السبت، 11 أبريل 2009

قراءة في مسرحية الفرافير ليوسف إدريس

(حين يضحك الإنسان على القيد ثم يكتشف أنه يسكنه)
نُشرت هذه المسرحية في عام 1964، وتُعد من أبرز أعمال يوسف إدريس الأدبية تحت مظلة "مسرح العبث" بل والتطبيق العملي لمقالاته التنظيرية حول تأسيس مسرح مصري مستلهم من فن السامر الشعبي تحديداً كمنهج – ربما – لتمصير منهج "مسرح العبث" الغربي.
ومن ثم، لم يكن يوسف إدريس، في تعامله مع مسرح العبث، مجرد كاتب عربي استعار من الغرب أدوات اللامعقول ليعيد استخدامها في بيئة مختلفة؛ بل كان، في جوهر تجربته، يبحث عن شيء أكثر عمقًا: كيف يمكن للعبث أن يصبح لغةً عربيةً تتكلم بلسان الإنسان الذي يعيش تناقضاته الخاصة؟
فالعبث عند إدريس لا يولد من فراغ كوني محض، ولا ينتهي إلى اليأس المطلق الذي يطبع بعض تجاربه الغربية؛ وإنما يتشكل في المسافة الموجعة بين الإنسان والواقع الذي صنعه لنفسه، بين رغبته في الحرية وحاجته إلى من يقوده، بين بحثه عن العدالة وإصراره على إعادة إنتاج التراتب، وبين خوفه من الموت وعجزه عن أن يعيش حياةً أكثر امتلاءً.
ولهذا تتسم فلسفة مسرح العبث عند يوسف إدريس بخصوصية شديدة؛ فهو يمزج آليات اللامعقول الكونية بالواقع الاجتماعي والسياسي العربي، ويعيد اكتشاف العبث من داخل الثقافة الشعبية المصرية، مستفيدًا من طقوس السامر والأراجوز، بحيث لا يبدو اللامعقول وافدًا من خارج البيئة، بل كأنه خرج من أعماقها وتكلم بلغتها.
ومن هنا يمكن فهم «الفرافير» لا باعتبارها محاكاة لمسرح العبث الغربي، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة اكتشاف العبث العربي؛ ذلك العبث الذي لا يسكن في الفراغ، بل في علاقة الإنسان بالسلطة، وفي بحثه الدائم عن سيد، وفي عجزه عن تخيل الحياة من دون تراتبية.
وقد رأى نقاد مسرحيون، ومنهم الراحل الدكتور أحمد سخسوخ في قراءاته النقدية، أن إدريس وظّف بنية العبث الأوروبي في سبيل تأصيل هوية مسرحية عربية متفردة. وهذه النقطة تفتح لنا الباب إلى فلسفة التجربة كلها؛ لأن السؤال لم يعد: هل يوسف إدريس كاتب عبثي؟ وإنما يصبح: ماذا فعل إدريس بالعبث حين أدخله إلى الروح المصرية؟
وفي مسرحية "الفرافير" لا يأتي العبث من سؤال ميتافيزيقي مجرد، وإنما يخرج من قلب الموقف الاجتماعي والسياسي، فالسيد والفرفور يبدوان في البداية طرفين في علاقة بسيطة: أحدهما يأمر والآخر ينفذ. لكن إدريس لا يلبث أن يقلب العلاقة إلى سؤال فلسفي: ماذا يحدث إذا غابت السلطة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يدير حياته دون سيد؟ وهل الحرية ممكنة حقًا إذا كان الإنسان قد اعتاد أن يعيش داخل تراتبية تحدد له مكانه ووظيفته وحدود حركته؟
هنا يصبح العبث ليس غياب المعنى، بل عجز الإنسان عن الوصول إلى صيغة عادلة للحياة رغم حاجته الدائمة إليها.
إن فرفور يريد أن يتحرر، لكن تحرره يصطدم بالحاجة إلى نظام. والسيد يريد أن يحتفظ بسيادته، لكنه يكتشف أن سيادته نفسها لا وجود لها من دون تابع. وهكذا يجد الاثنان نفسيهما داخل دائرة مغلقة: لا السيد يستطيع أن يكون سيدًا بلا فرفور، ولا الفرفور يستطيع أن يعرف ذاته خارج علاقته بالسيد.
وهذه هي المفارقة التي تجعل العبث عند إدريس اجتماعيًا وسياسيًا ونفسيًا في آن واحد: الإنسان يحاول الهرب من القيد، ثم يكتشف أنه يحمل القيد في داخله.
ومن هنا تأتي السخرية السوداء أو الكرنفالية بوصفها أداة مقاومة. فالضحك عند إدريس ليس استراحة من المأساة، وإنما طريقة لمواجهتها. إنه ضحك يعرف أن الواقع أقسى من أن يُواجه دائمًا بوجه جاد، ولذلك يحوّل الفكاهة الشعبية اللاذعة إلى وسيلة لخلخلة السلطة وكشف الهياكل الطبقية.
إنها ضحكة تحمل في داخلها صرخة.
وعلى ذلك يمكننا تصنيف مسرحية "الفرافير" ليوسف إدريس - في تقديري - إلى النوع الذي يكتب المسرح من جديد؛ فهي لا تكتفي بأن تحكي حكاية عن السيد والخادم، وإنما تجعل من هذه العلاقة سؤالًا وجوديًا مفتوحًا حول الإنسان حين يتحول الدور الاجتماعي إلى قدر، وحين تصبح الطاعة عادة، والسيادة وهمًا، والحرية مجرد اسم جميل لدائرة أخرى من القيود.
ولعل أخطر ما فعله يوسف إدريس في هذا النص أنه لم يبدأ من الحكاية، بل من العلاقة المسرحية ذاتها. فالمسرح عنده ليس جدارًا يفصل الممثل عن المتفرج، بل فضاءً ينبغي أن تتجاور فيه التجربة الإنسانية مع من يشاهدها. ولهذا دعا إلى صيغة مسرحية تلغي المسافة بين الخشبة والصالة، وتجعل الجمهور شريكًا في الفعل لا متلقيًا سلبيًا له. وهنا تبدأ المغامرة الحقيقية: «الفرافير» لا تريد أن تقول لنا شيئًا فقط، بل تريد أن تجعلنا جزءًا من الشيء الذي تقوله.
النواة الدرامية: من هو السيد ومن هو الفرفور؟
يمكن اختزال النواة العميقة للمسرحية في جملة واحدة: الإنسان يصنع سيده بقدر ما يصنع السيد عبده، ثم يعجز الاثنان عن تخيل العالم من دون هذه العلاقة.
من هنا تصبح علاقة «السيد» و«فرفور» أكثر من علاقة طبقية أو اقتصادية؛ إنها نموذج مصغر لبنية بشرية أوسع: الحاكم والمحكوم، السلطة والخاضع، من يأمر ومن ينفذ، بل الإنسان مع نفسه حين يصبح جزء منه سيدًا على الجزء الآخر.
والعبقرية الدرامية أن إدريس لا يقدم هذه الفكرة في خطاب فلسفي مباشر، وإنما يحولها إلى لعبة مسرحية ساخرة. يبدأ «السيد» بلا هوية تتجاوز دوره، ويبدأ «فرفور» بوصفه وظيفة قبل أن يكون شخصية. وحين يُفرض الدور بالقوة، لا يعود السؤال: ماذا يفعل فرفور؟ بل: لماذا ينبغي أن يكون فرفور أصلًا؟
وهنا يتجاوز النص الصراع الطبقي التقليدي إلى سؤال أكثر عمقًا: هل نحن ما نحن عليه، أم ما قيل لنا إننا عليه؟
البناء الدرامي: الدائرة بدل الخط المستقيم:
لا يقوم بناء «الفرافير» على الحبكة الأرسطية التقليدية ذات التصاعد المتصل نحو عقدة وحل، وإنما على بناء حلقي جدلي؛ تتكرر فيه العلاقة بين السيد والفرفور بأشكال مختلفة، وكل دورة تكشف طبقة جديدة من المعنى.
السيد يأمر، وفرفور ينفذ؛ فرفور يسخر، والسيد يعاقب؛ يحاول الاثنان الخروج من العلاقة، فيكتشفان أن التخلص منها ليس بهذه البساطة. وهكذا تصبح الدائرة نفسها هي الشكل الدرامي للفكرة: نحن نعيد إنتاج ما نحاول الخلاص منه.
وحتى المؤلف يدخل اللعبة؛ فلا يعود صاحب سلطة مطلقة على شخصياته، بل يصبح هو نفسه جزءًا من الصراع، فتتمرد الشخصية على كاتبها، ويصبح المسرح واعيًا بذاته. إننا أمام «مسرح داخل المسرح» لا بوصفه لعبة شكلية، وإنما بوصفه تفكيكًا لفكرة السلطة ذاتها: المؤلف يكتب الشخصية، لكن الشخصية تسأله عن سبب ما كتب.
فرفور: المهرج الذي يرى:
فرفور هو أعظم اكتشاف درامي في النص؛ لأنه ليس المهرج الذي يؤدي وظيفة الإضحاك، بل العين التي ترى ما اعتاده الآخرون حتى لم يعودوا يرونه.
إنه يضحك من العمل، ومن المهن، ومن الموت، ومن الفلسفة، لكن ضحكه ليس ترفًا. إنه أداة معرفة. فرفور لا يدعي امتلاك الحقيقة، وهذه نقطة جوهرية في بنائه؛ فهو لا يقف خارج اللعبة ليحاكم الآخرين، وإنما يسخر من نفسه ومن الجميع لأنه يعرف أنه داخلها.
ولهذا يصبح قريبًا من الحكيم الشعبي؛ لا لأنه يعرف الإجابة، بل لأنه يشك في الأسئلة التي اعتاد الناس قبولها بلا تفكير.
إنه يضحك لأن الضحك، في عالم إدريس، يمكن أن يكون لحظة تحرر. فالإنسان حين يضحك من النظام الذي يخضع له، يراه للحظة من الخارج.
السيد: العبد الذي يظن نفسه حرًا:
لكن إدريس لا يقع في فخ تقسيم العالم إلى جلاد وضحية. فالسيد نفسه أسير لدوره؛ يحتاج إلى فرفور لكي يشعر بأنه سيد، ولذلك فإن تحرر فرفور يهدد وجوده هو أيضًا.
وهنا تبلغ المسرحية طبقتها النفسية الأكثر مرارة: قد يتحول القيد إلى حاجة.
قد يكره الإنسان السلطة، لكنه يخاف غيابها. وقد يثور على السيد، لكنه لا يعرف ماذا يفعل بعد سقوط السيد. ولذلك حين يحاول الاثنان أن يكون كل منهما سيد نفسه، يكتشفان أن الأمر ليس سهلًا؛ فكل واحد منهما يحتاج إلى الآخر كي يتحدد موقعه.
وهكذا يصبح السؤال النفسي أعمق من سؤال السلطة: هل يريد الإنسان الحرية فعلًا، أم يريد فقط سيدًا أكثر رحمة؟
الصراع: الإنسان في مواجهة الدور:
الصراع الحقيقي في «الفرافير» ليس بين شخصين، وإنما بين الدور والإنسان.
فرفور لا يواجه السيد وحده؛ إنه يواجه القاعدة التي جعلته فرفورًا. والسيد لا يواجه خادمه فقط؛ إنه يواجه احتمال سقوط هويته إذا لم يعد هناك من يخضع له.
ومن هنا تصبح عبارة «أنا سيدك» أقل أهمية من السؤال المختبئ وراءها: من منحك حق أن تكون سيدي؟
وهذا ما يجعل الصراع في المسرحية قابلًا للاتساع من الخاص إلى العام، من العلاقة الفردية إلى بنية المجتمع، ومن المجتمع إلى النفس الإنسانية.
الحوار والإيقاع: حين تصبح النكتة مشرطًا:
الحوار في «الفرافير» أحد أسرار قوتها. إنه شعبي، سريع، ساخر، متدفق، لكنه ليس بسيطًا؛ فالنكتة غالبًا تحمل خلفها طبقة ثانية من المعنى.
إدريس لا يضع الفلسفة فوق الشخصيات، بل يجعلها تخرج من أفواهها وهي تتشاجر. ولهذا يتنقل الحوار من الضحك إلى السؤال، ومن السؤال إلى القلق، ثم يعود إلى الضحك من جديد.
والإيقاع نفسه يقوم على هذه الحركة المتوترة: مشهد هادئ، انفجار كوميدي، سؤال فكري، عودة إلى العبث، ثم تفاعل مع الجمهور. إنها فوضى محسوبة، لأن الجمهور نفسه يصبح جزءًا من الإيقاع الدرامي؛ فالممثل يملك أن يسرع أو يتأنى وفق استجابة الصالة.
وهنا لا يكتمل النص على الورق وحده؛ إنه يترك مساحة لولادته من جديد في كل عرض.
الزمن والفضاء والسيمياء:
الزمن في «الفرافير» ليس زمنًا حكائيًا مستقيمًا، والفضاء ليس خلفية للأحداث. إنهما جزء من الفكرة.
المسرح الدائري، الاقتراب من الجمهور، الميكروفونات، المقرعة، الملابس، الفأس، القبور والحبل؛ كلها علامات تتحول من أدوات إلى رموز.
المقرعة أداة تواصل وسلطة في الوقت نفسه. والفأس التي تبدأ أداة للعمل تتحول إلى علامة على الاستغلال. أما القبر، فيصبح من أكثر الرموز كثافة؛ إذ يبلغ منطق العلاقة ذروته حين يصبح عمل السيد والفرفور هو حفر القبور.
ثم تتسع الدائرة إلى الإمبراطورية، حيث لا تعود السلطة علاقة بين اثنين، بل تصبح نظامًا ينتج الموتى الذين يحتاج إليهم لكي يستمر.
وهنا تتحول السيمياء إلى فلسفة: النظام لا يكتفي بإخضاع الإنسان؛ إنه ينتج الإنسان الذي يحتاج إليه.
النهاية: حتى الموت لا يكفي للتحرر:
تصل المسرحية إلى واحدة من أعمق لحظاتها حين يسقط السيد وفرفور أمام الموت، فيتضاءل الفارق بينهما حتى يكادا يصيران ذرة واحدة في هذا الكون.
لكن حتى هنا يعود منطق التراتب؛ يبحث السيد عن موقع أعلى، وكأن الإنسان لا يستطيع بسهولة أن يتخلى عن فكرة السلم الذي اعتاد أن يصعد عليه أو يُصعد غيره إليه.
وهنا تأتي المفارقة الكبرى: حتى الموت لا يكفي وحده لتحرير الإنسان من فكرة السلطة.
فالمشكلة ليست في السيد وحده، ولا في النظام وحده؛ إنها في البنية النفسية التي تجعل الإنسان يبحث عن سيد أو يحاول أن يكون سيدًا.
يوسف إدريس والمسرح الذي يريد أن يتحرر:
وهنا تكمن القيمة الأعمق لـ«الفرافير». فإدريس لا يكتب نصًا عن تحرير الإنسان فقط؛ بل يحاول أن يحرر المسرح ذاته.
المؤلف يدخل الخشبة، والشخصية تتمرد عليه، والممثل يخاطب الجمهور، والجمهور يدخل اللعبة، والفضاء يتحول إلى دائرة، والحدود بين التمثيل والحياة تصبح قابلة للاهتزاز.
حتى تصور إدريس للممثل يرتبط بهذه الرؤية؛ فهو لا يريده مجرد «صنايعي» يؤدي أي دور، بل فنانًا له إيمان ووجهة نظر، بحيث تصبح الشخصية أضيق من الإنسان الذي يؤديها.
وهنا تتطابق نظرية إدريس في المسرح مع بنية «الفرافير» نفسها: إنه لا يكتب عن الحرية فقط، بل يمارس الحرية داخل الكتابة.
حين يتركنا المسرح أمام أنفسنا:
وأرى أن "الفرافير" واحدة من أكثر التجارب المسرحية العربية جرأة في إعادة تعريف العلاقة بين النص والمؤلف والممثل والجمهور والسلطة. قوتها أنها لا تجعل فلسفتها منفصلة عن جسدها المسرحي؛ فالفكرة تتحول إلى حركة، والحركة إلى ضحكة، والضحكة إلى سؤال، والسؤال إلى قلق.
وقد تكون بعض المقاطع أكثر استطرادًا مما يحتاجه البناء التقليدي، لكن ذلك لا يفسد جوهر التجربة؛ لأن «الفرافير» أصلًا لا تريد أن تمنحنا بناءً مغلقًا بقدر ما تريد أن تبقينا داخل لعبة مفتوحة.
إن يوسف إدريس لم يكتب عن السيد والفرفور فقط.
لقد كتب عن الإنسان حين يصنع القفص، ثم يختلف مع الآخر على من يملك مفتاحه.
كتب عن السلطة، لكنه لم يضعها في القصر وحده؛ وضعها في العمل، واللغة، والعلاقات، والمسرح، وحتى داخل النفس.
وكتب عن الحرية، لكنه لم يقدمها بابًا مفتوحًا، بل سؤالًا مرهقًا: ماذا ستفعل حين لا يعود هناك سيد تأمره بأن يكون سيدك؟
وربما لهذا تظل «الفرافير» قادرة على الحياة بعد كل هذه السنوات؛ لأن السيد تغيرت ملابسه، والفرفور تغيرت مهنته، والإمبراطورية تغير اسمها، لكن اللعبة نفسها لم تنته.
والأجمل أن يوسف إدريس لم يقل لنا: تحرروا.
لقد فعل شيئًا أكثر خطورة.
جعلنا نضحك...
ثم أسدل الستار، وتركنا وحدنا أمام السؤال:
فمن فينا، بعد كل هذا، هو السيد؟
ومن فينا هو الفرفور؟
وهل نحن حقًا نريد أن تنتهي اللعبة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق