الثلاثاء، 21 يونيو 2011

حوار مع الفنان محمد صبحي

 

 أجرى الحوار: صفوت دسوقي

البراءة لا تعني السذاجة.. البراءة هي أن تري العالم مفتوحاً بلا حدود.. وكأنك تراه بعين طفل.. هكذا يصف الكاتب الفرنسي »روچيه بوتين« هذا المعني الفريد. عندما جمعني لقاء مع الفنان الكبير محمد صبحي اخترقت خاطري هذه الجملة وشغل رأسي كثيراً المعني المتراكم خلفها.. يتكلم »صبحي« في السياسة وكأنه محارب قادر علي المناورة.. ويناقش قضايا الفن بنظرية الفيلسوف الوافد إلي عالمنا لتصحيح صور معكوسة.. الجميل في محمد صبحي ليس قدرته علي الحديث وقراءة تفاصيل الواقع.. وإنما نظرته للدنيا بعين طفل.. كل شيء ممكن ومحتمل وقريب.

< هناك من يري مصر في حاجة إلي ديكتاتور حتي يقود البلاد إلي الاستقرار.. خاصة بعد انتشار الفوضي وغياب الأمن.. فما رأيك في هذا الطرح؟

- من جانبي أرفض أن يحكم مصر ديكتاتور.. وأري مصر في حاجة ماسة وضرورية لقوة القانون.. فالقانون هو ورقة التوت الأخيرة لإنقاذ مصر من الدخول في مجهول لا يعلم أحد عواقبه.

< لكن تطبيق القانون يحتاج إلي قوة وحزم؟

- أتفق معك تماماً.. ولكن القوة التي أراها وأطالب بها هي في حب المواطن المصري واحترامه للقانون.. يجب أن نحترم جميعاً سيادة القانون لأنه الأمل الوحيد في استرداد ما نهب، ومحاكمة كل من تآمر علي أمن وسلامة الوطن.


من أهم الانتقادات التي تم توجيهها للمجلس العسكري في الأيام الأخيرة التباطؤ في اتخاذ القرار؟

- هذا الكلام لا يمت للحقيقة بصلة.. المجلس الأعلي يتحمل مسئولية كبيرة وعظيمة جداً.. ويجب إدراك أن المجلس العسكري يتعامل مع قضايا تاريخية بالغة الحساسية.. لذا يدرس إبعاد هذه القضايا ويراعي الدقة والحذر في اتخاذ أي قرار.

وأحب هنا الإشارة إلي أن هناك من يريد الوقيعة بين الجيش والشعب وعلينا أن نلتفت إلي هذا المخطط الشيطاني حتي تعبر مصر إلي شاطئ الأمان والاستقرار.

< بماذا تقصد بقولك »هناك من يريد الوقيعة بين الجيش والشعب«؟

- أقصد أن الوطن في محنة ويجب أن تكون علاقة الود والحب هي التي تربط بين الجيش والشعب.. فإذا تأملت مشهد المظاهرات الفئوية التي يطالب أصحابها بتعديل الأجور.. سوف تكتشف أنك أمام أزمة كبيرة لأن هذه المطالب جاءت في وقت صعب.. فكيف يرفع المجلس العسكري الأجور.. فلو لجأ إلي طبع فلوس سوف تحدث كارثة وتغرق البلد. ولو طلب مهلة لتصحيح الأوضاع نتهمه بالتباطؤ.. يجب علي الجميع قراءة المشهد السياسي بوعي حتي لا تسود كلمة التخوين، فالوطن أصبح مرتعاً للتخوين.. ومطلوب الحذر حتي لا تحدث كارثة.

فما يحدث في سوريا واليمن وليبيا يؤكد ويكشف أن مصر بخير وأن الله سبحانه وتعالي أراد لها الحماية والصحوة وأنقذها من الانكسار.

< بالمناسبة كيف تري المشهد العربي وكيف ستنتهي الصورة؟

- في كل الأحوال يجب أن تعلم أن المجتمعات العربية تبحث عن طائر الحرية الذي غاب كثيراً عن أراضيها وأملي شأن كل مواطن عربي أن تنتهي الأحداث باستقرار الأوطان وأن نبدأ جميعاً مرحلة البناء.. ولا أخفي عليك أنني لا أستبعد نظرية المؤامرة عن الأحداث الموجودة في مصر والعالم العربي.

< وما تقييمك لفتح معبر رفح بشكل دائم؟

- الرئيس السابق مبارك.. أهان القضية الفلسطينية وفرض علي شعبها حصار لا يقل بشاعة عن حصار إسرائيل.. وفتح معبر رفح له دلالات كبيرة في مقدمتها أننا دولة لها سيادة ولها حرية في اتخاذ القرار ولا نأخذ الأمر من إسرائيل.. علي فكرة أنا ولدت سنة 1948.. أقصد يوم النكبة.. ولذا أشعر بالهم.

< ألا تري معي أن هناك تخوفاً من أن يترك الفلسطينيون أرضهم ويستقرون في مصر؟

- لابد من وضع ضوابط وشروط لتنظيم المسألة.. ويجب علي مصر ألا تتدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي.. ويجب أيضاً علي الفلسطينيين عدم الاستغراق في التفاصيل المصرية.. كل طرف يجب أن ينشغل بحاله فقط.. ولكن في ظل التعاون البناء الذي يبني ويدعم الأوطان.

< ذكرت اسم مبارك وإهماله للقضية الفلسطينية فما الفرق بينه وبين عبدالناصر والسادات؟

- مصر كما قلت أهانت القضية الفلسطينية في عصر مبارك.. وعبدالناصر رغم أنه كان يمتلك الكاريزما ويمثل مرحلة الثورة الساخنة في أحداث 1952 لكن عيبه الوحيد هو الاهتمام بالقومية العربية علي حساب قهر المواطن المصري.. أما السادات فهو يمثل المرحلة الهادئة من ثورة 1952 ومن وجهة نظري، الخطأ الوحيد الذي ارتكبه الرئيس السادات هو عقد اتفاقية سلام منقوصة مع إسرائيل والتي أراها مهينة إلي حد كبير لبلد في حجم وحضارة وقيمة مصر.

أيهما أكثر اتساعاً في عقل محمد صبحي.. مساحة التفاؤل أم مساحة التشاؤم؟

- لا أعرف كيف تكون الإجابة عن هذا السؤال.. لأنني لا أنتهي إلي فصيل النظرة الأحادية، لذا أنا لست متفائلاً ولست متشائماً.. اقرأ الأحداث وبناء عليها تتشكل مشاعري ويتبلور إحساسي.

< ولكن حماسك لحملة المليار يكشف ويؤكد أنك متفائل ولديك أمل؟

- الحمد لله.. أنا أتمسك بالأصل طوال الوقت وأقوم بدوري كفنان مهمته تحريض المواطن علي التغيير.. وأنظر إلي كل أعمالي في المسرح والتليفزيون والسينما وسوف تدرك أنني أحرض علي التغيير وعلي التعمير وطالبت في مسلسل »رحلة المليون« وغيره من الأعمال بالانتقال إلي الصحراء والابتعاد عن التكدس الذي أفسد جمال القاهرة.. وعندما فكرت في حملة المليار كان الهدف هو القضاء علي العشوائيات وبناء بيئة جديدة نظيفة وخالية من التلوث.. وأملي من الحملة أيضاً مساعدة المواطن البسيط في توفير مسكن يحترم آدميته ويشعره بوجوده.

< وهل لمست تجاوباً من المجتمع في حملة المليار؟

- ليست بكل تأكيد تجاوباً واهتماماً.. وأثق بإذن الله سبحانه وتعالي في أن »حملة المليار« سوف تنجح وتحقق أهدافها.. وأملي أن كل مواطن يخلص لقضايا بلده ويحاول قدر استطاعته المساهمة في تصحيح الأخطاء.

< رافقت الرئيس السابق مبارك في إحدي زياراته لمشروع توشكي.. فكيف كان انطباعك عن هذا المشروع؟

- لم أذهب إلي توشكي إلا مرة واحدة فقط.. وعندما شاهدت المشروع علي الطبيعة قلت للدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء وقتها.. يجب أن تكون هناك مصداقية مع الناس.. فلا تقولوا إن المشروع سوف يؤتي ثماره ويحقق أهدافه خلال أربع سنوات فقط بينما الواقع يكشف أن المشروع لن يحقق أي ناتج إلا بعد 20 سنة.

< وكيف استقبل الجنزوري نصيحتك؟

- لم أهتم برد الفعل.. كان المهم بالنسبة لي أن أقول ما شهدته ولمسته.. فالمشروع بأمانة شديدة فكرة جيدة وهذا ما قاله الراحل والرائع جمال حمدان في كتابة شخصية مصر.. لكن التنفيذ لم يتم كما كنا نأمل ونتمني.

< تردد أنك تعرضت لضغوط كثيرة بسبب مدينة سنبل للفنون.. وكان الهدف من هذه الضغوط سحب الأرض؟

- بالفعل تعرضت لضغوط لكن »ربنا ستر« فوجئت بوجود مخالفات بحجة أنني قمت بتغيير النشاط.. وكان الهدف إجباري علي ترك المشروع أو إرغامي علي شراء الأرض مرة ثانية.. علماً بأنني وضعت في أرض مدينة سنبل تعب وشقاء أربعين سنة كاملة.. ويكفي أن تعلم أنني دفعت 2 مليون جنيه لتوصيل الكهرباء للمدينة.. ويكفي أن تعلم أيضاً أنني تحديت بهذه المدينة الدنيا كلها.. رفضت إقامة مسرح في المهندسين وفضلت إقامة مسرح في الصحراء بهدف تشجيع الناس علي الانتقال إلي الصحراء وتخفيف حدة الزحام عن القاهرة.. وأنفقت كل ما أملك علي هذا المشروع وحتي الآن لم أحصل منها علي جنيه واحد. وبالمناسبة عندما زادت عليّ الضغوط ظهرت في برنامج »البيت بيتك« وقلت: »أنا معييش فلوس أدفع«.. أنا لم أطبل للثورة ولم أكن في يوم من الأيام معارضاً أو بوقاً لأحد من النظام.

< في رأيك الي أي مدي يستطيع الفن التغيير والتأثير في الواقع السياسي؟

- الفن يؤثر علي مستوي الفرد بمعني أن الفن يستطيع تطوير الإنسان ومساعدته في تكوين وجهة نظر.. والفن كما قلت في موضع سابق تحريضي أي يدفع الإنسان علي التغيير والتطوير.

< أيهما أكثر وأعمق من وجهة نظرك سينما عاطف الطيب أم سينما يوسف شاهين؟

- عاطف الطيب مثل صلاح أبوسيف استغرق في تفاصيل السينما المصرية ورصد واقع الشعب المصري بصورة معبرة لكن عيب يوسف شاهين أنه ظن أن الوصول للعالمية يجب أن يكون من خلال الحماس للأفكار الغربية والاتجاه ناحية الغرب؛ أقصد انه ممكن علي المبدع أن يصل للعالمية من خلال استغراقه في المحلة مادام قادرا علي الرصد والتحليل بشكل صادق ومعبر.

< لماذا ابتعدت عن السينما رغم أن نجوميتك عبر شاشتها كانت ذات لمعان وبريق؟

- ابتعدت عن السينما عندما أصبحت هناك سينما المقاولات فقررت الابتعاد عنها قبل أن أجد نفسي عرضة للبيع.. ذهبت الي التليفزيون والمسرح بكل أفكاري وأحلامي وأشعر أنني نجحت في توصيل أفكاري للناس بشكل سليم وصحيح، وبالمناسبة قدمت في السينما 23 فيلما لا يوجد بينها فيلم معيب ومنها الكرنك والجريح وأونكل زيزو حبيبي وبالوالدين إحسانا وأبناء الصمت وفي عام 1987 قررت الانسحاب والابتعاد عنها.

< كيف تري الفرق بين جيل محمود المليجي وجيل هذه الأيام؟

- علي كل المستويات يوجد اختلاف كبير.. أنا عملت مع محمود المليجي وتوفيق الدقن واكتشفت أن هذا الجيل رائع ويكفي أنني عندما عملت مع »المليجي« في مصرحية »انتهي الدرس يا غبي« كان يقدمني علي أنني البطل وقال لي: »انت هتكون.. حاجة كبيرة في يوم من الأيام لذا أري »المليجي« صاحب فضل كبير.

< هناك رأي يقول إننا نعاني من غياب القدوة؟

- بكل تأكيد أتفق مع هذا الرأي ويجب أن تعلم أن القدوة موجودة في مدرس المدرسة في المرحلة الابتدائية، أنا كنت أري في والدي القدوة وتعلمت منه الاستقرار وكنت أري في المدرس خاصة في المرحلة الابتدائية القدوة والمثل الأعلي، لذا يجب الاهتمام بالمعلم والنهوض بمستواه لأنه الذي يشكل اللبنة الأولي التي عليها يتم بناء وتشييد المجتمع.

 

السبت، 19 فبراير 2011

حوار مع عمار الشريعي

تاريخ السبت 19 فبراير 2011

حاوره: أمجد مصطفى - مصر

لم تكن ثورة 25 يناير مجرد مجموعة من الشباب ينادون بالحرية والخبز والعدالة الاجتماعية. ولم يكونوا مجرد مجموعة من الشباب أعادوا صياغة التاريخ المصرى، وإعادة رسم صورة مصر أمام العالم فقط. لكنها بالنسبة للكثير من الناس أعادت اكتشاف العديد من النجوم. الذين لم يكن أحد يتصور أن ينحازوا لهذه الثورة، لأنهم كما نعلم يعيشون بشكل جيد، والمعاناة لديهم ربما تكون فى أشياء أخرى تخص إبداعهم أو حتى استمتاعهم بالحياة، هكذا كنا نتصور. حتى جاءت ثورة 25 يناير لتضم أسماء من النجوم الكبار كنا نتصور أن ولاءهم سيكون للرئيس السابق حسنى مبارك لأننا سمعناهم كثيرا يغنون له، ويقدمون له أروع الألحان. لكن فنانا بحجم الموسيقار عمار الشريعى أعلن منذ اللحظة الأولى لميلاد الثورة تبنيه أفكار هؤلاء الشباب ولم يفعل مثل آخرين انتظروا إلى أى جهة ستميل الكفة.. فنحن نعلمه ثائرا بموسيقاه منذ أن كون فريق الأصدقاء فى سبعينيات القرن الماضى، وحتى أدخل هذه الثورة إلى عالم الموسيقى التصويرية والأغانى. شاهدنا الشريعى خلال البذرة الأولى للثورة وكأنه شاب فى العشرين. ثائر ومتمرد ألقى خلفه كل شىء، وكأنه ولد من جديد، حتى صحته تناسى تحذيرات الطبيب من أنه معرض لأزمة قلبية إن لم تكن جلطة إذا واصل ثورته مع الشباب. لكنه أراد أن يشارك فى إعادة تاريخ مصر مع هؤلاء الشباب.

فى هذا الحوار يكشف الموسيقار الكبير عمار الشريعى عن أسباب هذا الانحياز لهم، وكيف تحولت وجهة نظره تجاههم من أن ثورتهم لن تحدث شيئا، وأن العصا سوف تفرقهم، إلى نجاحهم فى إحداث تغير تاريخى للمجتمع المصرى..

● سألته فى البداية.. ما هى حكايتك مع هؤلاء الشباب؟
ــ قال.. الحكاية بدأت معى بمكالمة مع منى الشاذلى. طالبت فيها الرئيس حسنى مبارك بالرد على الناس، الذين خرجوا للشوارع، واتخاذ خطوات سريعة نحو مطالبهم. قبل أن يرتفع سقف المطالب. وخلال المكالمة بكيت.

● ولماذا كان بكاؤك؟
ــ لأننى اكتشفت أن الأولاد فعلوا ما لم يستطع أحد فى جيلى أن يفعله. واكتشفت أن جيلى ليس له لزوم، وخواف، وهنا الدموع «خنقتنى».

● وما الذى حدث بعد ذلك؟
ــ هذا الشباب الجميل شعر بأننى أتحدث من قلبى. وبالفعل بعد أن انتهيت من مكالمة منى الشاذلى، فوجئت بثلاثة من هؤلاء الشباب يتصلون بى، وقالوا إنهم حصلوا على رقم تليفونى من الممثلة بسمة. رحبت بهم. وإذا بهم يطلبون لقائى لأن معهم مادة عن الثورة تم تسجيلها أثناء اليوم الأول لها، ويريدون عرضها على الفضائيات، والإذاعات. وقتها لم أكن أعلم إن كنت أستطيع أن أساعدهم أم لا. لكننى قلت لهم أنا فى انتظاركم. وبالفعل حضروا وبصراحة بعد هذا اللقاء فوجئت بنفسى مغسولا.. دماغى «اتلحست» من كلام هذا الشباب الجميل.

● ماذا تعنى بأنهم «غسلوا دماغك»؟
ــ وجدت أمامى شبابا فاهما، وعلى دراية عالية بكل الأمور السياسية والاقتصادية. ولم أجدهم ميمى، وسوسو، وفيفى كما تصورت فى البداية، وأنا بصراحة تصورت أن عصاية سوف تنهى هذه المظاهرات والحكاية سوف تنتهى.

● وماذا اكتشفت بعد ذلك وجعلك تتحمس لهم؟
ــ اكتشفت أن هذا الشباب لم يخش لا العصاية، ولا حتى القنبلة.

● فى رأيك هل إيمانهم بالقضية التى تبنوها هو أحد أسباب نجاحهم؟
ــ طبعا.. لأن هذا الشباب له منهج، ومطالب محددة. وبالمناسبة هم فى البداية لم يكن من بين طلباتهم إسقاط الرئيس. كان شعارهم الحرية، والعدالة الاجتماعية.

● نعود إلى زيارتهم لك قلت إنهم حضروا ومعهم مادة بهدف مساعدتهم لعرضها؟
ــ هذا صحيح، أحضروا معهم شريطا مسجلا على كاميرا عادية، وD.V.D. وعليها الأحداث كاملة. وكان لديهم رعب، وخوف لأن مصيرهم كان مجهولا خلال هذه الفترة، وكان لديهم شعور بأن الشرطة سوف تلقى القبض عليهم. المهم طمأنتهم. وقلت لهم بمجرد وصولكم لميدان التحرير تحدثوا إلى. وبمجرد خروجهم تحدثت مع خليل فهمى مسئول B.B.C والذى استجاب لى. وتحدثت مع منى الشاذلى كذلك. واستجابت أيضا. ومنذ هذه اللحظة وأنا معاهم على التليفون. وأصبحنا نتحدث كل خمس دقائق تقريبا.

● لماذا كانوا حريصين على عرض هذه المادة؟
ــ لأن الإعلام المصرى وقتها كان يقول معلومات خاطئة. وصورهم بأنهم يأكلون الكنتاكى، ويشربون المخدرات، وهو شىء سافل. تشويه هذه الزهور شىء غير أخلاقى.

● كيف استقبلت الأربعاء الحزين الذى تم فيه الاعتداء على الشباب؟
ــ مع الساعات الأولى ليوم الأربعاء،. فوجئت بالشباب يتحدثون إلى، وخرجوا على بسؤال ما رأيك فى بيان الرئيس مبارك، الذى قاله ليلة الثلاثاء. وكان ردى: اتركوه الأشهر الستة المتبقية له. ووقتها كنت أميل للتهدئة. وكان ردهم «بس احنا عاوزين ضمانات». فكان ردى: ده رئيس جمهورية كلامه ليس فى حاجة لضمانات. لكننى اكتشفت أننى كنت عبيطا وأهبل وأن هذا الشباب أكثر وعيا منى.

●لماذا تقول ذلك؟
ــ لأن فجر الأربعاء أى بعد هذه المكالمة بثلاث ساعات. فوجئت باتصال منهم، يؤكد أن لديهم معلومات، بأن هناك هجوما سوف يقع عليهم فى هذا اليوم. من أربعة محاور. الأول من الدرب الأحمر، والثانى من صبرى أبوعلم، والثالث المهندسين، والرابع كورنيش النيل. قلت لهم: مستحيل. لأن رئيس الوزراء أحمد شفيق قال حماية هذا الشباب على رقبتى. ولكنهم كانوا أكثر وعيا منى للمرة الثانية. وطلبوا منى نقل تخوفهم للجيش. وبالفعل تحدثت مع أحد قيادات الجيش قلت له هناك هم فى صدرى سوف أنقله إليك. وعليك بالتصرف، ودم هؤلاء العيال فى رقبتك. ووعدنى بالتدخل، وأنه سوف ينقل الأمر إلى المشير طنطاوى. ثم تحدثت إلى منى الشاذلى وكان رد فعلها جميلا «يا نهار أسود دى هتبقى مذبحة».

وتحدثت إلى الأولاد. وطالبتهم بالاطمئنان، والهدوء. وفوجئت الساعة 2.20 بمكالمة من أحد الشباب. وقلت له لا يوجد أمامكم سوى المعركة.

● ولماذا قلت له ذلك؟
ــ لأننى كنت قد سمعت أصوات الخيول من منزلى، وهى تتجه إلى التحرير. كما أن شقيقة زوجتى تحدثت إلى من الهرم، وشاهدت أيضا مجموعة من الخيول، والجمال تتجه نحو التحرير. هنا أيقنت أن المعركة هى الفيصل، وبدأت اتصل بهم لإبلاغهم بكل المعلومات التى تصلنى.

● هذا اليوم أتصور أنه سبب تصميم الشباب على رحيل مبارك واشتعال الثورة؟
ــ هذا صحيح، لأن كل واحد منهم شاهد صديقه، وهو يموت. وآخر شاهده، والرصاص يصيب عينه. البلد فى هذا اليوم كانت تذبح أجمل ما فيها. وقتها أنا شخصيا كان نفسى أموت أى حد من القتلة.

● ظهرت فى هذه الليلة مع منى الشاذلى واتهمت صفوت الشريف بتدبير مذبحة الجمال.. لماذا؟
ــ أولا أنا أعرف لغة الحزب الوطنى. وأعلم تماما طريقة تفكير صفوت الشريف، وثانى الذين جاءوا فى عقلى خلال هذه اللحظة زكريا عزمى. والثالث كان أنس الفقى لكننى استبعدته.

● ولماذا استبعدته؟
ــ لأن أنس الفقى لسه بدرى عليه. والواقع أننى لم أستطع النوم. حتى فوجئت بتليفون فى الخامسة صباحا يقول لى خلاص يا عمو الحمد لله انتصرنا، ولدينا 45 أسيرا، وتم استجوابهم صوتا وصورة.

● ماذا عن يوم الخميس الأول للثورة؟
ــ فى هذا اليوم كانت كل الاتهامات تصب عند صفوت الشريف، والأمور بدأت تتصاعد ووقتها شعرت بأن الرئيس يجب أن يرحل لأن الأمر أصبح دما وثأرا.

● متى قررت الذهاب لميدان التحرير؟
ــ طوال يوم الخميس وهناك اتصالات من الشباب تطالبنى بزيارتهم. وأنا كان نفسى. لكن كنت أتخوف من تعرضى لوعكة صحية. لأننى كنت أقول للعيال أولادى هناك لو انتوا مجانين أنا أجن منكم. وهذا الجنان سوف يؤثر على صحتى.

● لكنك ذهبت يوم الجمعة؟
ــ مساء الخميس تحدثوا إلى فى لجنة الحكماء وأكدوا اختيارى معهم وأن هناك اجتماعا 10.30 صباح الجمعة بـ«الشروق» ورغم أننى لم أنم سوى ساعتين إلا أننى ذهبت فى موعدى، ووجدت مجموعة من الشرفاء، هم المهندس إبراهيم المعلم، والدكتور أحمد كمال أبوالمجد، والدكتور يحيى الجمل، وعمرو الشوبكى، وعمرو حمزاوى، وعلى مصطفى مشرفة، ونفين مسعد، وأيمن المهدى وآخرين، اتصل المهندس نجيب ساويرس وقال اعتبرونى معكم لأنه تأخر بسبب الزحام، واتصل الدكتور أحمد زويل أيضا ثم حضر السيد عمرو موسى وبعد الاجتماع تم إسناد مهمة صياغة البيان للدكتور كمال أبوالمجد وعمرو الشوبكى. وبعد ذلك قلت لهم ماذا نفعل الآن قالوا هنروح لميدان التحرير وهنا اعتبرتها إشارة من الله لكى أزور أولادى.

● لكنك قلت إن هناك تحذيرا من الطبيب الخاص بك؟
ــ د. كمال حليم حذرنى فعلا، وقال لى أقل ما فيها أزمة قلبية إن لم تكن جلطة، لكننى تركت كل هذا خلف ظهرى وتوكلت على الله.

● كيف وجدت الميدان؟
ــ أولا أجمل ساعة ونصف فى حياتى هى تلك التى زرت فيها الميدان لأننى أصبحت فى حضن أولادى. وشاهدت أشياء لم أحلم بها. وجدت ناسا من كل الفئات يقبلوننى، منهم ناس من الإخوان، وبعد جهد وصلت إلى الداخل، وصعدت إلى مقعد، وكان بجوارى حسين عبدالغنى وبمجرد ظهورى وجدت صيحات وكأن الخطيب أحرز هدفا.

● ماذا قلت لهم؟
ــ قلت اصبروا ساعة، وفاضل على الحلو دقة، وغنيت لهم جزءا من أغنية «يا حلوا يا بلد نيل سلسبيل» لسيد حجاب. نزلت من فوق المقعد وكأنى طائر وشعرت أن عمرى 18 سنة.. جنون.. حيوية. وعاوز أقطع من ضربوا العيال.

● وماذا عن الأزمة الصحية التى تعرضت لها؟
ــ بعد كلمتى البسيطة اقترحوا زيارة مكتب السيد عمرو موسى بالجامعة العربية. وخلال حديثى معه وجدت آلاما شديدة وطلبت أن أنام على الأرض ثم نقلونى لسيارتى ثم إلى المستشفى.

● وهنا انقطعت علاقتك بالميدان؟
ــ بالعكس الأولاد كانوا معايا، وكانوا دائمى السؤال عنى.

● يبقى خطاب الرئيس مبارك الأخير؟
ــ بعد هذا الخطاب تعرضت لأزمة صحية جديدة داخل المستشفى وشعرت بأن الدنيا سوف تزداد اشتعالا وتوقعت أن يذهب الشباب إلى مقر الرئاسة بمصر الجديدة لأننى لو كنت مكانهم لفعلت ذلك.

● كيف استقبلت كلمة التنحى التى ألقاها السيد عمر سليمان؟
ــ كنت مازلت بالإنعاش، ووقتها كل من كانوا بالحجرة من المرضى صرخوا، وهللوا وتحول الانعاش إلى مسرح وسهرت بقلبى مع الناس للصباح.

● هذا الشباب خرج لأنه كان يعانى الفساد.. هل عانيت أيضا مثلهم؟
ــ عانيت الفساد بشكل مختلف فالأخ أنس الفقى وزير الإعلام السابق كنا نقدم له أغانى، ونفاجأ بأنه يرفضها، نطلب مواعيد للقاء سيادته لكنه يسوف المواعيد، واكتفى بتقديم أغانى من النوعية التى يختارها أبناؤه.

● ما هى أهم الأعمال التى تم رفضها؟
ــ بعد أحداث كنيسة القديسين أرسلت لهم غنوة «الفجر بيشق» كلمات سيد حجاب وغناء أنغام. ووعدوا بعرضها وفوجئت بهم يعرضون أغانى من نوعية «لو شفت جدو ماسك ابن ابنه يبقى أنت أكيد فى مصر». وهذا فساد إعلامى. وبما أن عملى مرتبط بالإعلام فهذا يعد معاناة والحمد لله أننى لم أكن أعتمد فى عملى على التليفزيون المصرى بل كنت أعتمد على القطاع الخاص فالفساد ليس فقط أننى لا أجد المأكل والمشرب.

● لكنك بالتأكيد كنت تلمس أن هناك فسادا يعانى منه الكثير؟
ــ طبعا. الكثير من أبناء المنيا كانوا يلجأون إلى لمساعدتهم فى إيجاد عمل ومنهم حاصلون على درجة الامتياز فى الإعلام، وهندسة البترول، وكنت أعجز عن مساندتهم.

● وعلى المستوى السياسى؟
ــ الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب لم أتصورها وموقف الرئيس السابق مبارك كان معيبا خاصة عندما قال إنها أحسن انتخابات وسخر من البرلمان الموازى وقال خليهم يتسلوا.

● التقيت بحكم عملك كثيرا مع السيدة سوزان مبارك.. كيف تراها؟
ــ أجد نفسى محتارا أمامها فهى قدمت أعمالا عظيمة مثل القراءة للجميع وكانت فى طريقها لتطبيق مشروع آخر لمحو الأمية الموسيقية، ووضعها كمادة أساسية فى المدارس فى المقابل هناك أشياء لم أقبلها منها مثل السماح للبعض بتقبيل يدها مثل الوزيرة عائشة عبدالهادى ومرة كنت قد حضرت احتفالا معها ووجدتها تقترب منى وتحدثت عن مشروع موسيقى خاص بأطفال مصر الجديدة. وفوجئت بأحد الحراس يأتى من خلفى، ويأمرنى بالوقوف أثناء الحديث مع الهانم. وبصراحة تدخلت، وطلبت منه أن يبتعد. لكن هذا الموقف أعطانى مؤشرا أن الناس تجبر للتعامل معها بشكل معين. ربما تم استثنائى من هذا التعامل لأننى كفيف.

● ما حدث من سقوط النظام بأكمله هل كنت تتخيله؟
ــ والله حتى الآن غير مصدق ما حدث. لأن الفساد كان أكبر من أن تتم إزاحته بهذه الطريقة.

● فى رأيك من هى الشخصيات التى ساهمت فى إسقاط الرئيس مبارك من المحيطين به؟
ــ الأول هو صفوت الشريف لأنه خلق منه فرعونا جديدا. الرئيس مبارك كان رجلا طيبا بمعنى الكلمة. وفى أول لقاء معنا كفنانين طلب منا عدم الغناء لشخصه وقتها ودليل على ذلك أنه عنف أحد الصحفيين بعد أن أجرى حوارا مع زوجته سوزان مبارك. وفى هذا اللقاء قال لنا، إنه لن يرشح نفسه مرة أخرى للرئاسة ووقتها قلنا له: لا. يا ريس عاوزينك لأننا صدقناه.. وفى ثانى ولاية كان أيضا رجلا ممتازا، وكان يحارب الفساد ويذهب للمصانع، ويبدى ملاحظاته على الإنتاج،. وفى الفترة الثالثة دخل صفوت الشريف وبدأ يتحدث عن حكمة الرئيس، والريادة وسلسلة من الخداع لدرجة أنهم فى مهرجان الإعلام عام 1999 أوهموه بأنهم أول دولة فى العالم تستعمل الراديو الديجيتال، ووضعوا المذيع خلف الستارة حتى يقول جملة هنا القاهرة نحن بصدد العمل بأول راديو ديجيتال.

ثانى الأشخاص هو زكريا عزمى لأنه كان يختار ما يعرضه على الرئيس وما لا يعرضه.. لم يكن أمينا معه.

ثالث الأشخاص ابنه جمال مبارك ثم السيدة سوزان مبارك.

خامسا شلة رجال الأعمال مثل حسين سالم وأحمد عز وإبراهيم كامل.

● قلت إن هناك فسادا فى وزارة الإعلام.. ماذا عن الثقافة؟
ــ لم أتحدث سوى عن جزء بسيط فى الإعلام ودعنى أقل لك إن الإذاعة تمر بأسوأ فتراتها حاليا بسبب وجود الرئيسة الحالية للإذاعة، وهى الآن على وشك الانفجار. لأن هناك محاسيب وأسيادا، وعبيدا ويجب تطهيرها من بقايا النظام السابق. والبحث سريعا عن أشخاص يعيدون للإذاعة مجدها. قبل أن تحترق من الداخل. فهناك أسماء تم التنكيل بها مثل منال العارف، وأمل مصطفى. كانت هناك تحركات ضد رئيس الإذاعة من قبل العاملين لكن الجيش تدخل وطالب الناس بالهدوء لحين استقرار الأوضاع. وأنا بدورى كمواطن مصرى له علاقة بالإعلام أطالب الجيش بسرعة التطهير حتى تعود الإذاعة لاحترامها. لأننا نريد إذاعة تليق بهذا الشعب العظيم.

وبالمناسبة خلال الأحداث كانت هناك تعليمات شفوية بعدم ذكر كلمة ثورة فى الإذاعة فهل هذا كلام يعقل؟.

أما وزارة الثقافة فأتصور أن فاروق حسنى كان يستمد الأكسجين الخاص بوجوده طوال هذه السنوات بالوزارة من خلال علاقته الجيدة بسوزان مبارك، لأنه ببساطة كان يختار لها موديلات ملابسها. وأنا مندهش من استمراره بعد حريق بنى سويف.

● هل أنت مع إلغاء وزارة الإعلام؟
ــ طبعا أريدها مثل هيئة الإذاعة البريطانية BBC التى تتبع مجلس العموم البريطانى. وهذا التحول سوف يجعل الإعلام ملك الدولة، ولا يتلون بتغير الرؤساء، ولا يمجد الزعماء، ويجعلهم آلهة. وكذلك الثقافة أريدها هيئات مثل الأوبرا وقصور الثقافة.

● هناك تحول إعلامى حدث من تمجيد الرئيس فى بداية الثورة إلى الهجوم عليه كيف ترى ذلك؟
ــ هذا سببه عدم وجود سياسة إعلامية جيدة. فى البداية انحازوا للرئيس، وعندما وجدوا الكفة تميل للثورة، والرئيس تنحى. اتجهوا إلى الجانب الآخر.

● البعض يرى أن هناك ناسا غنوا للرئيس وأنت منهم والآن تغير منهجهم؟
ــ شاركت خلال عهد الرئيس مبارك فى الاحتفال بـ12 أكتوبر. اثنان منها فقط أنا راض عنهما كل الرضا. وهما أوبريت «اخترناك» و«أول طلعة جوية».

فى «اخترناك» كانت لى أسبابى، منها أن هذا الوقت شهد هجمة إرهابية ضد مصر. وشعرت بأننى مع الرئيس فى نفس الخندق. وتخوفت من وصول من يساندون الإرهاب للسلطة. خصوصا أننى شاهدتهم يعتدون على رموز الثقافة فى البلد مثل نجيب محفوظ وهنا عملت اخترناك للدفاع عنه، وحاولت تجميل وجهه قدر الإمكان. ثم عملت «اديها كمان حرية» لأننى كنت أحببت جو الحرية حيث كانت الصحف المستقلة والمعارضة قد ظهرت وهاجمت الرئيس، ولم يقف ضدها. ووقتها قلت للراحل عبدالسلام أمين تعال نقول له «ادينا كمان حرية».

● وما الذى حدث بعد ذلك؟
ــ وجدت صفوت الشريف يطلب منا أغانى للرئيس. وأنا وجهة نظرى أن سبب الغناء له لم يعد موجودا. وكنت أفضل الغناء للنصر والجيش. ووقتها لأول مرة أتعامل بحدة مع صفوت. وقلت له أنا أنقل نبض الشارع. ورد احنا أدرى برأى الشارع. وكان ردى له أن ما يقوله هو رد فعل مكتبه. وفى النهاية قال لى.. احنا عندنا فرح وعاوزينك تحييه، يعنى احنا ما نستهلش منك غنوة للعريس. وكان ردى لأ طبعا تستاهلوا. طالما ان هذا هيبسط الرئيس. ومن وقتها عملت بفكرة غنوة العريس. واستندت إلى ان الكبار غنوا للملك ثم لجمال عبدالناصر مثل أم كلثوم وحليم وعبدالوهاب.

وبالمناسبة أنا فخور بكل عمل صنعته من أجل أكتوبر لسببين، الأول أنا كنت بغنى للجيش. وكانت فرصة لى كملحن أن أصنع عملا غنائيا فيه ألوان غنائية متنوعة. وباقى الأغانى للعريس.

● كيف تنظر للمستقبل الآن؟
ــ بداخلى «حتة» منورة، وتفاؤل غريب لكنه محفوف بالمخاطر. وعندما أفكر أقول عندما ينفذ الجيش وعده ويسلم السلطة. حتى لو جاءنا حاكم فاسد سوف نغيره بعد أن يتغير الدستور، ويسمح بتداول السلطة، وهذا يجعلنى أكثر اطمئنانا على غد.

● وفنيا؟
ــ يجب أن تتغير سياسة جهات الإنتاج الحكومية. ولا نترك سياسة الماضى تطغى علينا.

● ماذا تعنى بسياسة الماضى؟
ــ سياسة المنع، والغناء بأوامر. وغنوا هذا، ولا تغنوا ذاك. يجب أن يعود الغناء لناسه. يختارون ما يشاءون. حتى نعيد الثقة للإعلام المصرى.

● ماذا تقول فى النهاية للرئيس حسنى مبارك؟
ــ أقول له: خسارة.. أنت تجنى ثمار ما زرعت يداك..