الأحد، 22 فبراير 2015

النقطة السرية

كأنها مهمته الوحيدة التي خُلِق من أجلها؛ أن يثقب قلبه للنور. ظلّ، منذ ألف عامٍ أو يزيد، يحفر في عتمة جوفه، لا يطلب من الحياة إلا منفذاً صغيراً يخرج منه من غربة الداخل إلى سماء الأجنحة. وحين ضاق الثقب عن اتساع روحه، لم يتراجع؛ مزّق حوافه، نهش جدرانه بصبر العارف، حتى لم يعد الثقب ثقباً، بل صار بوابة.

أدار مفتاح الرؤيا، ودخل.

دخل بخطى وئيدة، متثاقلة، كأن الروح كانت تستشعر هيبة ما وراء العتبة. كل شيء حوله كان غريباً ومهيباً؛ العتبات بدت كالجدران، والجدران كالنوافذ، والنوافذ كأنها بقايا عالمٍ هجره منذ أن بدأ يثقب قلبه من أجله.

حاول أن يتراجع، فاصطدم بحائطٍ لم يعرف أكان من شكّه أم من يقينه.

وهنا أدرك السر: حين يُثقب القلب للنور، لا يعود للإنسان ترف الرجوع. إما أن تمضي إلى النور، أو تتيه في الضلال. لا مكان للصمت، ولا للسكون، ولا للتوقف؛ فالقلب الذي انفتح مرةً لا يستطيع أن يعود سجناً كما كان.

ألقى بمصيره في زجاجة، ودفع بها إلى محيط المجهول، وفي داخلها مصباح صغير؛ لعلّه يهديه إلى الكوكب الدري، حيث تستدفئ الأرواح بوقود شجرة الزيتون، في تلك النقطة السرية التي يتعانق فيها ظاهر الشرق بباطن الغرب، ويصبح الاعتدال طريقاً إلى الكشف.

هناك، ربما، تضيء الروح في معية أصحاب الرؤى، وتتعلم أن العرفان ليس أن ترى النور، بل أن تصير أهلاً له.

وحيث يكون النور ...

من تحته نور، ومن فوقه نور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق