بتاريخ الجمعة 25 يونيو 2010
بقلم د. عمرو عبد العزيز منير - مصر
ظلت الشخصية المصرية عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء في كتابات الرحالة والمؤرخين ووجدت العديد من التحليلات لها بدءاً من هيرودوت واسترابون وامتداداً عبر العصور إلي ابن زولاق والكندي والسيوطي وابن جبير، العبدري، وابن خلدون، والمقريزي وغيرهم العديد من الذين أكدوا علي أن للمصريين شخصيتهم المتفردة وسماتهم المادية والثقافية المميزة التي تفردهم عن غيرهم من الشعوب وكانت نظرة التأرجح عند المؤرخين دافعاً لأن جاءت النصوص التاريخية محملة بسمة (النزوع الأسطوري والخرافي) في سياق حديثهم عن السمات والخصائص المميزة للمصريين.
وقد نهض (المحتسب التنسيي) على تلك النزعة في سياق وصفه لأخلاق أهل مصر في مدينة تنيس – المندثرة سنة 624هـ- بقوله:" وطالع تأسيس هذه المدينة برج الحوت وصاحبه المشتري، السعد الأعظم، وصاحب الشرق الزهرة؛ لذلك كثر طرب نفوس أهلها، وفرحهم، ورغبتهم في مداومات اللذات واستماع الأغاني ومواصلة المسرات"
وانساق الرحالة والمؤرخون لهذا النزوع الخرافي عندما ربطوا بين طالع السعد وأخلاق أهل القاهرة بقولهم:" ووضع البناءون الأساس في لمح البصر, فبُهِتَ المنجمون وصاحوا قائلين "القاهرة" والقاهرة اصطلاح للمنجمين يطلق على المريخ جلاد الفلك، فلذلك السبب لا تنقطع الدماء والقتال والنزاع والفتن والفساد عن القاهرة المعزية التي سميت بهذا الاسم لوضع أساسها في طالع المريخ"
ولعبت الأساطير والحكايات الشعبية دوراً في وصف علاقة المرأة بالرجل في مصر فيقول المقريزي في سياق وصفه لأسماك النيل أن به سمك يسمي الرعَّاد قيل عنه :" إذا علقت المرأة شيئاً من الرعَّاد عليها لم يطق زوجها البعد عنها" . كما لجأت بعض النساء إلى التحكم فيهم حتى أننا نسمع عن بعض السلاطين والحكام ـ كالسلطان إينال ـ أنهم استسلموا لزوجاتهم حتى أصبحت الواحدة منهن على جانب كبير :"من نفوذ الكلمة ووفور الحرمة في الدولة وطواعية السلطان لأوامرها " وفي هذه الحالة يصبح السلطان أو الأمير :"لا اختيار له معها " .
وعلى الرغم من سمو مكانة المرأة المصرية , ونيّلها من حقوقها في مختلف عصورها ما لم تنله امرأة في مجتمع آخر , وعلى الرغم من نشاط المرأة المصرية في مجال السياسة والآداب فإن أغلب الكتابات الأدبية لم تصور لنا إلا جانباً واحداً هو وصف جمالها وما يرتبط به من زينه وفتنة وبواعث الحب أو الجنس ومظاهر إعجاب الرجال بها والتي لعبت فيها الأسطورة والخرافة دورها الفاعل. حيث كانت زينتها أحياناً وشماً تدقه على خدها . فترسم بالمسك صورة عقرب أو ثعبان إثارة أو إغراء أو معتقد في جذب الرجال إليها, فالمرأة المصرية هنا قد توحي للرجل وتناديه حينما تحذره من الاقتراب أو تخيفه من العقرب أو الثعبان. ومع ذلك فلا بأس بهذا اللدغ, ولا بأس من الاقتراب.فالشاعر ابن عرام يصف حبيبته بالقسوة , ومع ذلك فإنه يقبلها علي الرغم من أن العقرب يلدغه :
مَنْ مُعيني على اقتناصِ غزالٍ ** نافرٍ عن حبائلي روَّاغ
قلبهُ قسوةً كجلمودِ صخرٍ** خدُّه رِقةً كزهرِ الباغِ
كلما رمْتُ أن أُقبَّل فاه ** لَدَغَتْني عقاربُ الأصْدَاغِ
فلقد احتل كل من الثعبان والعقرب ركناً مهماً في قائمة الأشكال الحيوانية والنباتية التي كانت المرأة المصرية تقوم بوشمها على بدنها بما تحمله تلك الأشكال من رموز ودلالات تعكس بالضرورة بعضاً من رواسب أفكار أقدم.
الموروث الشعبي الذي يربط بين المرأة المصرية وكل من العقرب والحيَّة نجد تصويره عند القاضي الفاضل حيث يعترف بفتنة العقرب , ولكنه اكتشف أن لها رقية تعجزها عن اللدغ وتكف أذاها آلا وهى القبلات:
حدِّثْنا يا فتى وأخبرنا ** وأيما شئت منهما فقلْ
عن حيَّةٍ في الخدود ظالمةً** تمنع من شمَّ وردها الخضلْ
إن لها رقيةً مجربةً ** وإن ألفاظها من القبل
ويصور القاضي الفاضل زينة المرأة المصرية وما بها من وشم للحيَّة على الخد فيقول:
من حيَّةٍ في الجمْرِ ما احترقَتْ ** والجمرُ فوق الخدِّ ما اشتعَلا
لو أنها تلك التي انقلبتْ ** يوم العصا لم يعصِ من جهلا
لعل ذلك ما دفع بالعديد من الكتابات التاريخية أن تصف المرأة المصرية بالتسلط والسيطرة، وتصف الرجل المصري بقلة الغيرة على امرأته مستعينة في ذلك كله بشواهد الأساطير والخرافات الممزوجة ببعض القصص الديني، مثال ذلك: ما روَّجه ابن عبد الحكم من أساطير حول غرق (فرعون موسي) وجنوده فيقول: "وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون من أشرافهم، ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال, فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه وتتزوج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا شيئا إلا بإذنهن، فأجابوهن إلي ذلك فكان أمر النساء على الرجال، والقبط على ذلك إلي اليوم أتباعا لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال: أستأمر امرأتي.." ويضيف المقريزي:" ولهذا أيضاً صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدهن" "فأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطي من الحبشي من النوبي" وذلك بتدبير من الملكة دلوكة التي استطاعت أن تقود مصر في ظل فراغ سياسي وأمني آنذاك بها قامت به من تدريب." فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة".
والناظر في الخرافات التي دارت حول قوة وشكيمة المرأة المصرية يدرك أنها تأثرت بالقصص العربية في العصر الجاهلي، فقد أورد لنا ابن فضل الله العمري ما استعاره الوجدان الشعبي من مضمون لقصة (الزباء ملكة الجزيرة) دون التفاصيل في سياق الحديث عن بناء مدينة الإسكندرية حين سَلكَ مسلكاً مغايراً فتقول الرواية: " إن الذي بني الإسكندرية أول أمرها : جبير المؤتفكي ، وإن الذي دعاه إلي بنائها ، إنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر، وكان اسمها ( حورية بنت البرت) وأنه لما طال بينهما الحرب أنفذت إليه تقول: إني قد رغبت في أن تتزوجني، فيصير ملكنا واحداً ودارناً واحداً... فأجابها وعقد النكاح علي ما كان يعتقدون، والتمس الدخول بها فقالت: إنه يفتح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة تبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع وأجل مكان, وحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما تبنيه . وإنما كان ذلك منها مكراً به لتنفذ أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعة، فأجابها وأنفذ مهندسين إليها واختارت موضع الإسكندرية فكان كلما بني بناء خرجت دواب البحر عبثت به وهدمته فأقام زماناً, ونفذت الأموال فوضع طلمسات وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت، فكانت في الماء حذاء الأبنية ، فإذا جاءت دواب البحر فرأت الطلمسات والتوابيت نفرت فثبت البناء وبنيت المدينة، وتمت بعد زمان طويل ثم راسلها في المسير, فسارت بجميع قللها وعساكرها حتى نزلت حذاء عسكره وراسلته : " إني قد أحببت أن أحمل عنك مؤونة الأنفاق علي العسكريين في أطعمة تصلح وأشربه، وقد أعددت لوجوه الأمراء والقواد خلعاً وتحفاً عنك لكرمك في بناء المدينة.... فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة.فلبسها وجوه العسكر،ولبس الملك جبير خلعته، وكانت أقل سماً من غيرها، إبقاء عليه لتبقي فيه بقية لخطأ بها فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا, وماتوا ورأي ذلك بقية العسكر فعلموا موضع الحيلة فبادروا مستأمنين فنودى فيهم بالأمان... ودخلت الملكة المدينة وأقامت بها زمانا وعادت إلي مصر.."
فالقراءة الأولية للحكاية التي نقلها لنا الرحالة ( ابن فضل الله العمري) عن دهاء المرأة المصرية تؤكد أن عناصر حكاية ( مصرع الملكة زباء) سواء عناصرها التحليلية أو الأولية للحكاية لم تغب عن الضمير الشعبي وخياله الخلاَّق، بل استحضرها بشخوصها وأحداثها ووقائعها ورموزها، أو على الأقل فيما يتصل ببعض العناصر التي تقاطعت مع النص المصري للحكاية على نحو ما جاء في الحكاية التي نقلها لنا ( ابن فضل الله العمري) في عنصر السم – على سبيل المثال- وكذلك في مجال اسم الشخوص، وهكذا ينطوي التنَّاصْ هنا – في ضوء مفهومي الاستدعاء والتحويل- على معنى التداخل والتوالد, والتفاعل المضمر, أو غير المباشر بين النص الجاهلي العربي وبين النص الشعبي المصري .فقد قام الخيال الشعبي ببراعة بتحويل هذه الاستدعاءات الشعبية أو هذه المرويات السردية التاريخية وصهرها وأذابها في النص الخاص بالحديث عن المرأة المصرية وعلاقتها ببناء مدينة الإسكندرية وتطورها، وقدم لنا مجموعة من آداب السلوك تتلخص في وجوب أعمال الحيلة للخروج من المأزق إذا لم يستطع المرء مواجهته.
وفي تعميم غير منطقي تصف الروايات الشعبية المرأة المصرية بالتسلط والسيطرة وتصف الرجل المصري بقلة الغيرة على امرأته، فيقال:" ومن أخلاق أهل مصر قلة الغيرة، وكفاك ما قصة الله سبحانه وتعالى من خبر يوسف ، ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه, وشهادة شاهد من أهلها عليها, بما بيَّنَ لزوجها منها السوء ،فلم يعاقبها على ذلك بسوي قوله: "استغفري لذنبك أنك كنت من الخاطئين" .
وتعلق الكتابات التاريخية بقولها :" فكما أن عزيز مصر كان مغلوباً لامرأته زليخا، فإن المصريين لا يزالون مغلوبين لنسائهم وخدمهم ميالين للطرب واللذة والصفاء والشقاء رغم أنوفهم" وتذهب الروايات إلي الحد الذي تجعل عنده هذا الأمر سمة من سمات البيئة المصرية فقد أورد ابن عبد الحكم: " وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركي رحمه الله: أنه منذ سكن مصر يجد في نفسه رياضة في أخلاقه ، وترخصا لأهله، وليناً ورقة طبع مع قلة الغيرة". وهو ما أنكره (ابن الحاج) في قوله:" وهذا فيه من المحرمات وجوه كثيرة، وكل من يعاينهم من الناس سكوت، لا يتكلمون، لا يغيرون، ولا يجدون لذلك غيرة إسلامية". وقد علل ابن ظهيرة هذا السلوك بقوله :" عدم الاعتراض علي الناس، فلا ينكرون عليهم ولا يحسدونهم ولا يدافعونهم بل يسلمون لكل أحد حاله، العالم مشغول بعلمه, العابد بعبادته، والعاصي بمعصيته ,وكل ذي صنعة بصنعته ولا يلتفت أحد إلي أحد, ولا يلومه بسبب وقوعه في معصية أو نقيصة " .
ويتداخل الخيال مع الأسطورة لدي من وصف المصريين سواء كان مؤرخاً أو كاتباً، فيربط البعض منهم بين الأحوال الفلكية, وسمات أهل مصر؛ يقول المقريزي: " إن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون وينذرونه بالأمور المستقبلة، ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة".
يشير المقريزي إلي تلك الحاسة ويرجعها إلي عوامل بيئية جغرافية تتصل بموقع مصر وعلاقته بالنجوم والأفلاك, ويلحظ المرء بروز الاعتقاد في تأثير النجوم في طبائع الناس وأحوالهم ويشير ( أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي) إلي ذلك فيقول :" المصريون أكثر الناس استعمالاً لأحكام النجوم، وتصديقاً لها وتعويلاً عليها وشغفاً بها، وسكوناً إليها .حتى أنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلي أن لا يتحرك واحد منهم حركة من الحركات الجزئية التي لا تحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها ولا تضبط جهاتها، ولا تقيد غاياتها ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها ونصب يعتدونها".
ويستشهد صاحب الرسالة المصرية علي ما يقول, بحكاية يرويها :" ولقد شهدت يوماً رجلاً من الوقادين في آتون الحمام يسأل رزق الله المذكور- أحد المنجمين- عن ساعة حميدة لقص أظفاره فتعجبت من سمو همته, علي خساسة قدره ووضاعة مهنته ".ويضيف إلي ذلك قوله: " ومن الحكايات العجيبة, في فرط استعمالهم لأحكام النجوم ,وعنايتهم بها؛ ما شهدت بالصعيد الأعلى وذلك أن بعض الولاة حبس رجلاً من بعض أهل تلك الناحية كان ينظر في علم النجوم وشفع إليه فيه من يكرم عليه فشفعه فيه, وأمر بإطلاقه, وكان من الحبس في عذاب واصب, وجهد ناصب, فلما أتوه وقالوا له: انطلق لشأنك. أخرجَ من كمه اصطرلاباً, فنظر فيه فوجده مذموماً، فسألهم أن يتركوه مكانه إلي أن يتفق وقت يصلح للخروج من السجن, فعادوا إلي الوالي, فأخبروه بخبره فضحك منه, وتعجب من جهله وفساد عقله وأجابه إلي سؤاله وتركه علي حاله, وأطال مدة عقابه" .
هكذا بلغ الاعتقاد في النجوم والطوالع وتأثيرها في أحوال الناس الحد الذي جعل وقاداً في أحد الحمامات يستشير النجوم قبل أن يقص أظافره, وجعل ذلك المنجم يرفض الخروج من السجن حين أتيح له ذلك بعد شفاعة أحد المتشفعين، لأن الوقت لم يكن مناسباً حسبما قالت له الأبراج. كانت تلك سمة من سمات ذلك العصر في تلمس كل السبل للتنبؤ بالغيب حتى انتشرت الوسائل المتعلقة بها وتنوعت تلك الأمور ما بين ضرب الرمل واستنطاق الودع، وفتح المندل والاستخارة بالرؤية وبالقرآن الكريم حتى أنكر ابن الحاج ذلك علي المصريين بقوله: " أما الباطل فهو زعمهم في فتح الختمة والنظر في أول سطر يخرج منها أو غيره".
واضطلع العديد من الناس بهذه المهام ليقدموا للإنسان اللاهث وراء المجهول كل ما يرضيه أو يطمئنه علي المستقبل أو ينذره من ويلاته وحسبنا هنا مشاركة المؤرخ العيني (855هـ) حيث أشار في حديثه عن (السلطان الظاهر ططر) بقوله : " وكانت توليته في ساعة أجمع عليها أهل الحساب أنها تدل علي طول أيام مولانا السلطان خلد الله ملكه مع عافية وأمن وسرور . ثبت الله أركان دولته وأيام سطوته وعزته ". بيد أن " ساعة السعد" التي أشار إليها العيني لم تكن كذلك فقد تبوأ السلطان (سيف الدين أبو الفتوح ططر) في يوم ( 29 من شهر شعبان عام 824هـ ) ولم يمهله القدر في حكم مصر أكثر من تسعين يوماً لا غير.
ويُوردُ المقريزي أخبار واقعة تدل علي ما ذهب إليه من أن المصريين يتحدثون بالأشياء قبل كونها ويخبرون بما يكون فيقول" ومن هذا الباب واقعة ألدمر ذلك أنه خرج الأمير ألدمر أمير جندار يريد الحج من القاهرة في سنة ثلاثة وسبعمائة وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة. فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة، ومصر وقلعة الجبل بأن واقعة كانت بمكة قتل فيها ألدمر، فطار هذا الخبر في ريف مصر، واشتهر فلم يكترث الملك محمد بن قلاوون بهذا الخبر فلما قدم المبشرون علي المادة أخبروا بالواقعة وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم .الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة". وأورد المقريزي أكثر من واقعة مشابهة ثم ينتهي إلي القول" وفي هذا الباب من هذا كثير"
وهكذا ظهر المصريون وكأنهم اطلعوا علي علم الغيب، ويخبرون بما يكون وينذرون بالأمور المستقبلية, وكأنهم استلقوا السمع, ولم يتبعهم شهاب ثاقب, وكأنها سمة اتسم بها المصريون منذ أقدم العصور , حيث تنبؤا بطوفان نوح بعد أن " نظروا فيما تدل عليه الكواكب مما يحدث في العالم وعلموا أن تلك الآفة تكون ماء يغرق الأرض ومن عليها فأمر الملك ببناء الأهرام". كما تنبؤا بالمجاعات التي سوف تلم بمصر كقول المقريزي :"ثم وقع الغلاء في زمن أتريب بن مصريم, ثالث عشر ملوك مصر بعد الطوفان , وكان سببه أن ماء النيل توقف جريه مدة مائة وأربعين سنة , فأكل الناس البهائم حتى فنيت كلها...فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى هود .أن أبعث إلى أتريب بمصر أن يأتي لحف جبلها , وليحفر بمكان كذا ...فإذا عقود قد عقدت بالرصاص , وتحتها غلال كأنها وضعت حينئذ , وهى باقية في سنبلها لم تدرس , فمكثوا ثمانية شهور في نقلها , وزرعوا منها وتقوتوا نحو خمس سنين , فأخبره أخوه صابر بن مصريم أن أولاد قابيل بن آدم لما انتشروا فى الأرض وملكوها , علموا أن حادثة ستحدث في الأرض , فبنوا هذا البناء , ووضعوا فيه الغلال . فزرعت مصر وأخصبت ".
ويكشف لنا صاحب الرسالة المصرية عن بعض الجوانب المتعلقة بفكر المصريين وتاريخهم فيقول :" وحكى الوصيفىُّ في كتابه الذي ألفه في أخبار مصر أن أهلها في الزمن السابق كانوا يعتقدون أنَّ هذا العالم ,الذي هو عالمُ الكون والفساد أقام برهةً من الدهر خالياً من نوع الإنسان , وعامراً بأنواع أُخَر غير الإنسان , وأن تلك الأنواعَ مختلفة على خِلق فاذَّة وهيئات شاذَّة ثم حدث نوع الإنسان فنازعَ تلك الأنواع فغلبها واستولى عليها , وأفنى أكثرها قتلاً وشرَّد ما بقى منها إلى القفار , وأن تلك المشَّردة هى الغيلان والسعالي وغير ذلك , مما حكاه من اعتقاداتهم المستحيلة , وتصوراتهم الفاسدة , وتوهماتهم النافرة ."
وعلى الرغم من رأي أبي الصلت الذي حسب فيما أورد من رأي ذاع عن المصريين القدماء أنه يؤكد رأيه في عقلهم واعتقاداتهم , إلا أنه في الحقيقة أورد ـ ربما دون أن يقصد ـ ما يعني أن المصريين القدماء قد اقتربوا من فكرة نظرية النشؤ والارتقاء . فلا شك أن عبارة أبي الصلت هي من المتلقيات العامة والمتيسرة عن معرفة ما تبقى في الأذهان من أفكار كاملة شاعت عند المصريين وذاع أمرها , حتى تناقلها العوام بهذه الصورة المحرفة والمشوشة والمشوهة شأنهم في ذلك شأن العوام في كل مكان وعصر . كما نلمس أن معلومات أبي الصلت عن فكر المصريين وتاريخهم ورجالهم تختلط فيها بقايا معرفة حقيقية لها أصولها الأولى الحقيقية , بحكايات خرافية , في نسيج متنافر من بقايا العلوم والثقافات .
ويبدو أن ظروف العصر قد ساعدت الخرافات والأساطير على التغلغل والتسرب إلى نسيج المجتمع إضافة لما كان يحدث فيه من ضربات موجعة للمسلمين لأول مرة في تاريخهم تحت وطأة الحروب الصليبية واقتطاع أجزاء من المنطقة الأمر الذي كان له انعكاسات واضحة على النظام القيمي والأخلاقي في العالم العربي, فامتلأت النفوس بالغضب ومشاعر الإحباط والمرارة التي زادت من حدتها أعداد اللاجئين الهاربين من وحشية الصليبيين عند كل هجوم جديد فشعر الناس في المنطقة العربية بمدى عجز الحكام , وامتلأت النفوس في كل مكان بروح العجز , وشاعت روح من التقوى السلبية , والتدين العاطفى الهروبي , وقد تجسد هذا كله في التفاف عامة الناس حول نمط المتصوفة /الدراويش والمجاذيب كأحد مظاهر التعبير عن روح اليأس , والهروب إلى المجهول , والتي سيطرت على قطاعات كبيرة من سكان المنطقة العربية , والتي تركت أيضاً العديد من الأفكار المحملة برواسب الرؤى والأحلام التي يرى فيها النائم النبي أو الاجتماع بسيدنا الخضر . كتعبير عن الآمال التي تجيش في نفوس الناس حيال الواقع المرير الذي يعيشونه , فأصبح معتاداً أن يتكلم المتعلمون عن القيامة وأحاديث آخر الزمان , وبالخرافات التي شاعت حول عذاب القبر ونعيمه, والاعتقاد والتسليم بالخوارق والمعجزات ,والتي عكست أثر الشخصية المصرية على هذا النوع من الأخبار والقصص في التعبير عن اعتقاد الناس في كرامات الأولياء وشفافية النفس المصرية في تقبلها تلك الأمور الغيبية عن إيمان وصدق. ومن أمثال هذه القصص ما رواه أبو الفتح رضوان ـ فتح الله بن سعد الله التميمي المنفلوطي ـ يقول :"كنت يوماً مع شيخنا أبي الحسن الصباغ على ساحل البحر , ومعه إبريق يتوضأ منه , فسمع بالقرب منه صياح الناس , فسأل الشيخ عن ذلك فقيل له قد أخذ التمساح رجلاً من الساحل فترك الشيخ الوضوء وأسرع إلى المكان الذي فيه الناس مجتمعين فرأى التمساح قد قبض على الرجل وقد توسط به لجة البحر , فصاح الشيخ بالتمساح أن يقف فوقف مكانه لا يتحرك يميناً ولا شمالاً, فعبر الشيخ على متن الماء , وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم , وكأنه يمر على وجه الأرض وكان البحر في نهاية زيادته حتى انتهى إلى التمساح, فقال له: ألق الرجل , فألقاه من فيه ..وقد هلك الرجل فخذه من مسكة التمساح , فوضع الشيخ يده على التمساح وقال له : مت فمات موضعه .. وقال الشيخ للرجل قم إلى البر فقال : يا سيدي لا أستطيع من فخذي وأنا لا أحسن العوم , فقال: اذهب فهذه سبيل النجاة , وأشار إلى طريق البر فإذا البحر من الموضع الذي فيه الشيخ والرجل صلب قوي كالحجارة إلى البر فمشى الشيخ والرجل حتى وصلا إلى البر والناس ينظرون , ثم عاد البحر إلى حالته المعتادة , وجر الناس ذلك التمساح ميتاً ."
فالشخصية المصرية بارزة في هذا النوع من الحكايات والكرامات والتي تسربت إلينا عبر الحركة الصوفية التي نشأت بمصر في مرحلة النضج عن ظاهرة جديدة في المجتمع المصري ذات صلة بتكوينه الجغرافي والبشري والنفسي , لاسيما وأن :" الخرافات والأسمار كانت مرغوباً فيها مشتهاة" ولا تزال رواسبها متغلغلة في الموروث الشعبي المتعلق بالحياة اليومية للمصريين والتي حفظها لنا المؤرخون في كتاباتهم في سياق حديثهم عن أعياد أهل مصر والتي كان يحتفي بها كل أهل مصر علي حد سواء مثل عيد الشهيد:" و عيد الشهيد يكون في اليوم الثامن من شهر بشنس واعتاد النصارى أن يحتفلوا بذلك اليوم بإلقاء تابوت في نهر النيل به أحد أصابع أسلافهم من الحواريين ويزعمون أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فإن النيل لن يزيد" ,وربما كان ذلك الطقس صدى للأسطورة التي راجت في كتابات المؤرخين حول (صندوق/ تابوت) النبي يوسف وما دار حوله من روايات مفادها أن يوسف :"لما حضرته الوفاة قال :إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم فاحملوا عظامي معكم . فمات فجعلوه في تابوت ,ودفن في أحد جانبي النيل فأخصب الجانب الذي كان فيه وأجدب الآخر . فحوَّلوه إلى الجانب الآخر فأخصب الجانب الذي حولوه إليه وأجدب الآخر . فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها في صندوق من حديد . وأقاموا عموداً على شاطئ النيل , وجعلوا في أصله سكَّة من حديد, وجعلوا في الصندوق سلسلة أثبتوها في السكة , وألقوا الصندوق في وسط النيل , فأخصب الجانبان جميعاً ".
وهذا الصندوق وما أحاط به من طقوس تتفق كثيراً مع بعض التفاصيل في ســيرة "سيف بن ذي يزن" والتي تحدث فيها الراوي عن ( كتاب النيل) الموضوع في صندوق من خشب الأبنوس الأسود مصفح عليه بصفائح الذهب الأحمر فعيد الشهيد هنا يحمل ظلالاً وإمدادات كثيرة الماضي في تداخل مع الرواسب الفرعونية والقبطية لتصنع كتاب النيل.
علي أن كلمة ( كتاب) هنا تذكرنا بكتاب (عمر بن الخطاب) الذي أرسله رداً علي كتاب (عمرو بن العاص) إليه بشأن العروس ( أسطورة عروس النيل التي كانت تلقي في النيل سنوياً) . فعمر لم يكتف بالزجر والمنع بل كتب كتاباً ليلقي به في النيل علي نحو ما هو معروف ونقله إلينا ابن عبد الحكم المسئول الأول عن نص الخرافة التي وصلتنا في قوله :" لما فتح عمرو بن العاص مصر، أتي أهلها إلي عمر حين دخل شهر بؤونة : فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنْة لا يجري إلا بها فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه كلما جاءت الليلة الثانية عشرة من هذا الشهر , عمدنا إلى جارية بكر من أبويها فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل... فقال لهم عمرو هذا لا يكون في الإسلام. إن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا شهور بؤنة وأبيب ومسري. والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هموا بالجلاء.. فلما رأي عمرو ذلك كتب إلي عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر أن قد أصبت إن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في النيل إذ أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب علي عمرو فتح البطاقة فإذا بها:
" من عبد الله أمير المؤمنين إلي نيل مصر، أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك".
فألقي عمرو البطاقة في النيل، وكان أهل مصر قد تهيأوا للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل وأصبحوا وقد أجراه الله تعالي ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة" ويعلق الإسحاقي قائلاً :"وقطع الله تلك السنة السيئة عن أهل مصر وصار يعمل في ليلة وفاء النيل المبارك في كل سنة إشارة عظيمة كبيرة ينصب بها قناديل تعلق بحبال كثيرة على أخشاب مرتفعة توضع بمركب وتوقد القناديل وتسير في البحر يميناً وشمالاً وتزف بالطبول وتسمى عروسة البحر وذلك مستمر إلى تاريخه".
والراجح فيما يتعلق بتلك الخرافة التي نقلها لنا ابن عبد الحكم قد جانبه التوفيق فنقل تلك الأسطورة علي أنها حقيقة واقعة , كما أن جميع المؤرخين الذين جاءوا بعد ابن عبد الحكم وتناولوا بعض الموضوعات المتعلقة بالواقعة التي حفظها لنا ابن عبد الحكم قبلهم، فقد ذكروا هذه الخرافة وكرروها علي أنها معلومة تاريخية .نقلاً عما كتبه ابن عبد الحكم سواء بإسنادها إليه مباشرة أو بذكرها دون إسناد كما لو كانت حقيقة واقعة حيث كانت تلك الأسطورة هى غاية علمهم آنذاك ولم يعرفوا أنها أساطير, كالمقريزي، والكندي, وابن تغري بردي, وابن دقماق, والسيوطي, وياقوت, وابن إياس وغيرهم .
ولعلنا نتسأل كيف تمر ثلاثة شهور هي بؤنة وأبيب ومسري" والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً"!. إن ذلك لو كان حدث لكانت هناك كارثة تزول فيها الحياة تماماً ولا يبقي بعدها إنسان أو حيوان أو نبات, وكيف يرتفع النيل 16 ذراعاً ليلة واحدة !!. كما أن الفتح الإسلامي كان سنة 641 ميلادية وكان المصريون آنئذ قد اعتنقوا المسيحية وهي دين سماوي ولا يمكن أن يقبل أو يقر حكاية إلقاء عروسة بكر حية لتموت غريقة في النيل فالأديان السماوية الثلاث لا تقر ولا تعرف تقديم ضحية بشرية كقربان لله.
كما أن الثابت تاريخياَ عن المصريين القدماء؛ أنه لم يعرف عن تاريخهم المعروف والمدون أنهم كانوا يقدمون ضحية بشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه لأنهم كانوا علي يقين من أن البشر هم الثروة الحقيقية لحضارتهم ووقودها الفاعل والدافع.
فالثقافة المصرية وما أنتجته من العادات والتقاليد، عبرت عن نفسها في عدد من الأعياد والاحتفالات التي اهتم المصريون بإحيائها والاحتفال بها، ومن الطبيعي أن عدداً من هذه الأعياد كان يتمثل بعقائد المصريين ودياناتهم، بل هناك من الأعياد ما كان يأخذ شكل الاحتفال القومي، وذلك لارتباطه بحياة المصريين جميعاً مثل الاحتفال بوفاء النيل الذي ارتبط بالتراث المصري القديم .
ومن الأعياد التي كان المصريون يحتفلون بها قبل الإسلام وبعده عيد " الغطاس" إذ يقول المسعودي عن احتفالات المصريين بذلك العيد: " ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام الناس فيها, وهي ليلة إحدى عشرة تمضي من طوبه، وستة من كانون الثاني، ويصف المسعودي ما ارتبط بهذا العيد من اعتقادات خرافية بقوله:" وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً ولا تغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ من الداء".
فقد كان المصريون يحتفلون بـ " ليلة الغطاس" مسيحيون ومسلمون يتجمعون علي شاطئ النيل ويشعلون المشاعل والشموع يأكلون ويشربون ويمرحون ويغطسون في ماء النيل حتى يبرؤا من كل داء- بحسب اعتقادهم - وهو اعتقاد مرتبط بالتراث المصري القديم الأمر الذي يؤكد صدق تواصل أجيال الشعب المصري وامتداد المعتقدات والممارسات الشعبية المصرية التي تبرز القسمات الواضحة للشخصية المصرية.
وربما كانت كثرة الاحتفالات والأعياد المصرية وراء تلك الملاحظة التي سجلها أحد الرحالة بقوله " أصل كثرة السرور والأفراح بمصر ناشئ عن كونها إقليماً أخر لأن طبع مصر" زهري" فلذا يميل أهلها إلي الموسيقي والغناء واللهو واللعب، ثم أن شعبها الكبير العدد كثير المال مما يساعده علي الإنفاق في الطرب والذوق والصفا" ويقال أن بين مباهج الأعياد , ومباهج بعض أعياد الفراعنة قرابة وصلة و ومن تلك الأعياد عيد بوباسطيس(تل بسطة بالزقازيق ) وقد وصف لنا هيرودوت كيف أن الرجال والنساء كانوا يركبون قوارب تسير بهم في النيل , وهم يرقصون ويغنون , ويسرفون في تناول الطعام والشراب .
هذه الاحتفالات التي كانت سمة بارزة من سمات الحياة الاجتماعية المصرية كانت تعبيراً عن ثقافة شعب متجانس تكشف عن أن المجتمع المصري عاش حياته الاجتماعية بالشكل الذي يوافق موروثه الثقافي الموغل في أعماق الزمن , والذي يحمل العديد من الممارسات التي تداخل فيها الموروث الشعبي بكل ما يحمله من أساطير ورموز وحكايات وأشعار وخير مثال لذلك، احتفالهم ( بسبت النور) .
حيث :"أعتاد أهل مصر علي أن يتكحلوا اعتقاداً أن من يتكحل في ذلك اليوم يقوي بصره، وأن من يشرب الدواء في هذا اليوم أيضا يكون ذا فائدة عظيمة في الشفاء، كذلك يخرج إلي شاطئ النيل من يعاني من أمراض جلدية ويدهنون أجسامهم بالكبريت ويستلقون طوال اليوم تحت أشعة الشمس" ويهمنا أن نلاحظ تلك الصلة بين المعتقد الشعبي والعادات الجارية . وإذا كان قد نسى هذا المعتقد إلا أننا نستطيع أن نتعرف عليه من هذه العادات ذاتها, فعادة الاستحمام وتدليك الجسم بالكبريت فتذكرنا بالمعتقدات الخاصة بشفاء أيوب في بلواه.
وأما أيوب نفسه , الذي تحول في القصص الشعري الغنائي الشعبي ؛ إلى إنموذج لصفة الصبر , فنحن نعرف قصته الأصلية الواردة في سفر التكوين (الإصحاح الأول إلى الإصحاح الثاني والأربعين من سفر التكوين) وكيف كان رجلاً على قدر كبير من التقوى ووفرة المال وطيب النفس , ثم امتحنه ربه في ماله فصبر , وامتحنه في جسمه "وضرب أيوب بقرح ردئ في باطن قدمه إلى هامته , فأخذ أيوب لنفسه شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد فقالت له إمرأته :أنت متمسك بعد بكمالك بارك الله وموت فقال لها أألخير نقبله من عند الله والشر لانقبل" وتنتهي القصة المقدسة بأن "بارك الله آخرة أيوب أكثر من أولاده" وضاعف له الراحة ومد في عمره عشرة سنين ومائة ورأى أربعة أجيال من ذريته , وماله يزيد ويثرو. ويعزو الذهن الشعبي إلى أيوب أنه دهن جسمه بدهان معين فشفى. ,أما عادة الاكتحال , في تلك الفترة التي يقع فيها شم النسيم , فتتصل باتقاء أمراض العين ( الرمد) الذي كان كثيراً ما يصيب الناس عند انقلاب الجو وتكاثر الذباب , وأتربة الخماسين .وهو الأمر الذي لاحظه الرحالة چوزيف بتس بقوله:"الناس هنا ذوو عيون متقرحة وسيقان متورمة".
كما اعتاد المصريون علي شراء السلاحف اعتقاداً منهم أنها تطرد الشياطين من البيت الذي تكون فيه .كما اعتقدوا أن المرء:"إذا علق منقار الغراب على إنسان حفظ من العين وإذا غمس الغراب الأسود جميعه في الخل بريشه وطلى به الشعر سوده.. وإذا صر في خرقة وعلق على الصبي الذي لم يبلغ الحلم نفعه من السعال المزمن وقطعه ".
أضف لتلك الممارسات والعادات حرص الناس علي تخصيص أيام معلومة لزيارة الأولياء والتبرك بهم:"فجعلوا يوم الخميس والجمعة للقرافة ولزيارة الإمام الشافعي " . وأورد المقريزي حكاية عجيبة عن القرافة (أي مدافن القاهرة) نصها : " وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ظهر شيء يقال له القطرية تنزل من جبل المقطم فاختطفت جماعة من أولاد سكانها ,حتى رحل أكثرهم خوفاً منها، وكان شخص من أهل كبارة مصر يعرف بحميد الفوال، خرج من أطفيح علي حماره, فلما وصل حلوان عشاء رأي امرأة جالسة علي الطريق فشكت إليه ضعفاً وعجزاً, فحملها خلفه, فلم يشعر بالحمار إلا وقد سقط, فنظر إلي المرأة فإذا بها أخرجت جوف الحمار بمخالبها. ففر وهو يعدو إلي والي مصر، وذكر له الخبر فخرج بجماعته إلي الموضع فوجد الدابة قد أكل جوفها ثم صارت تتبع الموتي بالقرافة وتنبش قبورهم وتأكل أجوافهم وتتركهم مطروحين فامتنع الناس من الدفن في القرافة زمناً حتى انقطعت تلك الصورة". أضف لهذه الحكاية العديد من الخرافات والتي شاعت ولا تزال في المجتمع المصري عن عالم القبور والموتى فيذكر الإسحاقي:"أن رجلاً من البهنسا أخبرني شفاهاً أن بها شخصاً مشهوراً بابن الميتة قال وذلك أن أمه ماتت وهي حامل به فلما مضي مدة من دفنها ماتت امرأة من أقاربها ففتحوا قبرها لدفن تلك الميتة فأحس الحفار بشئ يدور حول الميتة. فطلع الحفار وهو مرعوب وأخبر من حضر بما شاهده في القبر فظنوه وحشاً, ثم أوقدوا ناراً وأشرفوا على داخل القبر, فوجدوا ولداً معلقاً بالميتة ملتقماً ثديها, وقد أجرى الله فيه اللبن؛ لرضاعه فأخذ الحفار الولد, وضمه إلى صدره وعصب عينيه؛ خوفاً من مفاجأة النور. وأطلعه من القبر وعاش, وتزوج ورزق الأولاد ". وهذه القصة التي أوردناها عن القرافة مثال جيد علي نوعية قصص الرعب التي كان أهل مصر يتداولونها حول المقابر والرهبة التي أحاطت بالموتى والقبور، وهي تذكرنا بتلك القصص المرعبة التي سمعناها كثيراً في طفولتنا عن النداهة والعفاريت والمارد، بيد أن أهم ما تدل عليه هو مدي سيطرة الخيال والخرافة علي حكي القصص آنذاك.
المجتمع المصري يتصف بلزوجة في عناصره وقضاياه وهمومه وآماله وآلامه لتتشكل كل هذه المقادير في إناء واحد هو "الشخصية المصرية". تلك المعزوفة الإنسانية التي التقت فيها نغمات شتى من مكان , وزمان بين إيجاب وسلب. لتخرج لحناً خاصا هو الإنسان المصري الذي عاش مئات القرون على هذه الأرض, التي تركت سماتها في مكونه الإنساني , وأكسبته مرارة الأيام , والسنين وتواليها سمات وخبرات خاصة ,أضفت على الشخصية المصرية مكوناتها( ) ولزوجتها التي تأتى عفوية في سياق النسيج الاجتماعي المصري اليومي.
لكن لماذا هذه اللزوجة في السوسيولوچيا المصرية؟
إنها تأتى منسجمة مع التركيبة النفسية للشخصية المصرية، فالإنسان المصري يتمتع بين الشخصيات العربية الأخرى بأعلى معدل من الرفاهة والعاطفة التي تجعله سريع التقلب بين الغضب والرضا والمدح والذم والضحك والبكاء والخشوع و الفرفشة.
ولأنه كذلك فإن اللزوجة الوجدانية في مكونات الشخصية المصرية هي أسهل الأساليب لسرعة التحول من الغضب إلى الرضا , حيث ليس ثمة فارق صلب بين هذين الشعورين يستدعى بذل جهد كبير للتحول من أحدهما إلى الآخر كما تفعل الشعوب الأخرى( ).
تلك اللزوجة المصرية التي كانت نتيجة ذاكرة تراكمية, تاريخية, وشعبية. فإذا كان الإنسان في فترة حياته المحدودة يحوى في أعماقه ذاكرة إنسانية لكل تجاربه وخبراته , وينتقل من فترة زمنية إلى أخرى, من طفولة إلى شباب وشيخوخة كل مرحلة تستقر في بؤرة تفكيره قد يتغير منظوره الفكري وأيدلوچيته. فقد ينتقل من اليسار إلى اليمين مع تقدمه في السن. أو يمزج بينهما في تناقص مألوف ولكن تظل تجاربه الفكرية السابقة في بؤرة ذاكرته الحضارية الدافعة والناهضة، والأمر نفسه بالنسبة للمكون الإنساني لشخصية الشعب، فهناك تجارب إنسانية عديدة ومكونات قد تمتزج وتتوارى في الأعماق، ولكنها لا تمحى وتظل في المكون الإنساني, وقد تتوارى خلف المكون اللزج الجديد ويعد ذلك تواصلا وليس انقطاعاً إنسانياً بين الحقب الزمنية التي كانت شاهدة على تغير وامتزاج تاريخي وفكري وديني وأسطوري واضح نلمسه فيما ورثته مصر من العادات والتقاليد والأعراف والأفكار التي تعبر عن وجدانها في شتى عصورها ومعتقداتها في الحياة. مثل بعض العادات التي انطبع وقع حوافرها بقوة في الذاكرة الشعبية للمصريين، كعادة تلقين الميت، وسعف النخيل، وليلة الخامس عشر، والأربعين، كلها عادات مصرية قديمة ظلت متغلغلة في المعتقد المصري إلى الآن( ) شيوعاً ورسوخاً ليكشف عن المدى الواسع الذي تنتشر فيه تلك المعتقدات وعن التأثير العميق الذي تحدثه في حياة الناس( ) ولا غرو في ذلك فالمعتقد هو الفاعل الأصلي في التاريخ( ).
وقد عُرف عن المصريين أصالة الصلة بينهم وبين المعتقدات الشعبية شديدة اللزوجة فى التناقض ولا عجب فعندهم أن "إللى يعتقد فى حجر ينفعو"( ) مما يوحى لدينا أنه يمكن التعايش بين أكثر من نمط فكرى فالشخصية المصرية تتعايش فيها سمات بعضها يرتبط بالماضي وبعضها يرتبط بالحاضر( ) وفقا لمبدأ التعدد في أنماط الأفكار والمعتقدات مما يؤكد على تعايش السمات الثقافية المتناقضة في وجدان الإنسان المصري المتسم باللزوجة الوجدانية وانصهارها وهو سر تميز الشخصية المصرية عن غيرها وهو ما نتلمسه في سياق كتابات الرحالة والمؤرخين الذين زاروا مصر أو كتبوا عنها .
فالمصريان المتخاصمان إنك لن تلبث كثيراً حتى تراهما يرتشفان الشاي معاً بصحبة آخر نكتة!! ومرد ذلك هو الحاجز المصري اللزج بين الصداقة والخصومة وهو ما لم يستطع الرحالة العبدري – في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي – أن يدرك أبعاده حينما سمع مصرياً فى قافلة الحج : "ينادى رفيقه فى الركب فلما أتاه لعنه ولعن أباه وقابله الآخر بمثل ذلك وتهارشا زمانا ثم قعدا يأكلان!! ..." ( ) لهذا فإن المصري قد يكون صديقا لكي مدى الحياة – رغم بعض الخصومات الطارئة – لكنه لا يمكن أن يكون عدوا لك مدى الحياة وكلمة السر عنده هي "الابتسامة": "فهم يفهمون الإنسان الذي يتصادق بابتسامة لطيفة"( ).
كما أنه يتسم بالتصلب النسبي ولا يقبل التغير السريع ويتمسك بالأرض ويتسم تفكيره بالتدين الشديد بل إن المصري – في رأى هيرودوت – يزيد كثيرا عن سائر الناس في التقوى وأنه أول من أوقف للآلهة الهياكل والتماثيل والمعابد( ) وهو نفسه الإنسان الذي يؤمن بالقدرية ورغم ذلك فهو : "أكثر الناس استعمالا لأحكام النجوم وتصديقا لها وتعويلا عليها وشغفاً بها وسكونا إليها حتى إنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلى أن لا يتحرك واحد منهم حركة من الحركات الجزئية التي لا تحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها ولا تضبط جهاتها ولا تقيد غاياتها ولا تقدر أساليبها ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها ونصب يعتمدونها( ) وطبعا هناك اختلاف بين المتعلم وغير المتعلم على الأقل في مجال تصديق الخرافات وتحميل الجن وعين الحسود وأعمال السحر فوق ما تطيق في امتزاج ولزوجة مع الدين فى تناقض عجيب أدهش أبا الصلت أمية – القرن الخامس الهجري – الذي ذكر أنه شاهد "رجلا من الوقادين فى أتون الحمام يسأل رزق الله المذكور عن ساعة حميدة لقص أظافره فتعجبت من سمو همته على خساسة قدره ووضاعة مهنته ... "( ).
ولقد كان إدوارد لين محقا حينما قال: "هؤلاء المصريون الذين يقحمون الدين في أحاديثهم العادية بإخلاص وحسن نية هم أنفسهم الذين قال الكاتب نفسه عنهم: "وكثيراً ما يسمع فى المجتمع المصري العبارات الدينية تعترض الحديث في الأمور الحقيرة والخليعة أيضا، وقد يكون ذلك أحيانا بطريقة تحمل من يجهل أخلاق هذا الشعب على أنه يظنه هزءا بالدين. ويكرر المصريون اسم الله في كثير من أغانيهم الماجنة من غير قصد للإهانة طبعا وإنما يفعلون ذلك لاعتيادهم إقحام اسم الله فى كل ما يدعو إلى الدهشة أو العجب فيعبر الماجن عن انفعاله بالجمال عند رؤيته فتاة فاتنة بقوله أثناء كلامه الفاحش تبارك الذي خلقك يا بدر".
ولقد ركز هذا التناقض الواضح فى تصرفات الناس المثل الذي يقول: "ساعة لقلبك وساعة لربك" أي إنك عندما تمارس الشعائر الدينية لا تنس أن تمتع نفسك وأيضا عندما تمارس لهوك لا تنس ربك( ) ومرد ذلك هو الفاصل المصري اللزج بين هذه وتلك والذى أثار انتباه (وينفريد بلاكمان) وقد دعاها إلى القول أن: "من الملاحظ أن معظم الصفات المتناقضة يمكن أن تجدها في إنسان واحد وبرغم كثرة الفقر والمرض وقلة وسائل التسلية التي تقضى على رتابة حياة الفلاح المصري نجد أنه إنسان مستبشر وراض بصورة تدعو للدهشة والفلاحون المصريون سريعوا الفهم وحاضرو البديهة ويحبون النكتة حتى وإن كانت تسخر منهم وعادة ما يتمتع الفلاح المصري بذاكرة قوية وقلب طيب وروح مرحة وكرم ضيافة يضاف إلى ذلك حبه للعمل وهو فى الوقت نفسه ذو عاطفة جياشة شديد الحساسية ويتسم بالجهل كما أنه فى أغلب الأحيان يعجز عن السيطرة على نفسه ..." ( ).
والمصري هو الأقدر على الإضحاك وهو أيضا الأقدر على الإبكاء وتقلب المزاج بين الحزن المفرط والفكاهة المفرطة( ) والمصريون يضحكون من كل ما يحسون فيه مخالفة للمألوف ويضحكون من الهجاء والسباب والشتم ويضحكون من النوادر والنكت والمزاح ثم هم يضحكون ضحك ازدراء أو ضحك إعجاب أو ضحك سخرية أو ضحك هزل أو ضحك انتصار أو ضحك عطف أو تشفى. فصور الضحك والإضحاك ومنابعها كثيرة والأمم تختلف في إنتاجها وقدرتها على تذوق ضروبها المختلفة والمصريون من أكثر الأمم ميلا إلى الفكاهة والضحك ومن هنا كان أدبهم غنيا بألوانها وخاصة ما اتصل بالنكت وخفة الدم والروح( ) والكتابات التاريخية كانت شاهدة على أن المصري يضحك حتى لا يموت من الغم.
وعلى الرغم مما شهدته الشخصية المصرية من محن وشدائد عديدة صهرتها محنة الحروب الصليبية فقد خرجت منها ومن المحنة المغولية غير فاقدة لقدرتها على المرح والتفاؤل وعشق الحياة فالمصريون لم ينسوا طبعهم أثناء الحروب الصليبية بل لقد خلف لنا هذا العصر طرفة فكاهية مشهور هى "كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش"( ) هذا الكتاب أقدم الكتب الفكهة فى تاريخ مصر فى العصر الإسلامي ألفه الأسعد بن مماتى صاحب ديوان الجيش والمال لعهد صلاح الدين الأيوبي وقد عرف ابن مماتى كيف يحيل قراقوش إلى شخصية هزلية وقد أضافت العصور التالية إلى هذه الشخصية خطوطا وألوانا أخرى إذ نسب المصريون بروح الدعابة التي يمتازون بها إلى تلك الشخصية كثيرا من القصص المضحكة وأصبحت شخصية قراقوش شخصية رمزية لكل حاكم طاغية على مصر فكان المصريون طوال الحكم التركى فى عصر المماليك وبعده يقصون نوادره ويضيفون إليها نوارد جديدة( ) استرسلت فيها قريحتهم التى وصفها ابن بطوطة بقوله : "وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو .. "( ).
ويشير البعض إلى أن: "أصل كثرة السرور والأفراح بمصر فناشئ عن كونها إقليما آخر.. فأهلها يشرعون في الشجار لأتفه الأسباب وذلك لأن طبع مصر "زهري" فلذا يميل شعبها إلى الموسيقى والغناء واللهو واللعب. ثم إن شعبها الكبير العدد كثير المال الذي يساعده على الإنفاق في الطرب والذوق والصفا ... "( ).
: "وكذلك كثر طرب نفوس أهلها وفرحهم ورغبتهم في مداومة اللذات واستماع الأغاني ومواصلة المسرات والرغبة في الراحة وطرح كل يوجب التعب والمشقة والحب للنقش والصورة والرقم والتلوين بالأصباغ وعلى قلة الضجر فى السفر وترك المخالفة لمن يصاحبون وكثرة المبالغة لمن يألفون وحسن المؤازرة لمن يستخدمهم ..." ( ) فيقبلون عليك بالبشر والترحيب ... وبشاشة المحب عند لقاء الحبيب"( ).
وما يعرفه الناس عن خفة ظل المصري فيه الكثير من الصحة ولكنه في الوقت نفسه ضرورة للتفريج عن نفسه ولذلك فإنها وسيلته للقضاء على الشعور بالقهر والضيق واليأس والمرض وهو ما أشاد به (صاحب الرسالة المصرية) برغم حنقه الشديد من مصر وأهلها إلا أنه لم يستطع أن يخفى قسمات وجه وهو يبتسم من: "ظريف ما سمعه أنه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى الأطباء فيدخل على المريض فيحكى له حكاياته مضحكة وخرافات مسلية ويخرج له وجوها مضحكة وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا وعليه قديرا فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوته تركه وانصرف فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ أو يكون منه ما شاء الله ..." وقد دعى أبوالصلت أمية إلى ضرورة العمل بهذا الاختراع المصري خفيف الظل وتعميمه فى كافة أساليب العلاج بقوله: "فليت أطباء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرة فيه ولا غائلة له بل أمره على العليل هين ونفعه ظاهر بين كيف لا وهو ينشط النفس ويبسط الحرارة الغريزية ويقوى القوى الطبيعية ويقوى البدن على دفع الأخلاط الردية المؤذية والفضول مع الاستظهار بحفظ الأصول".( ) مما يدفع بالمرء أن: "يتعجب كثيراً من جدهم ومرحهم"( ).
ولكن خفة الظل هذه قد تصبح داء يعجز المصرى معه أن يقول جملة دون تعليق ساخر أو ضاحك بحيث يصاب محدثه إما بنوبة ضحك لا تنقطع وإما بالضيق الشديد إذا لم يكن من المعجبين بهذا النوع من "القافية" كشكل من أشكال الفكاهة يختلف عن النكتة والتي تتطلب قدرة ومران( ) قلما تجدها إلا عند المصريين بما فيهم: "من نزعة إلى السرور واندفاع فطرى إلى المزاح والمطايبة على وجه ينم على الذكاء وحضور الذهن وسرعن الخاطر"( ) والتي أشار إليها الدهلوي وما تعرض له من (قافية) في مصر أغضبته فيروى أنه عندما ذهبت إلى الحمام بالقاهرة و: "خلعت ملابسي ولففت إزاري ونزلت إلى أسفل فوجدت عددا من المصريين العرايا أجسامهم ضخمة وبنيانهم قوى شاهدوا جسدي النحيل فأخذوا يدعون بصوت عال أن ينجيني الله من مرض الهزال الذي أعانى منه فتأذيت كثيرا من كلامهم هذا ..." ( ).
فالقافية التي تأذى منها الرحالة الدهلوي تعد واحدة من الأساليب المختلفة للمصري في التنكيت والسخرية وتعتمد على المبارزة الكلامية باللعب على الكلمات والمعاني وإن كان لا يقصد منها سوى الممازحة وقد شهد الرحالة الأندلسي ابن سعيد (المتوفى 685هـ) على الحاجز المصري اللزج بين الممازحة والمكر بقوله: :" لم أر فى أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط فهم فى نهاية من اللطافة واللين فى الكلام وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة برعاية قدر الصحبة وكثرة الممازحة والألفة ما يطول ذكره"( ).
والمصري هو الأكثر موعظة ودموعا فهو يبكى فى لحظات الحزن وكذلك فى لحظات الفرح الشديد ويهرع لتلبية أية دعوة للمشاركة فى الحزن ويبكى على راحل ليس من الأهل أو الأصدقاء ويعتقد أن الاشتراك فى تشييع راحل لا يعرفه هو عمل من أعمال الخير، له ثواب عظيم، والظهور بمظهر الإنسانية المتعاطفة مع الإنسان لوجه الله وتأكيد الإيمان بقبول الحكمة الإلهية المتمثلة فى الموت والرضوخ الكامل لها. وعبارة "اللهم اجعله خيرا" التي ينهى بها المصريون ضحكاتهم أو أي تعبر آخر عن الفرح، تدل على أنهم يخشون الفرح بأشد مما يخشون الحزن( ).
وتاريخ المصري على مر آلاف السنين هو سجل حافل بجرائم الحكام والساسة ومفهم بالمعاناة الطويلة والحرمان القاسى وتقلب الغزوات والأجانب عليه بعد عزته فى التاريخ المصرى القديم ولذلك أضحى المصري أشبه يشيخ هرم، مكسور الخاطر أو عزيز قوم ذل. والإحساس المستمر العميق بالظلم لابد أن يفتح منابع الحزن والكآبة سواء فى الفرد خاصة أو الشعب بصفة عامة( ).
وبرغم بشاشة المصرى وعشقه لألوان الحياة إلا أن هذا لا ينفى أن مظاهر الحزن غلفت حياته ذلك أن التعبير الحقيقى عن الوجدان هو البكاء وليس الضحك وقد أحس الرحالة ابن جبير – فى القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي – بروح الحزن التي مست شغاف قلبه لما شاهده من تمسح الناس بقبر رأس الحسين: ".... وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه ببركة التربة المقدسة ومتضرعين بما يذيب الأكباد ويصدع الجماد.."( ) ويصف الرحالة السبتي (ت730هـ) احتفاء أهل مصر بالحجيج على طريقتهم الخاصة بقوله : "... واندفع جماعة من القراء بين يديه يتلون قوله تبارك وتعالى : "الحج أشهر معلومات" الآيات وجعلوا يكررونها بأصوات حسنة ويرددونها بالتلاحين العجيبة متراسلين على عادتهم فى هذه البلاد المشرقية ونمقوا أصواتهم بذلك أى تنميق وأجروا الدموع على الخدود وشوقوا إلى الحرم الشريف أى تشويق .." ( ).
المهم أن العنصر المصري الذى مازال كامنا فى قلب من يسكن فى أرض الكنانة هو الذى تدمع عيناه كلما حان وقت الفراق أو الرحيل نجده قد: "فاضت الدموع ولحق الخشوع"( ).
والشخصية المصرية تعانى من اللزوجة فى ازدواجيتها التى تتبدى فى جوانب عديدة كالتناقض بين الإنشاء والأخبار وبين القول والعمل وبين الداخل والخارج( ) وتسترسل الأمثال الشعبية فى ذلك موردة لتلك اللزوجة المتناقضة فى أحوال وسلوك المصرى فتقول: "أقرع ونزهى" أو "غشيم ومتعافى" و "زى الطبل صوت عالى وجوف خالى"( ) وقد أطال الحديث عن مثل هذه النوعية من البشر صاحب (الرسالة المصرية) وأفاض عنهم فى قوله: "وأما الطائفة المقلدة التى حظها من المعارف القشور دون اللبوب والظواهر دون البواطن والأشباح دون الأرواح فأمثل من بها منهم الآن رجل يعرف برزق الله النحاس فإن له فى فروع هذه الصناعة بعض دربه وتجربة وبتجريباتها وبجزيئاتها بعض خبرة وهو أكبر المنجمين بها وكبيرهم الذي علمهم وأميرهم الذى يلوذون به وكبيرهم الذي علمهم السحر فجميعهم إليه منسوب وفى جريدته مكتوب وبفضله معترف ومن بحره مغترق وهو شيخ مطبوع بتطايب وبتخالع .." ( ) وتحدث عن آخر بقوله: "وكان مثله فى عظم دعاويه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقوله الشاعر:
يشمر للج عن ساقه ويغمره الموج فى الساحل( )
وتسترسل الأمثال فى السخرية ممن ينهون ويتكبرون غير مدركين لقيمتهم الحقيقة موردة تلك اللزوجة المتناقضة فى أحوال وسلوك المصري والذي تراه أحيانا (من بره هللا هللا ومن جوه يعلم الله) وهذا يعكس اهتمام المصرى بالقيمة أكثر من اهتمامه بالشكل أو القشور( ) ولا يتوانى المصري فى توجيه أشد أنواع السخرية وأكثرها اقترابا من الفكاهة لمثل تلك النوعيات التى تراها من (بره رخام ومن جوه سخام) أو تلك الفئة التى تعامل معها الرحالة (الدهلوى) فى مصر والتى يقال عنها: "بعد المعركة ينتفخ المفش" أو "طلع طلع ونزل على فاشوش"( ) فيقول عنهم الدهلوى: "... وإذا حدث واضطررت إلى التعامل معهم فلا تخش أجسامهم الضخمة وهيئتهم المخيفة فهم جبناء ضعاف الهمة كما أنهم يتصفون بالدناءة فإذا ما هددتهم مرة واحدة هربوا على الفور من المواجهة... وقمت أنا أيضا بتعنيفه وأمام جمع غفير من الناس وقضنا بأجسامنا الضعيفة وظللنا واقفين وإذا به يمد يديه طالبا العفو قائلا: دعونى أذهب، ثم أخذ يسب ويشتم وهو يغادر .. "( ) "فهم ذوو لسان سليط كالدعرات لكنهم قلما يهتمون بالدخول فى معارك وإن حدث فإنهم يضربون بأكفهم (يصفعون) وليس بقبضاتهم"( ) و (قلما ينقلب الشجار بين المصريين من التنابذ بالقول إلى التضارب بالأيدي بل أنه سرعان ما تهدأ النفوس وتسكن ثورة الغضب فيها بعد تنازل أحد الخصمين عن حقه بقوله للآخر "الحق على")( ).
والمصري الذي يتسم بطيب النفس: "وبالهدوء والرقة والوداعة قد يرتكب جريمة وحشية فى لحظة .. فقد قتل رجل جاره بطريقة فظيعة لأنه سرق بضع بصلات من حقله وبعد لحظه من ارتكابه لجريمته كان يبكى فوق جثة ضحيته"( ).
وهكذا فالمصري تجده غير مدرك للعواقب ولعل أخطر ما يؤخذ عليه وعلى سخريته حيال الأزمات العنيفة وسخريته من ذاته أنه يكتفى بالسخرية من الشئ أو الشخص أو الأزمة ويضحك ملئ شدقيه ولسان حاله يقول: "شر البلية ما يضحك" ويكتفى بذلك وكأن السخرية قد حلت الأزمة أو غيرت الأمور من حال إلى حال غير مدرك أن السخرية ليست وسيلة تغيير ولا طريقا إلى حياة أفضل وذلك يعنى أنه شخصية غير مدركة للعواقب والغريب أن هذا هو دأب الإنسان المصري منذ قرون بعيدة( ) فقد لاحظ الرحالة عبد الرحمن بن خلدون ذلك منذ ارتحاله لمصر وقال: عن أهلها مصر :" كأنما انطلق (فرغ) أهله من الحساب"( ) أى كأنهم تجاوزوا كل ما هو جاد. وعلق المقريزي على ذلك بقوله: "... وقال شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى: "أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب"( ) وذهب المقريزي إلى أبعد من هذا بقوله: "ومن أخلاق أهل مصر الأعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان .. ومن أخلاقهم الانهماك في الشهوات والإمعان من المملاة وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة ..." ( ) فهذا المصري البسيط والماكر فى آن معا تجده أحيانا "يخاف ولا يختشيش" على حد لسان حال الأمير رودلف حين ذكر أنه: "كان عدد كبير من الفلاحين البؤساء يلبسون ألبسه متواضعة – رغم أن لبعضهم منظرا يوحى بالقوة – يعملون تحت إشراف خولي يلبس عباءة طويلة ويحمل فى يده كرباجا من جلد وحيد القرن وقد تقدم منى هذا الخولي بزهو وتحدث طويلا وهو يومئ كثيرا أثناء الكلام وقد فهمت بعد أنه يرغب منا مغادرة الأرض ولما رأيت أنه يرفع صوته أكثر من اللازم ويحرك يده بعنف استدعيت عثمان الخادم الأسود ... ولما رأى هذا الشرقي الفاضل الخولي البزة المميزة لخادم القنصل انخفض صوته وتراجعت نبراته وانسحب سريعا خوفا من خطر يحيق به واختبأ داخل أعواد القصب الكثيفة"( ). وكأن لسان حال الخولي "اللى ما يعرفك يجهلك". ورغم هذا التناقض الظاهر فى الموقفين أي الاعتزاز البالغ بالنفس مقابل الإكبار والتبجيل من قدر الآخر والخوف منه فإن المصري صدره كبير ويتسع لذلك وأكثر وشعوره فى قرارة نفسه بالعلو لا يمنعه من منح الآخر فى الاحترام( ).
والمصري (قلبه أبيض) لا يحمل الضغينة لأحد يغضب ويزيد ويصرخ كما رأينا ثم تقول له (صلى على النبي) فتنزل به الصلاة على النبي من قمة غضبه لتجعله إنسانا متسامحا يغفر لخصمه: "ويتفق أحيانا أن يتداخل بين الخصمين ثالث ويجعل تمهيده للمقابلة قوله: "اللهم صلى على سيدنا محمد" فيكرر الخصمان هذه العبارة بصوت خافت ثم يقرأن فى سرهما ما تيسر من القرآن ويستأنفان روابط الود القديم بعد أن يتعانقا تعانق الوئام والوداد..."( ).
والمصري يحب لهجته. وكثيرا ما لا يكون مستعدا لفهم غيرها وإذا أراد أن يتحدث لهجة عربية أخرى أصبح كوميديا وفى حين لا يتقن المصري اللهجات العربية الأخرى ويصر على نطق حرف الجيم بصورة مختلفة (دون تعطيش الحرف) والقاف (ألفا) وغير ذلك مما هو معروف عن هذه اللهجة فإنه يرى تحدث الآخرين باللهجة المصرية أمرا بديهيا( ) وليس كوميديا يثير الضحك كما فعل الرحالة العبدري – فى القرن السابع الهجري – فى سياق تهكمه على المصريين بقوله: "واللكنة فيهم فاشية وجمهورهم يجعل القاف والكاف همزة وقد سمعت شخصا منهم فى التلبية يقول: "لبيك اللهم لبيك ويجعل كافاتها كلها همزات فلو سمعته سمعت كلاما مضحكا ..." ( ).
وقد تأسف (الرحالة الهندى النعماني) لما وصلت إليه حال اللغة العربية أمام العامية المصرية غير مدرك إلى أنه لم يجد المتكلمون بالعربية مقرا لهم من أن يخلقوا – إلى جانب الفصح – لغات عامية يباشرون بها شئون حياتهم اليومية( ) فيقول: "إن اللغة العربية المعاصرة مختلفة إلى حد ما عن اللغة العربية القديمة لدرجة أن أي عالم كبير من الهند لو سافر إلى مصر والشام فإنه سيستغرق فى فهم اللغة هناك نفس الوقت الذي يستغرقه أحد العوام تقريبا"( ).
ويشير الرحالة إلى أن أهل مصر: "يختصرون كثيرا من الكلمات إلى حد لا يستطيع الذهن أن يتجه ناحية الكلمات الأصلية ما دام لم يذكرها شخص ما ... يزيدون بعض الحروف فى بداية الكلمات أو فى آخرها والتى بها يتغير شكل الكلمة تماما ... وفى مصر يزيدون حرف (ش) فى نهاية الكلمات مثل (ياخدش) بدلا من (يأخذ) هناك فساد كبير فى نطق الحروف بل يجب القول إن جميع خصائص نطق اللغة العربية قد محيت، فهم يتحدثون بالهمزة بدلا من العين والدال بدلا من الذال والكاف الفارسية بدلا من الجيم والهمزة بدلا من القاف ولا ينطق بهذه العوام والجهلاء فقط بل إن العلماء والأشراف أيضا يؤدونها هكذا بهذه الحروف، سألت طالبا فى مصر ذات مرة من أين جئت؟ قال جاى من الجمعة أى جئت من مسجد الجمعة"( ) غير أن أحد المولعين بمصر رأى أن اللهجة المصرية هى أحد مصادر النكتة: "لاسيما وأن اللهجة التى بها يتفاهمون تساعد على التورية والجناس والتحريف والتصحيف والكتابة إلى غير ذلك مما ينمقون به الحديث ويكسبونه من الطلاوة ما يرتفع له حجاب السمع وتشتاق له النفس..."( ).
وهذا مؤرخ مصرى هو الأدفوى يدرك الناظر إلى كتابه فى التراجم الموسوم "بالطالع السعيد" الطابع المصري الأصيل فهو يحكى القصص ويسوق الأقوال بأسلوب لهجته المصرية أكثر من عربيته( ) فيقول فى ترجمة على بن عبدالرحيم بن الأثير: "ثم بلغه ما اقتضى عزله من تلك الجهة فتوجه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فتكلم شيخنا قاضى القضاه فى المجلس بكلام فشق عليه [وعيط ]عليه ..." ( ).
أما المصنف الموسوم بـ "الإعلام والتبيين فى خروج الفرنج الملاعين على ديار المسلمين" فقد كان على العموم ابن عصره تشيع فى كتابته الأخطاء النحوية ويكتب باللهجة العامية بحيث يقول مثلا: "وفى هذه السنة هجمت (هجم) الفرنج على دمياط وأخذوها بلا طعنة ولا ضربة .. فعضب وشنق من أعيانا ستين نفسا فقالوا: إيه ذنبنا إذا كان عسكرنا هربوا (هرب) فما نصنع نحن ففزع العسكر من السلطان وصطوته (وسطوته) وكان السلطان مريضا فأرادوا (فأراد) مماليكه قتله"( ).
وقد تذمر ابن الحاج فى "المدخل" من تلك اللهجة العامية بقوله: "فالذاكر منهم فى الغالب لا يقول (لا إله إلا الله) بل يقول (لا يلاه يلله) فيجعلون عوض الهمزة ياء وهى ألف قطع حتى جعلوها وصلا وإذا قالوا (سبحان الله) يمطونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه بحسب تلك النغمات والتوجيهات التى تشبه الغناء والهنوك التى اصطلحوا عليها) ( ).
ويقف المقريزي (القرن التاسع الهجري) شاهد عيان على تمسك المصري بلهجته. فيذكر: "أعلم أن ناحية أدرنكة هى من قرى النصارى الصعايدة ونصاراها أهل علم فى دينهم وتفاسيرهم فى اللسان القبطى ... والأغلب على نصارى هذه الأدبرى معرفة القبطى الصعيدى وهو أصل اللغة القبطية وبعدها اللغة القبطية البحرية ونساء نصارى الصعيد وأولادهم لا يكادون يتكلمون إلا بالقبطية الصعيدية"( ) ويشير (صفى الدين الحلى) (المتوفى 750هـ) إلى ما للهجة أهل مصر من مذاق وحلاوة ورقة فيقول: "ولسان المصريين يبدلون الضاد دالا"( ) إلا أن: "لعوامهم لغة لطيفة رقيقة مختصة بهم وظرافات رشيقة هى أحلى موقعا من اللفظ العربي والمغربي ... كحلاوة ألفاظ المغاربة والمصريين"( ).
والمصري يكره النقد لأي شئ يصنعه أو اعتاده. يمكن أن تقول له ما تشاء ولكن بدون توجيه نصح بصورة مباشرة ولا تفكر فى تعريفه بخطئه على الإطلاق بل يكون ذلك بتوضيح وجود إمكانات أخرى للوصول إلى حل للمعضلة وعندها يمكن أن تقول عكس ما يقول باعتباره بديلا لكلامه فيتقبله دون تردد( ) وهذا بعينه الخطأ الذي وقع فيه صاحب (الرسالة المصرية) – فى القرن الخامس الهجري – عندما دخل في مناظرات علمية وكلامية مع أهل مصر ولم يكن واقفا على طبيعة من تحدث معهم فى أمور العلم فيقول: "وجهدت كل الجهد على أن أجد من أهل هذه الصناعة من أستفيد منه وأستزيد بمذاكرته وأقدح خاطري بمفاوضته. فلم أجد غير قوم طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم وطمس إفهامهم وحال بين الحكمة وبينهم.... وقد تخلقوا بكثرة الخلاف وقلة الإنصاف ولزموا البهت والمعاندة والشغب والمكابرة ..." ( ).
ولعل الصفة الأخيرة من أهم صفات المصري وهو الاعتقاد الخاطئ بأنه وحده الموجود على خريطة العالم وأن الدينا حوله لا تساوى شيئا وأن مصر وحدها تعدل نصف العرب وعند هذا المصري شعور بأن حضارة القدماء المصريين تعطيه الحق لينظر للعالم من فوق هرم خوفو. شعور بأنه يستغنى عن العالم كله فعنده – حسب ظنه – الريادة فى كل مجال( ) وقد أنكر عليه الكثير من الرحالة كقول العبدرى – فى القرن السابع الهجرى – : "ومن الأمر المنكر عليهم والنكر المألوف لديهم تدارسهم لعلم الفضول وتشاغلهم بالمعقول عن المنقول فى إكبابهم على علم المنطق واعتقادهم أن من لا يحسنه لا يحسن أن ينطق .. "( ) وقول صاحب (الرسالة المصرية): "ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذى هو عندهم وحسب ..." ( ) وفى الوقت نفسه نجد المصرى يحب جدا النقاش بل والجدال إلى درجة الشجار: "فيرى الشيوخ منهم يتهارشون فى الطرقات ويقطعون بلعنة أسلافهم فسيح الأوقات"( ) وقد عانى ابن خلدون من الإرهاق بمناقشات وحجج وحجج مضادة مع المصريين بقوله: "فتتعارض الفتاوى وتتناقض ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم والخلاف فى المذاهب كثير والإنصاف متعذر ... فلا يكاد هذا المدد ينحسر ولا الشغب ينقطع"( ) وعند ذلك يصبح المصري محترف مكر ووشاية ويكره الوقوف فى آخر الصف بل لابد أن يجد وسيلة ليصبح فى المقدمة ومن هذه السمة عانى ابن خلدون بقوله: "وانطلقوا يراطنون (يكلمون) السفهاء فى النيل من عرض وسوء الأحدوثة عنى بمختلف الإفك وقول الزور يبثونه فى الناس ويدسون إلى السلطات التظلم منى..."( ) ويبدو أن المقريزي قد نال نصيبه من المكر والمراوغة فنجده فى تحليله للشخصية المصرية يشير إلى جغرافية المكان وتأثيرها على طباع وأزمة الناس فى مصر بقوله: "وأن هؤلاء وماءها رديئان" ويرى أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن: "وأبدانهم سخيفة سريعة التغير قليلة الصبر والجلد وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستمال والتنقل بين شئ إلى شئ والدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة فى العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكبد والسعى على السلطان وذم الناس"( ).
وما ذكره المقريزي عن ممالأة الحاكم فهو نتيجة لضغط وقهر إنساني من العديد من الدول التي تداولت الحكم وليس طبيعة مصرية خالصة فما دخل علينا من الخضوع أو ممالأة الحاكم السلبية ليست نتاجا لطبيعة أرض، بقدر ما هي تراكمات تاريخية من قهر لدول حاكمة تملك قوة السلام أمام شعب مسالم يؤثر السلامة ويكره لون الدم ولا يملك أمام السيف إلا الدعاء والشكوى أو الانفجار المفاجئ إذا وصل الأمر إلى مرحلة الموت قبل الموت( ).
والمصري (فهلوى) أى لا يعرف خطوطاً مستقيمة و تقف الحواجز أمامه عقبة كئود بل لابد من البحث عن ثغرة أو مخرج حتى ولو كلفته عناء أكبر من الانصياع لإرادة الآخرين وقلما نجد مصريا يقول (لا أعرف) فهو يجرب ويحاول ولا يفقد الأمل بسرعة ولكن إذا وصل إلى نقطة اليأس فإنه لا يعترف بعدم القدرة بل هناك ألف مبرر بشرط ألا يكون أحدها عدم المعرفة أو أنه خاض فى حقل لا يفهمهم فيه شيئا ودليل ذلك ما أورده أبوالصلت أمية بن عبد العزيز (المتوفى سنة 528هـ) عن رجل مصري يسمى رزق الله النخاس الذي قال عن نفسه: "سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها فى مسألة جملية تخصها فأخذت ارتفاع الشمس للوقت وحققت درجة الطالع والبيوت الأثنى عشر ومركز الكواكب ورسمت ذلك كله بين يدى فى تخت الحساب وجعلت أتكلم عن بيت بيت منها على العادة وأنا فى خلال ذلك أتحسس أمرها وهى ساكتة لا تنبس فوجمت لذلك وأدركتنى فترة عظيمة وألقت إلى درهما قال: فعاودت الكلام وقلت: أرى عليك قطعا فى بيت مالك وضياع فاحتفظى واحترزى! فقالت: الآن أصبت وصدقت قد كان والله ما ذكرت قلت: وهل ضاع لك شئ؟ قالت: نعم، الدرهم الذى ألقيته إليك! وتركتنى وانصرفت ..." ( ).
ويتمتع المصرى بقيم دينية داخلية لم تتغير تبعا لروح العصر بما فيها من أنانية وتجاهل لألم الآخرين وأوضح دليل على ذلك ما يراه الناس من خير وفير فى أيام وليالي رمضان. كما يذكر الكمدى عن عبد العزيز بن مروان أنه كان له ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره كما كانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل وهى مملؤة بالطعام تفرق على الفقراء والمساكين ومعها الخبز( ) فالمصريون ميالون بوجه عام إلى البر بالفقراء والإحسان عليهم لأن فى دينهم من التعاليم والمبادئ ما يجعل هذه الفضيلة فرضا واجب الاتباع( ).
فمازال فى قلب المصري شفقة بالفقير وحسن الظن بالناس يصدق سريعا كل ما يسمع ويحرص على صلة الرحم والبر بالوالدين والحنو على الأبناء لدرجة أنه: "قد حرص كل من الأب والأم على تجميل أطفالهم بالحلى والملابس الجميلة إذا كانا فى سعة من العيش"( ) وكان مشهدا معتادا أن يدخل المصري على أطفاله حاملا لهم "العلاليق" الحلوى التى على هيئة الخيول والسباع والقطط بحيث لا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده( ).
ونفس هذا المصري مستعد لأن يكون رمزاً للجحود والعقوق لا يبالى بأي شئ ولسان حاله يقول: " اللي يعرف أبويا يروح يقوله" ليضرب المثل السيئ فى العقوق حتى تظن للوهلة الأولى أن: "العقوق بينهم متعارف فكان معنا فى طريق الحجاز شخص منهم حج بأمه فكان إذا اغتاظ عليها يقول لها يعنك الله ولعن الذي آواك – يعنى أباه – وذلك بعدما حج بها!! ( ) على حد قول العبدري فى القرن السابع الهجري.
والمصرى البسيط الطيب لا يختلف كثيرا عن باقى الشعوب حين تجوع فلا تجد ما تقتات به سوى شرفها. فى ظل انحصار للأخلاق وتخلخل لمنظومة القيم الاجتماعية للمصري وتحت وطأة البؤس والجوع وحالة الموت ما قبل الموت فيكون موقف المصري إما أن يعمل فى : "نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم وهذه البلية ... وجدت فى جميع بلاد مصر ... من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحى...." ( ) أو أن هذا المصري الأب المكافح والبطل المستعد أن يضحى بكل شئ من أجل أبنائه وفى سبيل توفير قوت يومهم والتي وقد تصل التضحية بالمصري لقبول عمل دون مؤهلاته بكثير ولو فى آخر بقاع الدنيا وفى ظل ظروف عمل قاسية. نفس هذا الإنسان تجسده حين تزيد وطأة الجوع والفقر عليه يترك أبناءه المفلسين فى أمان الله إذا ما وصل أمر العجز عن الوفاء إلى حد الاستحالة لدرجة أن تكون "العين بصيرة والإيد قصيرة"( ) وتكون "حيلة العاجز دموعه" فنجد "كثيرا ما كانت المرأة تملص من أبنائها فى الزحام فيتضورون حتى يموتوا ..." ( ) أو أن يشاع: "بيع الأحرار ... عند من لا يراقب الله حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة"( ) وتجد من يزعم: "أنه افتض خمسين بكرا ومنهم من يقول سبعين كل ذلك بالكسر .." أى بمبلغ يسير( ).
إن مثل هذه الأحوال كانت تترك صوراً سيئة لنفسيات الناس في مصر فقد كانت كالمعاول التي تهدم قيم ومشاعر الناس يغذى ذلك مجموعة كبيرة من الأمثال التي صورت المصرى فى أسوأ الأحوال وتسخر من وضعه الاجتماعي منها: "إذا لقيت عريان ما تسألوش على هدومه .. " فالمصري فى فقره لا يستطيع أن يفعل شيئا لأن: "فقر المرء فى وطنه غربة"( ) ولكن الفقر المصرى له مذاقه اللزج والخاص الذى شعر به الرحالة التركى (جناب شهاب الدين) فيقول: "منظر الفقر والعوز يمزق القلوب كثيرا ها أنتم تشاهدون الآن متسولا عاريا فتطلبون الشفقة له وهو يظهر لكم وقارا هكذا فى أوضاعه وحركاته!!" ( ) ليعبر (جناب شهاب الدين) عن الحاجز المصرى اللزج بين الفقر وعزة النفس أو كما يقال: "فقرا ويتمشوا مشى الأمرا"( ) وقد يعكس اهتمام المصري بالقيمة أكثر من اهتمامه بالشكل أو القشور ويرى أنه ليس من العار ما يعيشه المصرى الآن ولكن عدم إدراكه لسوء ما يعيش وقد نوه الرحالة التركى (جناب شهاب الدين) إلى شعور المصرى بمدى الفقر المدقع الذى وصل إليه فقال: "والواقع أن الوظائف الدوائية الخسيسة ظلت مقصورة على السواد الأعظم من شعب مصر أمثال العربجية والعتالة وقد قال مصرى ملمحا لهذا الوضع بلاشك: "كلما تضارب مدينتنا بالثراء نفتقر نحن فمدينتنا تخدعنا غالبا ..." ( ).
وألمح لهذا المعنى القاضى الفاضل بقوله: "أهل مصر على كثرة عددهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم مساكين يعملون فى البحر ومجاهيد يدأبون فى البر ..." ( ) حتى استحالت مصر إلى جنة للمعذبين فى الأرض. ولاشك أن شعوب العالم أجمع قد عانت عبر العصور من ويلات العبودية بمختلف أشكالها وألوانها ومن بينها تلك المأساة المصرية التي عبر عنها القاضى الفاضل فالمأساة الإنسانية هى الصراع غير المتكافئ بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والمجتمع وبين الإنسان والسلطة أو الحاكم بمعنى أن أحد الطرفين يحمل فكرة قمع الآخر أو قهره أو إذلاله ثم الانتصار عليه ولما كان هذا الصراع هو السمة الأساسية لتاريخ البشر فإن الحس المأساوي والقمعي هو الغالب على بقية أحاسيسهم وقد ظل التاريخ الشعبي منذ العصور الأول للإنسان يعبر عن مقاومته الدائبة لهذه المأساة تعبيرا ملحميا أو ذاتيا يحيط بجملة من الطقوس الاجتماعية والظروف التاريخية الصانعة له( ).
والمصري مستعد للتنازل عن قوت يومه وملابسه بل والطعام لكى يوفر المال للأبناء ليعيشوا حياة لا يعرفها هو أبدا لأنه يعلم أن فى ظل الجوع يصبح المال هو "عصا سليمان" يستطيع أن يذلل كل الصعوبات التى تعترض الإنسان كما أنه – أى المال – يبعث على الثقة "إدى مالك للى عنده مال وادى ولدك للى عنده ولاد"( ) مثلما حدث مع الرحالة البغدادى – فى القرن السابع الهجرى – عندما سألته امرأة تحت ذل السؤال أن: "يشترى ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فعرفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية!!" ( ) ولا عجب فى ذلك "فالفقير لا يتهادى ولا يتدادى ولا تقوم له فى الشرع شهادة"( ) بحسب منطق الطغاة والبغاة وشريعة الغاب حتى وإن: "مات جماعة منهم من شدة الحر؛ حر النار مع حر الزمن"( ).
"وفى الوقت نفسه يدفعهم حب المال لأن يتسموا بالشراهة والجشع وهو سبب المشاكل الخطيرة التى تنشأ فيما بينهم"( ) وهو ما سجله لنا (الرحالة النعمانى) عند وصوله إلى مصر حيث وصل: "بمشقة بالغة وهناك هجم الحمالون فكان كل أربعة منهم يتعاركون حول راكب" ولم ينس النعمانى أن يلمح إلى (خفة الظل المصرية) بقوله: "وحمل أحمد الحمالين الأقوياء حقائبي فاضطررت أن أصحبه ... ومن الطريف أن حضرة الحمال جلس بجواري فأي قدرة لى حتى أعترض على جرأته ..." ( ) "وهذا الجشع الغريزي فى المصريين جعلهم لا يستحيون من الالتجاء إلى الغش والتدليس فى معاملتهم التجارية وبث فيهم الميل إلى الاحتيال والسرقة ..." ( ) وأوجد "غرائب لا نهاية لها فى البيع والشراء"( ) كما أنهم: "لا يعرفون على الإطلاق أسلوب الكسب ويريدون أن يغمضوا أعينهم وينهبوا الناس"( ) وفئة منهم إذا: "عاملهم غريب لم يلق منهم إلا ما يريب يتخذونه هدفا ولكل منهم فيه سهم مصيب حتى يخرج من ماله بغير نصيب"( ).
"فهم بارعون فى الاحتيال والغش خاصة مع الغرباء الذين لا يعرفون عملتهم ولا يعرفون أساليبهم فى البيع والشراء فعندما يضع المشترى بارا فى يد البائع فإن البائع يضعها (أى البارا)- أن أمكنه فى فمه ثم يتناول بمكر بارا أخرى (غير جيدة) كان قد وضعها فى فمه أيضا لتحقيق هدفه ثم يقدم هذه البارا الأخرى (غير الجيدة) للمشترى قائلا أن بارته مغشوشة"( ) فمثل تلك الحيل والملاعيب المصرية لها قواعد وأصول تظهر سريعا مع الأجانب والغرباء على حد قول الدهلوى: "لكن العامل المصري فهم أننى أجنبي وطبقا لقاعدة الخداع المصرية أخذ منى عشرة قروش ..." ( ) كما أن تلك القاعدة لها أدائها الخاص الممتزج بالنصيحة وسرعة البديهة وكثيرا ما تجد: سم الغش ممزوج فى عسل النصائح"( ) التي تصل إلى حد الفكاهة فمثلا: "السهام الانفعالية التى يقذفها كل من البائعين بنظرة جانبية لهم ثم فكاهة مضحكة جميلة فى مشاهدة أنهم يعبرون إلى المنضدة الأخرى صامتين ونادمين ييأس عميق ولاشك مطلقا بأن التاجر فى تلك اللحظة يقول وهو ملئ بالفتور داخليا: حقا إنني ساحر وشيئا ما سيعجبك أنت أيضا ..."( ).
ولسوف تكتشف فى العبارات السابقة إلى أي مدى بلغ دهاء المصريين وحسن حيلهم وفهلوة بعض شرائح منهم استطاعت أن تجعل الرحالة أولياچلبى يصفهم بقوله: "أنهم مهرة قد حذقوا فمنهم إلى حد أن الواحد منهم يسرق العين من الكحل ويبقى الكحل مكانه ..." ( ) كما استطاعت أن "تسرق النوم من العين" نتيجة كثرة التجارب( ) وما تميزوا به من لزوجة بين ما عندهم من: "بشاشة وملق وعندهم مكر وخداع"( ).
ولكن الغريب أن هذه الشخصية اللزجة الوجدان والسلوك سرعان ما تحولك من الغضب إلى الرضا أو الدهشة فمع: "أن أهل القاهرة – مثلا- مولعون بغش الغرباء وخداعهم فإنهم يعاقبون بصرامة من يطفف الكيل والميزان فالخبز يتم فحصه فإذا ما ثبت أن وزنه أقل من الوزن القانوني تم سحبه – أى الخبز – وتوزيعه على الفقراء ومعاقبة الخباز بضربه بالفلكه (القلقة) على قدميه العرا يتين بشدة"( ) وقد شهد بذلك الرحالة جوزيف بتس بقوله: "وقد رأيت ذلك مرات عديدة لذا فإن بعض الخبازين يتركون خبزهم إن كانوا يعلمون أن وزنه أقل من الوزن القانونى ويجرون هاربين لتجنب العقاب البدنى .." ( ).
كما أشار التاريخ إلى ما يلحق (بالزغلية) – أي المزيفون للنقود – من عقاب صارم فيذكر ابن إياس فى أحداث شوال 928هـ أن: "والى القاهرة شنق فى يوم واحد أربعة وعشرين إنسانا وخوزق منهم جماعة وعلقهم فى أماكن متفرقة وكان أكثرهم حرامية وزغلية ومن عليه دم .." ( ) ويذكر التاريخ أن إحدى النساء قد شنقت على باب زويلة لأنها سرقت بعض الملابس والأمتعة من أحد الحمامات( ).ويذهب البعض فى تفسير أسباب ما يلجأ إليه المصرى من حيل وألاعيب تصب فى خانة الخصم من رصيده الحضاري إلى أن : "تعليل هذه النزعة الدنيئة بأن المصريين رئموا للمذلة وصنوف الاضطهاد عشرة قرون كان الحكام فى خلالها يعاملونهم بالشدة والصرامة ويسومونهم خطة خسف ولما كان من المتعذر عليهم مع هذه المعاملة الجائزة أن يدرأوا مطامع أولئك الحكام عن أموالهم وأن يكفوا عنها أيديهم وهى عندهم أعز عليهم وأكرم من نفوسهم فقد تعمدوا الظهور فى سربال الفقر والعوز دفعا لما عساه أن يحيق بأموالهم من خطر السلب"( ) فتأصلت فى: "أخلاقهم من الملق والسياسة التي أربوا فيها على كل من تقدم وتأخر وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا"( ).
وبرغم ذلك فقد أضحى : "الفلاح وزوجته يعيشان في عذاب متصل : فليس من حد يقف ادعاء الحياة ولا جشع رجال الإدارة واختلاسهم مال الأهالي أنهم قد ينتزعون من أسرة الفلاح غدا ما تركوا لها اليوم ومهما حسب الفلاح من حساب فلن يستطيع تدربي ما يضمن له المستقبل .." ( ) فعندهم: "سرعة الخوف من السلطان"( ) والتي تولدت نتيجة الثقة المعدومة بين الحاكم والشعب وأدت بالمصري إلى حيل المكر والخداع والنفاق مرغما متخليا عن كلمته – إلى حين – حتى لا يموت بالسيف لأنه يعلم أنه إذا عاش بالسيف مات بحذاء الحاكم ورموزه فكان لسان حاله : "نحن قوم لا نمل من النفاق إذا لم ننافق متنا".
وقد غذى الوجدان الشعبي تلك العلاقة بمجموعة كبيرة من الأمثال الشعبية التى تولدت نتيجة الغيط والنفور كان أبرزها: "افرحوا واتهنوا بقدومه جاكم بشومه"، "سيف السلطة طويل"( ) ، "السلطة غول وقميصها كل حبتنا" " السلطة غول كلتنا لحم طب وإحنا عضم رمتنا"( ).
وقولهم "حاميها حراميها" كدليل على أن الحاكم لص كبير يتضح ذلك عند الجبرتي في سياق أحداث سنة مائتين وألف : "أن الأمير حسن بك : "ركب بجنوده وذهب إلى الحسينية وهجم على دار .. متولى رياسة دراويش الشيخ البيومى ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش ورجع والناس تنظر إليه .. وفى صبحها يوم الجمعة ثارت جماعة من أهل الحسينية بسبب ما حصل فى أمسه من حسين بك وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا إلى الشيخ الدردير .. وقال لهم : أنا معكم .. وتنهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنها ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم .. وركب الشيخ فى صبحها إلى إبراهيم بيك وأرسل إلى حسين بيك فأحضره بالمجلس وكلمه فى ذلك فقال فى الجواب: "كلنا نهابون أنت تنهب ومراد بيك ينهب وأنا أنهب كذلك" وانفض المجلس وبردت القضية"( ).
مما يعكس لنا ضعف فاعلية السلطة وتراخيها في التصدي لمظاهر العنف والظلم الواقع على كاهل الناس والذي يهدد أمنهم وحياتهم فى المجتمع ويساعد على اهتزاز ثقة الناس فى رموز الحكم وخلق حالة من الخوف عان منه الناس وعبر عنها الرحالة البغدادي بقوله: "ورأيت مع امرأة فطيماً لحيماً فاستحسنته وأوصيتها بحفظه فحكت لى أنها بينما تمشى على الخليج انقض عليها رجل جاف ينازعها ولدها فترامت على الولد نحو الأرض حتى أدركها فارس وطرده عنها ... وبقى الولد مدة مريضا لشدة تجاذبه"( ).
فالمؤكد أن هناك شرخاً فى هذه العلاقة من الخوف والانعزالية وهو ليس وليد وقائع محددة أو فترة محددة ولكنه نتاج لتراكمات حدثت عبر فترة ممتدة من الزمن. وقد أخذت هذه التراكمات أشكالا مختلفة تبلورت فى معظمها حول قضية إهدار كرامة المصري على يد الحاكم ورموزه من العسكر( ) وتفريغ مبدأ (إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين) ( ) وإخلال الحاكم بمبدأ الإمامة القائم على خلافة شخص من الأشخاص للرسول فى إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة على وجه يجب إتباعه على كافة الأمة( ) وتفريغ ذلك كله من مضمونه الحقيقي فارتبط ذلك بعملية فساد وإفساد واسعة داخل حوزة الحاكم بكل قطاعاته وطوائفه تعددت معه وتكاثرت أشكال العنف وقسوة الحاكم ورموزه بل وارتبطت بها. فالإسحاقى المنوفي ينقل ما معناه: " ويقال أن ... القسوة عشرة أ





