الثلاثاء، 22 يونيو 2010

مذكرات نوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر

 بتاريخ الثلاثاء 22 يونيو 2010

بقلم: محمد رجب - مصر
medtork@yahoo.com

تجذبك صفحاتها.. وتثير شغفك.. تجعلك تتلهف لمعرفة المزيد، فتسارع لتقليب الصفحات لتعرف ما قاله صاحب المذكرات نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر نوبار القادم من أصول أرمنية الذى أصبح الموظف المرموق، وداهية السياسة المصرية، إذ تولى منصب رئاسة النظارة أو الوزارة ثلاث مرات وقبلها كان يشغل العديد من المناصب إذ عمل وزيرا للنقل والأشغال والداخلية والخارجية مذكراته التى تقع فى 675 صفحة من القطع الكبير ما بين نوفمبر 1890 ومايو 1894، أى بدأ فيها وهو فى عمر يناهز الخامسة والستين ــ ولم يكن قد اعتزل العمل السياسى بعد ــ واشتملت على الفترة الممتدة منذ عام 1842 وحتى عام 1879 أى سبعة وثلاثين عاما، تغطى المدة من قدومه لمصر إلى عزل الخديو إسماعيل.

كتب يقول :
«إن من يرى مصر منذ أربعين عاما لا يسعه إلا أن يندهش من التحولات والإصلاحات التى حدثت بها. إنه عالم جديد هذا الذى يظهر.. إلى من يرجع؟ وما السبب فى هذا التحول؟ وكيف حدث؟. ما أن يتعلق الأمر بمصر الحديثة، فإنه دائما يجب الرجوع إلى محمد على الكبير.. إنه هو الذى حولها وفتح لها أبواب المدنية الحديثة والمنافسة مع أوروبا، ومن خلال الأبواب التى فتحها محمد على جرت الأحداث ودخلت الأفكار التى أكملت العمل الذى بدأه. وقد وجدت نفسى مدعوا لأداء دور فى هذه الأحداث، بل ووجدت نفسى واحدا من الذين ابتكروا كثيرا من هذه الأفكار. والآن وقد وصلت إلى عمر لا يعنى معه المستقبل شيئا كثيرا بالنسبة لى، سوف أعيش وأعايش هذه الذكريات والأحداث التى كنت أنا نفسى شاهدا عليها، وسوف أترك لنفسى العنان كى أبحر معها وسط تيار أفكارى». كلمات ذكرها نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر كمدخل لمذكراته التى كتبها فى مدينة كان الفرنسية فى نوفمبر 1890. ليبدأ تدفق الذكريات أو المذكرات. قبل القراءة وقبل الدخول الحقيقى فى عالم المذكرات لابد لنا أن نذكر هنا كلمات الدكتورة لطيفة سالم وهى مهمة إذ تقول: «ومن المؤكد أن للمذكرات أهميتها العلمية، فلها المكانة بين المصادر التى يعتمد عليها فى الكتابة التاريخية، ولكن لابد من أن تخضع لمنهج البحث التاريخى.. ولا نريد أن نسترسل فى بيان كيفية استخدامها، وإنما لابد من الإشارة إلى أن قراءتها يجب أن تكون فى حدود الزمن الذى عايشته حتى لا نصدر الأحكام التى تدين أو تبرئ أصحابها». ومن ناحيتنا نزيد على ذلك فنقول إنه يجب أن نقرأ المذكرات ونحن مدركون أنها مجرد استدعاء للأحداث والشخصيات ووقائع مضى عليها الكثير، لا تسجيلا يوميا، فضلا عن أن مذكرات نوبار باشا تتوقف عند عام 1879 أى لم يذكر فترة توليه النظارتين الثانية والثالثة، والتى كان بتسجيلها تكتمل المذكرات. وهذا لا يقلل من جمال المذكرات وأهميتها فهى ترسم جزءا من صورة مصر أيام من أرادوا إصلاحها وتطورها.

مضمون المذكرات:
خدم نوبار باشا فى عهد ستة من ولاة مصر، محمد على باشا وإبراهيم باشا ثم عباس حلمى الأول ثم سعيد ثم إسماعيل ثم توفيق وأخيرا عباس حلمى الثانى، لذلك تشهد مذكراته على الكثير من تاريخ مصر فى عهد هؤلاء الولاة، وتكشف عن الوجه الآخر لنوبار باشا الذى كثيرا ما تعرض للاتهام بموالاته للأجانب على حساب المصريين. ورغم ذلك يقدم فى مذكراته بشكل عام ضيقه بسيطرة الأجانب على الوضع العام فى مصر، وسعيه لتأسيس المحاكم المختلطة للحد من هذه السيطرة. وتنقسم مذكرات نوبار إلى أربعة أقسام تضم واحدا وأربعين فصلا، بالإضافة إلى مقدمة وملاحظات لميريت بطرس غالى، وبعض الملاحق وأقسام المذكرات غير متوازية، فبينما يخصص صاحب المذكرات ستة فصول لمحمد على وإبراهيم وأربعة لعباس وستة لسعيد، فإن إسماعيل يستحوذ على خمسة وعشرين فصلا. وبديهى أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، ذكرتها د.لطيفة ( رئيسة مركز الدراسات التاريخية بدار الشروق الذي اصدر هذة المذكرات ) فى دراستها عن نوبار باشا، منها أن تلك الفترة قد تم فيها صياغة المشروع التحديثى، وأن نوبار قد بلغ مرحلة من النضج والخبرة مما كان له الأثر فى إسهامه بدور فعال فى توجيه الأحداث. وفى السطور الآتية نعرض فى الحلقة الأولى من قراءة المذكرات للستة فصول الأولى المخصصة لمحمد على وإبراهيم باشا، على أن تشمل الحلقة الثانية الفصول العشرة لعباس وسعيد، وننهى القراءة بعرض الفصول الخمسة والعشرين المخصصة للخديو إسماعيل الذى تنتهى المذكرات بتاريخ عزل الخديو إسماعيل.

بداية المذكرات:
«وعندما اقتربت السفينة من مصر أيقنت أننى على وشك الدخول إلى عالم جديد».. عبارة قالها نوبار باشا فى فصله الأول (1842 ــ 1844)، وذلك بعد أن تم الاتفاق بين محمد على وبوغوص خال نوبار بأن يتم إرسال نوبار إلى مرسيليا للمطالبة بأوراق والده الشخصية. ومعروف أن نوبار ينتمى إلى الأرمن الذين أصبح لهم وضع خاص فى دولة محمد على، إذ اعتمد عليهم فى تنفيذ سياسته، بعد أن أيقن أمانتهم وثقافتهم ومهارتهم. ويحكى نوبار فى الأوراق الأولى من مذكراته انطباعاته عن مصر وحكم محمد على، وتوقف قليلا عند حادثة لا تزال ــ وقت كتابة المذكرات ــ تؤثر عليه وهى تجربة خاله بوغوص مع الوالى محمد على. يقول نوبار عنها: «ولا أزال حتى هذه اللحظة أرى تجربة خالى ماثلة أمامى وهو يعيش منطويا ومنزويا فى صالون صغير لا يستقبل أحدا ولا يذهب إلى الوالى قبل أن يصلى صلاة قصيرة وكأنه يدخل إلى قفص الأسد، وذلك بسبب تأثير الأحداث التى مر بها والمواقف الدموية التى كان شاهدا عليها وتركت آثارها فى نفسيته، بل إنه هو نفسه كاد أن يصبح ضحية غضب الوالى فى يوم من الأيام. حدثت الواقعة بعد فترة قليلة من تنصيب محمد على واليا على حكم مصر وكان بوغوص أو الخواجة «وهى كلمة تعنى سيد العمل» رئيسا لخزانة جمارك دمياط، وعلى أثر مناقشة بينه وبين محمد على فى بعض الأمور المالية استشاط الأخير غضبا وصاح قائلا : «فليسق من قدميه». وكانت هذه عبارة تعنى اعتقال شخص لإعدامه، فتقدم أحد القواسة بسرعة لتنفيذ الأوامر، وسيق بوغوص إلى خارج الغرفة، ولكن القواس كان تركيا وكان مدينا بمعروف له فتظاهر بأنه يقوده إلى شاطئ النيل لإلقاء جثته فيه بعد تنفيذ حكم الإعدام فيه وأخذه إلى منزل مهجور حيث اختبأ وعاد القواس ليخبر محمد على بأن أوامره نفذت. وأضاف نوبار باشا أنه بعد فترة قصيرة مر محمد على بضائقة مالية فى رشيد واحتاج بشدة إلى النصيحة، فلم يستطع أن يمنع نفسه من الصياح قائلا: «رباه، لو كان بوغوص هنا لأنقذنى من هذه المحنة». واعترف بعد ذلك القواس بأنه لم ينفذ الأوامر، فصاح محمد على: «بوغوص حى؟! اذهب وأحضره حالا، وإلا دفعت رأسك ثمنا عن رأسه».

أحوال الرعية:
بعد ذلك أوضح نوبار باشا إنجازات محمد على وأحوال الرعية «المسيحيين»، والذى يعد نوبار باشا واحدا منهم، مؤكدا أن محمد على فتح أمام مصر التقدم الصناعى الأوروبى، بل استدعى الطبيب والمهندس والبحار واحترم كل هؤلاء حتى يتعلم الناس بدورهم احترامهم. وليقرب نوبار باشا الصورة قال: «فقد كان هذا شيئا هينا؛ لأنهم كانوا ــ يقصد الطبيب والمهندس والبحار ــ من الأجانب والضيوف والسادة. لكن أن يتم رفع شأن المسيحى «الرعية» وأن يحترم من المسلم وأن يسير جنبا إلى جنب مع البك والباشا التركى أو الشركسى وأن تتم مساواته بالمسلم ويحظى بنفس الاهتمام والتكريم ــ هنا بالفعل كانت صعوبة العمل، الذى مثل انقلابا لكل المعتقدات والأفكار المتجمدة فى البلاد. وليدلل نوبار على كلامه حاول بكل الطرق أن يمتدح رؤية محمد على وإبراهيم ابنه لتقدم وتطور مصر، وحاول أن يتذكر كل الحوادث على تدل على ذلك منها، ففى فصله الثانى قال نوبار عن محمد على: «أقول إن هذا العادل الكبير، هذا المصلح للعادات وللأفكار المظلمة، كان محل تقدير الشعوب الكردية والتركية فى آسيا الوسطى، واعتبروه ممثل الإسلام بحق ومدافعا صلدا عن العقيدة فى مواجهة المسلمين غير الأوفياء فى القسطنطينية، الذين تأثروا بالتقاليد الأوروبية ويتلقون أوامرهم من موسكو». وفى منطقة أخرى من المذكرات يذكر نوبار باشا أن محمد على هو الذى غير فى مصر كل الأفكار السائدة فى الشرق، كل هذه الأفكار المتخلفة عن أوروبا.. إنه هو الذى كسر واخترق الحاجز الذى كان الشرق قد غلف نفسه به باستدعاء العنصر الأوروبى وتشجيعه على الإقامة فى البلاد والاستقرار بها عن طريق تملكه الأرض للبناء والاستكشاف. فى كلمة واحدة: لقد جعل مصر البلد المنعزل فى اتصال مع التقدم الذى تمثله أوروبا.

الإنجليزية هى السبب:
ولم يغفل نوبار باشا فى مذاكرته ذكر سبب إسناد المناصب إليه والرتب الكثيرة التى منحت له. وكان السبب بسيطا جدا وهو معرفته القليلة بالإنجليزية اللغة التى لم يكن أحد من معية محمد على يعرفها فضلا عن أنه سبقته سمعة أنه رجل مثقف وعالم، وبلغة الواثق من نفسه يقول نوبار: «لقد كان لاهتمامهم بى عند دخولى فى معية محمد على فائدة كبيرة على، لكن ألم أكن أستحق بالفعل هذا الاهتمام.. ألم أكن كاتبا وموظفا مثقفا.. ألم أكن أنا من فك لهم طلاسم خطاب دوق دى راجيز؟!». وللحقيقة كلمات الثقة النوبارية قريبة من الحقيقة، فمن يقرأ المذكرات يندهش من جمال أسلوبها، ولعل هذا جعل الدراسة السابقة للمذكرات تؤكد أن الأسلوب، الذى اتبعه نوبار باشا فى المذكرات السهل الممتنع، والثرى الشائق، وأنه اختار التعبير القصصى، وذلك باستحضار الأمثلة ونقل الحوارات.

التقرب من الوالى:
فى فصله الثالث قال نوبار: «إنه بعد شهرين أو ثلاثة من دخولى فى ديوان محمد على، جاء إبراهيم باشا إلى الإسكندرية لقضاء الوقت وطلب من والده إلحاقى بخاصته». وتساءل نوبار: «لماذا إذن لم يصطحب إبراهيم باشا سكرتيره معه.. ولماذا طلبنى من والده؟ أعتقد أن إبراهيم علم بشكوك والده نحوه فأراد أن يزيح هذه الشكوك باستعارة رجل من خاصة والده وديوانه ليصبح شاهدا ومترجما لمحادثاته مع القناصل العموميين». وبذلك أصبح نوبار باشا قريبا من السلطة ليسجل لنا رأيه فى حادثة مشهورة فى تاريخ مصر، وهى توتر العلاقات بين محمد على وإبراهيم باشا، وتهديد محمد على بترك مصر والاعتكاف بالحجاز. وعن انطباعه نقرأ: «وفى الطريق قال لى دون أن أستطيع قراءة أى تعبيرات على وجهه وملامحه: إن والده اعتكف فى سراى محرم بك، ويهدد بترك مصر والذهاب إلى الحجاز.. وعند وصولنا إلى محرم بك رفض محمد على استقبال ابنه، فاتجهنا مباشرة إلى سراى رأس التين، حيث كان الوجهاء الذين يشاركون فى أعمال الاجتماع قد تجمعوا. وفى هذه الاثناء، علمت أن المجلس شعر بأنه قدم توصيات بخصوص الضرائب والإصلاح الإدارى أغضبت محمد على إلى أقصى درجة. وكان الحضور يتهامسون أن ابنته نازلى جلبت له بالأمس جارية من قصر الحريم ونظرا لصغر سنها أعطوا محمد على بعض المقويات كى يسترد صحته وشبابه.. وأخيرا قيل همسا بأنه ذهب للصيد وهو فى كامل نشاطه. وبكلام أكثر فصاحة تساءل نوبار: «هل كانت نية محمد على التى أعلنها بالاعتكاف فى الحجاز خدعة.. أم كانت حقيقة؟ ماذا يمكن أن يخفى هذا الإصرار من جانب رجل يحسب دائما حسابا لكل ما يفعله ويعرف دائما ماذا يريد؟ انعقدت الجلسة وكتب خطاب لمحمد على يحوى تساؤلا عما إذا كان يمكنه أن يفصح عن رغباته التى لن تجد سوى العبيد المطيعين لها.. لكن بعد قليل من الوقت عاد صبحى بالخطاب فلقد عرفت الرسالة وحاملها وعلق الوالى على هذا الخطاب بأن هناك فى هذا المجلس شخصا غادرا وآخر طامعا، وأراد من المجلس تسليمهما له». وبمزيد من الأسئلة يسأل: «... من كان يقصد بهذا القول؟ كل فرد فى هذا المجلس كان يعرف من هما المقصودان، ولكنه لم يكن يجرؤ على القول بأن الغدار كان إبراهيم، أما الطماع فكان شريف باشا. لكن لماذا لا يتم الإعلان عنهما لماذا أراد محمد على أن يقوم المجلس بتسليمهما له؟ أليس هو الحاكم.. أليس النفوذ كله له؟». بعد ذلك ترك أعضاء المجلس الإسكندرية واحدا تلو الآخر. وبعد عدة أيام علم نوبار أن محمد على استقبل أعضاء المجلس كلا على حدة وأن الأمور عادت إلى طبيعتها. ولكن لم يسكت نوبار باشا فهو كشخص يحب الفضول سأل قبطان بك مملوك إبراهيم وقائد السفن الحربية فى أثناء الحملة على الشام كيف سارت المقابلة الأولى بين محمد على وابنه بعد هذه الأحداث. وكان سؤال نوبار باشا بعد مرور ثلاث سنوات. وقص عليه قبطان بك أنه عند العودة إلى القاهرة تلقى إبراهيم خطابا من محمد على مليئا بالعتاب، وأنه أمضى اليوم كله نائما واضعا الخطاب على بطنه، قائلا: «أريد أن يُدفن هذا الخطاب معى، وذلك من شدة الاتهامات وقسوة العتاب الظالم الذى لا أساس له. إنه يحمل لى اتهامات أريد أن أحملها معى إلى القبر».

إبراهيم باشا العبقرى:
كان نوبار باشا معجبا بشدة بإبراهيم باشا فهو يراه مثال الرزانة والانسجام فى الملكات والقدرات، وبتعبير أقوى وأدق: كان إبراهيم يصل إلى حدود العبقرية. يذكر نوبار: «كان يهتم بكل شىء، كان مغرما بأرضه وكان بحق فخورا بالإصلاحات الملموسة والمهمة التى أدخلها ــ ويجب أن نرد له هذا الحق ــ فى أبعادياته التى كانت تقع معظم أراضيها فى مناطق زراعة الأرز. ورأيت يوما خطابا يثير الفضول فى أثناء إقامتنا فى إيطاليا كان إبراهيم يرسله إلى ناظر دائرته.. خطابا ظلت سطوره محفورة فى ذاكرتى إلى الآن يقول فيه: «كتب لى أحمد القاضى ناظر زراعة شباسات بأنه فى هذا العام زرع الأرز فى مساحة تزيد 800 فدان عن المساحة التى زرعها المرحوم حسن أفندى «الناظر السابق للزراعة هناك»، ولذلك فإننى أنوى كتابة نسخة أخرى من هذا الخطاب لأعلقها على صدرك كى تفضح كرامتك أمام زملائك بسبب إهمالك، وهذا من شأنه أن يعلمك فى المرة القادمة مراقبة وإدارة الأنفار، الذين تحت يديك بشكل أفضل. أما الخطاب الأصلى فإنى أنوى أن أعلقه على شاهد ضريح المرحوم حسن قائلا له: «أترى ماذا يفعل خلفك أحمد القاضى.. وسوف أترك هذا الخطاب معلقا على قبره حتى يحمل معه عاره إلى العالم الآخر كما حمله فى هذا العالم». وتساءل نوبار: «أكان فرعون يستطيع فى مثل هذه الظروف أن يعبر عن نفسه بشكل أفضل من هذا؟» فيجيب: لكن إبراهيم كان يعرف كيف يتحدث إلى كل شخص بلغته. فقد كان هو ووالده من العارفين بالرجال. ويكشف لنا نوبار فى نهاية مذكراته عن حكم محمد على وإبراهيم باشا لحظات محمد على الأخيرة ووفاة ابنه إبراهيم باشا: فى أثناء اللامبالاة، التى لازمت إبراهيم إلى قبره، كان أبوه كلما أفاق للحظات من غفلته الذهنية المستمرة يطوف شوارع القاهرة فى حراسة مماليكه وسط جموع الناس، التى كانت تنظر إليه باحترام ويرون فيه أحد المجاذيب «ويعنى الشخص الملهم من عند الله». وعندما أخبر بوفاة ابنه رد قائلا: «كنت أعرف لقد حبسنى.. كان قاسيا معى كما كان مع الجميع.. لقد عاقبه الله وأماته، لكنى أجد نفسى لكونى أباه من الواجب أن أترحم عليه وأدعو له الله». وعاش محمد بعد هذه الكلمات لعد أشهر تطارده دون هوادة فكرة أنه ما زال محبوسا. ويعود نوبار فيقول: «كان خوفو قد سبق ولجأ للعمل الإجبارى من أجل بناء الهرم الأكبر، الذى يحمل اسمه، وكان مقررا أن يكون قبرا له، لكن هيرودوت ذكر أن الأجيال، التى جاءت بعده لعنت ذكراه وأن أصداء أعماله البائسة كانت تتردد إلى الوقت الذى زار فيه مصر. بينما ستظل ذكرى محمد على خالدة ومقدسة متساوية بذلك فى وجدان الناس بذكرى الأولياء الصالحين. صحيح أن هذا التخليد لذكراه شىء عادل، لأن هذا الوالى الكبير سيطر على النيل الجامح، وأعطى للناس أسباب غناها، فحول مصر من بلد زراعى فقير إلى بلد يمتلك زراعة غنية، وإن كان مع كل هذه الوفرة ظل الفلاح بائسا، فإن الفلاح نفسه يعرف أن كل هذا سببه تناسى البعض لتقاليد الفلاح وأسلوب حياته البائسة، التى كان عليها أيضا فى العهد السابق».

انتهي الجزء الاول .....ويتبع الجزء الثاني ....

فى الحلقة الأولى لمذكرات نوبار باشا، أول رئيس لوزراء مصر، عرضنا ما يخص محمد على وإبراهيم باشا، وقد مدح نوبار محمد على، بقوله: إن ذكراه خالدة ومقدسة متساوية بذلك فى وجدان الناس بذكرى الأولياء الصالحين، ولخص رأيه فى إبراهيم بأنه مثال الرزانة والانسجام فى الملكات والقدرات، وبتعبير أقوى وأدق: كان إبراهيم يصل إلى حدود العبقرية، حسب رأى نوبار باشا.

واليوم، نعرض الحلقة الثانية التى تدور حول عباس وسعيد، على أن نقدم فى الحلقة الثالثة والأخيرة مذكرات نوبار باشا عن الخديو إسماعيل مع طرح سؤال مهم جاء فى الدراسة التى سبقت المذكرات: هل كان نوبار ذلك الرجل الذى أحب مصر وكان يعمل على مصلحتها؟، وهل هذه الصورة الوردية عنه التى رسمتها مذكراته قد اسُتخدمت فيها اللمسات الناعمة؟

بدأ نوبار باشا قسمه الثانى بالحديث عن عباس، ولكن قبل أن نعرف رأى نوبار فى عباس أقتطف رأى الدكتورة لطيفة سالم المذكور ضمن دراستها عن المذكرات، حيث تقول: «ومنذ البداية، فإنه يمكن الحكم على صاحب المذكرات من خلال ذلك الخط الذى التزم به فى أسلوب تعامله مع الولاة بما ينم عن فطنة ملحوظة؛ فهو يعى تماما متى يكون قريبا ومتى يبعد، وكيف يكتسب ثقة المتضادين، وقد جرى العرف على أن الحاكم الشرقى غالبا ما يستغنى عن مجموعة العاملين مع سلفه، وخصوصا إذا كان العداء يجمعه به؛ وهذا ما حدث مع عباس الأول «1848-1854». ولكن الأمر اختلف مع نوبار الذى تمكن من إبهار هذا الوالى برغم يقينه من أنه رجل عمه». وتضيف: «ومما يُسجل أن نوبار من القليلين الذين سجلوا إيجابيات هذا الوالى».

الوالى المنعزل:
ونجىء لمذكرات نوبار ــ التى تشمل 675 صفحة فضلا عن أكثر من 60 صفحة تحتوى على دراسات وملاحظات وملاحق للمذكرات ــ عن عباس ثم نختتم الحلقة بمذاكرته عن سعيد. بدأ نوبار قائلا: «بعد عدة أيام من وفاة إبراهيم عاد عباس من مكة، فى يوم الوفاة اجتمع كبار موظفى الدولة فى حجرتى وكلفوا مارى بك «Marie» قارع الطبول فى الجيش الفرنسى سابقا وأصبح فيما بعد قائمقام فى أثناء حروب الحجاز بأن يحمل إليه الخبر. رحل عباس من مكة فى الحال بينما تضاربت الآراء حوله فى مصر. كان الأوروبيون يعتبرونه رجلا متعصبا ورجعيا، وأستطيع القول بأن المصطلحين اليوم كما فى ذلك الحين معناهما واحد عند الأوروبيين. أما فى أوساط الموظفين فكان خليفة إبراهيم بالنسبة لهم شخصا لا يجيد فن التعامل مع الأزمات، وشبهوه بشخص لا يعرف كيف يتراجع فى الوقت المناسب عن ارتكاب جريمة.

وقد كانوا يعرفون أنه ينهمك جدا فى الأمور الإدارية، لكنه يحب العزلة ولا يشعر بالسرور إلا فى محيط أسرته. كان معروفا بين الكبار بأنه كسول. ولذلك كانوا يجدون صعوبة فى التأقلم مع فكرة أنه أصبح سيدا عليهم بعد أن عرفوه طفلا ثم مراهقا.

ويحلل نوبار الموقف، إذ رأى أنه فى ظل هذه الظروف كان من الطبيعى أن تصبح فكرة الطاعة العمياء فى نظرهم على الأقل غريبة. ويضيف فى هذه النقطة قائلا: «إنى مقتنع بأنهم إذا وجدوا من بينهم رجلا أو رجلين من ذوى الشخصية الذين لديهم القدرة على أخذ المبادرة فإنى مقتنع بأنهم سوف يحاولون السيطرة على الوالى الجديد أو توجيه وإيجاد قوة تكون بمثابة رد فعل لقوة السلطة المطلقة التى يتمتع بها الحاكم. لكنهم كانوا جميعا من حيث القدرة على اتخاذ المبادرة وقوة الشخصية أصفارا وعاجزين تماما. لكن، هل يمكن أن يكون الوضع غير ذلك؟ ففى خلال فترة عملهم الطويلة: هل كان لديهم فكرة واحدة عبروا بها عن شخصيتهم؟ ألم يظلوا دائما الأدوات القادرة فقط، إلى حد ما، على تنفيذ وأداء مهام الوظيفة؟ دائما منكسرون فى يدى سيد كان يفكر ويتصرف بالنيابة عنهم؟».

والسؤال الذى يطرح نفسه بعد قراءة تلك الفقرة من المذكرات: وهل كان نوبار باشا مختلفا عن هؤلاء غير القادرين أن يعبروا عن شخصيتهم؟ الإجابة تجىء على لسان الدكتورة لطيفة سالم التى أكدت أنه كان لوجود نوبار بالمعية أهمية بالغة، بالإضافة إلى شخصيته القوية، إذ تمتع بقدرة فائقة فى الإصرار على قضية يكون متحمسا لها، لا يتراجع إلا نادرا وأمام ظروف صعبة، حيث إن التصميم من صفاته. وتوضح أن ذلك كان قاسما مشتركا فى مشروعات كبيرة نفذت فى مصر مثل مشروع سكة الحديد الذى أيده وشجع عباس الأول على قبوله. وتدلل د. لطيفة على كلامها فتقول: «وفى عهد الأخير ــ أى عباس الأول ــ صعد نجم نوبار فى سماء العلاقات الخارجية سواء مع الدولة العثمانية صاحبة الموقف المضاد من الأرمن، أو الدول الأوروبية وبخاصة بريطانيا. وعندما اختلف مع الوالى انسحب من خدمته، وكان ذلك فى حد ذاته تحديا كبيرا منه، لأن الجميع يعتبرون أنفسهم «عبيد أفندينا».. ومع هذا فقد استدعاه عباس وولاه مركزا ــ وكيلا ــ فى فيينا»

مؤامرة على الوالى:
ونرجع مرة أخرى إلى المذكرات ونقول: لعل طرح نوبار الواضح فى المذكرات لمن هم حول عباس جعل الوالى مقتنعا بوجود مؤامرة، أو على الأقل اتفاق فيما بين كبار رجال الدولة على وضعه تحت السيطرة. وعن هذه المؤامرة يقول نوبار: «وفى رأيى الشخصى لم أصدق مثل هذا الكلام. من الممكن أنهم تبادلوا الآراء والمخاوف أو الآمال.. هذا ممكن، وفكروا فى تطبيق نظام للأمور مشابه لما هو قائم فى القسطنطينية، حيث كانت السلطة المطلقة للسلطان لا تمنع من مناقشة كل أمور الدولة واتخاذ القرار بشأنها من خلال الباب العالى. أستطيع أن أتقبل مثل هذا التفكير والتحليل للأمور لكن مع التحفظ على أن هذه الأفكار ظلت فى مرحلة التكون. وباختصار: أنا مقتنع بأنه من جانبهم كانت هناك نية للاستقلال، لكن وبسبب شخصياتهم الضعيفة فإنى أرفض تماما أن أصدق بوجود خطة حقيقية أو مؤامرة تم إيقافها».

ويزيد نوبار فى شرح تلك النقطة ويوضح أن عباس كان بطبيعته لا يثق بأحد، شكاكا بطبعه، متسائلا: «ومنْ لم يكن هكذا؟! ألم يكن إبراهيم يعيش على الشك دائما وأبدا؟ ألم يظل محمد على نفسه الذى سيطر على الجميع بذكائه أسير هذا الإحساس لآخر يوم فى حياته؟ وهل كان يستطيع حتى وهو فى حالة نصف الجنون التى كانت تنتابه البقاء ولو للحظة دون سيفه وحاجبه؟!».

ويبدو أن ذاكرة نوبار باشا كانت قوية وشبابية بشأن كل ما يخص ميول وأفكار وتحركات عباس إذ يصف ميوله قائلا: «بالإضافة إلى هذا الاتجاه الفطرى والطبيعى للشك كانت ميول عباس إلى التسلط عظيمة إلى أقصى حد، ولديه إحساس غريزى يلزمه بالارتباط برجاله المقربين الذين اعتبرهم كذلك من ذويه.. هكذا يمكننا أن نتبين وبكل سهولة أن زمن استخدام العنف بشكل جلى وواضح قد ولى، لكن مع الأخذ فى الحسبان رغبة عباس المطلقة فى إبعاد رجال الحكم السابق عن البلاد مهما كان الثمن».

أمران فى تحول مصر:
ويشير نوبار إلى أنه فى الوقت الذى كوّن فيه الأوروبيون آراءهم من ناحية ومشاعر كبار رجال الدولة من ناحية أخرى تجاه عباس، حدث أمران كان لهما الأثر فى تحول مصر: الأول وهو إنشاء خط السكك الحديدية، والثانى هو توزيع الأراضى على الفلاحين، تلك الأراضى التى هجروها لسبب أو لآخر أو تم ترحيلهم منها لإقامة إقطاعيات يملكها رجال الدولة.

ثم تحدث نوبار فى مذكراته عن أمر لا يقل أهمية عن الأمرين اللذين كان لهما الأثر فى تحول مصر، وهو موضوع الاتصالات بين أوروبا والشرق، حيث لا أحد يجهل ــ كما يقول نوبار باشا ــ أنه إلى عام 1834 كانت الاتصالات بين أوروبا والشرق الأقصى تتم عن طريق رأس الرجاء الصالح فقط، وفى هذه الفترة قام النقيب واجهون وهو أحد الضباط العاملين فى جيش الهند بقطع المسافة ما بين السويس والإسكندرية عدة مرات بالمراكب وعلى ظهر الجمال، كما سافر بين عدن والسويس على متن السفن العربية فى البحر الأحمر واقتنع بضرور تأسيس خدمة بريدية عبر مصر تضمن الاتصال المباشر بين بريطانيا والهند.

وكانت النتيجة قيام شركة إنجليزية باسم شركة «بينينسولير» التى أنشأت خطا ملاحيا بين ميناءى ساوثها مبون الإنجليزية والإسكندرية بالتنسيق مع سفن تقوم بالرحلة ما بين السويس وبومباى. وقد كانت لهذه الشركة الفضل فى عودة التجارة إلى الطريق القديمة المستخدمة منذ عهد البطالمة والرومان.

الخوف من السكك الحديدية:
وعن السكك الحديدية يذكر نوبار أن أوروبا فى عام 1849 قد أصيبت بحمى السكك الحديدية. وكان من الطبيعى إذن لتسهيل نقل البضائع عن طريق مصر أن تنشأ فكرة الربط بين السويس والإسكندرية عن طريق خط سكك حديدية وتتبلور فى عقول البعض. أما لبقية الأحداث، فلم تكن الفكرة جديدة. ففى أواخر عهد محمد على كان قد بدأ بالفعل الحديث بقوة عن مشروع للسكك الحديدية، بل أيضا كان الكلام قد بدأ عن قناة السويس. ويشرح نوبار أكثر أنه تذكر بهذا الخصوص أن مديرى الشركة الشرقية تقدموا بعد استشارة محمد على أو بعد تفاهم فيما بينهم: بمذكرة تولى نوبار ترجمتها كانت عن قناة السويس والمزايا المنتظرة عند افتتاحها التى تعود على التجارة بين أوروبا والشرق الأقصى، ويوضح: «لكن بعد ذلك قالوا لى، بل وقرأت فى مكان ما أن محمد على رفض فكرة القناة، لأنها ستكون مصدرا للخطر على أمن مصر وبقائها.

ويكمل نوبار: «وفى أثناء إقامتنا فى القسطنطينية مع عباس عام 1848 اتجهت النوايا إلى تأسيس خط للسكك الحديدية فى مصر، وكانت هذه إحدى النقاط التى أصبحت موضوع مشاورات بين رئيس وزراء تركيا وعباس. وحذر الصدر الأعظم عباس من أى تفكير فى خط حديدى. وأجهل بناء على أى استنتاج توصل الصدر الأعظم إلى أن أن وجود سكك الحديد معناه تسليم مصر إلى الاحتلال البريطانى.

أستطيع أن أفهم تحذير رشيد باشا له من إنشاء السكك الحديدية؛ لأنه كان يرى أن نمو حجم الترانزيت والعلاقات المصرية الأوروبية هى بداية لدخول أفكار جديدة إلى البلاد.. من ناحية أخرى فهى مجال لتدخل القوى العظمى فى شئون تركيا وهو التدخل الذى ازداد يوما بعد يوم بعد حروب محمد على وإعلان خط كلخانة فبدأ يُخيف الباب العالى بشكل جدى. كان رشيد إذن يمكن أن يكون على حق لأن أفكار ومعتقداته الإسلامية حول العزلة عن الغرب تجعله بالتأكيد على حق فى مثل هذا التفكير.

ثم يتطرق نوبار إلى تلخيص الموقف عند رحيله من القسطنطينية كالتالى: تقارب بين عباس والوزراء الأتراك مهد ليكونوا وسيلته للتخلص من أى شخص يُسبب له المتاعب. كانت الفكرة التى تدور فى ذهن عباس هى استغلال هذا التقارب ستارا يتخلص من ورائه من أشخاص آخرين غير سامى باشا ومن كل الذين كان يعتقد عداءهم سواء كان محقا أو مخطئا. وضع عباس داخل هذا التصنيف أعضاء عائلته الخاصة لا سيما من لا يُظهر منهم فروض الولاء والطاعة بشكل كامل كما كان يفعل مماليكه «الخاصة»، فى حين لم يكن هذا موقفه من أسرته هو.

غريزة السيد الكبير:
من يقرأ المذكرات يجد أن صاحبها كان هدفه إظهار الوجه الآخر لولاة مصر، فهو يكرر أكثر من مرة أن عباس كانت لديه غريزة السيد الكبير حيث يقول: «إن الاحتكار الذى أوجده محمد على أنهار بسبب هذه الاتفاقيات التجارية، لكنها ظلت لفترة تقاوم حتى بدأت بالتدريج فى الاندثار. فى المقابل، ترك عباس الفلاح حرا يبيع منتجات أرضه كما يحلو له، وكانت هذه هى نقطة الانطلاق لنهاية النظام الاقتصادى الذى كان قائما فى مصر على أن تجمع الحكومة فى يدها كل الأمور التى تخص التجارة والصناعة فى البلاد. لقد استطاع عباس بما لديه من غريزة السيد الكبير أن يُكوّن لنفسه رؤية صائبة ومعرفة تامة بتاريخ حكم جده وتبين مساوئ النظام الذى كان يسير عليه، لكن لم يكن مقدرا لهذا النظام أن ينتهى بشكل كامل إلا تحت حكم سعيد باشا خليفة عباس. لقد تنبهت إلى أننى عدت إلى الوراء وأننى أسُتدرجت إلى الحديث من جديد عن محمد على وأفكاره بخصوص التجارة والصناعة، وهى أفكار كانت تنتهجها عقلية غير مثقفة أوجدت الاحتكار والسيطرة على كل قطعة من قطع المصانع فى مصر. وفى الحقيقة لم تكن هذه الأفكار نتاج طريقة تفكير محمد على وحدها وإنما أيضا نتيجة الوسط الذى نشأ وعاش فيه حيث كان نظام الاحتكار هو السائد والمعمول به فى كل أنحاء الإمبراطورية العثمانية.

وخلال المذكرات نعرف أن الباب العالى لم يترك المساحة الكافية لعباس بل كان يريد التدخل المستمر بداعٍ أو بدون، خاصة فى محاولة إنشاء السكك الحديدية فضلا عن عداء فرنسا لعباس ولمشروع خط سكة الحديد الذى لم يعجبها إلى حد كبير مما جعل السيد «باروش» أحد وزراء الأمير الحاكم يقول: «إن خطكم الحديدى حربة موجهة لترشق بقسوة فى صدر فرنسا»، بل زاد الأمر: «سوف تتبدل كل محطة للقطارات شيئا فشيئا لتصبح مستعمرة إنجليزية».

ويختم نوبار باشا مذكراته حول عباس فيقول: «إن ذكريات عصر عباس دفعتنى إلى أن أتخطى حدودى التى حددتها لنفسى؛ لأن حكمه كان مأساويا، ولم يكن يمثل بالفعل واحدة من الخطوات الرئيسية فى تاريخ البلاد وتحول مصر فحسب، وإنما عرف أيضا بشكل سيئ أو ضئيل. وفُهمت شخصية عباس بشكل خاطئ لدى الأجيال الحالية. لقد تخلى التاريخ عن عباس تاركا فى الظل الحديث عن قدراته ومميزاته الرفيعة كإدارى له مبادئ ونظام فى الحكم والاقتصاد.. وفى غمار ذكرياتى أننى سعيد بأننى أرد لذكراه هذه الشهادة العادلة التى يستحقها وإن كانت متأخرة.. فقد كان عباس بحق يمثل آخر الولاة حسب مفهوم السلطة المطلقة».

سعيد العاطفى:
بعد ذلك بدأت ذاكرة نوبار باشا فى تسطير عهد سعيد الذى كان لا يرتاح له نوبار ويحاول مقارنته دائما بمن سبقوه، حيث يقول: «كانت مهمتى سهلة نسبيا عندما كنت أُخط انطباعاتى عن زمن الولاة الأوائل، لأن عملهم القوى والذكى لتطوير مصر تمت إدارته بالفعل بطريقة متطورة ومستمرة، لكن كل شىء اتخذ شكلا جديدا منذ الأيام الأولى لتولى سعيد الحكم، كل شىء سار سريعا وبشكل مفاجئ وكأننا نجلس فى مسرح نشاهد مشهدا يتغير داخل رواية خالية. كان الولاة يستلهمون ما هو مفيد من العنصر الأوروبى ولكنهم فى الوقت نفسه سيطروا عليه وأخضعوه لإرادتهم وظل الوالى هو السيد المطاع. لكن مع مرور الوقت غزت أوروبا مصر، وكان هذا الغزو يستمد قوته أحيانا من أذناب الحاشية الملتفة حول أمير شاب مفتون بالسلطة عاطفى غير مدرك، ولا يعى أن هذه الحاشية تدفعه وتُسيره وتُسيطر عليه، وقد اعتقد فى البداية أنه هو الذى يقودها ويسيطر عليها. وهكذا بدأت فصول الرواية الفوضوية أولا فى بلاط الوالى، ثم امتدت بقوة إلى إدارات الحكومة حتى وصلت بشكل أقل قوة لتنتشر بين صفوف الشعب. ومن الصعب أن أصف مدى ما حدث من تضارب فى الأفكار نتيجة هذه الفوضى، لكننى ربما أستطيع أن أبين لكم الأسباب التى أدت إلى هذا الوضع الذى كان أساسه شخصية الوالى الجديد وإن لم يكن هذا هو السبب الوحيد، لكنه كان شديد السطحية ويفتقر تماما إلى احترام الذات كليا محبا للمظاهر البراقة».
إذن نعرف أن نوبار باشا لم يكن يحترم سعيد بل رأه «شابا مفتونا بالسلطة عاطفيا غير مدرك». بل زاد فى القول: «مسكين سعيد؛ لولا المكابرة وافتقاده للحكمة، ولولا استدراجه إلى تغيير كل شىء والسير عكس الطريق الذى كان يسير فيه عباس ولو كان بكل ما أوتى من روح ونبل وتسامح قد احترم نفسه قليلا، لكانت فترة حكمه ستكون فى كل الأحوال خصبة لمصر تماما مثل خصوبة طمى النيل المبارك. لكننى وأنا أكتب هذه السطور أرى أمامى نهايته البائسة وقلبى يعتصر ألما لهذه الذكرى»
اكتتاب قناة السويس

وحسب كلمات نوبار لا نستغرب ونحن نقرأ فترة حكم سعيد التى شهدت تطورا هائلا لأحوال مصر والمصريين، ومنها يذكر نوبار اكتتاب قناة السويس: «مثل المسيو دى ليسبس عنصرا للقلق دفعته مصلحته بصفة عامة للسير فى هذا الطريق. فشركة قناة السويس لم تكن قد تكونت بعد، وكان لابد من توفير المال للقيام بالدراسات الأولية، كذلك القيام بالدعاية اللازمة لاجتذاب رأس المال اللازم لتنفيذ المشروع. تبرع سعيد بهذا المبلغ كما تبرع أيضا بالمبلغ اللازم ليكون رأسمال لتأسيس المشروع.. ولأن الصيد لا يكون ممكنا إلا فى المياه العكرة، فكان لابد من أن تقوم بعض الأيدى الخفية بالمساعدة على تعكير الماء بطريقة غير مباشرة ولكن فعالة، ولن أذكر سوى حدث واحد يبرهن على هذا، روى لى أحداثه القنصل العام الفرنسى بنفسه بعد مضى كثير من الأعوام، وهو كالآتى: طرح المسيو دى ليسبس أسهما للاكتتاب فى لندن وباريس وبرلين وفينا وفى بقية عواصم العالم، ولأن القناة مشروع عالمى فكان لابد من أن يكون الاكتتاب كذلك أيضا.

ومن مجموع مائتى مليون فرنك كانت مطلوبة لتنفيذ المشروع تم الحصول على مائة واثنى عشر مليون فرنك فقط وفشلت حملة الاكتتاب، لكن المسيو دى ليسبس أكد أنها تسير بشكل رائع وأعلن عن مسئوليته، وبمبادرة شخصية منه ودون استشارة الوالى أنه اكتتب مبلع الثمانية والثمانين مليون فرنك الباقية باسم سعيد ثم عاد إلى مصر سعيدا ومبتسما بما فعل،لأنه كما ذكر يتصرف بصفته وكيلا للوالى.

ويكمل نوبار قوله عن قناة السويس فيقول: «تم بذلك التوصل إلى تأسيس الشركة، لكن هل كان تأسيس الشركة قانونيا؟، بالتأكيد لا؛ لأن المسيو دى ليسبس بوصفه رئيسا لمجلس الإدارة والوالى بوصفه مساهما، لم يكن لهما حق التوقيع على اتفاقية تجعل من الحكومة المصرية مساهما بشكل لا يتفق مع اللوائح والقوانين والشرعية الدولية من أجل أن تدفع ثمن الأسهم. لكن منْ كان يهتم؟ فالوالى لم يكن يبحث إلا عن التخلص من مأزق دى ليسبس الذى لم يكن يبغى سوى المال لكى يمضى قدما فى المشروع.

الكل رئيس إلا أنا:
وبذلك لم يؤيد نوبار باشا مشروع القناة ولا القائمين عليه وبالذات دى ليسبس، وعاب على سعيد اهتمامه بالجيش فقط. وفى الوقت نفسه انتقد سطوة الأجانب فى عهده. كما رصد نوبار مساوئ الامتيازات الاجنبية، خاصة الشق المتعلق بالقضاء القنصلى، وتلك الأحكام التى صدرت ضد الأهالى وكذلك الحكومة.

ويتضح من المذكرات أن نوبار باشا كان ضد السخرة ويعتبرها أمرا رهيبا، لذلك كان يرفضها بشدة، وهذا يظهر من خطابه إلى السيد روس كبير المهندسين الذى طلب من نوبار عمال السخرة لإصلاح عطل خط مزدوج أنشئ حديثا بين دمنهور وكفر الزيات، وجاء فى الخطاب: «لقد طلبتم منى أربعة ألاف رجل سخرة من أجل إصلاح الخط، وأنتم تعلمون تماما مشاعرى حيال طبيعة هذا النوع من العمل، لقد أصلح كل من السيد مايش والسيد جازاجاس الخط بمجرد الاستعانة بعمال الصيانة العاديين؛ لذا أرجو أن تعتبروا أنفسكم ليس أهلا للبقاء بعد ذلك فى خدمة الإدارة».

وعن ذات فترة توليه إدارة السكك الحديدية يوضح نوبار باشا: «كان كل واحد منهم يحسب نفسه الرئيس ويتصرف على هواه. كما أن الجالية الأوروبية المتشبعة بهذه المشاعر كانت تتخيل أن سكك الحديد مؤسسة تم إنشاؤها من أجلهم ومن أجل مصالحهم فقط. كان القليل منهم فقط يدفع ثمن كرسيه بل إن القناصل كانوا هم أول من لا يدفعون، وصاروا مثلا يحتذى به. وعلى رغم قلة الموارد حجزت لهم دواوين «كبائن القطارات» بأسمائهم. باختصار وكما كان الوالى يقول:«الكل فى سكك الحديد يأمر، الكل رئيس إلا أنا». وكان فى ذلك القول أمر إيجابى، على أى حال، حيث توصل على الأقل لمعرفة الموقف. لكن منْ المخطئ؟».

من يقرأ المذكرات يعرف أن المخطئ كان هو الوالى سعيد الذى توفى ودفن بطريقة لا تليق، يصف ذلك نوبار: «فى المساء قال لى الأطباء: إنه لم يعد هناك أى أمل.. وصعد أحد الأطباء إلى الوالى ثم نزل ليخبر زملاءه بحالة المريض التى كانت سكرات الموت قد بدأت تنتابه.. وبعد قليل أخبرونا أن سعيد لفظ أنفاسه الأخيرة فى يناير 1863. تجمع كل الموظفين وكتبوا تلغرافا لإسماعيل الذى كان حينذاك فى القاهرة يسألونه التعليمات ويخبرونه بالحدث. أجاب الوالى الجديد بدعوتهم جميعا للحضور إلى القاهرة. تهافت الجميع على أول قطار يغادر إلى القاهرة وهرعوا للذهاب دون ترك أى أوامر أو اتخاذ أى إجراءات بخصوص مراسم الدفن. ولا أعلم كيف تم الدفن؛ لأن الجميع سافر إلى القاهرة، وعلمت بعد ذلك من محافظ الإسكندرية أنه كان على رأس الجنازة التى لم يشترك فيها أحد الموظفين. لقد صاحب النسيان واللامبالاة الكاملة سعيدا إلى القبر، وعلمت أيضا فيما بعد أن جثمانه دفن فى مسجد النبى دانيال».

وبذلك يختتم نوبار حديثه عن سعيد ليبدأ مذكراته عن الخديو إسماعيل

يتبع الجزء الثالث والأخير ...

بعد أن عرضنا فى الحلقتين السابقتين مذكرات نوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر عن محمد على وإبراهيم باشا وعباس وسعيد، وأصابنا الانبهار والدهشة من مستوى تلك المذكرات ــ خاصة الترجمة العربية الكاملة للمذكرات الصادرة حديثا عن دار الشروق ــ التى سطرها رجل سياسى وثقافى من الدرجة الأولى، نجىء اليوم لعرض مذكراته عن الخديو إسماعيل الذى أخذ النصيب الأكبر من المذكرات، ففترة إسماعيل هى الجزء الحقيقى والأهم من المذكرات، وهو ما أكده المفكر الكبير ميريت بطرس غالى فى ملاحظاته على المذكرات، وهو ما أكدته أيضا الدكتورة لطيفة سالم فى دراستها «استدعاء الماضى»، إذ تقول: «إن إسماعيل يستحوذ على خمسة وعشرين فصلا.. وبديهى أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها أن تلك الفترة قد تم فيها صياغة المشروع التحديثى، وأن نوبار قد بلغ مرحلة من النضج والخبرة مما كان له الأثر فى إسهامه بدور فعال فى توجيه الأحداث».

ولابد لنا أن نعرف أن وضع نوبار مع إسماعيل (1863ــ 1879) لم يختل؛ فمنذ البداية راح الوالى يستشيره، ليس هذا فقط، وإنما رأى فيه المعبر عن أفكاره، والأداة المنفذة لها. ومن هنا وجد صاحب المذكرات ــ حسب دراسة «استدعاء الماضى» ــ أن الفرصة قد حانت ليترجم الإصلاح المنشود كما يراه. ومضت مهامه الصعبة تأخذ سبلها. فعندما تعقدت مسألة قناة السويس، حاول معالجتها، لكنه لم يحصد النقاط لصالحه كما أراد، وحين صدر التحكيم وجده ظالما وانتقده. وسعى فى الحصول على المميزات التى ترفع من شأن مصر، وتمثلت فى الفرمانات المتتالية لإسماعيل. وأقلقته مسألة السخرة، وتأزم من استخدامها فى كثير من الأعمال، ولمسها عن قرب عندما تولى إدارة سكة الحديد، حيث عايش بؤس الفلاحين الذى سُخروا وتركوا زراعاتهم وهجروها، وكانوا فى الوقت نفسه مطالبين بدفع الضرائب. وأترك الآن المساحة لنوبار باشا ليحدثنا عن الخديو إسماعيل المثير للجدل والحيرة، على أن نطرح بعض الأسئلة الملحة حول نوبار باشا ومذكراته فى نهاية هذه الحلقة.

إسماعيل البقال:
بدأ نوبار مذكراته عن الخديو إسماعيل بقوله: «كنت بالكاد أعرف الوالى الجديد لأن العلاقة كانت نادرة بين الأمراء والموظفين، حيث كان هناك كثير من التحفظ فى العلاقات ما بين الطرفين. ويمكننى القول: إنه كان من الضرورى أن يكون الأمر كذلك. كنا نعرف فقط أن إسماعيل يقتصر اهتمامه الجاد على أراضيه ومزارعه التى اتسعت مساحتها وامتدت. كما اقتصرت علاقاته مع الأوروبيين على بيع منتجات أراضيه لهم وتبادل بعض الأعمال معهم، وكان الجميع يتحدثون عما يسود دائرته من نظام. صحيح أن «سعيد» كان يعامل إسماعيل كأنه بقال وكان يقول دائما: «سوف تفتقدوننى عندما يصبح واليا عليكم». لكن «سعيد» أيضا كانت له طرائف كثيرة منها أنه كان لا يبالى بالمالية أو الاقتصاد فى الدولة ويرى أنها عمل لا يليق بأمير بل عمل يصلح فقط من أجل الموظفين. كان من الطبيعى إذن أن يتفوه بمثل هذه الكلمات التى تعبر عن الازدراء عندما يتحدث عن هؤلاء الذين كان من الممكن أن تكون لديهم مثل هذه الاهتمامات التى كانت مصر بالتحديد فى حاجة إليها.

عندما سافرت إلى القاهرة لتقديم فروض الولاء والطاعة للوالى الجديد مساء نفس اليوم الذى تسلم فيه السلطة، صرح لى إسماعيل عن فكرة كانت تراوده منذ عهد سعيد ألا وهى تقسيم الأزبكية وبيعها. كانت الأزبكية حديقة كبيرة فى القاهرة أصلها بحيرة قديمة تم تجفيفها وحمايتها من مياه الفيضان، وكان تصطف على جانبيها الأشجار الرائعة التى زرعها محمد على. كانت جموع غفيرة من الشعب تتجمع فى هذه الحديقة مساء كل يوم لتتنزه وتشرب القهوة أو البوظة على أنغام الموسيقى الشرقية التى قد تكون بالنسبة للأذن الأوروبية نشازا لكنها مع تأثير القهوة والبوظة والأشجار تحت سماء القاهرة بنجومها كانت تعكس دائما الجو الشرقى فى مشهد حالم يأخذ بالألباب بعيدا عن الواقع، وكلها أمور لا يستطيع أن يفهمها سوى هؤلاء الذين يحسون مثل هذا البهاء والسحر.

أمر غريب:
ولأن نوبار ــ الذى بدا واضحا ثقل خبرته ونضجه السياسى أيام إسماعيل ــ كان يضع أمنيات وتصرفات إسماعيل تحت المنظار دائما، لذلك نلاحظ قوة التعليقات ودوام التساؤل حول الخديو، وهذا يتضح فى تعليقات نوبار على اقتراح إسماعيل بيع حديقة الأزبكية، إذ يقول: «بدت لى فكرة قطع الأشجار التى زرعها محمد على وراقب نموها بكل حب لتحل محلها العمائر والمنازل القبيحة من أجل جمع المال وهذا كان أمرا غريبا لم يكن من الممكن توقعه. لم أرد على إسماعيل بشىء، لكننى لم أستطع أن أمنع نفسى من التساؤل: هل كان من حقه أن يقسم ويعرض للبيع حديقة عامة ومكانا للترويح عن شعب بأكمله؟ حقيقى لم يكن فى نفسى شىء أقوله، لكن أصحاب المنازل التى كانت تحيط بالحديقة ألم يكن من حقهم فى هذه الحالة أن يشكوا ويطالبوا بالتعويضات ضد هذا الإجراء الذى من شأنه أن يضيع قيمة منازلهم التى تطل على الحديقة؟ وعلى الرغم من أنه لم يكن قد مضى على وصول إسماعيل إلى الحكم عدة ساعات فقط، فإنه بدا لى أنه كان مشغولا بعدة أمور أخرى».

الوظيفة أفضل من الأرض:
عن تلك الأمور الأخرى يذكر نوبار أن هذه الأمور التى شغلت إسماعيل كانت تتعلق بحالة الموظفين الذين نالوا مخصصات من الأراضى بدلا من المعاش. ويستفيض نوبار حول هذه النقطة فيؤكد: «كان إسماعيل يجهل أننى كنت من أشار بهذه الفكرة على سعيد. كان معظم الموظفين سعداء بوضعهم الجديد، فبدلا من معاش كان يصرف لهم بصفة غير منتظمة، أصبحت لديهم أراضٍ بإمكانهم التعيش منها. صحيح أن بعضا منهم كان غير مستريح لهذا القرار؛ لأن الأرض التى خُصصت له بعد التقسيم لم تكن تربتها جيدة، إلا أن هذا الأمر كان ينطبق على قلة منهم. تحدث إسماعيل معى عن الموظفين جميعا بوصفهم ضحايا قرار فردى، وقال لى إنه ينوى تصحيح هذا الظلم الواقع عليهم بشكل نهائى بقرار إعادتهم جميعا إلى الخدمة وإعطائهم وظائف فى الإدارات، وبالتالى وفى ظل هذه القرارات، كان يجب إعادة الأراضى التى تملكوها إلى الحكومة. اعتقدت فى البداية ومن الطريقة التى عرض بها المسألة أنه مهتم بالموظفين بحق لأننى كنت قد عرفت المصريين بما فيه الكفاية كى أعلم أن جميع الموظفين ستكون فرحتهم كبيرة بعودتهم إلى الخدمة حتى لو كان هذا معناه ترك أراضيهم.

إن المصرى بطبعه موظفا، بل إن الوظيفة تمثل بالنسبة له السلطة، وكنت فى ذلك الوقت أعرف عضوا فى أسرة أحد العمد كان مستعدا أن يقبل بكل ترحاب أن يبادل مركزه كعمدة منتظر ويضحى بجزء من ثروته كى يشتغل فى خدمة الحكومة ويحصل على وظيفة حتى لو كانت صغيرة، لكنها ستسمح له بتوسيع نفوذه وتأثيره بشكل أوسع عما كانت عليه فى قريته الصغيرة. كنت حينذاك بعيدا جدا عن توقع ما كان إسماعيل يخفى من وراء هذا القرار. وسرعان ما تبينت كل شىء عندما بدأ التنفيذ بعد عودتنا من القسطنطينية حيث أعيد بعض الذين كانوا قد أحيلوا إلى المعاش أو على الأقل هؤلاء الذين كانوا يتمتعون برضاه وحمايته. أما باقى الموظفين فلم يتكلم أحد عنهم، وأعيدت الأراضى السيئة إلى الحكومة أما الجيد منها فتم ضمها إلى خاصة الوالى الذى وسع بذلك من ممتلكاته على حساب الموظفين.

تفاصيل مهمة:
وحتى يوضح نوبار للقارئ السبب فى سرد كل هذه التفاصيل، يقول: «هذه التفاصيل لها أهميتها لمعرفة من الذى فى النهاية كان سببا فى تحول مصر، هل تصرفات محمد على وطريقته فى التفكير هما اللتان جلبتا على مصر هذا الخلط فى الأفكار ووضعتنا فى موقف نعانى الآن من أجل الخروج منه؟ أم شخصية سعيد وأسلوبه هما اللذان قلبا الأوضاع فى مصر رأسا على عقب؟ أم شخصية إسماعيل ونهجه فى الإدارة؟ إن هذه التفاصيل الصغيرة والأحداث التى بالنسبة لكثيرين تُعدّ لا أهمية لها مثلت بالنسبة لى المؤشر الذى يمزج بين الرجال وشخصياتهم وتساعد على فهم تكوينهم. لذا فإن مثل هذه الأحداث ظلت محفورة فى ذاكرتى بشكل أعمق من غيرها التى من الممكن أن تمثل أهمية أكبر نسبيا.

وفى سياق نفس هذا الترتيب فى الأفكار، تذكر نوبار حدثا خطر على باله، ففى اليوم التالى لولايته، أرسل إسماعيل فى طلبه، وكانت الساعة العاشرة والنصف صباحا وقال له: «فى خلال نصف ساعة، سوف أستقبل أعضاء الهيئة الدبلوماسية. أعد لى خطبة قصيرة. قال هذا وأخذنى من يدى بمودة زائدة وذهب بى إلى صالون صغير يمكن القول إنه كان حجرة للعمل لأن المكتب كان عليه حبار جف الحبر الذى بداخله. لم أكن قد تمكنت بعد من إدراك الموقف، حفل استقبال قنصلى؟ لم يكن هذا أبدا من تقاليدنا ولا عاداتنا. كان القناصل حتى فى عهد سعيد لا تتم دعوتهم فى شكل هيئة، بل كان قنصل يذهب إلى القصر بصفته الشخصية من أجل تقديم التهنئة للوالى».

ويضيف نوبار: «يبدو أن الأبهة وتقاليد المراسم المتبعة فى قصور أوروبا استهوت إسماعيل، كنت وسط كل هذه التساؤلات أنتظر منه أن يعطنى فكرة من أجل الخطبة أو حتى يشير إليها بوجه عام. ولا كلمة قالها لى ويبدو أنه كان بهذا يعنى أنه علىّ أنا كتابة الأفكار وصياغتها. فلم يكن يعرف إلا أن فى مثل هذه المناسبات كان حكام أوروبا يلقون بكلمة أمام الهيئات القنصلية وكان يريد أن يلقى هو أيضا خطبة خاصة به. كتبت ما خطر على بالى ولم تكن سوى تعبير عما يدور فى ذهنى دون أن أشعر تكلمت عن رغبته الأكيدة فى القضاء على السخرة وإعطاء العلاقات بين الأهالى والأجانب الأولوية وتوفير أرضية أكثر جاذبية لها. وإلى جانب هاتين الفكرتين كتبت بعض العبارات المعتادة عن الاقتصاد ونظام المصروفات، وكتبت عن فكرة جديدة كانت تتردد فى تلك الأيام بشأن إصدار قانون مدنى جديد، ثم كتبت عن تطوير التعليم. كنت أنتظر منه أن يستوضح عن بعض النقاط أو يسألنى أن أشرح له نقطة ما لكن لم يحدث شىء من هذا»

طريقة فى الإقناع:
بعد ذلك ينتقل نوبار إلى نقاط أكثر سخونة ــ يكون فيها نوبار صانع الأحداث وليس مجرد سامع أو رائى ــ وهى التى تتعلق بتوجه إسماعيل من أجل الحصول على فرمان الوراثة على الولاية إلى القسطنطينية وذهاب نوبار لفرنسا لمنع اعتراضها على ذلك وبالفعل صدر الفرمان، فضلا عن مجهودات نوبار لموافقة الدول صاحبة الامتيازات على إقامة نظام قضائى مختلط، يقتصر نظره على القضايا المدنية والتجارية بين المصريين والأجانب وبين الأجانب المختلفى الجنسية، وتحدّدت نسبة القضاة الأجانب فى المحاكم. وحاول وقتها الخديو عرقلة المشروع، لكن نوبار أحبط تخطيطه، ومن الملفت للنظر ــ كما تذكر د.لطيفة سالم ــ أنه بعد أن كان يتخذ أى إجراء يخبر الخديو حتى يضعه أمام الأمر الواقع.

ثم تتحول الأحداث حتى يبعد الخديو إسماعيل نوبار عن مصر لأنه أصبح يشكل عقبة أمام الخديو، وطلب منه مغادرة مصر وألا يعود إليها، فسافر إلى فرنسا ومكث بها فترة، تضخمت خلالها الأزمة المالية ــ يذكر أنه تم بيع أسهم الخديو إسماعيل فى القناة للحكومة البريطانية ــ وتتابعت شدة الإجراءات الأجنبية، وعندئذ احتاج إسماعيل إلى نوبار، فطلب منع العودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتبنى صاحب المذكرات اقتراح تأسيس نظارة مسئولة، ولم يجد مانعا، كما تؤكد سالم، من أن ينضم إليها خبيران إنجليزى وفرنسى، وضغط على الخديو ليوافق؛ لأن معنى وجود مجلس نظار له اختصاصاته هو سحب سلطات منه. وكانت لنوبار طريقة إقناع فى تعامله مع الدولة العثمانية وولاة مصر، ارتكزت فى أحيان كثيرة على مس الوتر الإسلامى.. فمثلا يتحدث مع إسماعيل عن الشورى فى الإسلام، وأنه سوف يحكم مع مجلس النظار ومن خلاله، والنتيجة أنه شكّله فى 28 أغسطس 1878.

كانت دائما الرقابة:
وفى سطور المذكرات الأخيرة يؤكد نوبار: «كنت أريد تغيير الرقابة الأجنبية التى فرضتها علينا القوى العظمى بإدارة أخرى نخضع لها بأنفسنا، جعلت المراقبين وزيرين، كنت أريد وزراء مصريين ولكنهم فرضوا علىّ الأجانب. كانت دائما الرقابة، دائما حكومتان تحكمان حكومة ثالثة وهذه ليست فكرتى التى فشلت وإنما هى فكرة الحكومة الفرنسية. أعتقد أننى انتهيت هكذا من مسألة كتابة ما يتعلق بحياتى العملية ويتبقى لى بعد ذلك أن أكتب بعض الأشياء؛ ردا على تلغراف أرسله ولسون، أصرت الحكومة البريطانية وتبعتها الحكومة الفرنسية إلى إعادتى لمنصب رئيس مجلس النظار، وفهم ولسون وبخاصة دى بلينيير أخيرا أننى أنا من كنت أقف حائلا بينهم وبين الوالى وبرحيلى كانوا سيجدون أنفسهم وجها لوجه مع سموه، لكن هذا الأمر لم يعنهم. رفض الخديو بشكل قاطع إعادتى وينحاز فيفيان وجودو إلى صفه وحدث تغيير إدارى، ولم يحصل الوالى على الرئاسة التى كان يزعم أنه يريد ممارستها؛ لأنها أعطيت إلى ابنه الكبير ولى العهد الأمير توفيق».

ويكمل نوبار: «كنت دائما أبحث عن معرفة علاقة الوالى بالضباط والمشاعر التى أثارت حفيظتهم ــ يقصد قرار تسريح أعداد من ضباط الجيش بلغت 2500 ضابط لضغط المصروفات ــ لم أستطع التوصل أبدا إلى معرفة الأمر تماما. عموما أعتقد أن المشاعر كانت دائما أقوى ضد الوزيرين الأجنبيين اللذين استفادا من الدائنين الأوروبيين وحرما الضباط وأسرهم من القليل من الموارد التى كانت تسد رمقهم، لكننى لاحظت أيضا أن من بينهم مجموعة بل أستطيع القول جماعة كانت تتهم الوالى بصفته السبب الأول والرئيسى لما يحدث من سوء. ويهيأ لى أن الوالى كان يشعر بهذه الأحاسيس المناهضة له، لكنه كان يحتفظ بكبريائه».

ويأتى قلم نوبار ليسجل الختام الذى يعكس قلقه على مستقبل مصر السياسى، طارحا عدة أسئلة: هل ستظل الحالة الراهنة إلى الأبد؟ أم أنها ستكون مجرد حالة مؤقتة؟

هل ستخضع مصر أو تُحتل كما فى الماضى بواسطة قوى أجنبية وسلالات أجنبية دائما ما انتهى بها الحال بأن تحتويها مصر؟. ويجيب نوبار قائلا: «لا أعلم.. لكن ما أعرفه هو أن مصر أصبحت أكثر من أى وقت مضى ضمن هذه المجموعة من الأمور التى اتفق الجميع على تسميتها «المسألة الشرقية»، كما رأى نوبار أن مصر مغلوبة على أمرها، ويشيد بشعبها، لكنه يشبهه بالطفل الوديع الذى يتحول فى لحظة إلى طفل مشاغب، ويُبين كيف استغل الغزاة هذا الشعب منذ القدم، ويُلوّح بما يفهم منه بأن الله على كل شىء قدير، أى بيده الخلاص. وهنا لاحظت الدكتورة لطيفة أن هناك لمسات دينية أسبغها نوبار على ما كتبه بين الحين والآخر، بما يعنى أن الله يلهمه الصواب ويسدد خطاه ويجعل له مخرجا

أسئلة بعد القراءة:
والآن وبعد هذه القراءات من صفحات المذكرات هناك علامات استفهام تفرض نفسها مثل: هل كان نوبار ذلك الرجل الذى أحب مصر وكان يعمل على مصلحتها؟ وهل هذه الصورة الوردية عنه والتى رسمتها مذكراته قد اسُتخدمت فيها اللمسات الناعمة؟

تقول د. لطيفة سالم: «من خلال قراءات تاريخ العصر، نخرج منها بأن شخصية نوبار التصقت بها السلبيات، بخاصة أن فترة إسهاماته فى الحياة السياسية تُمثل ذروة التدخل الأجنبى فى شئون مصر، وكما هو معلوم انتهى بالاحتلال البريطانى لها الذى عمل معه نوبار نحو خمس سنوات. والواقع أن شخصيته ارتبطت فى الخطاب الوطنى بأنه المعبر عن المصالح الإنجليزية، وعندما قامت الثورة الوطنية المعروفة بالعرابية (1881ــ 1882) أسقطته من حساباتها تماما، واختارت شريف على أساس أنه من الأتراك الدستوريين. ولكن يجب أن يوضع فى الاعتبار أثناء محاولة الكشف عن الجانب الآخر من الشخصية ضرورة المعايشة الكاملة لها فى ضوء الظروف المحيطة بها وفى ظل ملابسات الفترة الزمنية». وذكرت الدكتورة القديرة لطيفة سالم ملاحظات مهمة حول نوبار نورد هنا بعضها مما تسمح له المساحة:
ــ على رغم مما أقدم عليه محمد على بشأن جعل مصر دولة مدنية، مما انعكس على مسيحيى مصر، فإن الاتجاه الإسلامى الذى كاد يسود المجتمع جعل ظهور شخصية نوبار المسيحى والأرمنى لا تلقى القبول، مع أنه قد أطلق عليه لقب «أبوالفلاح» نظرا لتعاطفه معه إزاء ما كان يعانيه من الضرائب والسخرة، وذلك الغبن الذى وقع عليه نتيجة أحكام المحاكم القنصلية الجائرة. وهنا من الضرورى مراعاة شعور الانتماء للدولة العثمانية فيما يتعلق بمسألة الخلافة الإسلامية من ناحية، وعلاقتها السيئة بالأرمن من ناحية أخرى، وقد انعكس ذلك على المصريين عندما أمسك نوبار بزمام مناصب مهمة. حقيقة إن مصر مثلت بوتقة انصهرت فيها العناصر المختلفة، ولكن لابد من الإشارة إلى أن هناك استثناء تمثّل فى أولئك الذين شكلوا قوة اجتماعية تربعت على قمة السلم الاجتماعى وأغلقت على نفسها، وعملت من أجل مصالحها؛ وذلك لا ينطبق على من هم أدنى منهم الذين امتزجوا بالمجتمع.

ــ لقد كان لنوبار رؤية نبعت من تكوينه وثقافته ومهامه داخل مصر وخارجها مما أكسبه الخبرات، ومن أحوال المجتمع التى درسها جيدا، وتوصل إلى أن مصر لم تزل فى مرحلة الطفولة التى لا تستطيع معها أن تكون دولة مستقلة.. وهو لا يعارض السيادة العثمانية عليها، وفى الوقت ذاته فقد رغب فى أن يتم ذلك دون تبعات مالية باهظة. ونظرا لمعارضته سلطة الحاكم الأوتقراطية التى عدها بيت الداء، رأى العلاج فى سلطة أجنبية تسقط الاستبدادية وتضبط الحكم، وتوّسم فيها خيرا، لكنه أدرك أخيرا أنها لم تكن كذلك.

ــ عندما قبل نوبار التعاون مع سلطات الاحتلال، وأصبح رئيسا لمجلس النظار، أصر على ألا تكون هناك عناصر أجنبية فى نظارته، حيث استرجع ما سبق أن حدث له، كما أنه دخل فى مصادمات مع المسئولين الإنجليز لرغبته فى الحد من توغلهم فى الإدارة، مما تسبب فى الاستغناء عنه.. معنى هذا أنه لم يعارض الاحتلال، ولكنه أراد أن تكون له حرية التصرف فى إدارة نظارته، ولم تكن مسألة الاعتماد على المصريين بجديدة عليه، إذ آمن بضرورة تدريبهم على مختلف الأعمال التى يشغلها الأجانب.

أسباب وختام:
وفى الختام يجب أن نذكر أن مذكرات نوبار باشا رغم أهميتها البالغة لم تترجم كاملة إلى العربية وإن كان قد تعرض لها بشكل مختصر د. أحمد عبدالرحيم مصطفى فى كتابه «عصر حككيان»، وكتاب «نوبار فى مصر» لنبيل زكى الذى قام بعرض المذكرات مستخدما طريقة الاختزال واللقطات السريعة على حد وصف د.لطيفة سالم.

ويجب الإشارة إلى أن مكتبة لبنان فى بيروت نشرت المذكرات عام 1983 ولكن باللغة الفرنسية التى كتب بها نوبار باشا وأرفقت معها مقدمة طويلة للمفكر ميريت بطرس غالى أوضح فيها أسباب تأخير نشر المذكرات بلغتها الأصلية كل هذه المدة منها أن نوبار كان يرغب فى نشر ما يرتبط منها بمحمد على وعباس الأول وسعيد، لكن الجزء الخاص بالخديو إسماعيل كان من الصعب نشره، فضلا عن أنه لم يرغب فى أن تُجزأ الخطابات والمذكرات، وانتهى الأمر بأنه وكل مهمة نشرها إلى ورثته، وبعد ربع قرن من كتابتها رأى الملك فؤاد أن الوقت لم يحن بعد لنشر هذه المذكرات، وكانت رغبة عدم النشر محل احترام أبناء وأحفاد نوبار. وأشار ميريت غالى إلى أنه بعد ثورة 1952 رأى أحفاد نوبار أن من السابق لأوانه الإسراع فى نشر هذه المذكرات، فمثل هذا الأمر سوف يعطى انطباعا بأن عائلة نوبار انضمت إلى قلب الانتقادات الموجهة إلى الأسرة الحاكمة المخلوعة.

ولكن اليوم المذكرات بين أيدينا مترجمة إلى العربية بالكامل لنتعلم منها ونعرف انطباعات أول رئيس وزراء لمصر عن ولاة مصر والمصريين.

السبت، 14 فبراير 2009

ثوار بعث الهوية للأندلس في القرن العشرين

 بتاريخ السبت 14 فبراير 2009

بقلم د. علي الكتاني
مؤسس ورئيس جامعة ابن رشد الإسلامية في قرطبة حتى وفاته

في ذكرى وفاته الثامنة كان لابد لموقع مصرية ان يتذكر هذا الباحث والثائر العنيد الدكتورعلى الكتاني القرطبي المولد والنشأة والجنسية واحد ثوار بعث الهوية العربية الاسلامية لها من جديد في القرن العشرين، ولعلنا في ذكراه نقدم احد أهم مقالاته أو ربما آخر مفالاته التي قدمها لنا في عام 2000 وكشف لنا فيها عن ثائر آخر من اهم ثوار القرن العشرين " بلاس إنفانتي " والذي قدم حياته قربانا لما يؤمن به وقد ترجمها عن الاسبانية له الدكتور مجدي سعيد ونأمل ان نقدم من خلاله سيرة ذاتية للدكتور على الكتاني قريبا.

ولد بلاس إنفانتي في بلدة قشريش (مقاطعة مالقة) في 5-7-1885، من أبوين أندلسيين، ينتميان لعائلتين سليلتين للمورسكيين القدماء، عمل أفرادهما على الدفاع عن الأندلس وأهلها، فتلقى دراسته الابتدائية في بلدته، ثم انتقل سنة 1896، إلى أرشذونة (مقاطعة مالقة) لدراسة الثانوية، ثم إلى قبرة (مقاطعة قرطبة) سنة 1897، حيث تخرج سنة 1900 بشهادته الثانوية، ثم عمل مع أبيه في محكمة قشريش، قبل التحاقه بقسم الحقوق، من كلية الفلسفة والآداب بجامعة غرناطة، حيث تخرج بامتياز في أكتوبر سنة 1906.

اللقاء بالهوية الأندلسية:
تعرف إنفانتي إبان مقامه في غرناطة على التراث الإسلامي الأندلسي، وأخذ شعوره الفطري شكل الهوية الإسلامية الأندلسية، وفي تهيئة لمباراة العدالة، زار إنفانتي إشبيلية وقرطبة ومجريط، واجتمع بزعماء الحركة الأندلسية، وأصبح يعتقد أن الهوية الأندلسية ليست هوية عرق أو دم، لكنها هوية (وجود) و(معرفة). وفي سنة 1907 زار إنفانتي إشبيلية فوجد فيها نشاطًا فكريًّا كبيرًا: جمعيات شباب لدراسة تاريخ الأندلس، و"ألعاب وردية" تلقى فيها الخطب الحماسية الأندلسية. وفي سنة 1909، تحولت هذه الألعاب إلى احتفال قومي أندلسي.

وفي سنة 1910 عُيِّن إنفانتي عدلاً في بلدة قنطيانة، فسكن إشبيلية القريبة منها، وأصبح ينتقل بين البلدتين، تأثر إنفانتي في إشبيلية بمفكريها الأندلسيين، وساهم في أنشطتهم الثقافية، وفي 28-11-1913، قُبِل إنفانتي في مجلس المحامين، وفي 23-3-1914، ألقى خطابًا في "أتينيو" إشبيلية عن "النظرية الأندلسية" كان أساس كتابه التاريخي عن القومية الأندلسية، وفي نفس السنة فتح مكتب محاماه في إشبيلية، وفي سنة 1914، ظهرت الطبعة الأولى من كتابه "النظرية الأندلسية".
وفي سنة 1916 أسس إنفانتي أول "مركز أندلسي" في إشبيلية، تبعه مراكز أخرى في مدن الأندلس وقراها، وأصدر مجلة "الأندلس" كلسان حال للمراكز الأندلسية، والحركة القومية الأندلسية، ومع الأيام تحول "مركز إشبيلية" الأندلسي إلى مركز أنشطة أندلسية، تثقيفية وتخطيطية، ومنه خرج المنشور الداعي إلى "اجتماع المقاطعات الأندلسية" في رندة، الذي استعمل عبارة "الأمة الأندلسية" لأول مرة، وهكذا أصبح إنفانتي بأفكاره وحركته، رئيس تيار جديد للحركة القومية الأندلسية.
وفي 16-6-1917 ألقى إنفانتي بصفته رئيس "مركز إشبيلية الأندلسي" محاضرة أساسية أعطت لأفكاره نضوجًا ثوريًّا، صرح في آخرها قائلا: "نحن لسنا بصدد إنشاء حزب، نحن نريد إنشاء شعب قادر على أن يحكم نفسه بنفسه". وفي 13-1-1918 انعقد اجتماع "مجلس المقاطعات الأندلسية" في رندة، فعدد معالم القومية الأندلسية في حركتها المستقبلية في النقاط التالية:
1- الاعتراف بالأندلس كبلد، وقومية، ومنطقة ذات حكم ذاتي ديمقراطي، على أساس دستور أنتقيرة.
2- اختيار العلم الأخضر والأبيض، علمًا للأمة الأندلسية، ورمز قادس شعارًا لها.
ثم تقدم بلاس إنفانتي، وخوزي أندرس باسكس، باسم المؤتمر، لهيئة الأمم طالبين منها الاعتراف بالقومية الأندلسية، ودخل إنفانتي اللعبة السياسية للتعريف بأفكاره القومية الأندلسية، فتقدم لانتخابات منطقة غسان، أشتبونة (مقاطعة مالقة) حيث توجد قشريش، لكنه لم يفز.
وفي 1/1919، شارك إنفانتي في اجتماع "المجلس الإداري الأندلسي" التأسيسي، الذي انتهى بالاتفاق على "تخطيط نظري للقومية الأندلسية" وكان له تأثير هام على مجرى الفكر القومي الأندلسي، وفي نفس السنة تزوج إنفانتي.
وفي 21-5-1919 تقدم إنفانتي لانتخابات إشبيلية باسم (الديمقراطية الأندلسية) المكونة من الجمهوريين الاتحاديين، والقوميين الأندلسيين، والاشتراكيين المستقلين، وندّد في خطبه الانتخابية بوضع الأندلس البئيس، وبمصالي (خدع وحيل) القوى المركزية التي كانت تقرر من مجريط، مجرى الانتخابات بالأندلس، عبر نفوذها المالي والإقطاعي، ورسب إنفانتي مرة أخرى في المحاولة الانتخابية، فغضبت عليه السلطة الحاكمة واليمين، واتهموه وأتباعه بالتآمر على أمن الدولة ووحدتها، ثم أسّس إنفانتي في إشبيلية دار ومكتبة "أبانتي" (التقدم) للنشر، نشر فيها عددًا من كتبه، كما أسس "مركز الدراسات الأندلسية"، وفي سنة 1920، ظهر كتاب "المعتمد ملك إشبيلية" وهي قصة مسرحية تاريخية عرف فيها إنفانتي بجذور الهوية الأندلسية الإسلامية.
وكانت سنة 1921 سنة أمل للقوميين الأندلسيين، رغم الأوضاع المضطربة في مجريط، فانتشرت "المراكز الأندلسية" في المدن والقرى، وانتشر معها الفكر الأندلسي في المجالات الثقافية والاجتماعية، وأخذ إنفانتي يفكر في إنشاء روابط ثقافية قوية، تربط الأندلسيين بعضهم ببعض، في الأندلس، والمغرب، وأمريكا الجنوبية، لكن في 13-1-1923، تحولت أسبانيا إلى الحكم الدكتاتوري الذي قضى على الحريات، وأغلق "المراكز الأندلسية"، واتهم القوميين الأندلسيين بمقاومة الدولة، وأسكت القوى المعادية للكنيسة.
فانتقل إنفانتي، تحت ضغط عائلته، إلى أيسلا كريستينا (مقاطعة ولبة) كموثق عدل، وانسحب من العمل السياسي، ونصح أتباعه بذلك، ثم ركز على التفكير في مصير الأندلس، وجذور الهوية الأندلسية.
وفي 15-9-1923 في ذروة معارك الريف ضد المستعمر الأسباني، زار إنفانتي قبر المعتمد بن عباد في أغمات بالمغرب، حيث تعرَّف على بعض أبناء الأندلس، فقرر إشهار إسلامه على أيديهم، ثم حاول بعد إسلامه ربط الحركة الأندلسية بالحركات الإسلامية والعربية.
وفي سنة 1930 انهارت الدكتاتورية، فنقل إنفانتي عمله كموثق عدلي إلى بلدة قورية بالقرب من إشبيلية، وفي سنة 1931 أسس "مجلس الأندلس التحرري" عوضًا عن المراكز الأندلسية القديمة، وانضم إلى "الحزب الجمهوري الاتحادي" وأصبح إنفانتي يمجد التاريخ الإسلامي كأساس الهوية الأندلسية، ويطالب الأندلسيين باستعادة الهوية والتاريخ والأرض، وبإزاحة هيمنة الكنيسة على الدولة، ويهاجمها على جرائمها في القضاء على الأندلسيين، وعلى "زهرة ما تبقى من ثقافتنا".
ثم التقى إنفانتي بالحركات التحررية العربية عبر مجلة "الأمة العربية" في جنيف (سويسرا) التي كان ينشرها الأمير شكيب أرسلان، وإحسان الجابري.

الاستشهاد:
هذه أفكار إنفانتي والقوميين الأندلسيين الواضحة بعد عشرينيات القرن العشرين الميلادي، هوية الأندلس إسلامية، وليست غربية، وهو ما دفع أعداءهم إلى رميهم بالاتهامات المتواصلة، فحوربت الحركة من طرف اليمين واليسار على حد سواء. وفي يوم الأحد 2-8-1936، بعد 14 يومًا من انفجار الحرب الأهلية الأسبانية، هجمت فرقة من الكتائب على إنفانتي في بيته "دار الفرح" بقورية، وساقته إلى إشبيلية، حيث سجنته، وأعدمته رميًا بالرصاص يوم الإثنين 10-8-1936، فمات شهيدًا رحمه الله، وهو يصرخ مرتين: "عاشت الأندلس حرة!".

حواشي:
بلاس إنفانتي باريث دي بارغاس Blas Infante Pérez de Vargas (مالقة، 5 يوليو 1885 – أشبيلية 11 أغسطس 1936) رجل سياسة ومفكر وكاتب أندلسي ويعتبر أبو القومية الأندلسية الحديثة. تم اعدامه دون محاكمة من قبل قوات فرانكو عندما استولت على إشبيلية في بداية الحرب الاهلية الأسبانية.
في 15 سبتمبر 1923 في ذروة معارك الريف ضد المستعمر الأسباني في المغرب، زار إنفانتي قبر المعتمد بن عباد في أغمات بالمغرب، حيث تعرَّف على بعض أبناء الأندلس، فقرر إشهار إسلامه على أيديهم، ثم حاول بعد إسلامه ربط الحركة الأندلسية بالحركات الإسلامية والعربية.[1]

الجمعة، 13 فبراير 2009

حوار مع الفنانة القديرة '' ماجــدة ''

بتاريخ الجمعة 13 فبراير 2009

أجرى الحوارفي القاهرة - هيفاء دربك - أيمن عبد الحميد.
شارك في اجراء الحوار وأعده للموقع محيي الدين ابراهيم

كنت تلميذة بالثانوي حينما وقفت بطلة امام اسماعيل ياسين

انفعلت بشدة على عبد الناصر وأنا أدافع عن المدرسين ورواتبهم الضعيفة

إنها إحدى علامات مصر الحديثة، إنها عفاف علي كامل الصباحي وشهرتها "ماجدة الصباحي"مواليد 4/5/1931، نجمة ذات طابع خاص جداً في كل اعمالها.
وهذا الطابع الذي جعلها تحتل مكاناًَ فريداً في عالم التمثيل .. ولكن قد لا يعرف الكثيرون أن موهبتها التمثيلية وجدت طريقها إلى عالم الفن بالصدفة البحته .. دون أن يكون لها أي اهتمامات فنية أو نية للعمل بالتمثيل أو حتى شجاعة التفكير في ذلك .. فقد نشأت في أسرة محافظة جداً معروفة بعراقتها وتاريخها فجدها هو أحمد باشا الصباحي عضو مجلس شورى القوانين في عهد الخديوي اسماعيل ووالدها ووالدتها ابناء عمومه .أننا نحتفل هذا العام بمرور 76 عاماً على مولدها ونتمنى أن يمد الله في عطائها، وقد حصلت الفنانة ماجدة على ‏شهادة البكالوريا الفرنسية و بدأت حياتها ‏الفنية وعمرها 15 عامًا من وراء أهلها وغيرت اسمها من عفاف إلى ماجدة حتى لا تنكشف ‏وكانت بدايتها الحقيقية عام 1949 في فيلم " الناصح" إخراج سيف الدين شوكت ‏مع إسماعيل يس.
وقد اقتحمت الفنانة ماجدة مجال الإنتاج،‏‎ حيث كونت "شركة أفلام ماجدة لإنتاج ‏الأفلام"، وقد مثلت مصر في معظم المهرجانات العالمية وأسابيع الأفلام الدولية ‏واختيرت كعضو لجنة السينما بالمجالس القومية المتخصصة،‏‎ ‎وقد حصلت على ‏العديد من الجوائز من مهرجانات دمشق الدولي وموسكو الدولي وبرلين وفينسيا ‏الدولي،‏‎ ‎وحصلت على جائزة وزارة الثقافة والإرشاد في مصر. ومن احدى روائع أفلام الفنانة القديرة ماجدة فيلم “عندما يتكلم الصمت" الذى يعتبر الفيلم التلفزيونى الوحيد للفنانة ماجدة طوال تاريخها الفنى العريض و هو من تأليف محمد شرشر وإخراج الفنان التشكيلى يوسف فرانسيس . وبالنسبة لحياة الفنانة القديرة ماجدة الاجتماعية فقد تزوجت عام 1963 من ‏الفنان إيهاب نافع لمدة ثلاثة سنوات أنجبت خلالهما منه ابنتها الوحيدة غادة نافع، وبعد طلاقها لم تتزوج ثانية أبداً.‏ وهي حالياً تراس جمعية السينمائيات المصريات وربما من أهم الأدوار التي توجتها عالمياً هو دور المناضلة الجزائرية جميله أبو حريد في فيلم عن حياتها . ولقد احتفلت الفنانة القديرة (ماجدة) هذا العام بذكرى ميلادها السادس والسبعينً، ورغم العمر المديد والمشوار الطويل الحافل بالعطاء، لم تتخل هذه الفنانة التي وصفتها المناضلة الجزائرية جميلة بو حريد بأنها (فدائية) عن الدور الوطني والقومي العام الذي ألزمت نفسها به حتى هذه اللحظة، فبعد أن كانت في شبابها مجرد (عذراء الشاشة) ورمز للفتاة الرومانسية الرقيقة، خاضت ماجدة غمار الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية حتى انها تحدثت حديثاً شديد اللهجة ذات يوم في محفل عام كان يحضره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فقيل وقتها إن عبد الناصر غضب منها بشدة!،وانها انتهت ولن يسمح لها بالظهور على الشاشة مرة اخرى، لكنها استمرت وبقيت بفنها وجرأتها ووطنيتها وحب العالم أجمع لها والذي منحها العديد من الجوائز منها: جائزة الجدارة من الولايات المتحدة الأمريكية عن مشوارها المتميز‏ والجائزة عبارة عن تمثال من البرونز يرمز للانتصار‏, وفي عام‏1991‏ تم تكريمها أيضاً في الحفل الكبير الذي أقامه التليفزيون العربي الأمريكي‏,‏ كما منحتها جريدة صوت بلادي بالولايات المتحدة وهي اكبر الصحف العربية انتشاراً أوسكارالجريدة عام 2005 عرفانا من الجريدة ومصريو المهجر بعطائها وفنها المتميز، وقد اختيرت عضوا في لجنة التحكيم للمهرجان القومي للأفلام الروائية كما أنها كرمت من الجمعية الفرنسية للفيلم العربي في المهرجان السنوي‏,‏ أما عن دورها في فيلم جميلة بوحريد فقد كرمتها وزارة الثقافة في الجزائر عام‏..1987‏ ‏كما تم تكريمها عن فيلم أرضنا الخضراء في مهرجان كارلو فوفازي السينمائي في الاتحاد السوفيتي عام‏1958,‏ وعام‏1960‏ فازت بالجائزة الأولي للإنتاج في المهرجان الآسيوي الإفريقي عن فيلم قيس وليلي وكان اسم الجائزة النسر الفضي .. انها الفنانة القديرة ماجدة ابنة مصر التي لم تبخل يوماً عليها ومازالت تعطي وتفتح لنا قلبها وتخبرنا عن مواقف وحكايات طريفة ومثيرة في حياتها، سوف تتحدث عنها بنفسها في هذا الحوار .

الفنانة القديرة ماجدة .. كيف كان دخولك لعالم الفن؟ .. خاصة وأن فتاه في مثل عمرك وقتها وتحديداً عام 1948 - 1949 كانت تتمتع بترف غير عادي في وسط عائلي يمكن أن نطلق عليه وسط سياسي محافظ لاعلاقة له اطلاقاً بالسينما؟
بالفعل انا كنت أحيا حياة رغدة جداً تنعم بكل ألوان الترف فجدي كان أحمد باشا الصباحي عضو مجلس شورى القوانين في عهد الخديوي اسماعيل وابي دفعني لتلقي تعليمي في المدارس الفرنسية ومن خلال المدرسة في هذه الفترة كانت لي صديقة مقربة جداً أزورها باستمرار وكانت ابنة أخت مهندس الصوت "محسن سابو" والذي كان يعمل في السينما .. وفي إحدى الزيارات المتكررة بيننا عرضت علىّ أن نقوم بزيارة إلى ستوديو شبرا حيث كان خالها يعمل هناك في ذلك الوقت، ووافقت وذهبنا بصحبة عدد كبير من زميلاتنا إلى الاستوديو ولا أخفيك سراً أنه كان يدفعني الفضول لرؤية ومعرفة كيف يدور العمل في الاستوديوهات قبل أن يتم عرض الفيلم على شاشة السينما .

مالذي لفت انتباه المخرج سيف الدين شوكت في إذن هذه الزيارة كانت أول علاقة مباشرة بين ماجدة وعالم السينما؟
حتي تلك اللحظة لم يكن يشغل تفكيري من هذا العالم سوى متعة المشاهدة عندما كنت أذهب السينما مع عائلتي لرؤية فيلم ما من وقت لآخر ولكن وأثناء وجودي داخل الاستوديو بصحبة زميلاتي رأني المخرج "سيف الدين شوكت" وقد كان (مجري الأصل) ومن أبرز المخرجين المصريين في الأربعينيات .. وفي نفس اللحظة تقريباً وقعت في حب الفن وانبهرت انبهاراً شديداً بهذا الجو الفني خاصة بعدما رأيت النجوم المشهورين الذين اراهم على الشاشة فقط .
مالذي لفت انتباه المخرج سيف الدين شوكت في الفتاه الصغيرة ماجدة الصباحي الذي لم يتعد عمرها 15 عاماً؟
هو قال لي أنه رأى ملامح تؤهلني للقيام بدور الفتاة المصرية بالإضافة إلى أن ملامحي - كما قال - تحمل شخصية المرأة العربية وعلى الفور عرض عليّ العمل في السينما ووعدني بأن يقدمني في أول عمل يقوم باخراجه .

وهل وافقت؟
بدون تردد!! ..

والعيلة؟
كنت وقتها مراهقة صغيرة وكان عندي رغبة شديدة في أن اصبح نجمة مشهورة يعرفها الناس ولكن لأني واثقة من أن أسرتي لن تتقبل هذا الأمر بسهولة حفاظاً على الاسم العريق والوضع الاجتماعي لعدد كبير من رجالات العائلة فقد أخفيت نبأ رغبتي هذه في العمل بالفن عندما وفيَّ سيف الدين شوكت بوعده لي واسند لي دور البطولة في فيلم (الناصح) عام 1949 أمام اسماعيل يس وفريد شوقي .
ولكن كيف استطعت اخفاء الذهاب والعودة من التصوير عن العائلة وقد كان الخروج بحساب والدخول بحساب؟
انا نفسي ماأعرفش ازاي الى الآن .. كان شغل عفاريت .

تمام زي فيلم المراهقات وهو احد أروع أفلامك؟
شوف .. كان فيه تحدِي خفي لكل العراقيل التي قد تحول دون استمراري في العمل .. انا كنت في هذا الوقت أسكن في حي (السكاكيني) العريق وأنزل إلى المدرسة وأنا أرتدي فستان التصوير أسفل الزي المدرسي ومن حسن حظي أن الفنان إسماعيل ياسين بطل الفيلم كان مشغولاً بأعمال عديدة فكان لا يحضر إلى الأستوديو إلا مدة ساعة واحدة بالنهار يومياً، وهو ما جعل تصوير الفيلم ينتهي دون أن يدري أحد من أفراد العائلة بشيء وإلا كانوا قطعوا رقبتي! .

ومن الذي اختار لك اسم (ماجدة) بدلاً من اسمك الحقيقي؟
الحكاية أنه عند اقتراب موعد عرض الفيلم دق قلبي بعنف وسيطر عليّ خوف شديد فطلبت من المخرج سيف الدين شوكت تغيير اسمي حتى لا ينكشف أمري أمام عائلتي فاختار لي اسم (ماجدة).
وماذا عن يومك الأول في التصوير؟
لن أنسى ما حييت قصة اليوم الأول الذي وقفت فيه أمام الكاميرا ، فالاستوديو مليء بأناس يروحون ويغدون وآخرون يقفون ولا تتحرك منهم إلا أعينهم وهم يتبعون خطواتي وأنا ساهمة عن كل ما حولي، أفكر في أحلامي التي على وشك التحقيق .. لم أكن أمتلك أي خبرة بطبيعة العمل في السينما حتى أني لم أكن أعرف موضع الكاميرا ولم أجرؤ أن أسأل عن ذلك حتى لا أصبح مثاراً للسخرية .. انت متصور أزاي أكون بطلة الفيلم ولا أعرف شيئاً عن موضع الكاميرا وألف عين بتبص علياّ؟!

وخرجت إزاي من المأزق ده؟
التزمت حرفياً بكل تعليمات المخرج حتى لا أتسبب في أي خطأ ينم عن جهلي بطبيعة العمل السينمائي واستمريت كذلك حتى انتهى تصوير الفيلم والمدهش انه قبل أن يعرض فوجئت بترشيحي لبطولة فيلم آخر بعنوان (فلفل) من اخراج سيف الدين شوكت أيضاً وبطولة اسماعيل يس.
هل نجح الفيلم؟
وهي دي المصيبة !! نجح الفيلم نجاح مذهل وطبعاً انا كنت مغيره اسمي من "عفاف علي كامل" لأسم "ماجده" فقط ولكن نجاح الفيلم جماهيرياً دفع بأخي الطالب بكلية الشرطة وقتها أن يذهب لمشاهدة الفيلم عندما كان يعرض في سينما الكورسال وفوجيء بي وانا امثل دور البطولة فانطلق على الفور لإبلاغ الأسرة بهذه الكارثة والتي ما كان أحدُ منهم ليرضي بها وقامت الأسرة برفع دعوى قضائية ضد المخرج سيف الدين شوكت ومنتج الفيلم بدعوى أنني قاصر وقد تم استغلالي وهو الأمر الذي أدى إلى توقف عرض الفيلم لمدة 6 أشهر كاملة.

موقف لاتحسدين عليه؟
كارثة .. وكان نصيبي علقه ساخنة لا أنساها حتى اليوم، ولكن المضحك ان الكارثة عندي مش في انهم عرفوا .. لكن الكارثة كانت في إن حبي للسينما والفن اصبح مهدداً بعد أن بدأت ألمع وتتسع دائرة شهرتي.

خاصة لو تم اتهام كل من المخرج والمنتج باستغلال قاصر وهذا معناه ضياعهم تماماً؟
لم أكن ادرك هذه المسائل بالطبع لكن نشأتي دفعتتي لأن اقول الصدق واعترفت ببراءة شديدة وببساطة ايضاً باني اخترت العمل بالتمثيل بإرادتي ودون ضغط أو استغلال من أحد.

وهنا طبعاً تحول التحدي الخفي إلى اعلان واضح وصريح وإصرار على استكمال مشوارك الفني؟
رغم رفض ابي الذي كان على علاقة بعدد كبير من أعضاء البرلمان وكذلك أخي طالب الشرطة ولكن سيف الدين شوكت استطاع أن يتدخل لدى الأسرة وبعد مناقشات طويلة اطمأنت الأسرة واقتنعت بعملي بالفن واكتسبت بهذه الثقة وهذه الموافقة شرعية عملي في السينما.

ولكن اسمحي لي ان اتساءل عن سبب اصرارك للعمل بالسينما رغم انك وكما سبق واشرتي في احاديث سابقة أنه كان كل طموحك أن تكوني محامية لعشقك السياسة وأن الفن لم يكن يشغل بالك؟
لأنني بعد عملي بهذا الفيلم عشقت هذا المجال وصممت عليه وتحديت الجميع من أجله، ووجدت رغم صغر سني أنه بإمكاني عن طريق السينما تبني قضايا الناس والدفاع عنها بشكل أشمل واعم فقد كنت (سياسية) من يومي!
فتاه في عمر 15 سنة كيف تنجذب للسياسة؟
السبب الرئيسي في تجذر الوعي بالسياسة عندي لكوني نشأت في عائلة لها تاريخ وطني عظيم، فجدي الأكبر أحمد الصباحي نُفي مع الخديوي وظل لمدة سبعة أعوام في (مالطا) وجدي مصطفى الصباحي كان رئيس تحرير جريدة (البلاغ) المشهورة قبل ثورة 1952، وعدد كبير من أبناء العائلة كانت لهم أدوار وطنية عظيمة ووقفوا ضد الاستعمار الإنجليزي وتعرضوا للسجن والنفي ولمصادرة أملاكهم، كل هذه الأحداث والروايات تربيت على سماعها ومشاهدتها وقد خلقت في داخلي الروح والنبض السياسي لكي أحمل رسالة أو قضية أدافع عنها بالفن.

وهل نجحت في فرض رسالتك منذ بداية عملك الفني؟
بالطبع كان هذا الأمر صعباً جداً فكنت آنذاك فتاة صغيرة وممثلة مبتدئة لم تصل للمكانة التي يمكنها من خلالها فرض القضية التي عملت من أجلها، ومن ثم كان لابد وأن أحقق الانتشار وتثبيت أقدامي أولاً وبعد أن استنزفت أسرتي كل الوسائل الممكنة لمنعي من العمل الفني ورضخت لرغبتي أمام إصراري الشديد، بدأت في الانطلاق منذ عام 1952 بعد عامين كاملين من عرض فيلم (الناصح) فظهرت أولاً في الفيلم الديني (انتصار الإسلام) عام 1952 مع محسن سرحان وعباس فارس وفريد شوقي إخراج أحمد الطوخي وأعقبته بفيلم (الآنسة حنفي) مع إسماعيل ياسين إخراج فطين عبد الوهاب وكان عام 1954 وفي العام التالي 1955 قدمت (الغريب) مع يحيى شاهين وكمال الشناوي إخراج كمال الشيخ وأعقبته في عام 1958 بفيلم (بنات اليوم) مع عبد الحليم حافظ وسراج منير وأحمد رمزي إخراج بركات، ثم قدمت عدداً كبيراً من الأفلام الأخرى سواء في هذه الفترة أو في حقبة الستينيات تسير على نفس الخط مثل (اجازة نصف السنة) إخراج علي رضا مع فريدة فهمي ومحمود رضا و(بائعة الجرائد) مع يوسف شعبان ونعيمة عاكف إخراج حسن الإمام وغير هذا حتى تجاوز رصيدي السينمائي حاجز الـ70 فيلماً، وفي عام 1958 وجدت أن الفرصة أصبحت سانحة للتعبير عن رسالتي وإظهار ما بداخلي، فقمت بإنشاء شركة أفلام (ماجدة) للإنتاج السينمائي وهدفي هو تقديم الأعمال الوطنية إلى جانب تحويل الروايات العظيمة لكبار الأدباء إلى أفلام سينمائية حيث كان منتجو هذه الفترة يخشون المغامرة بإنتاج النوعين معاً.

قبل أن ندخل مع الفنانة القديرة ماجدة في كواليس الأنتاج الذي بدأت ملامحها في الستينيات نريد أن نتوقف قليلاً في الستينيات ايضاً ولكن عند مرحلة الحب والزواج؟
أنت شرير.

ماجدة بالنسبة لنا ولكل عشاقها ومحبيها واحدة من العيلة وهذا نادراً ما يستشعره المشاهد مع أي فنان وبناء عليه فالعيلة النهاردة تريد أن تتعرف على الجانب العاطفي في حياه واحدة من أهم وأحب بنات العيلة خاصة واننا نستعيد ذكريات الأيام الخوالي؟
شوف .. أنا عشت فترة طويلة محرومة من الحب رغم اننى كنت أجسد أدواره على الشاشة ولكنى كنت أبحث عن الحب الحقيقى الصادق ولأن الناس لاتترك أحد فى حاله فقد كانوا يسألوننى كثيراً لماذا لا تتزوجين يا ماجدة؟ كان هذا السؤال يقال لى عشر مرات كل يوم ثم تحول بعد ذلك إلى سؤال آخر هو هل أنت متزوجة فى السر؟ لكن ردى على هؤلاء الفضوليين والمتسائلين كان بكل صراحة اننى قبل كل شئ فتاة لاترضى بالقليل ليس معنى هذا انى طماعة ولكنى طموحة وعندما عملت بالفن قررت أن أكون شيئاً وكان لابد لى من التفرغ والاخلاص والتفانى لأن طبيعة الفن كطبيعة المرأة لاتحب الضرة لهذا فقد اثرت الزواج من فنى أولاً وكثيراً ما كنت أنظر حولى فى الوسط الفنى فلا أجد زواجاً ناجحاً. لكن، لأن الزواج قسمة ونصيب، تمت خطبتى على رجل الأعمال السورى " حسن العطار " الذى كان يملك بعض دور العرض فى دمشق، وهو ابن عم المنتج " صبحى فرحات " الذى كان السبب فى تعارفنا حين كنت فى لبنان لعرض فيلم " أين عمرى " لكن أهلى كان لهم بعض التحفظات على " حسين " بسبب كونه غير مصرى وبالفعل لم تستمر خطبتنا طويلاً، وبعد مرور عام على فسخ خطبتى تزوجت لأول وآخر مرة فى حياتى وكان زوجى هو الطيار الخاص للرئيس جمال عبد الناصر في المخابرات العامة " ايهاب نافع " الذى تعرفت عليه فى حفل السفارة الروسية بالقاهرة، وأصر يومها على أن أترك سيارتى ويوصلنى هو إلى المنزل. واستغرقت هذه التوصيلة ثلاث ساعات لف بى خلالها فى شوارع القاهرة كلها وحكى لى قصة حياته ومدى اعجابه بى. لن أخفى أننى لأول مرة شعرت بدقات قلبى تهزنى وبعد أيام فوجئت به يحضر إلى منزلنا ليطلب يدى من والدى. وقتها فقط شعرت بالحب لأول وآخر مرة فى حياتى لقد أقمت حفلا كبيرا جداً للزفاف فى فندق الهيلتون ثم انتقلت إلى حياة جديدة مختلفة تماماً عما كانت عليه حياتى من قبل، خاصة بعد أن رزقت بابنتى الوحيدة غادة، ولكن على الرغم من استمرار زواجى لسنوات طويلة، إلا انه انتهى بالطلاق، ولن أقول بسبب الفشل لاننى لا أحب كلمة الفشل، وظلت ابنتى هى كل حياتى حتى بعد ان تزوجت... وكفاية عواطف بقى.

لا .. لسة شوية صغيرة .. ننتقل من عاطفة الحب لعاطفة التحدي أو الغضب وعن حقيقة ما أثير عن غضب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر منك بسبب جرأتك الزائدة في الحديث معه؟
هذا الكلام لا أساس له من الصحة فقد تم ترديده عن طريق مروجي الشائعات، وحدث هذا بعد حضوري للمؤتمر الوطني الذي أقيم في جامعة القاهرة عام 1963 والتقيت بعبد الناصر وانفعلت بشدة وأنا أدافع في كلمتي عن المدرسين ورواتبهم الضعيفة وقلت ان هذا ظلم كبير من الدولة لهم فقد كان مرتب المدرس لا يتجاوز السبعة جنيهات وهو ما يمثل إهانة بالغة لهم ولأهل العلم جميعاً.
وما موقف الرئيس من كلامك بهذه اللهجة؟
لقد أيدني تماماً فيما قلت، وأصدر قراراً بزيادة مرتبات الموظفين ورغم ذلك وجدت الشائعات تملأ الشارع المصري عن غضبه مني وهو ما لم يحدث على الإطلاق.
وماذا عن الرئيس الراحل أنور السادات الذي قال إنك واحدة من أبرز الفنانات اللاتي يقدمن الفن الجاد الذي يحمل رسالة سامية ما هي أبرز المواقف التي تتذكرينها عن السادات؟
لقد التقيت بالرئيس السادات كثيراً أثناء رئاسته لمجلس الأمة، وحينما أصبح نائباً لرئيس الجمهورية وبعد أن تولى مقاليد البلاد، وقد كان رحمة الله عليه رجلاً محنكاً في كافة النواحي، وأذكر جيداً يوم تكريمه لي عن فيلم (العمر لحظة) وقال لي: لقد قدمت عملاً عظيماً سيذكرك التاريخ به.
وماذا عن هذا الفيلم " العمر لحظة " وهل ادى بالفعل لأفلاس الفنانة ماجدة؟
فيلم "العمر لحظة" كان حلما من أحلامي وكان أيضاً آخر الأفلام التي أنتجتها عام 1978 من إخراج محمد راضي وبطولتي مع أحمد مظهر وناهد شريف وأحمد زكي، وتوقفت بعده عن الإنتاج تماماً وأغلقت مكتبي وشركتي لمدة 10 سنوات كاملة، بسبب الخسائر الجسيمة التي تعرضت لها فقد استدنت من البنوك وحاصرتني الديون ورغم هذا لم أشعر أبدأ بندم لأنني قدمت فيلماً يسجل للبطولات العربية خلال حرب الاستنزاف في الفترة من عام 1967 إلى عام 1973م وقد استمر عرضه 6 شهور كاملة في سينما ديانا.
ولكن حذرك الكثيرون من الاقدام علي تجربة انتاج هذا الفيلم؟
بالفعل ومنهم المرحوم "يوسف السباعي" والذي قال لي: العمل كبير عليك جدا وأنت انسانة ناعمة ورقيقة ولكنني صممت علي العمل واعتمدت علي الله وكنت جريئة جدا وقدم الجيش لي كل المساعدات ووقف إلي جواري وكنا نصور في عز الحر بشهور يونيه ويوليه وأغسطس وكانت مشقة وتعبا كبيرا جدا عليّ وعلي كل النجوم فقد كانت مشاهدنا كلها صعبة وكنا نحضر خزانات المياه المثلجة وكانت تسيح من الحر وكنت أعيش في نار لا تحتمل لكن نجاح العمل أشعرني بالفخر.
بصراحة ما هي الأسباب التي أدت إلى فشل هذا الفيلم جماهيرياً؟
أعترف أن توقيت إنتاجه وعرضه كان خاطئاً فقد جاء بعد نصر أكتوبر بخمسة أعوام كاملة، كما أنني لم أجد من يساندني أو يقف بجانبي بعد كل هذه الخسائر، وهناك عوامل أخرى أدت إلى مضاعفة حجم الخسائر منها ظروف المقاطعة العربية بعد مبادرة (كامب ديفيد) التي قام بها الرئيس الراحل أنور السادات فلم أتمكن من عرضه وتسويقه بالخارج، إلى جانب الصعوبات الشديدة التي واجهتني لعرضه في الداخل، خاصة بعد رحيل يوسف السباعي (مؤلف الفيلم) وكان يشغل منصب وزير الثقافة وقت التصوير وعندما أغتيل فتر حماس الكثيرين للفيلم، فأصابني الحادث في مقتل وغرقت في الديون وفوجئت بقضايا لا حصر لها ضدي وراح أصحاب الديون يطالبون بحقوقهم.
وهل خسارتك في هذا الفيلم هي التي دفعتك الإعلان إفلاسك أم أن هناك أشياء أخرى؟
للأسف الشديد تلقيت ضربتين موجعتين في توقيت واحد فإلى جانب خسارتي في هذا الفيلم خسرت أيضاً مبلغ مليون جنيه حيث قمت بشراء أرض بموقع متميز بمدينة 6 أكتوبر مع أول إنشائها وبتشجيع الدولة للاستثمار فيها وكان هدفي من شراء الأرض هو بناء (مجمع ماجدة للفنون) ليحتوي دار عرض سينمائي ومدرسة لتعليم الموسيقى ومسرحاً ومجموعة من الأستوديوهات، ويصل إجمالي تكاليف المشروع لـ(400) مليون جنيه ولم أستطع فعل أي شيء سوى شراء الأرض بمليون جنيه ودفع مبلغ 100 ألف جنيه للاستشاري الذي صمم لي المجمع، وقمت بعرض الفكرة على التليفزيون.
وما هي أبرز الأفلام التي غامرت بإنتاجها قبل فيلم العمر لحظة ؟
بدأت رحلتي مع الإنتاج بفيلم (أين عمري) عن قصة للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس مع يحيى شاهين وزكي رستم وأحمد رمزي إخراج أحمد ضياء الدين، ثم غامرت وسط دهشة الجميع بإنتاج فيلم (جميلة بوحريد) عن المناضلة الجزائرية الشهيرة، وشاركني بطولته أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار عام 1958 إخراج يوسف شاهين.
إندهش الكثيرون لهذه المغامرة الكبيرة التي قمت بها فما الذي دفعك لاختيار قصة المناضلة الجزائرية وتحويلها لعمل سينمائي؟
لقد تأثرت بقصتها بشدة عند متابعتي لها بالصحف حيث أثيرت ضجة كبيرة حولها كرمز لشعب الجزائر وهو يكافح من أجل الاستقلال وانفعلت بها كسيدة فعلت كل ما فعلت وهي في سن صغيرة فأحببتها وطلبت من الأديب والصحفي محمد جلال أن يجمع لي كل ما كتب عنها واستعنت باللجنة العليا للجزائر، واتصلت بالمخابرات العامة التي وفرت لي كل المعلومات والأحداث الحقيقية، وتم إعداد القصة سينمائياً على يد العظماء نجيب محفوظ وعلي الزرقاني وعبد الرحمن الشرقاوي واسندت إخراجه لعز الدين ذو الفقار والحمد لله خرج الفيلم بصورة مشرفة أكثر مما كنت أتمنى.
وهل تلقيت أي دعم من قبل أي جهة وطنية في إنتاج الفيلم؟
لا فقد تكفلت به بمفردي ولم يساعدني أحد واقتصرت المساعدة من قبل الاخوة الجزائريين على تزويدي بالمعلومات فقط.
وهل نجح الفيلم في تغطية تكاليفه الإنتاجية؟
نعم حدث هذا بحمد الله وأذهل الجميع نجاحه الجماهيري أمام السينما العربية، حيث عرض في الصين واليابان والمجر والاتحاد السوفيتي والعديد من الدول الأوروبية إلى جانب كل الدول العربية والإسلامية بالطبع.
وماذا كان رد فعل جميلة بوحريد نفسها خاصة أنك قدمت الفيلم وهي على قيد الحياة؟
لقد لفت الفيلم أنظار الكثيرين نحوها ووجهت لها السيدة حكمت أبو زيد (وزيرة الشئون الاجتماعية آنذاك) الدعوة لزيارة مصر والتقيت بها ولا أنسى ما قالته لي يومها :(جسدت الصورة الكبيرة لكل فدائية عربية، أنت فدائية).
بذلت مجهودات مكثفة لفتح أبواب النجومية أمام ابنتك (غادة) فلماذا لم تحقق طموحاتك؟
بالعكس فرغم مساعدتي للكثيرين كما أسلفت إلا أن غادة لم تحصل على حقها الكامل مني فقد ظلمتها بمعنى الكلمة، بدليل أنني لم أقدمها سوى في فيلمين فقط هما فيلمها الأول معي (عندما يتكلم الصمت) وفيلمي الأخير (ونسيت أني امرأة) ودون هذا شقّت هي طريقها في أعمال أخرى بعيدة عني ودون أي مساعدة من جهتي ومؤكد أن انشغالها بالزواج والإنجاب وإصرارها على التمسك بالقيم والأخلاقيات التي ربيتها عليها أثر على انطلاقتها في ظل هذه الظروف التي تعيشها السينما حالياً.
معروف أنك حصلت على جوائز وشهادات تقدير لا حصر لها وشاركت في عضوية التحكيم بمهرجانات عديدة حدثينا عن هذا؟
بالطبع لا يمكنني تذكر كل الجوائز والشهادات ولكنني أعتز كثيراً بوسام الاستحقاق الذي حصلت عليه من ملك المغرب الحسن الثاني رحمة الله عليه وجوائز مهرجانات دمشق الدولي وموسكو الدولي وبرلين وفينيسيا وجائزة وزارة الثقافة وغير هذا من الجوائز من مهرجانات دولية وتكريمات من معظم دول العالم كما حصلت على جائزة وزارة الثقافة والإرشاد وتم تكريمي من الجاليات العربية والسفارات والدول الأوروبية والأمريكية، كما تم اختياري كعضوة بلجان تحكيم عربية بالكثير من المهرجانات وكذلك الدولية مثل موسكو ونيوديلهي وغير هذا وبالطبع لا أنسى أول جائزة حصلت عليها وهي الجائزة الأولى في التمثيل عام 1955 من وزارة الشئون الاجتماعية.
وماذا عن المناصب التي شغلتها خلال مشوارك الفني؟
شغلت منصب نائب رئيس مجلس إدارة غرفة صناعة السينما وعضو مجلس إدارة بلجنة السينما بالمجالس القومية المتخصصة ومقررة لجنة السينما بالإذاعة والتليفزيون بالحزب الوطني ورئيس اتحاد السينمائيات المصريات الذي يهتم اهتماماً خاصاً بسينما المرأة في العالم والذي قامت بتأسيسه في القاهرة الكاتبة الصحفية إقبال بركة عام 1988 وانتخبت أنا كرئيسة للجمعية بالتزكية والإجماع ولازلت رئيسة الجمعية حتى اليوم.
وما حقيقة ما تردد من شائعات عن ترشيح نفسك لعضوية البرلمان المصري في الانتخابات؟
مجرد شائعات .. وأنا مؤمنة أن العمل الوطني والاجتماعي لا يحتاج إلى مناصب أو كراسي، فقط يحتاج إحساساً بالانتماء من الشخص للأرض التي يعيش فوق ترابها، وأرى أنه لكي أرشح نفسي لابد وأن أتفرغ تماماً لأداء حقوق هذه المهمة وأنا لست مستعدة لهذا ولست في حاجة لكي أسلط الأضواء على نفسي لكي أحقق مصلحة الناس فهذا واجب وطني ورسالة يجب أن أؤديها لكونها امتداداً لمشواري الفني فأنا من زمن أحمل على عاتقي هذه الرسالة بما قدمته من قضايا وطنية وإنسانية وقومية ودينية واجتماعية.

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

لقاء احمد فؤاد نجم - الحلقة الثانية

بتاريخ الأحد 14 ديسمبر 2008

اجرى الحوار محيي الدين ابراهيم

عمري ماتوقعت هزيمة ونكسة زي هزيمة يونيو

انا عشت في السجون اكتر ماعشت مع ولادي

القذافي طلب مني امدحه قلت له ياعم ابعد عني


مازلنا نتوغل في اعماق واغوار وذكريات شاعرنا الكبير احمد فؤاد نجم الذي لاتفوت لحظة معه الا ويشاكسنا حتى اضطررنا ان نشاكسة نحن ايضاً وماأروع ان تتشاكس مع نجم وتطرب الى كلماته وذكرياته.

لماذا تفخر بلقب الفاجومي؟
"تصدق بقى إن الفاجومي" معناها " مغفل " ورغم كده بعتز باللقب ده؟!
تعتز بلقب " احمق " ؟
السادات اطلقه واستمر معايا وانا فخور به.
ولكنك من أذكى الشعراء فلماذا اطلقه عليك السادات؟
بسبب مشاغباتي السياسية معاه وكتر الاعتقالات .. انا كنت بخرج من المعتقل يامحيي عشان أدخله تاني.
ظاهرة الطبقة الجديدة كانت من الظواهر التي ميزت سنوات التحول الاشتراكي في مصر بعد ثورة يوليو، تفتكر بماذا الهمتك هذه الفترة؟
بأول قصايدي السياسية .. شوف يامحيي .. أي أزمة مرت بها مصر وعشتها ووعيتها .. كتبت عنها .. مش مهم النتيجة ايه .. اروح السجن .. أو اتحرق حتى .. المهم أعبر عن مشاعر اهل بلدي.

وما هي اهم الظروف؟
الظرف المهبب .. نكسة 67 .. الفساد ساعتها دبّ بدري بدري في جسد الاشتراكية الناصرية قبل النكسة بشهور فتنبأت بحجم الكارثة التي ستشهدها مصر .. الكلام ده كان في شهر ابريل أو مايو يمكن .. لكن عمري ماتوقعت هزيمة ونكسة زي هزيمة يونيو ابداً ..انا كنت اتمنى اموت قبل ماأشوف يوم اسود زي ده.
وكان تعبيرك ازاي؟
كتبت " يعيش اهل بلدي" وبعدها كتبت قصيدة "التحالف" وكنت بأسخر فيها من التحالف بين قوى الشعب العاملة.
وتحب تسمعنا ايه بقى " يعيش اهل بلدي " ام " التحالف؟
يعيش أهل بلــــــــــــــــــــدي
و بينهم مافيــــــــــــــــــــــش
تعارف يخلي التحالف يعيــش
تعيش كل طايفـــــــــــــــــــة
من الثانية خايفــــــــــــــــــــة
و تنزل ستاير بداير و شيـــش
لكن ف الموالــــــــــــــــــــــد
ياشعبي يا خالـــــــــــــــــــــد
بنتلم صحبـــــــــــــــــــــــــة
و نهتف يعيــــــــــــــــــــــش
يعيش أهل بلــــــــــــــــــــدي
يعيش المثقف على مقهى ريش
يعيش يعيــــــــــــــــــــــــــش
محفلط مزفلط كثير الكـــــلام
عديم الممارســــــــــــــــــــة
عدو الزحـــــــــــــــــــــــــام
بكام كلمة فاضيـــــــــــــــــة
و كام اصطـــــــــــــــــلاح
يفبرك حلول المشاكل قـــوام
يعيش المثقف يعيش يعيش يعيش
يعيش التنابلة ف حي الزمالك
و حي الزمالـــــــــــــــــــــــك
مسالك مسالــــــــــــــــــــــــك
تحاول تفكــــــــــــــــــــــــــر
تهوب هنالــــــــــــــــــــــــــك
تودر حياتــــــــــــــــــــــــــك
بلاش المهالـــــــــــــــــــــــك
لذلك إذا عزت توصف حياتهم
تقول الحياة عندنا مش كذلك
مش ممكن تشوفهـــــــــــــــم
ف وسط المدينــــــــــــــــــة
اذا مر جنبك اوتومبيل سفينة
قفاهم عجينــــــــــــــــــــــــة
كروشهم سمينـــــــــــــــــــــة
جلودهم بتضــــــــــــــــــوي
دماغهم تخينــــــــــــــــــــــة
سنانهم مبــــــــــــــــــــــــارد
تفوت ف الجليــــــــــــــــــــد
مفيش سخن بـــــــــــــــــــارد
بياكلوا الحديـــــــــــــــــــــــد
مدام نهر وارد
و جي م الصعيد
تزيد الموارد
كروشهم تزيد
و تسمع و تسلم
بان التنابلة أو الأكالين
حيسمح كبيرهم
و يعمل مقابلة مع الفلاحين
و يحصل تحالف مابين الجميع
و نملا المصارف
بدم القطيع
أطيع الخليفة
أطيع والديك
أطيع التنابلة
دا مفروض عليك
و تزرع و تبعت لحي الزمالك
و حي الزمالك
مسالك مسالك
تحاول تفكر تهوب هنالك
تودر حياتك
بلاش المهالك
لذلك اذا حد جاب لك سيرتهم
تبسمل تكبر
و تهتف كذلك
يعيش التنابلة
يعش يعيش يعش
يعيش أهل بلدي
يعيش الغلابة في طي النجوع
نهارهم سحابة
و ليلهم دموع
سواعد هزيلة
لكن فيها حيلة
تبدر تخدر جفاف الربوع
مكن شغل كايرو
ما يتبعش دايروه
لا ياكل و لا حتى يقدر يجوع
يا غلبان بلدنا
يا فلاح يا صاتع
يا شحم السواقي يا فحم المصانع
يا منتج يامبهج يا آخر حلاوة
يا هادي يا راخي ياعاقل ياقانع
ما تتعبش نفسك
ف شغل السياسة
و شوف انتشغلك
بهمة و حماسة
و عود عيالك فضيلة الرضا
لأن احنا طبعا عبيد القضا
و رزقك ورزقي و رزق الكلاب
دا موضوع مؤجل ليوم الحساب
كمان الصحافة حتكتب ف حالتك
و تنشر مناظر لخالك و خالتك
و تطلع يا مسعد عليك الغناوي
و تسمع باسمك ف قلب القهاوي
تحبك مشيرة و بنات الجزيرة
و قصة غرامك تشيع ف الرداوي
يعيش عم مسعد
يعيش يعيش يعيش
يعيش أهل بلدي
فعلاً كلام يدخل السجن ياعم نجم؟
انا عشت في السجون يابني اكتر ماعشت مع ولادي
طيب بعد هذه القصيدة ماذا كان رد الفعل؟
الدنيا ولعت .. خصوصاً بعد التصريح عن حشود عسكرية إسرائيلية على حدود سوريا، وبعدا باسبوع أو اتنين قامت الحرب وحصل اللي حصل.
قصدك النكسة؟
هو فيه غيرها .. النكسة كانت يوم 5 يونيو ويوم 8 يونيو كتبت " رسالة " وفي نفس اليوم كتبت " بقرة حاحا" وكنت ببكي فيها على مصر.
واه يا عبد الودود
يا رابض ع الحدود
و محافظ ع النظام
كيفك يا واد صحيح
عسى الله تكون مليح
و راجب للامام
أمك ع تدعي ليك
و ع تسلم عليك
و تجول بعد السلام
خليك ددع لابوك
ليجولوا منين دابوك
و يمصخوا الكلام
و الأهل يبلغوك
دميعا السلام
واه يا عبد الودود
كيفك و كيف زمايلك
عسى الله طيبين
خالك زناتي داي لك
ضمن المطوعين
و اختك تطلع يوماتي
ع المستشفى الجديمة
حاكم ع يمرنوها ف العركة
تكون حكيمة
و محمدين موافي
يتعلم المطافي
ويجولك شد عزمك
ويجولك العوافي
و آخر الكلام
نجولك في الختام
الله يصون بلدنا
و يحرص السلام
والدك حسن محارب
غفير برد الحمام
ولكن ماهي حكاية عبد المتعال؟
عبد المتعال هو عبد الودود .. ماهو أنا لما عرفت إن الجيش انهزم والمصيبة حلت .. وعبد الودود رجع لحدود قناة السويس للخلف در غيرت اسمه من عبد الودود الرابض على الحدود لعبد المتعال الرابض ع الكنال .. ماهو مابقاش فيه حدود يامحيي وكله مذلول ومهزوم.
انت شايف مصر النهاردة زي ماكنت شايفها قبل النكسة؟
لا .. مصر النهاردة بلد جامدة .. وزي ماقلت لك قبل كده .. الشارع المصري مرعب وطول التاريخ مرعب وقوي وصامد .. وشوف مصر النهاردة واسرائيل النهاردة .. هل مصر بتصرف مليارات عشان تبني حيطة حوالين القاهرة .. اسرائيل بتبني حيطة حوالين نفسها النهاردة لانها خايفة .. خايفة وبتكابر وبتقول جدار عازل.
هل هناك أي تغير حدث في شعر احمد فؤاد نجم النهاردة عن شعره في الستينيات؟
النقد أقل لأنني اكتسبت خبرة جعلت قصائدي أكثر هدوءا.
هل ترى السباب مباحا في الفن؟
كل شيء مباح لإيصال رسالة الفن طالما الرسالة مشروعة.
وهل مباح انك تقول للعقيد القذافي ابعد عني أحسن لك؟
هو مش بالظبط .. هي الحكاية ايه يامحيي .. هو طلب مني امدحه! .. بقى ده يصح؟؟ .. يطلب من شاعر رافض كل الأنظمة العربية انه يمدحه!! .. فقلت له: اكبر دعم تقدمه لي انك تفضل بعيد عني .. طيب انا سأحكي لك مصيبة حدثت لي في سوريا في عز زمن البطش:

الأحد، 28 ديسمبر 2008

تاريخ مسرح الطفل في العالم

 بتاريخ الأحد 28 ديسمبر 2008

بقلم: د.جميل حمداوي - المغرب
jamilhamdaoui@yahoo.fr

كل من أراد أن يرصد مسرح الطفل بالدراسة والتتبع والتحليل والاستقراء العلمي والموضوعي فلا بد أن يصل به المآل إلى أن مسرح الطفل قديم وحديث في آن معا مادمنا لا نملك وثائق علمية دقيقة عنه، ولا نعرف عنه الشيء الكثير ولاسيما مساره التطوري والسياقات المرجعية والذاتية التي أفرزته.
وقبل الخوض في تاريخ مسرح الطفل علينا أولا وقبل كل شيء أن نعرف مفهوم الطفل وأن نلتقط دلالات مسرح الطفل وأنواعه.

1- مصطلح الطفل:
يثير مصطلح (الطفل) إشكاليات عويصة على مستوى التعريف والتحديد والتدقيق. إذ يختلط الطفل بالمراهق كما يختلط بالراشد البالغ. وتظهر هذه الصعوبة جلية من خلال مراجعة الموسوعات والقواميس وكتب أدب الأطفال.
ويعود هذا الإشكال إلى تعدد المجالات ووجهات النظر التي من خلالها نقارب مصطلح الطفل.
فهناك من يرى الطفل رجلا صغيرا أو كائنا ينمو أو مرحلة سابقة للمراهقة أو كائنا بشريا يعيش فترة الطفولة أو يعتمد على الآخرين في التكيف مع الذات والطبيعة.
و نخلص من كل هذا إلى أن الطفولة هي المرحلة العمرية الممتدة من الولادة حتى البلوغ مصداقا لقوله تعالى: "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء". [1]
وقال أيضا جل شأنه: "وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم". [2]
وتنقسم الطفولة إلى مراحل عدة على النحو التالي:
أ‌- مرحلة المهد: من الولادة حتى نهاية العام الثاني (نهاية الرضاعة).
ب‌- مرحلة الطفولة المبكرة: من ثلاث سنوات حتى خمس سنوات.
ت‌- مرحلة الطفولة المتوسطة: من العام السادس حتى العام الحادي عشر.
ث‌- مرحلة الطفولة المتأخرة: من الثانية عشرة حتى البلوغ. [3]
فماذا نقصد- إذاً- بمسرح الطفل؟

2- مفهوم مسرح الطفل:
مسرح الطفل هو ذلك المسرح الذي يخدم الطفولة سواء أقام به الكبار أم الصغار مادام الهدف هو إمتاع الطفل والترفيه عنه وإثارة معارفه ووجدانه وحسه الحركي، أو يقصد به تشخيص الطفل لأدوار تمثيلية ولعبية ومواقف درامية للتواصل مع الكبار أو الصغار. وبهذا يكون مسرح الطفل مختلطا بين الكبار والصغار. ويعني هذا أن الكبار يؤلفون ويخرجون للصغار ماداموا يمتلكون مهارات التنشيط والإخراج وتقنيات إدارة الخشبة، أما الصغار فيمثلون ويعبرون باللغة والحركة ويجسدون الشخصيات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة اعتمادا على الأقنعة. ومن هنا، فمسرح الصغار هو مسرح للطفل مادام الكبار يقومون بعملية التأطير، وهو كذلك مسرح الطفل إذا كان مسرحا يقوم به الطفل تمثيلا وإخراجا وتأليفا. ومن هنا، فمسرح الطفل يعتمد تارة على التقليد والمحاكاة وتارة أخرى يعتمد على الإبداع الفني والإنتاج الجمالي.
ولا أوافق الذين يفضلون أن يمسرح الكبار للصغار، لأن هذا العمل يساعد على التقليد والمحاكاة والتمثل ويقتل الإبداع والارتجال، فمن الأحسن أن نشجع الأطفال على كتابة النصوص المسرحية وتمثيلها وإخراجها بعد تأطيرهم نظريا وتطبيقيا خاصة في المرحلتين: المتوسطة والمتأخرة من مراحل الطفولة.
ويمكن تقسيم مسرح الطفل إلى عدة أنواع وهي كالتالي:
أ‌- المسرح التلقائي أو الفطري:
و هو مسرح يخلق مع الطفل بالغريزة الفطرية، يستند فيه إلى الارتجال والتمثيل اللعبي والتعبير الحر التلقائي (مثل لعبة العريس والعروسة).
ب‌- المسرح التعليمي:
هو ذلك المسرح الذي ينجزه التلميذ تحت إشراف المربي أو المنشط أو المدرس أو الأستاذ وبوجود نصوص معدة سلفا ضمن المقررات الدراسية. ويمكن تفريعه أيضا إلى:

1- مسرح التعليم الأولى:
و يرتبط بالكتاتيب القرآنية والتربوية وأرواض الأطفال حيث يمثل التلاميذ مجموعة من الأدوار المسرحية التي يقترحها المربون عليهم.

2- المسرح المدرسي:
هو ذلك المسرح الذي يستخدم التمثيل داخل المؤسسة التربوية (المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية) بمثابة تقنية بيداغوجية لتحقيق الأهداف المسطرة سواء أكانت أهدافا عامة أم خاصة وتستهدف الجوانب الفكرية والوجدانية والحسية الحركية. ويشرف على هذا المسرح المدرس وذلك بتنشيط التمثيل الذي يقوم به التلاميذ داخل القسم أو أثناء المناسبات الرسمية (الأعياد الدينية والوطنية) وغير الرسمية (فترة نهاية السنة الدراسية لتوزيع الجوائز وإعلان النتائج).
ويستند المسرح المدرسي إلى التسلح بعدة معارف كعلوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والبيولوجيا؛ نظرا لكون المسرح وسيلة إصلاحية/ تطهيرية ووسيلة علاجية ووسيلة جمالية إبداعية ووسيلة تلقين ونقل المعرفة والمهارة.
ويهدف المسرح المدرسي إلى إشباع حاجات الطفل الفكرية والنفسية والاجتماعية والعضوية لخلق التوازن لدى الطفل للتكيف مع الذات والموضوع وتحقيق النمو البيولوجي.

هذا ويتطلب المسرح المدرسي التركيز على الاختصاصات التالية:
1- الإنتاج ونعني به التمثيل والإخراج والإبداع؛
2- التنشيط وهو مقاربة تربوية تطوع المادة المسرحية لخدمة أهداف تربوية؛
3- التقنية سواء أكانت سمعية أم بصرية أم هما معا.
وقد يتمظهر المسرح المدرسي بجلاء في الخشبة العمومية تمثيلا وتأليفا وإخراجا كما يتجلى في الخشبة المدرسية أو الفضاءات المفتوحة أثناء أوقات الفراغ لعبا ومشاركة وتمثيلا وتقليدا.

3- المسرح الجامعي:
يعد هذا المسرح امتدادا للمسرح المدرسي، وينتمي في الغالب إلى مؤسسة علمية عالية وهي إما جامعة وإما معهد وإما كلية، ويقوم بهذا المسرح طلاب كانوا من قبل تلاميذ وأطفالا تحت إشراف أساتذة جامعيين متخصصين في المسرح كتابة وسينوغرافيا وإخراجا. [4]

4- مسرح العرائس:
هو مسرح الدمى أو الكراكيز، وهو نوعان: نوع يحرك أمام الجمهور مباشرة بواسطة خيوط، والآخر يحرك بأيدي اللاعبين أنفسهم. وهو مسرح مكشوف يعرض قصصه في الهواء الطلق وله ستارة تنزل على الدمى أو ترتفع عنها. أما الممثلون فشخص واحد أو أكثر وقد يصلون إلى خمسة وهم على شكل دمى محركة بواسطة أيدي اللاعبين من تحت المنصة أو بواسطة الخيوط. [5]
من هنا نستنتج أن مسرح العرائس هو مسرح الدمى والكراكيز والعرائس المتحركة. ومن المعلوم أن لهذا المسرح تأثيرا كبيرا على الأطفال الصغار حيث يبهرهم ويدهشهم بقصصه الهادفة التي تسعى إلى إيصال القيم الفاضلة والقيم النبيلة لغرسها في نفوس هؤلاء الأبرياء الصغار.
وقد ظهر مسرح العرائس قديما عند المصريين القدامى (الفراعنة) والصينيين واليابانيين وبلاد ما بين النهرين وتركيا. بيد أن اليابانيين تفننوا فيه حتى أصبح مسرح العرائس إحدى أدوات التعليم والتلقين، فهم من الأوائل الذين أتقنوا هذا النوع من المسرح حيث يتهافت عليه الصغار والكبار بدون استثناء. وثمة كثير من المخرجين المعاصرين من يعتمد على مسرح الدمى كبيتر شومان في مسرحه الذي يسمى بمسرح الدمى والخبز.

5- مسرح خيال الظل:
يعتمد خيال الظل على الأشعة الضوئية لتشخيص أشياء من خلالها تنعكس الظلال على شاشة خاصة وذلك باستعمال الأيدي والأرجل وبعض الصور.
وقد عرف خيال الظل في مصر والعراق، ويذكر أن صلاح الدين الأيوبي حضر عرضا لخيال الظل مع وزيره القاضي الفاضل عام 567هـ، وقد اشتهر في هذه اللعبة ابن دانيــال الموصلي والشيخ مسعود وعلي النحلة وداود العطار الزجال. وقد ارتحل خيال الظل عبر مجموعة من الدول والمناطق ليستقر في الوطن العربي بعد أن انتقل من الهند إلى الصين حيث تسلمته القبائل التركية الشرقية والتي سربته بدورها إلى فارس ثم إلى الشرق الأوسط وتلقته مصر لتنشره في شمال إفريقيا. [6]

6- المسرح الإذاعي:
هو ذلك المسرح الذي تنقله وسائل الإعلام وتذيعه بين الناس مرئيا وبصريا وسمعيا سواء في الراديو أم التلفزيون أم الشاشة الكبيرة. (قناة الأطفال المغربية مثلا).

3- تاريخ مسرح الطفل:
يفيد كتاب "بهارتا" في المسرح الهندي القديم أن المسئولين والقائمين على شؤون المسرح يتلقون تكوينهم منذ نعومة الأظافر في هذا الميدان على أيدي آبائهم وأجدادهم. وقد لقن "بهاراتا" أسرار هذا الفن إلى أبنائه العشرين بأمر من "راهاما" نفسه.
وكان الشباب الإغريقيون في مدينة أثيـنـــا يتعلمون الرقص التعبيري ضمن البرنامج الدراسي. وقد أورد أفلاطون في "جمهوريته" ضرورة تلقين الجند فن المحاكاة، وذلك بتمثيل أدوار درامية تتعلق بالمروءة والفضيلة والشجاعة دون غيرها من الأدوار المشهدية تفاديا من تأثير محاكاة الرذيلة على طباع الجنود.
وفي فرنسا، اهتم كبار أعلام المسرح الكلاسيكي بالمسرح المدرسي، حتى إن رجال الكنيسة الذين أعلنوا رفضهم للمسرح وثاروا عليه وشنوا عليه حرب شعواء وجدوا في ممارسة هذا الفن في الحقل التربوي فائدة ومتعة. فهذا مثلا بوسوي BOSSUET (1627-1704) الذي كان عدوا لدودا للفن الدرامي يعلن في كتابه "خواطر وأفكار عن التمثيل" (Maximes et réflexions sur la comédie) أنه ليس من الجائز منع المسرحيات الموجهة إلى الأطفال والشباب أو إدانتها مادامت تسعف الأساتذة في عملهم التربوي عندما يتخذونها تمارين تطبيقية وأنشطة فنية لتحسين أسلوب ناشئتهم وتنظيم عملهم الدراسي.
وقد ترجم رونسار Ronsard مسرحية "بلوتوس" Plutus لأريستوفان المسرحي اليوناني لكي يمثلها تلاميذ معهد كوكوري Coqueret سنة 1549م، كما تحدث مونتاني Montaigne في كتاباته عن ممارسته للمسرح عندما كان تلميذا، واعتبر أن مثل هذه التمارين ممتازة جدا وهامة لتكوين الناشئة. [7]
وقد كتب جان راسين Jean Racine (1699-1639) تراجيديتين حول مواضيع إنجيلية وهما: إستير Esther وAthalie أتالي، الأولى في 1689 والثانية في 1691م خصيصا لتلميذات معهد سانت سير Saint- Cyr نزولا عند رغبة مادام مانتونون Mme de Maintenon.
وفي سنة 1874 قدمت مدام أستيفاني دي جينليس Madame de Genlis (1746-1830) عرضا مسرحيا خاصا بالطفل في حديقة ضيعة دون شارتر بضواحي باريس وقصة العرض تعبيرية (بانتوميم)، وعرضت كذلك مسرحية (المسافر) وقد قام بأدوارها أبناء الدوق، ومسرحية (عاقبة الفضول) التي تصور ما يجلبه الفضول على صاحبه، وكان التأليف والتلحين لمدام دي جينليس المربية. وسار أرنود بركين Arnaud Berquin (1749-1791) على غرار دي جنليس في تقديم العروض المسرحية المتعلقة بالأطفال، وهما معا من أتباع مدرسة الكتابة للأطفال في فرنسا.
ونستشف من هذا أن المربين هم الذين كانوا يشرفون على مسرح الطفل ويستخدمون اللعب والتمثيل في مجال رعاية الأطفال والعناية بهم وتربيتهم وتعليمهم.
وعليه، فقد استفاد مسرح الطفل من آراء التربية الحديثة التي تنص على حرية الطفل وخيريته كما عند جان جاك روســو في كتابه "إميل" علاوة على أهمية اللعب والتمثيل ومعرفة الحياة عن طريق الحياة باعتبارها مرتكزات جوهرية في التربية الهادفة. ومن ثم، تشرب مسرح الطفل آراء روســو وماريــا مونتسوري وجون ديوي ودوكرولي وباكوليه وكلاباريد وبول فوشيه وبستولوزي Pestalozzi ومونتسوري Montessori وسوزان إسحاق S.Essac….
هذا، ويقول علي الحديدي في كتابه (في أدب الأطفال) بأن مدام دي جينلس وأرنود بركين قد شجبا" بعنف القصص الخيالية وقصص الجن والخرافات، وقدما في زعمهما القصص المناسبة للأطفال وكانت مستوحاة من تعاليم روسو، وحرصا فيها كل الحرص على التربية الاستقلالية الطبيعية" [8].
وقد نشرت المربية الفرنسية الفاضلة (دوجينلس) كتابا للأطفال وهو (مسرح للأشخاص الناشئين) سنة 1779 وأتبعته في عام 1782 بكتاب آخر "آديل وتيودور أو رسائل حول التربية"، وكتابا ثالثا ذا أهمية خاصة في عام 1784 هو "سهرات القصر". [9]
إذاً، فالبداية الفعلية الأولى لمسرح الطفل كانت على يد المربين والمربيات الذين استفادوا من آراء جان جاك روسو الذي دعا في كتابه (إميل) إلى الانتباه إلى لعب الطفولة قائلا: "أحبوا الطفولة وفضّلوا لعبها ومتعها وغريزتها المحبوبة" [10].
ويرفض جان جاك رسو تعليم الطفل بواسطة الكتب ويفضل أن تعلمه الطبيعة بواسطة اللعب والحركة والحواس والمشاركة. ووقد ركزت السيدة (دو جنليس) على اللعب والمسرح الطفولي باعتبارهما مدخلين أساسيين للتعليم واكتساب الأخلاق مقتدية في ذلك بفلسفة جان جاك روسو. وقد صرحت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بأن "أديل وتيودور، مثل الأطفال جميعا يحبان اللعب كثيرا، ولسوف يصبح هذا اللعب، بفضل عنايتي، درسا حقيقيا في الأخلاق" [11]
وإذا انتقلنا إلى إسبانيا فإن أول عرض مسرحي طفولي كان يحمل عنوان "خليج الأعراس " سنة 1657 م، وقد قدم العرض بحديقة الأمير فرناندو ابن فيليبي الرابع ملك إسبانيا، وهو من تأليف الكاتب المسرحي الكبير بدرو كالدرون دي لاباركا الذي أنعش عصره الذهبي بالكثير من المسرحيات الممتعة والهادفة.
ويذهب مارك توين الكاتب الأمريكي إلى أن مسرح الطفل حديث لأنه لم يظهر إلا في القرن العشرين: "……أعتقد أن مسرح الأطفال هو من أعظم الاختراعات في القرن العشرين، وأن قيمته الكبيرة، التي لا تبدو واضحة أو مفهومة في الوقت الحاضر سوف تتجلى قريبا. إنه أقوى معلم للأخلاق وخير دافع للسلوك الطيب اهتدت إليه عبقرية الإنسان، لأن دروسه لا تلقن بالكتب بطريقة مرهقة، أو في المنزل بطريقة مملة، بل بالحركة المنظورة التي تبعت الحماسة وتصل مباشرة إلى قلوب الأطفال التي تعد أنسب وعاء لهذه الدروس، وحين تبدأ الدروس رحلتها فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق، بل تصل إلى غايتها… إلى عقول أطفالنا" [12].
هذا، وقد أنشأت ميني هينز سنة 1903م في الولايات المتحدة الأمريكية مسرح الأطفال التعليمي، ومن العروض الطفلية التي قدمتها هي: الأمير والفقير، والأميرة الصغيرة والعاصمة…
ولم يظهر مسرح الطفل في روسيا إلا في سنة 1918 م وجل قصصه الدرامية غربية مثل: ملابس الإمبراطور والأمير والفقير، وهدف هذا المسرح إيديولوجي ليس إلا، يتمثل في إظهار بشاعة الرأسمالية وحقارة المحتكر. ويثبت مكسيم كـوركي سنة 1930 م هذا التوجه الإيديولوجي لمسرح الطفل بقوله: "ومن التزامنا بأن نروي لأطفالنا القصص بطريقة مرحة ومسلية، فالإلزام أن تصور القصص وتلك المسرحيات بشاعة الرأسمال وحقارة المحتكر". [13]
ومن جهة أخرى، فقد تبنت المؤسسات التربوية مجموعة من الأنشطة المسرحية في الكثير من بلدان العالم، وكانت تستهدف فئة عمرية معينة وهي فئة الأطفال الصغار، وكانت أغلب عروض هذه الأنشطة تجمع بين المتعة والفائدة، والتسلية والتهذيب الأخلاقي دون أن ننسى المقصدية الأساسية من هذا المسرح الطفولي والتي تتمثل في التربية والتعليم وتكوين النشء.
ونستنتج من هذا أن أوربا تعرفت مسرح الطفل قبل العالم العربي الذي لم يعرفه – حسب علمنا – إلا في السبعينيات من القرن العشرين، وإن كان الباحث المغربي مصطفى عبد السلام المهماه يرى أن المغرب عرف مسرح الطفل منذ سنة 1860 م "عندما استولى الإسبان على مدينة تطوان، حيث مثلت فرقة بروتون مسرحية بعنوان: "الطفل المغربي"، وذلك على خشبة مسرح إيزابيل الثانية بتطوان، وهي أول خشبة في العالم العربي وفي إفريقيا، وبعدها قاعة مسرح الأزبكية 1868، والأوبرا بالقاهرة سنة 1869 بمناسبة فتح قناة السويس، وبالطبع نعتبر التاريخ أعلاه، كبداية لمسرح الطفل وللمسرح عامة". [14]


استنتاج تركيبي:
هذه نظرة موجزة عن الطفل ومسرح الطفل وأنواعه وتاريخ مسرح الطفل في أوربا وأمريكا وآسيا وأفريقيا والعالم العربي علاوة على أهم التطورات التي عرفها هذا المسرح الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالتعليم والتربية الحديثة.
ونستشف من خلال عرضنا هذا أن مسرح الطفل لم يحظ بما حظي به مسرح الكبار من قيمة ومكانة وانتشار وتدوين وتوثيق، بل بقي مسرحا ثانويا أو ظل على هامش مسرح الكبار إلى يومنا هذا. إذاً، فمتى سنهتم بمسرح الطفل؟ ومتى سنشرع في تدريسه في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا ؟ ولماذا لانهتم بتدوينه وتوثيقه؟ ولماذا لا نشجع المبدعين سواء أكانوا من فئة الكبار أم من فئة الصغار على الإنتاج والتأليف والتنظير والإخراج؟!
ونحن لا نطرح هذه الأسئلة الآن إلا بعد أن وجدنا مسرح الطفل قد تراجع كثيرا في عالمنا العربي ودخل طي النسيان والكتمان، وأصبح يعاني من الإقصاء والتهميش حتى داخل مدارسنا وجامعاتنا؟ فهل من يقظة جديدة لإعادة الاعتبار لهذا المسرح الطفولي الذي يعد أساس مسرح الكبار، وقد قيل سيكولوجيا أن الطفل أب الرجل؟!

حواشي:
[1] ( سورة النور)، القرآن الكريم، الآية 31.
[2] ( سورة النور)، القرآن الكريم، الآية، 59؛
[3] د. مالك إبراهيم الأحمد: نحو مشروع مجلة رائدة للأطفال ، كتاب الأمة، رقم 59، السنة 17، 1997 ص:4؛
[4] د. حسن المنيعي: المسرح……مرة أخرى، سلسلة شراع، طنجة، عدد: 49-،1999 صص 68 – 78؛
[5] د. محمد محمد الطالب: ملامح المسرحية العربي الاسلامية، منشورات دار الآفاق الجديدة، المغرب ، ط1/1987، صص 124 – 125؛
[6] نفسه صص 117 – 118؛
[7] انظر الأسعد الجموسي: (دور المسرح المدرسي في التكوين المسرحي: المثال التونسي)، مجلة التربية و التعليم، العدد 16، السنة 5، 1989، ص 27؛
[8] د. علي الحديدي: في أدب الأطفال، مكتبة الأنجلو المصري ،ط 2، 1976 م، ص 48 – 49؛
[9] عبد الرازق جعفر: أدب الأطفال، منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق، 1979 م، ص 99؛
[10] نفس المرجع السابق، ص: 99؛
[11] نفسه ص 100.
[12] نقلا عن مادي لحسن: (المسرح كتقنية بيداغوجية داخل المدرسة)، مجلة التربية و التعليم، العدد 16/1989 / السنة 5 ص 31؛
[13] نقلا عن مصطفى عبد السلام: تاريخ مسرح الطفل في المغرب ، مطبعة فضالة ، المحمدية، ط 1،1986 ،ص 10.
[14] نفسه ص 10 – 11؛

الاثنين، 20 أكتوبر 2008

حوار مع سمبرة سعبد

بتاريخ الثلاثاء 21 أكتوبر 2008

سميرة سعيد :
بكيت عندما علمت أن شركه عالم الفن تستعد بالطبعة الثالثة لألبوم "أيام حياتي"

أعشق الجلوس في البيت لأهتم برعاية ابني شادي الذي أجد متعه حقيقية وأنا بجواره

جائزة الرباب الذهبى لها تقدير خاص بداخلي لأنها تمنح للمبدعين الكبار على مستوى العالم

اجرى الحوار في القاهرة : أحمد عبد المجيد - عبدالله محمد ( بتصرف )
صوت تسمعه وتشعر كأنك تجلس مع أميره تسكن القصور الفاخرة ،تشجعك على الدخول في عالم الرومانسية التي نفتقدها في هذا العالم وتجذبك في بحور العشق والغرام وتعطيك دفعه من الحب.. لو أحببت تجعل من حبك القوه والإحساس ولو فشلت تساعدك على النسيان وتضميد جرحك ..الاقتراب منها مغامرة لذيذه فعليك بالاقتراب الفوري. هي سميرة عبدالرزاق بنسعيد مطربة مغربية مقيمة في القاهرة. اسمها الفني سميرة سعيد من مواليد 10 يناير 1957م في مدينة الرباط. تزوجت الفنانة من الموسيقار هاني مهنى 1988 إلى 1994. أما زواجها الثاني فهو من رجل أعمال مغربي مصطفى النابلسي 1994 وقد أنجبت منه طفلها الوحيد شادي 1995. وهي حاليا غير متزوجة. شاركت في برنامج للمواهب في المغرب وهي في عمر 8 سنوات وغنت لكوكب الشرق أم كلثوم. بدأت مشوارها الفني و عمرها 9 سنوات بأول أعمالها (شكونا لاحبابنا) و(قول للمليحة) بمشاركتها في مسلسل "مجالس الفن والأدب"، وأصدرت أول شريط لها في 1969 م بعنوان (لقاء). وانتقلت إلى القاهره في عام 1978م حيث قدمت أغنيتين مع محمد سلطان وهما (الدنيا كده) و(الحب اللي اناعيشاه). وقبل انتقالها إلى القاهره وتحديدآ في عام 1977م ذهبت إلى الإمارات حيث قدمت أول ألبوم لها وهو باللهجه الخليجية (بلا عتاب)، حصدت على جوائز كثيره ومن بينهم جائزتان عالميتان في سنة 2003م ميوزك آورلد+BBC كما نالت ألقاب منها: المعجزه المغربيه 1969م كاول مطربه مغربيه مشهوره، نجمة الاغنية المفضله 1983م، شذى الغناء العربي 2002م، وكان لنا معها هذا الحوار:
"الغائب دائما غلطان"هذا هو رأيك في غياب اى فنان عن الساحة وبالرغم من ذلك استمر غيابك ثلاث سنوات.. تعليقك؟
اختفائي عن سوق الكاسيت ثلاث سنوات له عده أسباب منها بعض الظروف الخاصة بمرض والدتى الذي كان يتطلب تنقلى بين المغرب والقاهرة علاوة على الظروف التي مر بها الإنتاج الغنائي في الفترة الأخيرة الأمر الذي جعلني في حاله مشاهده ومتابعه لما يحدث حتى استقر على الشكل الذي سأظهر به للجمهور.

هل وجدتى صعوبة في اختيار كلمات ألبومك؟
عمليه اختيار الأغاني لم تكن بالنسبة لي سهله فقمت بتسجيل أغاني وبعد فتره أعدت توزيعها مره أخرى ليس تردد منى بل محاوله للوصول لموسيقى ترضى جميع الأذواق ولصالح العمل والجميع يعلم أنى أبحث دائما على الجديد والتجديد في عملي والمصحوب بالتجربة والمعنى الجيد.

حدثينا عن ألبومك؟
ألبوم "أيام حياتي" يضم 14 أغنية تعبر عن الكثير من المواقف العاطفية والرومانسية أقدمها بشكل شرقي حديث بآلات حديثة وتوزيعات جديدة وقدمتها مع المجموعة التي شاركتني من قبل و اعتبرهم أقوى مجموعه تقدم فن ومزيكا في العالم العربي منهم أمير طعيمه ونادر عبد الله وأيمن بهجت قمر ومحمد رحيم ومحمد مصطفى وشريف قطه وعمرو مصطفى وأمير محروس وأتعاون لأول مره مع الشاعر حمديه التيتى وتامر حسين وأشرف سالم وخالد عز.

ما هو شعورك عندما علمتي أن شركه عالم الفن تستعد لطرح طبعه ثالثة من ألبومك الجديد"أيام حياتي" بعد نفاذ الطبعتين اللتين تم طرحهما؟
لم أتمالك نفسي والدموع تساقطت من عيني لأن الطبعتين نفذوا بشكل سريع ولم أتوقع ذلك علاوة على الطبعات الأخرى التي نفذت في جميع الأقطار العربية ومن وقتها لم استطع السيطرة على نفسي.

هل معنى ذلك انه كان بداخلك شعور بفشل الألبوم؟
الشعور بالقلق والخوف ده إحساس طبيعي لأي فنان وأنا كنت مرعوبة وأعانى من قلق شديد نظرا لغيابي عن الساحة لمده ثلاث سنوات كما شعرت بإن الإقبال على ألبومي بعد هذه الفترة الطويلة سيكون ضعيف جدا وأن أسهمي الفنية تراجعت ولكن جمهوري كسر حاجز الخوف وأعطاني الثقة مره أخرى.

ثقتك بنفسك ليست لها حدود حتى انك غنيت “ميهمنيش بكرة” فما سر هذا؟
ثقتي بنفسي لها علاقة بإخلاصي وحبي للغناء، وأنا ضد لغة الأرقام والحسابات، وأترك أموري على الله لذلك أنا بالفعل “ميهمنيش بكرة”.

يقال إنك مطربة كسولة تمتلك موهبة غنائية لم تستغل بالشكل الكافي حتى الآن، فهل توافقين على هذا الرأي؟
أنا لست كسولة، ولكن هذا لا يعني مقدرتي على العمل المتواصل، وتسجيل الأغنيات لما يقرب من عشرين ساعة يومياً، فأنا عندي طاقة أتعامل معها بهدوء يتناسب مع شخصيتي وإن كان البعض يرى أن موهبتي لا تزال لم تستغل، فهذا يعطيني الحماسة أكثر لتقديم المزيد من الأعمال القوية، فالمواهب نادراً ما تتواجد هذه الأيام.
كيف ترين الأصوات الحالية الموجودة على الساحة؟
أحب سماع آمال ماهر وشيرين عبد الوهاب، وكذلك أستمتع بأداء حسين الجسمي، ومتفائلة بشدة بمستقبل الأغنية العربية، لأن هناك عدداً من المواهب والأصوات الجميلة التي لا تزال تطرب الناس، والغناء الهابط في طريقه للزوال، لأنه قائم على ركائز ضعيفة.

بعد رفضك للغناء في الحفلات فوجئنا بغنائك في بعض الحفلات..تعليقك؟
أنا كان لي بعض المحاذير للغناء في الحفلات منها وجود أكثر من خمس مطربين في حفله واحده وهذا يتطلب ظهور المطرب في ساعات متأخرة بالليل وأيضا رداءه الصوت وسوء التنظيم الذي دائما ما يتسبب في انهيار الحفل كاملا ويعود كل ذلك على المطرب ولكن ألان الوضع اختلف فهناك حفلات ومهرجانات تدور بشكل منظم ومرتب والقائمين عليهم يهتمون بكل كبيرة وصغيره من أجل خروج الفنان بشكل جيد وغنائي نابع من الاستمتاع لي وللجمهور.

هل برجوعك للحفلات سوف تتجهين إلى السينما التي رفضتيها من قبل وكانت تغازلك؟
بالفعل كان هناك عروض كثيرة رشحت لي سواء سينمائية وتليفزيونيه ولكني رفضت أن تكون بدايتي بالتمثيل وركزت بالغناء وكل ما قدم لي كان لا يناسبني وبعد المشوار الطويل والنجاح في الغناء أعتقد انه حان الوقت لخوض تجربه التمثيل في ظل وجود مناخ جيد ونهضة كبيرة في مستوى الدراما.

ما شعورك عند استلامك جائزة "الميوزك ميدل ايست والميوزك اوورد" وجائزة"الرباب الذهبى"؟
شعرت أن مجهودي الذي كرسته لألبومي لم يضيع هدر وشعرت أيضا إن الجمهور مازال واعى ويمتلك القدرة على التميز بين الفن الجيد والرديء وعموما الجائزة وسام على صدرى ومسئوليه لتقديم ما هو أحسن وقيم للمتذوقين الموسيقى وللعلم جائزة الرباب الذهبى لها تقدير خاص بداخلي لأنها تمنح للمبدعين الكبار على مستوى العالم.

ما هى حقيقه ذهابك لفحصك لمرض الإيدز؟
"تضحك" أنا ذهبت طواعية لمقر المنظمة الإفريقية لمحاربه الإيدز بالرباط للدلالة على خطورة المرض وهذا كان ضمن الحملة الإعلامية المنظمة لصيف 2008 وهناك مشاهير غيرى ذهبوا لعمل هذه الحملة من عالم الرياضة والسياسة والفن للحد من خطورة المرض للجميع.

لماذا تبتعدين عن أنظار الإعلام والجمهور في أغلب الوقت؟
لأنى أعشق الجلوس في البيت لأهتم برعاية ابني شادى الذى أجد متعه حقيقية وأنا بجواره لأنه أجمل حلم في حياتي أعيش من اجله.

شادي ألم يحرك بداخلك حالة فنية غنائية تتحمسين لتقديمها؟
قالت وهي تحتضن شادي بحنان شديد: في كثير من الأحيان أشعر أنني أغني لشادي.. فمثلا في ألبومي الأخير 'ليلة حبيبي' كلما غنيت أغنية 'مشتاقالك' أشعر علي الفور أنني أغنيها لشادي.. حتي عندما أسمعها من خلال جهاز التسجيل انظر بسرعة لشادي فأنا عاشقة له وأظل مشتاقة له باستمرار.

أسلوب اختيارك وأحاسيسك هل اختلفت اليوم بوجود شادي؟
بل قل تغير بعد وجود الخبرة، لأن الأحاسيس لا تتغير، إما أن يملك الفنان الأحاسيس المؤثرة وإما لا.. وأعتقد أن المواقف الكثيرة التي يتعرض لها الانسان تزيده خبرة وتطور من تفاعلات أحاسيسه.. وإن كنت لا أفكر أن وجود شادي ووجود بعض الأشخاص يزيدني خبرة وتجعل أحاسيسي أكثر عمقا وجرأة وقوة. في الماضي لم أكن أستطيع التعبير أو التحدث في بعض الأمور، أما اليوم فيمكنني التحدث فيها بجرأة.. حتي علي المستوي الفني كنت أخشي اختيار بعض الأغاني واليوم اختار دون خوف وهذه الأشياء لا دخل لها بوجود شادي بقدر تعرضي لمواقف زادتني نضجا وخبرة.

هل هناك أماكن مغربية تحب أن يراها ابنك شادي ويعيش فيها؟
­ دون تفكير قالت: بيت أهلي.. ثم أضافت: علي فكرة ابني شادي أصبح مصريا تماما فهو يتحدث اللهجة المصرية فقط ولا يجيد التحدث باللهجة المغربية بحكم تواجده الدائم في مصر.

وماذا يفعل عندما تذهبين به إلي المغرب؟
­ كل أفراد أسرتي يتحدثون معه باللهجة المغربية، وهو يفهم كلامهم المغربي لكنه لا يستطيع التحدث باللهجة المغربية فيرد عليهم باللهجة المصرية.

متي تشعرين بالحنين لزيارة المغرب؟ ­
لما بيوحشوني أهلي.. وهذا يحدث كثيرا لأنني مرتبطة بهم بشكل كبير.. زياراتي للمغرب لا تتوقف طوال العام وبالتحديد عندما يسمح وقتي بذلك.

وما المناطق التي تحبين زيارتها في المغرب؟
­ أحب زيارة مراكش فهي مدينة ممتعة للغاية ولا يوجد مثلها مكان في العالم.. وهي تقع في الجنوب ولها شكل وطابع خاص كما هو الحال هنا في محافظة أسوان.. وأقول أنها تختلف عن أي مدينة في العالم لأن كل مبانيها مطلية باللون الأحمر ولها شكل مميز والناس هناك لطاف جدا ويوجد تقارب شديد بينهم وبين سكان مصر فهم يمتازون بروح النكتة والدعابة والدم الخفيف.

وأنت في القاهرة ألا تتحدثين معه باللهجة المغربية أبدا؟
لا يمكنني ذلك حتي لا يشعر بالتشتت فلا يمكنني أن أتحدث معه بالمغربي ثم يجد أصدقاءه يتحدثون المصرية في المدرسة وخارجها.. حتي الفتاة المغربية التي تدير شئون المنزل تتحدث باللهجة المصرية وهذا اتفاق تم بيننا منذ البداية حتي لا يشعر شادي بأي 'لخبطة' في حياته فهو مازال في مرحلة تحتاج التركيز بعيدا عن التشتت.

دائماً تطاردك الشائعات.. ولكنك تلتزمين الصمت وترفضين التعليق أو الرد.. لماذا؟
الشائعات دائماً تكذب نفسها ولا أحب أن أشغل نفسي بها، فالجمهور لا يهمه إذا تزوجت أو انفصلت وأهم شيء أن الشائعات ليس لها تأثير على حياتي الشخصية ولا أحب أن تتدخل فيها هذه الشائعات.

لكنك بعيدة عن الصحافة منذ فترة طويلة؟
لا أحب أن أجري حوارات صحافية أو تلفزيونية وأتحدث في موضوعات قديمة وأفضل دائماً أن أتحدث للإعلام عندما يكون لدي الجديد الذي يستحق الحديث عنه.

بصراحة.. هل موجة العري كليب أثرت على تواجد سميرة سعيد في الساحة الغنائية؟
بالتأكيد لا، فالمطرب الجيد يفرض نفسه.. وظاهرة العري كليب ظاهرة عالمية ولا تقتصر الشكوى من المطربين المصريين والعرب فقط، لكن لو لاحظت عدد المطربين الذين يقدمون فناً جيداً في أي دولة أجنبية ستجدهم قلائل.. ومن وجهة نظري إن موجة العري كليب هذه لن تستمر طويلاً لأن العري أصاب الجمهور بالملل لذلك تراجعت أخيراً أكثر من مطربة تقدم هذا اللون.

كيف استطاعت سميرة سعيد الحفاظ على تواجدها على الرغم من اختفاء وتراجع عدد كبير من مطربي جيلك؟
أولاً لا أحب الحديث عن مطربين أصدقاء ولكني أؤكد أنني أعشق الموسيقى وطول الوقت في حالة استماع لكلمات وألحان جديدة.. وخلال الفترة الماضية قدمت أشكالاً كثيرة من الأغنيات سواء الكلاسيكي أو المودرن والإنكليزي والفرنساوي والحمد لله لدي الجمهور الخاص الذي يحرص دائماً على متابعة ألبوماتي وإنتاجي الفني.

لمن تستمعين من مطربي الجيل الحديث؟
بصراحة شديدة معظم الأغنيات أصبحت متشابهة ومن الصعب أن تفرق بين صوت وآخر ولكن وسط هذه الزحمة أعجبني تامر حسني وهيثم شاكر وحماقي وشيرين عبد الوهاب وجنات.

لماذا تركت منزلك بالمهندسين وفضلت السكن بمدينة جديدة؟
هرباً من الزحام الشديد وبحثاً عن الهدوء، واخترت مدينة القطامية على الرغم من أنني كنت أول من سكن بالمدينة والمنطقة كانت شبه خالية، ولعلمك تابعت تصميم الفيللا بنفسي لدرجة أنني كنت أذهب يومياً من المهندسين إلى القطامية لمتابعة العمل بالفيللا مع المقاول المسؤول عنها.

ولكن لماذا لم تستعيني بمهندس ديكور بدلاً من المتابعة مع المقاول؟
المواعيد ملخبطة وكل شيء لا يتم في ميعاده وهو ما جعلني أعتمد على نفسي لذلك صممت منزلي بنفسي وذهبت إلى مصانع الرخام واخترت الألوان التي أحبها وهي ألوان قريبة من "البني" و"البيج" وبعد عامين من العمل الشاق انتهى كل شيء بشكل يرضيني جداً.

ما الذي ترفضينه في سميرة سعيد؟ ­
بعد تفكير عميق: أمور كثيرة كنت أرفضها في نفسي لكنني بدأت ابتعد عنها.. فقد كنت متسرعة جدا في ردود أفعالي وكان هذا الشيء يشعرني بالضيق الشديد.. وبدأت أعلًٌم 'سميرة سعيد' كيف تتخذ قراراتها دون تسرع.

التسرع يعني أنك انسانة عصبية؟
بتعبيرات امرأة ناضجة قالت: نعم أنا متسرعة واعترف أنني في بعض الأمور أكون متسرعة جدا وآخذ قراراتي بسرعة شديدة وبعدها اكتشف أن المفروض التمهل والابتعاد عن العصبية والتسرع.

التسرع يعني الجرأة.. فهل أنت جريئة في اختياراتك؟
جريئة جدا ولا أخشي شيئا لأنني لو خفت فمن الأفضل أن أجلس في بيتي.. أنا لا أمل من التجربة والتجديد وهذا الكلام أعمل به في كل أمور حياتي.. أكره الملل ولا أحبه لذلك أسارع لاختيار الجديد والجريء لكسر حاجز الملل، كما أنني لا أحب النمطية في الغناء وأعشق التغيير. هنا حاولت سميرة سعيد أن تنهي الإجابة.. إلا أنني شعرت بأن هناك جملة لم تقلها لذلك التزمت الصمت وأنا أنظر إليها مما دفعها أن تقول: هل تصدق انني أفرغ ما بداخلي من شحنات في أغنيات.. نعم هذه حقيقة يجب أن أذكرها فهناك شحنات لا أستطيع تفريغها في حياتي العادية أخرجها في شغلي وهذا يحدث مع كل الناس.

دموعك قريبة؟
لا.. فهي عزيزة عليٌ جدا.

ألا تتأثرين بأي موقف يحدث لك.. وتعبري عما بداخلك؟
قليلا جدا.. ثم سكتت لفترة طويلة وهي تنظر لاحدي صورها المعلقة علي الحائط ثم قالت وكأنها تسأل نفسها: نعم دموعي بعيدة عني وأنا أستغرب ذلك.. قد أتألم داخليا لكنني لا أعرف لماذا لا تسقط دموعي بسهولة.. قد يكون حزني في صمتي.. يمكن.. مش عارفه...