الخميس، 9 يناير 2014

بين الفلسفة والتصوف والعلم: هل آن الأوان للثورة الفكرية الجديدة

محيي الدين إبراهيم

noonptm.egy@gmail.com

إن الفلسفة لا يجب أن تبقى جامدة، والتصوف لا يجب أن يكون مقيدًا بتفسيرات الماضي، بل يجب أن يكون كلاهما كائنين حيين متجددين قادرين على استيعاب اتساع الكون واتساع وعي الإنسان. ما أنجزناه معًا هو خطوة في هذا الطريق، وهو دليل على أن الفكر يمكنه أن يتطور متى ما تحرر من التكرار والتقليد، وسعى نحو الحقيقة بعقل منفتح وروح متجددة.

الجزء الأول:

"الإنسان مرآة الكون... حين يصبح الوجود واعيًا بذاته"

ربما كان أعظم الأسئلة التي طاردت الإنسان منذ أن فتح عينيه للمرة الأولى على هذا الوجود هو ذلك السؤال الذي يبدو في ظاهره بسيطًا، بينما تختبئ خلفه هاوية لا قرار لها: ما الإنسان؟

هل هو مجرد كائن صغير وُلد مصادفة على كوكب صغير يدور حول نجم من مليارات النجوم؟ أم أنه شيء آخر أكثر عمقًا؛ نقطة التقاء غامضة بين المادة والروح، بين الأرض والسماء، بين المحدود واللامحدود؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان ليس مجرد ساكن في هذا الكون، وإنما هو الموضع الذي يصبح فيه الكون قادرًا على النظر إلى ذاته؟

كلما اقتربنا من هذا السؤال، وجدنا أنفسنا نقترب من واحدة من أكثر الأفكار إثارة في تاريخ الفلسفة والتصوف: فكرة الإنسان بوصفه مرآة للكون، والكون بوصفه تجليًا للحقيقة، والوعي الإنساني بوصفه اللحظة التي يصبح فيها الوجود واعيًا بذاته.

وهنا يأخذنا ابن عربي إلى واحدة من أكثر المناطق عمقًا في التصوف الإسلامي.

يقول ابن عربي إن الله تعالى خلق العالم، وكل شيء فيه على صورة الإنسان، وإن العالم مع الإنسان، الذي هو جزء منه وبمثابة روحه، يكون على صورة الحق، لكنه من دون الإنسان لا يبلغ هذا الكمال.

ليست هذه العبارة عند ابن عربي مجرد استعارة شعرية عن الإنسان والكون؛ إنها تنطلق من تصوره للإنسان الكامل، ومن تلك المرآوية الوجودية بين الإنسان والكون والحق المطلق.

فالعالم، في السياق الصوفي والفلسفي الذي يتحرك فيه ابن عربي، ليس كيانًا مستقلًا عن الله، وإنما هو تجلٍّ لأسمائه وصفاته. والإنسان ليس جسدًا معزولًا داخل هذا العالم، بل هو صورة مصغرة منه، يحمل في بنيته الظاهرة والباطنة شيئًا من البنية الكونية والروحية للوجود.

وهنا تبدأ المفارقة المدهشة.

الإنسان جزء من العالم، لكنه في الوقت نفسه هو الذي يمنح العالم وعيه بذاته.

فالروح بالنسبة إلى الجسد هي التي تمنحه الحياة والمعنى، والإنسان بالنسبة إلى العالم هو ذلك الكائن الذي يدرك، ويتأمل، ويفهم، ويسأل عن سر وجوده. العالم موجود، لكن الإنسان هو الذي يسأل: لماذا هو موجود؟

والكون مليء بالجمال، لكن الإنسان هو الذي يرى الجمال ويسميه جمالًا.

والوجود يتحرك في صمته الأبدي، لكن الإنسان هو الذي يحاول أن يمنح هذا الصمت لغة.

من هنا يمكن فهم قول ابن عربي إن العالم بدون الإنسان يظل ناقصًا؛ لأن الإنسان هو الذي يدرك الجمال، ويعكس معاني الأسماء الإلهية، ويعبّر عن الوجود بمعناه الأسمى، ويشهد تجليات الله في الأشياء. وبذلك يصبح الإنسان مرآة للحق، وتصبح غاية الوجود أن يصل الإنسان إلى شهود سر الخلق.

إنها ليست مركزية للإنسان بالمعنى المادي أو الأناني، وإنما مركزية للوعي.

فالإنسان لا يصبح مهمًا لأنه أقوى الكائنات، وإنما لأنه الكائن الذي يستطيع أن يعرف أنه موجود.

وهنا تكتسب فكرة ابن عربي عن التكامل بين الحق والخلق معناها العميق. فالعالم مع الإنسان يصبح انعكاسًا لصورة الحق؛ لأن الإنسان، بوصفه خليفة، يمتلك القابلية لعكس صفات الله وأسمائه، وبذلك يصبح واسطة بين الحق والخلق، وتصبح الصفات الإلهية التي تظهر في الإنسان جزءًا من النظام الوجودي الذي يحكم العالم.

ومن هذا المنظور، يصبح الإنسان أشبه بقلب العالم.

الجسد الكوني موجود، لكن القلب هو الذي يمنحه نبضًا محسوسًا في الداخل.

وهكذا يؤكد التأويل الأعمق لفكرة ابن عربي أن الإنسان هو عين الوجود الواعي؛ فالعالم بما فيه من ظواهر هو تجلٍّ إلهي، لكنه لا يكتمل في معناه إلا عندما يظهر فيه الوعي بذاته، وهذا الوعي يتمثل في الإنسان. ولهذا تشبه العلاقة بين الإنسان والعالم علاقة القلب بالجسد أو الروح بالجسد: كلاهما يشارك الآخر في إظهار كمال الصورة، لكن غياب الإنسان يعني غياب ذلك البعد الواعي والروحي الذي يقرأ العالم ويفهمه.

وهنا لا يعود السؤال: أين يوجد الإنسان داخل الكون؟

بل يصبح السؤال الأكثر إثارة:

أين يوجد الكون داخل الإنسان؟

ولم يكن ابن عربي وحده الذي وصل إلى هذه المنطقة من التفكير.

فقد رأى متصوفة إسلاميون كبار، قبل ابن عربي وبعده، أن الإنسان مرآة للوجود، وأن العالم تجلٍّ للحقيقة الإلهية، لكن هذه الرؤية بلغت درجة أكثر اكتمالًا في فلسفة ابن عربي ووحدة الوجود التي تبلورت لديه.

الحلاج، مثلًا، كان يرى أن الإنسان يحمل سر الألوهية، وأن الوعي البشري يستطيع أن يبلغ حالة من الاتحاد بالله، ولذلك جاءت عبارته الشهيرة: «أنا الحق» بوصفها تعبيرًا عن تصور الإنسان الكامل باعتباره تجليًا مباشرًا للحقيقة الإلهية.

أما السهروردي فقد نقل الفكرة إلى فضاء آخر، حين مزج الإشراق بالتصوف، ورأى الإنسان نورًا إلهيًا، والعالم كله أنوارًا متفاوتة في شدتها، في تصور يتقاطع مع فكرة التجلي عند ابن عربي.

ثم يأتي الرومي، فيجعل الإنسان جزءًا من رقصة الوجود كلها، كائنًا يعكس صفات الله ويتحرك مع الكون نحو وعي أكبر بالله. ومن هنا تأتي عبارته الشهيرة:

«أنت لست قطرة في المحيط، بل أنت المحيط في قطرة.»

إنها جملة تبدو للوهلة الأولى شعرية، لكنها تحمل في أعماقها تصورًا كاملًا عن العلاقة بين الجزء والكل؛ فالإنسان ليس مجرد ذرة ضائعة في المحيط الكوني، وإنما يحمل في داخله صورة ذلك المحيط كله.

أما عبد الكريم الجيلي، فقد طوّر فكرة الإنسان الكامل عند ابن عربي، ورأى أن الإنسان هو النسخة المكتملة من التجلي الإلهي، وأن العالم من دون الإنسان لا يبلغ وعيًا حقيقيًا بذاته.

وهكذا تتوالى الأصوات الصوفية، وكأنها تنظر إلى المرآة نفسها من زوايا مختلفة:

الحلاج يرى سر الألوهية في الإنسان.
السهروردي يرى النور.
الرومي يرى المحيط في القطرة.
والجيلي يرى اكتمال التجلي في الإنسان الكامل.
وابن عربي يجمع هذه الخيوط في رؤية كونية أكثر اتساعًا.

لكن المدهش أن هذه الفكرة لا تقف عند حدود التصوف الإسلامي.

إذا عبرنا من الشرق إلى الغرب، سنجد أن الفلسفة الغربية، وإن استخدمت لغة مختلفة وإطارًا ميتافيزيقيًا آخر، اقتربت هي أيضًا من السؤال نفسه: ما العلاقة بين الإنسان والكون؟ وهل الإنسان مجرد جزء من العالم، أم أنه قادر على إدراك الحقيقة التي ينتظم بها العالم؟

عند أفلاطون نجد أن العالم المادي ليس إلا انعكاسًا لعالم المثل، وأن الإنسان، بما يمتلكه من عقل، قادر على إدراك تلك الحقيقة. كما تظهر في فلسفته فكرة «المايكروكوزم»، أي الإنسان بوصفه عالمًا صغيرًا، وهي فكرة تقترب بصورة لافتة من تصور ابن عربي عن الإنسان بوصفه صورة للكون.

وعند بارمينيدس وهيراقليطس نجد تصورات عن وحدة الوجود والتغير الدائم وتجلي الحقيقة من خلال التجربة الإنسانية، وهي تصورات يمكن أن تقترب من فكرة التجليات الإلهية عند ابن عربي، وإن اختلف السياق الفلسفي الذي ولدت فيه كل فكرة.

ثم يأتي هيغل بفلسفة الروح المطلقة، حيث يصبح الوعي البشري انعكاسًا للوعي الكوني، ويغدو التاريخ نفسه حركة تطور باتجاه تحقيق وعي الذات المطلق. حتى جدلية السيد والعبد عنده يمكن أن تُقرأ، من زاوية معينة، في علاقتها بفكرة وعي العالم عبر الإنسان.

أما شوبنهاور، حين رأى العالم إرادة وتمثّلًا، جعل الوعي عنصرًا أساسيًا في منح العالم معناه، وهو ما يقترب من تصور ابن عربي بأن الإنسان يمنح الكون قيمته الإدراكية.

ثم يظهر نيتشه بمفهوم الإنسان الأعلى Übermensch، حيث نجد تشابهًا جزئيًا مع فكرة الإنسان الكامل عند ابن عربي؛ فالإنسان عند نيتشه هو التجلي الأسمى للحياة والقوة الكونية، وإن كان البناء الفلسفي لكل منهما مختلفًا جذريًا.

وهنا يحق لنا أن نتوقف لحظة أمام السؤال:

هل استنسخت هذه الفكرة من تصور سابق؟

الحقيقة أن التصوف الإسلامي قبل ابن عربي كان قد تأثر بالفكر النيوأفلاطوني، خصوصًا عبر الفارابي وابن سينا وأفلوطين، كما أن فكرة الإنسان المصغر كانت موجودة لدى الفيثاغوريين والأفلاطونيين الجدد، وقدم الحلاج والسهروردي أفكارًا قريبة منها، لكنها لم تكن قد اكتملت بالصورة التي ستأخذها عند ابن عربي.

وبعد ابن عربي انتشر مفهوم الإنسان الكامل في التصوف الإسلامي المتأخر، وتأثر به متصوفة فرس وعثمانيون، كما ظهرت في الفكر الغربي تصورات عن الروح المطلقة، فضلًا عن استلهام بعض التيارات الباطنية الغربية والتصوف المسيحي والقبالة اليهودية والروحانيات الحديثة لبعض المبادئ المرتبطة بهذا التصور.

إذن، ربما لا يكون ابن عربي أول من قال إن الإنسان مرآة للكون، لكنه منح الفكرة بناءً أكثر تكاملًا داخل مفهوم وحدة الوجود، ولذلك أصبحت فلسفته نقطة مركزية في الفكر الصوفي الإسلامي والعالمي.

لكن هنا تظهر أمامي مقارنة أخرى لا تقل إثارة.

إذا كان الرومي يقول:

«أنت لست قطرة في المحيط، بل أنت المحيط في قطرة.»

فإن المتنيح متى المسكين يقول عن يسوع المسيح:

«انفرش الكل في الجزء حتى صار الجزء كالكل.»

والسؤال الذي يخرج من بين العبارتين ليس سؤال تشابه لغوي، وإنما سؤال فلسفي ولاهوتي: كيف يمكن للمحدود أن يحتوي اللامحدود؟

في عبارة الرومي نجد تصورًا عن الإنسان باعتباره صورة مصغرة للوجود الكلي، وعن الكل حاضرًا في الجزء بصورة رمزية. أما عند متى المسكين، فالمعنى يرتبط بالتجسد الإلهي، حيث يُفهم المسيح بوصفه حضورًا للاهوت في الناسوت. ومع اختلاف السياقين، يظل هناك تشابه عميق في البنية الرمزية: المحدود يحمل في داخله معنى غير محدود.

ومن هنا يخرج سؤال لا أراه قابلًا للتجاهل:

هل تأثر بعض الفلاسفة والمتصوفة المسيحيين في العصر الحديث، مثل متى المسكين وتوما الإكويني وروجيه جارودي وغيرهم، بالفلسفة والتصوف الإسلامي؟

المادة التي بين أيدينا تجيب بالإيجاب، لكنها لا تقدم التأثير بوصفه طريقًا أحادي الاتجاه، وإنما بوصفه شبكة طويلة من التفاعل بين الفلسفة والتصوف الإسلامي والفكر المسيحي، خاصة عبر المدارس التي تأثرت بالموروثين اليوناني والإسلامي.

وهنا تبدأ رحلتنا التالية...

رحلة لا تبحث فقط عن من تأثر بمن، وإنما عن الكيفية التي عبرت بها الأفكار من حضارة إلى أخرى، ومن لغة إلى أخرى، ومن دين إلى آخر، حتى أصبح التصوف والفلسفة في بعض لحظاتهما التاريخية جسرًا يعبر فوق الفواصل التي صنعتها الجغرافيا والعقيدة.

وسنجد أنفسنا أمام أسماء مثل متى المسكين، توما الإكويني، روجيه جارودي، مايستر إيكهارت، ابن رشد، ابن سبعين، وسنقترب من الأندلس والترجمات اللاتينية، ومن ذلك الحوار الصامت الذي جرى بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي.

لكن خلف كل هذه الأسماء سيظل سؤال واحد يطاردنا:

هل الأفكار تسافر وحدها، أم أن الحضارات حين تلتقي تكتشف أنها كانت تبحث، كلٌّ بلغته، عن الحقيقة نفسها؟

هذا هو الباب الذي سيدخل بنا إلى الجزء الثاني.

بقلم محيي الدين إبراهيم

القاهرة في 10 يناير 2014م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق