الجمعة، 10 نوفمبر 2017

بين فيلم وقصة الزوجة الثانية - بقلم: محيي الدين إبراهيم

هذا الفيلم العبقري .. مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب المصري المبدع أحمد رشدي صالح في ( 20 صفحة ) من القطع المتوسط بالمجموعة القصصية المنشورة بنفس الأسم ( الزوجة الثانية ) عن المكتب الدولي للترجمة والنشر لصاحبه وجيه راضي وشركاه عام 1955..

ومن ثم، هناك أفلام لا تنتهي بانتهاء عرضها، لأنها لا تحكي زمنًا مضى بقدر ما تكشف قانونًا من قوانين الإنسان. وكلما ابتعدنا عنها زمنيًا اقتربت منا إنسانيًا، كأن الزمن لم ينجح في دفنها، وإنما اكتفى بإعادة ترتيب المرآة التي تضعها أمامنا.

ومن هنا أعود إلى «الزوجة الثانية»، لا باعتباره واحدًا من كلاسيكيات السينما المصرية فحسب، وإنما باعتباره فيلمًا ما زال يطرح السؤال الذي لم تتوقف البشرية عن طرحه: ماذا يحدث حين تتحول السلطة من مسؤولية إلى رغبة في امتلاك الآخرين؟ وماذا يبقى للإنسان حين يصبح حقه في اختيار حياته مهددًا بقوة أكبر منه؟

وهنا تكمن عظمة فيلم صلاح أبو سيف.

فالحكاية في ظاهرها عن عمدة يريد الزواج من امرأة متزوجة، فيجبر زوجها الفقير على تطليقها؛ لكنها في عمقها عن السلطة حين تخلط بين القوة والحق، وعن الإنسان حين يكتشف أن مقاومة القهر تبدأ باسترداد حقه في أن يختار. وقد جاء الفيلم عن قصة قصيرة لأحمد رشدي صالح، وشارك صلاح أبو سيف وسعد الدين وهبة ومحمد مصطفى سامي في صياغة السيناريو.

من القصة إلى الفيلم.. إبداع يعيد خلق إبداع:

ولدت الحكاية أولًا في قصة قصيرة لأحمد رشدي صالح، المنشورة ضمن مجموعته «الزوجة الثانية» عام 1955، لكن انتقالها إلى السينما لم يكن نقلًا حرفيًا، وإنما إعادة اكتشاف للمادة الأدبية بلغة الصورة. ولهذا لا أرى اختلاف الفيلم عن القصة نقصًا في أحدهما، بل أراه دليلًا على أن الفن حين ينتقل من وسيط إلى آخر يعيد خلق نفسه وفق أدواته.

القصة منحتنا القرية بالكلمات، والفيلم منحها الجسد والصوت والوجه.

واللافت أن رشدي صالح لم يمنح قريته اسمًا محددًا، وكأنه أراد لها أن تصبح نموذجًا مصغرًا لمصر كلها. أما أبو سيف فأعاد بناء هذا العالم بصريًا: الحقول والترع والبيوت والدروب والأسواق، وصندوق الدنيا والأراجوز والراوي، حتى أصبح الريف نفسه أحد أبطال الفيلم. وهكذا لا تبدو «الزوجة الثانية» مجرد حكاية ريفية، وإنما وثيقة بصرية عن مجتمع له لغته وعاداته وأحلامه ومخاوفه.

عتمان.. حين يعتقد المستبد أنه صاحب الحق:

أخطر ما في عتمان أنه ليس شريرًا يجهل أنه شرير؛ إنه رجل يعتقد أن سلطته تمنحه الحق.

وهنا يصبح أكثر خطورة.

فهو لا يرى نفسه معتديًا حين يستولي على أرض، أو يهدد فقيرًا، أو يفرض إرادته على زوج وزوجته. إنه يتصرف وفق منطق داخلي بسيط ومدمر: أنا العمدة، إذن من حقي.

وهذه الـ«إذن» هي فلسفة الاستبداد كلها.

فالسلطة حين تنفصل عن العدالة لا تكتفي بممارسة الظلم، بل تبدأ في اختراع المبررات التي تجعل الظلم يبدو قانونًا. ولهذا فإن عتمان ليس شخصية شريرة عابرة، وإنما نموذج للسلطة حين تتحول إلى امتلاك؛ دافعه خوفه على اسمه ونفوذه، وعيبه القاتل اعتقاده أن المال والقوة قادران على شراء البشر.

وتبلغ براعة الفيلم ذروتها في تقديم هذه الشخصية. ففي المشهد الأول تقريبًا، وفي ثوانٍ معدودة، نراه ممتطيًا دابته، تحيط به الحاشية، ويحمل أحدهم الشمسية فوق رأسه، ثم يلتفت إلى امرأة فقيرة تحمل قفصًا من الطيور. يبدأ المشهد بما يوحي بسلطة عادية، ثم ينكشف سريعًا أن القانون نفسه في يده أداة للتهديد والابتزاز.

هكذا لا يخبرنا الفيلم أن عتمان مستبد؛ يجعلنا نراه وهو يمارس الاستبداد. وهذه هي السينما حين تبلغ ذروة الاقتصاد الدرامي: مشهد صغير يكشف بنية شخصية كاملة.

أبو العلا.. السؤال الذي تخشاه السلطة:

في الجهة المقابلة يقف أبو العلا، الفلاح الفقير الذي لا يملك الأرض ولا النفوذ، لكنه يملك شيئًا لا يستطيع عتمان شراءه: حبه لزوجته وأسرته.

وحين يُجبر على تطليق فاطمة، لا تكون المأساة مجرد انفصال زوجين، وإنما اغتصاب لحق الإنسان في اختيار حياته.

لذلك تأتي صرخته: «دا ظلم.. دا حرام».

إنها ليست جملة احتجاج عابرة، وإنما لحظة يستعيد فيها المقهور لغته أمام القوة. فالسؤال الحقيقي الذي يواجه به عتمان هو: من منحك الحق في أن تختار حياتي نيابة عني؟

إنه سؤال صغير في فم فلاح، لكنه أكبر من العمدة نفسه.

حين يستبيح الجوع ما لا يملكه السلطان:

لكن الفيلم يذهب بالصراع إلى منطقة أكثر ظلمة؛ فجبروت السلطة لا يقف عند حدود الأرض أو المال أو القانون، وإنما يبلغ اللحظة التي تستبيح فيها العِرض نفسه، ثم تستخدم الجوع ذريعة لاستباحته.

وهذا ما يجعل مشهد "بقايا الأوزة" من أقسى مشاهد الفيلم دلالة؛ فعتمان لا يقدم لفاطمة طعامًا بريئًا، وإنما يضع أمام أم جائعة وأطفال ينتظرونها ثمنًا آخر للصمت. وحين تقول إن الأوزة ستكفيها وأبناءها وحماتها، وما يتبقى لأبي العلا، فإننا لا نرى امرأة تساوم على كرامتها، وإنما نرى السلطة وهي تحاصر الكرامة من بوابة الجوع.

وهنا تكمن المأساة الفلسفية: حين يملك الحاكم الخبز والماء، يستطيع أن يجعل حاجتك نفسها أداة ضدك؛ فيستبيح جسدك باسم إطعام أبنائك، ويستبيح إرادتك باسم حمايتهم، ثم يتركك أمام اختيار زائف بين الجوع والكرامة.

وهذا هو الوجه الأكثر رعبًا للدكتاتورية: أنها لا تكتفي بأن تأخذ منك حقك، بل تدفعك إلى قبول انتهاكه كي تبقى قادرًا على الحياة.

ثم يبلغ الأمر ذروته في طلاق فاطمة من أبي العلا وزواجها من العمدة في اليوم نفسه، تحت ذريعة أن "الورق ورقه والدفاتر دفاتره"وهنا لا تعود السلطة قد اغتصبت الأرض وحدها؛ لقد اغتصبت القانون والبيت والزوجة والإرادة، ثم احتاجت إلى خطوة أخيرة كي تكتمل دائرة الاستباحة: أن تجعل القرية كلها ترى الجريمة وتسكت، لأن الحاكم سيقيم ليلة يطعم فيها الناس «فتة ولحمة ورز».

أي عالم هذا الذي يصبح فيه الطعام ثمنًا للصمت؟

إنها ليست حكاية فقراء تنقصهم الشجاعة، وإنما حكاية سلطة تعرف أن الجائع يمكن أن يُحاصر قبل أن يُقهر؛ وأن المرأة، في المجتمعات المأزومة، قد تكون الحلقة الأضعف والأكثر تعرضًا لهذا الابتزاز، لأنها تحمل جوع أبنائها فوق جسدها وكرامتها معًا.

فاطمة .. من المقهورة إلى صاحبة الإرادة:

ثم تأتي فاطمة، وهي في رأيي قلب الفيلم الأخلاقي.

لا تدخل الحكاية بطلة جاهزة؛ تدخلها امرأة بسيطة، خائفة، مكسورة أمام جبروت لا تستطيع مواجهته. لكن الفيلم يمنحنا أجمل تحول درامي: نرى الخوف وهو يتراجع، والإرادة وهي تولد.

وهنا تكمن عبقرية سعاد حسني؛ فهي لا تقفز بالشخصية من الضعف إلى القوة، وإنما تجعلنا نرى المسافة الإنسانية بينهما.

فاطمة لا تنتصر لأنها أصبحت أقوى من عتمان، وإنما لأنها أصبحت أكثر حرية منه.

هو يمتلك الأرض، وهي تمتلك إرادتها.

هو يستطيع أن يفرض الزواج، لكنه لا يستطيع أن يفرض الحب.

ومن هنا تصبح مقاومتها أعمق من مجرد حيلة درامية؛ إنها استرداد للذات.

من المقدس يني إلى العطار مبروك:

وثمة تفصيل أراه جديرًا بالتوقف؛ فقد استبدل الفيلم شخصية «المقدس يني»، حلاق القرية القبطي في قصة أحمد رشدي صالح، بشخصية «العطار مبروك» التي أداها ببراعة الفنان الكبير حسن البارودي.

وهنا أتساءل: هل كان التغيير مجرد اختيار درامي، أم أن وراءه ظلالًا من اللحظة السياسية التي ظهر فيها الفيلم في 14 أكتوبر 1967، بعد نكسة يونيو بأشهر قليلة، حين كانت العلاقة بين النظام الناصري وبعض الرموز أو المحسوبين على التيار الديني شديدة الحساسية؟

في تقديري، ربما لم يكن استبدال الشخصية المسيحية بشخصية من رجال الدين المسلمين مصادفة فنية خالصة، وإنما كان يحمل قدرًا من إعادة توزيع الدلالة السياسية والأخلاقية للشخصية الدينية؛ بحيث يصبح «مبروك» نموذجًا لرجل الدين الذي يلوي ذراع المقدس لخدمة مصلحته.

ويكفي أن نسمعه يقول لعتمان: «والله ما هتنازل يا عمدة عن نص فدان وجاموسة»، حتى يسقط القناع؛ فالرجل الذي يفترض أن يكون ضمير القرية يتحول إلى سمسار للمقدس، يفاوض على الدين كما يفاوض على الأرض والجاموسة.

وهكذا يصبح التغيير، في قراءتي، أكثر من تبديل درامي؛ إنه تحويل لوظيفة المقدس داخل الحكاية: من ضمير يفترض أن يقف مع الإنسان إلى أداة يمكن أن تُستعمل لتبرير القوة والمصلحة.

وفي المقابل يأتي الأراجوز صوتًا للهامش؛ ذلك الصوت الذي يستطيع أن يقول ما لا يجرؤ المركز على قوله. وحين تأتي الحكمة: «الحب مش بالعافية»، تبدو الجملة بسيطة، لكنها تهدم فلسفة عتمان كلها؛ فالقوة تستطيع أن تنتزع الجسد، لكنها لا تستطيع امتلاك الروح.

حين تختلف القصة عن الفيلم لتتسع الدلالة:

ومن أكثر الفروق دلالة بين القصة والفيلم حضور وباء المالريا. ففي قصة رشدي صالح تظهر المالريا بوصفها كارثة جماعية أصابت المجتمع، بينما يميل الفيلم إلى تحويل مرض العمدة إلى عقوبة درامية على جبروته.

القصة تقول إن المجتمع كله كان داخل المأساة، بينما يمنح الفيلم للعدالة الدرامية وجهًا أكثر وضوحًا: الظالم نفسه سيدفع ثمن ما صنع.

وهذا يؤكد مرة أخرى أن الفيلم لم يكن نسخة من القصة، وإنما قراءة جديدة لها.

لماذا بقيت «الزوجة الثانية»؟

لأن عتمان لم يكن عتمان وحده.

إنه كل سلطة تتوهم أن امتلاك القوة يمنحها امتلاك الإنسان.

وأبو العلا ليس رجلًا فقيرًا فقط؛ إنه كل إنسان يجد نفسه أمام قوة تقول له: لا حق لك في الاختيار.

وفاطمة ليست امرأة ريفية فحسب؛ إنها الإنسان حين يكتشف، في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء ضده، أن داخله مساحة لا يستطيع أحد أن يصادرها.

ولهذا لا أرى نهاية الفيلم مجرد سقوط طاغية؛ أراها انتصارًا لفكرة. فالعمدة الذي امتلك الأرض والمال والرجال ينتهي مهزومًا، بينما المرأة التي لم تكن تملك إلا إرادتها تستعيد حياتها، وتعود الأرض إلى أصحابها وتحترق الأوراق المزورة، كأن الفيلم يعيد ترتيب العالم أخلاقيًا بعد أن أفسدته القوة.

وربما لهذا كله لا أتذكر «الزوجة الثانية» وأنا أرى عتمان يسقط، بقدر ما أتذكر فاطمة وهي تستعيد حقها في أن تكون صاحبة حياتها.

فالسقوط الحقيقي ليس أن يموت المستبد.

السقوط الحقيقي أن يفقد قدرته على إخافة الإنسان.

وهذه هي الرسالة التي تجعل الفيلم حيًا بعد عقود:

أن الإنسان ليس أرضًا.

ولا قفص فراخ.

ولا نصف فدان.

ولا ورقة في دفتر عمدة.

الإنسان إنسان.

وحين تنسى السلطة هذه الحقيقة، يبدأ سقوطها.

وحين يتذكرها المقهور، تبدأ حريته.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الروح أم النفس؟