الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

حين يفتح الكونُ بابه الموارب … رحلة في ليل المادة والطاقة والوجود

في البدء لم يكن الكونُ شيئًا يُرى … كان همسًا في فراغٍ لا يعرف اسمه، وكان سرًّا يبحث عمّن يفكّ ختمه. ومن ذلك الهمس تشكّلت العوالم، لا بوحيٍ من ضوءٍ ظاهر، بل بارتعاشةٍ خفيّة في قلب العدم—كأن الوجود نفسه قام يصلي أول ركعة له. نحن لسنا أبناء النجوم فقط؛ نحن أبناء سؤالٍ قديم، سؤالٍ يطرق جدران الروح كلما حاول العقل أن يستريح. نسير في هذا الكون كما يسير درويشٌ في ساحة الليل، لا يطلب الوصول بقدر ما يطلب انكشاف الحجاب، ولا يقصد الحقيقة بقدر ما يقصد مذاقها. وهكذا… قبل أن نفتح باب العلم، نطأ العتبة التي يتجاور فيها الغموضُ مع الشوق، ويتقاطع فيها العقلُ مع الدهشة الأولى. فالكون ليس معادلةً نحلّها، بل حضرةٌ ندخلها؛ وكل معرفةٍ فيه ليست اكتشافًا… بل كشفًا.

الجمعة، 25 أبريل 2025

قراءة في رواية دعاء الكروان د. طاها حسين

المرأة الشرقية: ضحية لثلاثية "الموت والحب والعار": تُعد رواية دعاء الكروان من أبرز أعمال الدكتور طاها حسين، وأحد النصوص المؤسسة للرواية العربية الحداثية، فهي ليست مجرد قصة انتقام لفتاة ريفية بريئة، بل صرخة إنسانية تُدين الظلم والجهل، وتُفكّك البنية الأبوية للمجتمع، وتُعيد تشكيل مفهوم العدالة خارج منطق القانون الجامد، فالرواية، ليست مجرد مأساة أنثى، بل هي فاجعة مجتمع، ودرس في الفن الروائي، وفي كيفية تحويل الألم الشخصي إلى خطاب كوني، صوت آمنة يصرخ من أعماق الطين المصري، لكنه يصل إلى قلب الإنسان أينما كان، وفي هذا تكمن عبقرية الدكتور طاها حسين: أنه كتب رواية بالدم والدموع، لكنها أيضًا مكتوبة بالحكمة والمغفرة.
:البنية السردية: صوت المرأة بوصفه مركزًا للمعرفة منذ اللحظة الأولى، تدفع الرواية بالقارئ إلى مواجهة صوتٍ أنثوي حادّ، صوت "آمنة"، الأخت الناجية، التي تسرد القصة من موقع الفقد والثأر، لكنها لا تلبث أن تتحول من راوية إلى صانعة للفعل الروائي، فنبرة السرد متوترة، متأرجحة بين الحزن والغضب، بين الحنين والتمرّد، وهذا ما يجعل العمل كله يدور في فلك الانفعال الداخلي العنيف، الذي ترجمه د. طاها حسين في جُمل طويلة متدفقة تحمل طابع المونولوج الداخلي، كما في قولها: "أغيرةٌ هذه التي تغلي في عروقي ويصعد لها اللهب في وجهي؟" في هذا المشهد، يختلط الغضب بالهوية، وتتشكل ملامح شخصية قيد التشكل، امرأة لم تعد خاضعة لمنطق العيب بل لمنطق التجربة والاختيار. الرمز والبعد الجمالي: الكروان صوتٌ للحقيقة الموءودة: إن اختيار "الكروان" ليس اختيارًا عابرًا، بل يتقاطع الرمز مع الفضاء السردي كله، فالكروان، الطائر الذي يطلق نداءه في الصحراء ليلًا، يصبح قرينًا للبطلة، شاهِدًا على الخطيئة الأولى، وعلى فقد الأخت "هنادي"، لكنه أيضًا شاهد على التحوّل من الضعف إلى المواجهة، وفي المقطع الشعري لخليل مطران في مقدمة الرواية، نقرأ: "دعاء هذا الكروان الذي أشهى متاع القلب والفكرِ" هنا يتحول "الدعاء" إلى خطاب فلسفي يربط الجمال بالحزن، والموت بالحب، والمرأة بالطبيعة، والطبيعة بالعار، في ثلاثية قاسية لا تهدأ. الشخصيات: الإنسان في مواجهة قدره: والدكتور طاها حسين لا يصور شخصياته ككائنات ثنائية (خير/ شر)، بل يمنحها أبعادًا نفسية متشابكة، "آمنة" ليست فقط أخت القتيلة، بل هي عين الكاتبة، ضمير النص، المهندس الشاب، رغم جرمه، لا تقدمه الرواية كشيطان مطلق، بل كنتاج لفساد اجتماعي وصمت قروي طويل، حتى الخال القاتل يُرسم دون تمجيد، بل في غلظة الريف القاسية، وسلطته المهترئة. المكان: الريف كخزان للذكورة والعار: تجري الأحداث في فضاء ريفي، تحكمه العادات والتقاليد، لكنه ليس مجرد خلفية، بل شريك أساسي في الجريمة: يراقب، يصمت، ثم يعاقب، والريف هنا ليس "الطبيعة النقية" بل بؤرة للعنف الممنهج ضد المرأة، يتجلى في الجريمة الأولى التي تفتح الرواية، وفي صمت الأم، وفي تبعثر القانون. ثلاثية الموت والحب والعار: والرواية لا تستسلم لمنطق الدم، على العكس، تتحول "آمنة" من أخت الثأر إلى كائن يبحث عن معنى، عن عدالة داخلية، إنها تحب وتُصاب بالارتباك، كما في وصفها: "يظهر في هذا كله غموضًا يثير ميلي إلى الاستطلاع، ويكاد يسليني عن المهندس الشاب" إنها لحظة انكسار للثأر، لحظة تُعيد تشكيل الإنسان، وتُحرره من دائرة الحقد. ويمكننا القول أن في دعاء الكروان، لا تتجسد المرأة فقط كشخصية روائية، بل كرمز كوني للضعف المعاقب، وللجمال المقموع، وللحقيقة التي يخافها المجتمع الذكوري، إنها "هنادي" التي تُذبح باسم الشرف، و"آمنة" التي تكاد تُسحق بين رغبتها في الانتقام ورغبتها في النجاة، إذ بين سندان الجهل القروي ومطرقة الأعراف المتحجرة، تقف المرأة عارية من الحماية، محاطة بنظام لا يرى فيها سوى "العورة". ومنذ السطور الأولى في الرواية، يصدمنا النص بمشهد قتل "هنادي" على يد خالها، مشهد لا تبرره القيم الأخلاقية، بل تشرعنه تلك البنية الذكورية القاسية التي تُحمّل المرأة وحدها وزر الخطيئة، بينما ينجو الرجل (المهندس) بفعلته، لا يُسائل ولا يُحاسب. كأنما كل شيء في الريف ( الحقول، البيوت، وحتى اللهجات ) يشارك في تلك المؤامرة الصامتة ضد النساء. "آمنة"، رغم خروجها إلى المدينة، لا تفلت من تلك النظرة، إنها دومًا محاطة بعين المجتمع التي تراقب، تتهم، وتخشى أن تتمرّد أو تثور، بل حتى عندما تخطط للانتقام من الرجل الذي أغوى أختها، لا يكون دافعها نابعًا من العدالة بقدر ما هو نابع من الإحساس بالعار الاجتماعي، وكأنها تحمل داخلها المحاكم نفسها التي أعدمت "هنادي". وفي أكثر اللحظات مأساوية، يتحول صوت "دعاء الكروان" ( ذلك الطائر الوحيد ) إلى مرآة لوضع المرأة؛ طائرٌ ينوح في الظلام، لا أحد يفهم لغته، ولا أحد يجيب نداءه، إنها استعارة بليغة للمرأة في هذا النص: كائن ناطق لا يُسمع، وحي لا يجوز تصديقه، وضحية لا يتم البكاء عليها إلا سرًا. ومن ثم، فالرواية ليست مجرد مرآة لواقع المرأة الشرقية، بل هي مرثية مكتوبة بحبر الألم، ترصد مصير أنثى وقعت أسيرة ثلاثية جهنمية: الموت والحب والعار، ثلاثية لا تتوالى زمنيًا بقدر ما تتداخل نفسيًا واجتماعيًا، لتجعل من حياة المرأة الشرقية جرحًا مفتوحًا، يقطر من حافة كل سطرٍ في الرواية. الموت: العقوبة التي تتربص بالأنثى منذ الولادة: والموت في دعاء الكروان ليس خاتمة، بل بداية، موت "هنادي" على يد خالها يفتح الرواية، لكنه يفتح أيضًا أبواب الأسئلة: لماذا تُقتل الضحية؟ لماذا يتحول الشرف إلى فخ للذبح؟ موتها لم يكن عدالة، بل إعلانًا صريحًا بأن الأنثى لا تملك جسدها، ولا قرارها، وأن موتها أسهل من مواجهة المجتمع برجولته الجوفاء. حتى "آمنة"، التي نجت جسديًا، تعيش موتًا معنويًا طويلًا، كل خطوة تخطوها في المدينة، كل عمل تمارسه، كل لحظة تذكر فيها أختها، هي شكل من أشكال التآكل الداخلي، كأن الحياة بعد الموت ليست حياة، بل استكمال لعقوبة معلقة. الحب: الحلم الممنوع، والشعور المسموم: في قلب هذه المأساة، ينبثق الحب ككذبة مُغرية، حيث تقع "آمنة" في حب المهندس ( قاتل أختها، ورمز الذكورة المهيمنة ) لكن حبها لا يولد من طهر المشاعر، بل من تعقيداتها، إنها تحبه رغم كل شيء، لأنها ضحية للرغبة في الفهم، في التسامح، في الإنقاذ، لكنه حب يوشك أن يخنقها، لأنه مشبع بالخطيئة، بالماضي، بالدم. والدكتور طاها حسين هنا يرسم الحب لا كخلاص، بل كقيد إضافي، فالمرأة الشرقية إن أحبت، أُدِينت؛ وإن كرهت، أُدِينت؛ وإن التزمت الحياد، صُلبت على جدار الشكوك، لا طريق يمر دون أن يلوّثه العار. العار: الوصمة التي لا تزول: والعار هو ما تتركه الجريمة على جلد البريئة، فالمجتمع لا يرى الفرق بين المغوية والتي أغوت، الخال لم يُقتل، المهندس لم يُحاسب، لكن "هنادي" ماتت، و"آمنة" كادت تفقد نفسها، العار يلاحق المرأة لأنها وُلدت أنثى، جسدها تهمة، صوتها شبهة، استقلالها تمرّد. وهنا تكمن عبقرية الدكتور طاها حسين: أنه جعل "آمنة" لا تنتقم، بل تختار طريقًا آخر .. طريقًا يبدأ برفض الثأر، وينتهي بإعادة تعريف الكرامة لا كقيد، بل كوعي. وفي الرواية لا ينهي الدكتور طاها حسين الثلاثية، لكنه يفتح فيها ثغرة، فالحب لن يبرر الموت، ولا الموت سيغسل العار، لكن الوعي ( وعي "آمنة" ) هو أول خطوة نحو كسر هذه السلسلة الجهنمية، فالمرأة الشرقية، حين تتكلم، لا تكون فقط ضحية، بل شاهدة، وفاعلة، وقادرة على إزاحة الموروث مهما بلغت سطوته. الفقر كأداة قمع: الرجل الذكوري وتفريغ العجز في جسد المرأة: والدكتور طاها حسين في دعاء الكروان، لا يُصوَّر الرجل الذكوري كمجرّد مستبد واعٍ بسلطته، بل ككائن مهزوم، مسلوب الإرادة، يعاني في ظل بنية اقتصادية خانقة، فيُفرغ عجزه في جسد المرأة، لا حبًا في القهر بل يأسًا من الحياة، هنا، يصبح الفقر أكثر من حالة اجتماعية، يتحول إلى فلسفة خفية تحكم السلوك وتقدم القمع كشرع مقدس. الخال الذي يقتل "هنادي" لا يملك في الحقيقة شيئًا؛ لا سلطة حقيقية، ولا احترامًا، ولا حتى رأيًا يُسمع في فضاء أوسع من قريته، لكنه يملك ( أو هكذا يتصور ويخيّل إليه ) شرف "الأنثى"، هذا الشرف هو الثروة الوحيدة المتبقية له، فيتعلق به كمرفأ أخير، ويدافع عنه بالسكين، الجريمة ليست دليلاً على القوة، بل اعترافًا بالهزيمة، قناع يرتديه رجل مكسور ليتوهّم أنه ما يزال سيدًا في بيت من تراب. في هذا المشهد، تطل علينا فلسفة القمع في أنقى صورها: لا يضرب الرجل زوجته لأنها مذنبة، بل لأنها الأضعف، لأنها المرآة التي تفضح هزيمته، لأنها لا تستطيع أن تردّ الصفعة، وهكذا تُصبح المرأة، في الرواية، مساحة للتفريغ النفسي والاقتصادي معًا، إنها الحائط الذي تُرمى عليه فشلات الفلاح، ونكبات الكادح، وجوع العامل. الدكتور طاها حسين لا يبرر هذا العنف، بل يُعرّيه، يجعلنا نراه من الداخل، حيث الرجل الفقير لا يجد أمامه سوى المرأة ليثبت ذاته، تمامًا كما نجد في وصف الخال، في لحظة تنفيذ الجريمة، نظرة هي مزيج من القلق والانكسار، لا البطولة. بهذا المعنى، يمكن القول إن دعاء الكروان ليست فقط رواية عن قهر المرأة، بل عن مجتمع يطحن الجميع، رجالاً ونساء، لكنه يسمح للرجل بأن يمارس سلطته الوحيدة ( سلطة الجسد ) فيغدو جلادًا لأن لا أحد علّمه كيف يكون إنسانًا.

نظرية دعهم وتحرر منهم" الكتاب الأكثر مبيعا في العالم ٢٠٢٥

 "نظرية دعهم وتحرر منهم" الكتاب الأكثر مبيعا في العالم ٢٠٢٥

للكاتبة الأمريكية "ميل روبينز" عن دار "Hay House "هو دليل عملي للتحرر من القلق بشأن آراء الآخرين, وتؤكد فيه "روبينز" أن ترك الناس يتصرفون كما يشاؤون دون محاولة تغييرهم يمنحك قوة داخلية وسلامًا نفسيًا، وذلك عبر قصص ونصائح عملية، توضح فيها كيف يساعد هذا المفهوم في تعزيز الثقة بالنفس، تقليل التوتر، والتركيز على ما يحقق لك النجاح والسعادة. ويتناول هذا الكتاب خطابا ساخرا ظاهريًا، لكنه محمل بإيحاءات ثقافية ونفسية واجتماعية عميقة، تعكس حالة التراخي الجمعي أمام الأزمات المجتمعية، فلم تعد السلبية الاجتماعية مجرد موقف فردي، بل باتت تتخذ شكلًا جماعيًا شبه مؤسسي، تُغلف أحيانًا بالتهكم، وأحيانًا بالتكيف، وأحيانًا أخرى بالتواطؤ الصامت. في هذا السياق يجيء نص "نظرية دعهم" ليعيد صياغة هذا السلوك في صورة "نظرية" ساخرة، تُظهر تناقض الإنسان المعاصر بين إدراك الخطر وميله إلى الانسحاب. وفي هذا الكتاب، تجسّد النظرية نمطًا سائدًا في المجتمعات التي عانت من تكرار الصدمات (سياسية، اقتصادية، أخلاقية)، حتى تكلّس الإحساس العام، وتبلور شعور بالعجز الجماعي، إنها ثقافة "الفرجة" التي تحوّل الكوارث إلى مشاهد متكررة لا تثير الفعل، بل تثير تعليقًا ساخرًا فقط، كما يعكس النص تآكل الشعور بالمسؤولية المشتركة، حيث يُعاد تعريف الفعل المجتمعي ليصبح "لا فعل". وكذلك البعد النفسي للنظرية في هذا الكتاب يمثل آلية دفاع نفسي تشبه آليات الإنكار أو التبرير، فحين يعجز الفرد عن تغيير الواقع، يبدأ بتبرير صمته أو تواطئه عبر منح اللامبالاة شكلًا عقلانيًا أو أخلاقيًا، ومن ثم، تتحول السلبية إلى قناع مريح يُخفي تحته الفرد شعوره بالذنب أو القلق أو الخوف. ولم تغفل مؤلفة الكتاب عن الأبعاد الثقافية والرمزية داخل النص، إذ نري نص الكتاب المكون من ٢٦٩ صفحة، قائم على تناصّ ضمني مع منظومات ثقافية اعتادت على شخصنة الفساد وتبرير الظلم تحت شعار الواقعية، إن هذا الكتاب يعكس حضورًا قويًا للخطاب القدري السلبي: "ما باليد حيلة"، "الدنيا كده"، إلخ ...، كل ذلك يتكثّف في رمز "دعهم" الذي يتحول من تعبير عرضي إلى شعار ثقافي عام. كما أن الكتاب يستعرض تطبيقات واقعية من المجتمع لإبراز مدى تغلغل هذه النظرية في الواقع، يمكن رصد عدد من الأمثلة الميدانية: 1. في حادثة تحرش جماعي وثقتها الكاميرات، لم يتدخل أحد من المارة، بل اكتفوا بالمشاهدة أو تصوير الواقعة، متمثلين بموقف "دعهم". 2. في حالة انقطاع الكهرباء أو تراكم القمامة في الأحياء، يتداول السكان الأمر في مجموعات الدردشة قائلين: "دعهم، ما احنا اتكلمنا كتير". 3. عند مشاهدة موظف حكومي يبتز المواطنين أو يتلقى رشوة، تُقال العبارات: "دعهم، من زمان كده"، أو "هو أنا اللي هغير الدنيا؟". 4. في مواقف مدرسية أو جامعية، حين يتعرض طالب للظلم من أستاذ، تُنصح الضحية بالصمت: "دعهم، عشان ما تاخدش على دماغك". 5. في نقاشات شبابية حول المشاركة السياسية أو التطوعية، يُواجه المتحمسون بتهكم: "دعهم يا عم، كلهم زي بعض". هذه النماذج تكشف كيف أصبحت "دعهم" ثقافة سائدة، تتجاوز كونها رد فعل لتصبح جزءًا من بنية التفكير والسلوك العام، ما يضعف قدرة المجتمع على التغيير. وترى الكاتبة أنه ربما لا تكون "نظرية دعهم" سوى مرآة لما ران على القلوب من غبار، فهي ليست موقفًا عابرًا بل انعكاس لتصحر داخلي طال الروح قبل الفكر. وإن كان ظاهرها السخرية، فإن باطنها ينهض نداءً خفيًا للمراجعة، نداءً إلى القلب ليستفيق من سباته، في زمنٍ أُغلق فيه باب الحماسة، وتصدّعت فيه نوافذ الأمل. وربما يدفعني هذا الكتاب للقول: إن مقاومة "دعهم" لا تبدأ في الشارع، بل في باطن النفس: في لحظة اختيار بين الركون أو القيام، بين التواطؤ أو الشهادة، بين الصمت أو الكلام، وكما يقول ابن عطاء الله السكندري: "ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القَبول، وربما قضى عليك بالذنب فكان سببًا في الوصول". فلعل اعترافنا أننا غرقنا في "دعهم" هو بداية الرجوع، ولعل السخرية من الواقع لا تكون مفرًا، بل تكون حكمةً خفية تنبهنا إلى أننا هبطنا عن مقام الإنسان الكامل إلى درك اللامبالاة. ولعلنا يجب أن نقول "لا"، ولو في قلوبنا، لكون "لا" التي تقولها قلوبنا، أول باب في الطريق الطويل، إن كتاب "نظرية دعهم" ليست مجرد نص ساخر، بل هي مرآة خطابية تكشف تشوّهات الوعي الجمعي في مجتمعات مأزومة، تحوّل العجز إلى ثقافة، والسخرية إلى أداة دفاع عن الذات.