاماة ليست مجرد مهنة للدفاع عن الأفراد، بل رسالة للدفاع عن العدالة نفسها، وأن القانون لا يكون عظيمًا إلا إذا كان حارسًا للحرية.

ومع مرور السنوات، أصبح باسيلي واحدًا من أبرز رجال القانون والسياسة في مصر؛ فكان عضوًا بمجلس النواب في خمسينيات القرن العشرين، وعضوًا بالهيئة العليا لحزب الوفد، ووكيلًا لنقابة المحامين، كما كان من المؤسسين الأوائل لاتحاد المحامين العرب عام 1949، وهي مناصب لم تكن بالنسبة إليه غايةً في ذاتها، وإنما وسائل لخدمة فكرة آمن بها حتى آخر عمره، هي أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالمواقف.

وقد امتد أثره إلى أسرته أيضًا؛ فمن أشهر أبنائه المستشار أنطون اسطفان باسيلي، رئيس محكمة استئناف بني سويف، ومن أشهر أحفاده الدكتور أشرف أنطون اسطفان باسيلي، استشاري جراحة العظام في لندن، الذي رحل في أواخر مارس عام 2011. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الرجل لا تكمن في نسبٍ أو منصبٍ أو ذرية، وإنما فيما تركه من سيرة وطنية ظل كثير منها مجهولًا حتى بعد وفاته عام 1990.

كان اسطفان باسيلي ابنًا أصيلًا من أبناء الفلاحين المصريين، وأحد أعيان هذا الوطن الذين لم يكتفوا بمراقبة التاريخ، بل شاركوا في صنعه. وعندما ألغيت معاهدة عام 1936، واشتعلت المقاومة الوطنية ضد الوجود البريطاني في منطقة القنال بعد الحرب العالمية الثانية، كان باسيلي بين أولئك الذين انحازوا إلى مصر، لا إلى حسابات السياسة الضيقة، وهو نائب برلماني يحمل راية حزب الوفد، ويؤمن بأن الاستقلال ليس نصًا في معاهدة، وإنما كرامة شعب.

ومع ذلك، فإن هذه الصفحات المضيئة من حياته ليست هي موضوع هذا المقال. فلن أتوقف طويلًا أمام نضاله ضد الاحتلال البريطاني، ولا أمام مسيرته القانونية والسياسية، لأن التاريخ أنصفه في كثير من تلك المحطات. أما المحطة التي نحن بصددها، فهي أكثر غرابةً وأشد تعقيدًا، لأنها المحطة التي بدا فيها الرجل، في ظاهر الأحداث، خصمًا للحرية، بينما كان، في الحقيقة، واحدًا من أكثر المدافعين عنها إخلاصًا.

إنها واقعة من أهم وقائع الحياة السياسية المصرية، قضية لم تكن تخص رجلًا بعينه، بل كانت تمس جوهر الدولة المصرية نفسها: حرية الصحافة، وسيادة الدستور، ومستقبل الديمقراطية. وفي تلك اللحظة الحرجة، كان اسطفان بك باسيلي لاعبًا رئيسيًا في مشهد ظنه الناس سقوطًا مدويًا، بينما كان، في حقيقته، تضحية وطنية نادرة قبل أن يكون مناورة سياسية بارعة.

ولأن التاريخ لا يرحم من يكتفي بقراءة النتائج، فقد اكتفى كثير من المؤرخين بالنظر إلى ظاهر الواقعة، فكتبوا أن باسيلي كان صاحب مشروعات القوانين التي أرادت تقييد حرية الصحافة، ووضعوا ذلك في سجل سلبياته، ثم مضوا دون أن يسألوا: من كتب هذه القوانين حقًا؟ ومن المستفيد منها؟ ولماذا قبل رجلٌ عرف بنضاله أن يحمل على كتفيه عبء اتهامٍ كهذا؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية... الحكاية التي ظلت مدفونة أكثر من خمسة وعشرين عامًا، قبل أن يقرر القدر، لا البشر، أن يكشف السر، ويعيد إلى اسطفان بك باسيلي حقه في التاريخ.

عندما يكتب التاريخ على عجل، فإنه كثيرًا ما يتحول إلى سجلٍ للأحداث، لا إلى سجلٍ للحقيقة. فهو يرى ما وقع، لكنه لا يرى لماذا وقع، ويسجل الفعل، لكنه يغفل النية التي سبقته. ومن هنا تبدأ أكثر المآسي قسوة؛ إذ قد يُدان رجلٌ لأنه قام بما كان يجب عليه أن يقوم به، وقد يُصفق الناس لآخرين لأنهم لم يدركوا أصل الحكاية.

وهذا بالضبط ما حدث مع اسطفان بك باسيلي.

لقد ظل اسمه، طوال سنوات طويلة، مقترنًا بواقعةٍ عدّها كثير من المؤرخين إحدى أكثر الصفحات سوادًا في حياته السياسية. كتبوا أنه، في عام 1951، تقدم إلى البرلمان بثلاثة مشروعات قوانين تمنح الحكومة والسراي سلطات واسعة في معاقبة الصحف، وإلغاء امتيازاتها، وتعطيلها إداريًا، والإسراع في محاكمة الصحفيين، وتشديد العقوبات على كل من ينشر أخبارًا لا تستند إلى مستند رسمي. وبدا الأمر، في ظاهره، وكأن أحد رجال الوفد قد انقلب فجأة على المبادئ التي قامت عليها الحركة الوطنية، وأصبح يدعو إلى تقييد الحريات التي ظل حزبه يناضل من أجلها عقودًا طويلة.

ولم يكن غريبًا، والحال كذلك، أن تشتعل الساحة السياسية غضبًا.

فالصحفيون، وفي مقدمتهم أحمد بك أبو الفتح، رئيس تحرير جريدة المصري، رأوا في تلك المشروعات إعلان حرب على حرية الصحافة، واعتبروها محاولة لإعادة مصر إلى عصور الاستبداد، حيث تُكمم الأفواه، ويصبح الرأي جريمة، والكلمة دليل إدانة.

أما داخل البرلمان ومجلس الشيوخ، فقد كان المشهد أكثر عنفًا. وقف النواب والشيوخ، وفديين كانوا أو من غير الوفديين، صفًا واحدًا في مواجهة هذه المشروعات، وأعلن كثير منهم أنهم لن يسمحوا بمرورها، حتى لو أدى ذلك إلى إسقاط حكومة الوفد نفسها. لقد انتصرت، في تلك اللحظة، فكرة الحرية على الانتماء الحزبي، وأصبح الدفاع عن الدستور أعلى من الدفاع عن الحكومة.

وفي قلب هذه العاصفة وقف اسطفان بك باسيلي... وحده.

انهالت عليه الاتهامات من كل اتجاه. واتُّهم بأنه ينفذ إرادة السراي، وأنه أصبح أداة في يد الملك فاروق، وأن تاريخه الوطني قد انكسر في لحظة واحدة. وكتب المؤرخون، بعد ذلك بسنوات، أن هذه الواقعة كانت سقطةً سياسية كادت تمحو كل ما سبقها من نضال.

غير أن أكثر ما يثير الدهشة ليس حجم الهجوم الذي تعرض له، وإنما موقفه هو نفسه.

لم يدافع عن نفسه.

لم يخرج إلى الصحافة ليشرح موقفه.

لم يحاول أن يلقي بالمسؤولية على غيره.

ولم ينطق بكلمة واحدة تكشف ما كان يدور خلف الستار.

ترك الجميع يهاجمونه، وترك التاريخ، هو الآخر، يضيف هذه الواقعة إلى سجل اتهاماته، بينما ظل هو صامتًا، صمتًا لا يشبه صمت العاجزين، بل يشبه صمت من يعرف أن الحقيقة لم يحن موعدها بعد.

وهنا يتوقف القارئ مذهولًا.

أي رجل هذا الذي يقبل، بإرادته، أن تُلطخ سمعته السياسية، وأن يصبح هدفًا للصحافة والرأي العام ورفاقه في الحزب، ثم لا يحاول أن يبرئ نفسه بكلمة واحدة؟

إن الإنسان قد يضحي بماله من أجل وطنه، وقد يضحي بمنصبه، بل وربما يضحي بحياته، لكن القليلين جدًا هم أولئك الذين يرضون أن يضحوا بتاريخهم نفسه، وأن يعيشوا بقية أعمارهم حاملين تهمة يعلمون في قرارة أنفسهم أنها باطلة، فقط لأن كشف الحقيقة في وقتها قد يضر بمصلحة الوطن.

وهنا نصل إلى النقطة التي يفترق عندها السياسي عن الوطني.

فالسياسي يفكر في صورته أمام الناس، أما الوطني فيفكر في صورة وطنه أمام التاريخ.

ولذلك لم يكن اسطفان بك باسيلي يخوض معركةً من أجل اسمه، بل كان يخوض معركةً من أجل مصر، حتى وإن كان ثمنها أن يتحول هو نفسه إلى المتهم الأول.

ولم يكن أحد، في ذلك الوقت، يعلم أن وراء هذا الصمت سرًا ظل حبيس الصدور أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وأن الرجل الذي بدا في أعين الجميع خصمًا للحرية، كان، في الحقيقة، يؤدي دورًا اختاره بنفسه ليحمي حرية مصر من خطر كان يوشك أن يطبق عليها.

ولم ينكشف ذلك السر إلا في صيف عام 1976، حين اجتمع رجالٌ كانوا شهودًا على صناعة التاريخ، فإذا بالتاريخ نفسه يقرر، بعد ربع قرن من الصمت، أن يتكلم.

ويبدأ الستار، بعد أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا، في الارتفاع ببطء.

في صيف عام 1976، وبينما كان كثير من أبطال تلك المرحلة قد غادروا الدنيا أو أوشكوا على الرحيل، شاءت إرادة الله أن يجتمع في مجلسٍ واحد رجالٌ حملوا سرًا سياسيًا ظل حبيس الصدور منذ عام 1951. كان بينهم محمود سليمان باشا غنام، سكرتير حزب الوفد المساعد قبل ثورة يوليو، وكان اسطفان بك باسيلي حاضرًا، كما حضر يستمع المناضل الكبير إبراهيم بك طلعت، ومعهم عدد من كبار رجالات الوفد الذين لم يكونوا يتوقعون أنهم بعد لحظات سيشهدون ولادة حقيقة جديدة، أو بالأحرى، عودة الحقيقة إلى الحياة.

بدأ إبراهيم بك طلعت يروي ما ظل يلازمه ربع قرن من الزمان.

قال إنه كان من أشد المعارضين لمشروعات القوانين الثلاثة التي قدمها اسطفان باسيلي، وإنه كان يجلس يوميًا مع أحمد بك أبو الفتح في حديقة جريدة المصري، يخططان للمقالات التي ستهاجم تلك التشريعات. وكان، بحكم صداقته القديمة بباسيلي، يلح عليه بالسؤال: من الذي دفعك إلى هذا؟ ومن يقف وراء هذه القوانين؟ لكن الرجل لم يكن يجيبه إلا بالصمت.

كان إبراهيم طلعت يشعر أن وراء ذلك الصمت سرًا لا يعرفه أحد، حتى مصطفى النحاس باشا، ولا فؤاد باشا سراج الدين، ولا كبار رجال الوفد. ومع مرور السنوات، بدأ يقتنع، كغيره، بأن ما جرى لم يكن إلا كبوة سياسية لرجلٍ كبير، وأن التاريخ وحده هو الذي سيغفرها.

غير أن القدر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.

وفي لقاء جمعه باسطفان باسيلي في صيف عام 1976، عاد إبراهيم طلعت يسأله السؤال ذاته الذي حمله في قلبه أكثر من خمسة وعشرين عامًا. هذه المرة لم يلتزم باسيلي الصمت، بل اكتفى بجملة قصيرة، قال فيها:

"اسأل غنام باشا."

كانت جملة صغيرة، لكنها كانت المفتاح الذي فتح بابًا ظل مغلقًا ربع قرن.

وحين تحدث محمود سليمان باشا غنام، لم يكن يدافع عن صديق، بل كان يشهد أمام التاريخ.

روى أن حكومة الوفد، بعد تشكيلها في الثالث عشر من يناير عام 1950 برئاسة مصطفى النحاس باشا، سارعت إلى إلغاء الأحكام العرفية، ورفعت الرقابة عن الصحف، فعاشت مصر واحدة من أكثر فترات حرية التعبير اتساعًا في تاريخها. وفي المقابل، بدأت الصحف الحرة تكتب بشجاعة غير مسبوقة عن تجاوزات الملك فاروق وأحوال السراي، حتى ضاق الملك بذلك ذرعًا، واستدعى النحاس باشا مطالبًا إياه بإسكات تلك الصحف.

لكن النحاس، الرجل المؤمن بالدستور، رفض أن يحول غضب الملك إلى قرارات تعسفية، وأكد أن أي تجاوز لا بد أن يخضع للقانون والنيابة والقضاء، لا لأهواء السلطة.

وهنا بدأ الملك يبحث عن طريق آخر.

اقترح مستشاره الصحفي كريم ثابت إعداد تعديلات قانونية تفرض قيودًا على الصحافة، وتحمي القصر من النقد، وعهد إليه بإعداد مشروعات القوانين اللازمة. وما إن أُعدت المسودات، حتى حدث ما لم يكن في حسبان أحد.

فبين أروقة السكرتارية، وقبل أن تصل تلك المشروعات إلى مصطفى النحاس باشا، وقعت نسخة منها في يد أحد السعاة، الذي كان من أنصار محمود سليمان باشا غنام. حمل الرجل نسخة من الأوراق إلى غنام، فقرأها، وأدرك أن الخطر لم يعد احتمالًا، بل أصبح مشروعًا جاهزًا ينتظر لحظة التنفيذ.

وهنا وُلدت واحدة من أجرأ المناورات الوطنية في التاريخ السياسي المصري.

أدرك غنام أن مواجهة الملك بعد تقديم تلك المشروعات قد تكون متأخرة، وأن أفضل وسيلة لإجهاضها هي أن تُقدم إلى البرلمان أولًا، قبل أن يتقدم بها القصر، فتثور البلاد كلها ضدها، ويصبح مجرد التفكير في إعادة طرحها انتحارًا سياسيًا.

لكن هذه الخطة كانت تحتاج إلى رجل استثنائي.

رجل يقبل أن يتحول إلى هدف للصحافة، وأن يتهمه زملاؤه بالخيانة، وأن يتحمل وحده غضب الرأي العام، دون أن يكشف الحقيقة لأحد.

ولم يجد غنام، بين رجال السياسة جميعًا، سوى اسطفان بك باسيلي.

وحين عرض عليه الأمر، فزع الرجل في البداية، وروى غنام، ضاحكًا، كيف صاح باسيلي بعفويته المعهودة:

"يا نهار أسود... هو أنا عملت فيك إيه يا باشا؟! الوفديين هيقتلوني!"

لكن الدعابة لم تمنعه من اتخاذ القرار.

فما إن انتهى غنام من شرح الخطة، حتى أدرك باسيلي أن القضية لم تعد قضية رجل، بل قضية وطن.

فابتسم، وقال عبارته التي تختصر معدن الرجال:

"حاضر يا باشا... بس وحياة والدك وصيتك العيال."

وتقدم بالمشروعات إلى البرلمان.

ووقع كل شيء كما توقع غنام.

اشتعلت الصحف.

وانفجر البرلمان غضبًا.

ورفض النواب تلك المشروعات رفضًا قاطعًا.

وتحولت القوانين إلى فضيحة سياسية كبرى، حتى إن مجرد التفكير في إعادة تقديمها من جانب القصر أصبح مستحيلًا.

أما اسطفان باسيلي، فقد بقي وحده تحت سيل الاتهامات.

اتهموه بالعمالة للسراي.

وشككوا في تاريخه.

وألصقوا باسمه ما لم يكن من صنعه.

لكنه لم يتراجع، ولم يتكلم، لأنه كان يعلم أن كلمة واحدة منه، لو قيلت في ذلك الوقت، ربما كشفت الخطة، ومنحت الملك فرصة جديدة للانقضاض على حرية الصحافة، وإعادة الأحكام العرفية، وخنق الحياة الدستورية التي كانت مصر قد بدأت تستعيد أنفاسها.

ولذلك ظل صامتًا...

ليس لأنه كان عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، بل لأنه كان أقوى من أن يجعل نفسه أهم من وطنه.

وهكذا، وبعد خمسةٍ وعشرين عامًا من الصمت، لم يخرج اسطفان باسيلي منتصرًا على خصومه، بل خرج منتصرًا على الزمن نفسه.

إن التاريخ لا يظلم حين ينسى فقط، بل يظلم أيضًا حين يروي نصف الحكاية.

ولعل مأساة اسطفان بك باسيلي لم تكن أنه تعرض للاتهام، وإنما أن الاتهام عاش أطول من الحقيقة. ولولا تلك الجلسة التي شاءها القدر، لبقي الرجل، في صفحات كثيرة من كتب التاريخ، رمزًا لواقعة لم يفهم أحد معناها الحقيقي.

إن الوطنية ليست دائمًا بندقية يحملها مقاتل في ساحة الحرب، ولا خطابًا حماسيًا يهتف به زعيم أمام الجماهير. أحيانًا تكون الوطنية قرارًا صامتًا، يتخذه رجل وهو يعلم أن الناس ستلعنه، وأن المؤرخين سيخطئون في حقه، وأن أبناء وطنه قد لا يعرفون الحقيقة إلا بعد أن يشيب الزمن.

وهذا هو الفارق بين من يصنع الحدث، ومن يصنع التاريخ.

لقد صنع اسطفان بك باسيلي تاريخًا لم يطلب عليه وسامًا، ولم ينتظر من أحد اعتذارًا، لأنه كان يدرك أن الأوطان لا يحرسها أولئك الذين يبحثون عن المجد، بل أولئك الذين يقبلون، إذا اقتضى الأمر، أن يدفنوا مجدهم الشخصي كي يبقى الوطن مرفوع الرأس.

رحم الله اسطفان بك باسيلي، ورحم محمود سليمان باشا غنام، ورحم أولئك الرجال الذين فهموا أن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل أمانة قد تتطلب من صاحبها أن يدفع أثمن ما يملك: اسمه، وسمعته، وتاريخه الشخصي.

فما أكثر من عاشوا أبطالًا في صخب الجماهير...

وما أقل أولئك الذين عاشوا متهمين، لأنهم كانوا، في الحقيقة، أكثر الناس وفاءً لمصر.

محيي الدين إبراهيم
القاهرة في 12 مارس 2015م

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الروح أم النفس؟